(566) مَا مَعْنَى الصِّيَامِ شَرْعًا.

الصِّيَامُ شَرْعًا هُوَ الإِمْسَاكُ عَنِ الْمُفَطِّرَاتِ مِنَ الْفَجْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ مَعَ النِّيَّةِ.

(567) مَا الدَّلِيلُ عَلَى فَرْضِيَّةِ الصِّيَامِ فِى رَمَضَانَ.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بُنِىَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَحَجِّ الْبَيْتِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ.

(568) كَيْفَ يَثْبُتُ صِيَامُ رَمَضَانَ.

يَثْبُتُ صِيَامُ رَمَضَانَ بِشَهَادَةِ مُسْلِمٍ ذَكَرٍ حُرٍّ عَدْلٍ أَنَّهُ رَأَى هِلالَ رَمَضَانَ لَيْلَةَ الثَّلاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ أَىْ بَعْدَ غُرُوبِ شَمْسِ التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ أَخْبَرْتُ النَّبِىَّ ﷺ أَنِّى رَأَيْتُ الْهِلالَ فَصَامَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِالصَّوْمِ، أَوْ بِاسْتِكْمَالِ شَعْبَانَ ثَلاثِينَ يَوْمًا لِقَوْلِهِ ﷺ صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاثِينَ يَوْمًا رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ،

أَىْ صُومُوا لِرُؤْيَةِ هِلالِ رَمَضَانَ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَةِ هِلالِ شَوَالٍ فَإِنْ حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رُؤْيَةِ الْهِلالِ حَائِلٌ يَمْنَعُ مِنْ رُؤْيَةِ الْهِلالِ كَغَيْمٍ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاثِينَ يَوْمًا. وَتَكُونُ الْمُرَاقَبَةُ فِى جِهَةِ الْمَغْرِبِ أَىْ جِهَةِ غُرُوبِ الشَّمْسِ بِحَيْثُ يَظْهَرُ لِلْمُرَاقِبِ الأُفُقُ وَلا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الأُفُقِ شَىْءٌ يَمْنَعُ مِنْ رُؤْيَةِ الْهِلالِ كَجَبَلٍ أَوْ تِلالٍ أَوْ أَبْنِيَةٍ أَوْ أَشْجَارٍ وَيَنْبَغِى أَنْ يُرَاقِبَ مِنْ مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ.

وَلا يَظْهَرُ الْهِلالُ إِلَّا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَيَنْبَغِى لِمَنْ أَرَادَ الْمُرَاقَبَةَ أَنْ يَكُونَ فِى الْمَكَانِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ. وَيَظْهَرُ الْهِلالُ فِى جِهَةِ الْمَغْرِبِ وَيَكُونُ مَائِلًا إِلَى جِهَةِ الْجَنُوبِ قَلِيلًا وَقَرْنَاهُ أَىْ رَأْسَاهُ مُتَّجِهَانِ إِلَى الأَعْلَى وَظَهْرُهُ إِلَى الأَرْضِ وَفِى بَعْضِ الْبِلادِ يَظْهَرُ قَائِمًا. وَقَدْ يُرَى الْهِلالُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ بِدَقَائِقَ وَأَحْيَانًا بَعْدَ ثُلُثِ سَاعَةٍ وَقَدْ يَمْتَدُّ أَحْيَانًا إِلَى أَرْبَعِينَ دَقِيقَةً وَأَحْيَانًا إِلَى سَاعَةٍ وَهَذَا يَعْتَمِدُ عَلَى مَوْقِعِ الْبَلَدِ شِمَالًا أَوْ جَنُوبًا مِنْ خَطِّ الِاسْتِوَاءِ وَيَقُولُ عُلَمَاءُ الْفَلَكِ وَالْفِقْهِ لا يُرَى الْهِلالُ بَعْدَ هَذَا الْوَقْتِ وَقَدْ قَالَ سَيِّدُنَا عُمَرُ أَهِلَّةُ الشُّهُورِ تَخْتَلِفُ.

(569) عَلَى مَنْ يَجِبُ صِيَامُ رَمَضَانَ.

يَجِبُ صِيَامُ رَمَضَانَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بَالِغٍ عَاقِلٍ قَادِرٍ عَلَى الصِّيَامِ وَلا يَصِحُّ مِنْ حَائِضٍ وَنُفَسَاءَ وَيَجِبُ عَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ.

(570) هَلْ يَصِحُّ الصِّيَامُ مِنَ الصَّبِىِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ.

لا يَصِحُّ الصِّيَامُ مِنْ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ.

(571) مَا هِىَ الأَعْذَارُ الَّتِى يَجُوزُ بِهَا الْفِطْرُ.

يَجُوزُ الْفِطْرُ لِمُسَافِرٍ قَبْلَ الْفَجْرِ سَفَرًا طَوِيلًا إِذَا كَانَ سَفَرُهُ فِى غَيْرِ مَعْصِيَةٍ وَلِحَامِلٍ وَمُرْضِعٍ خَافَتَا عَلَى نَفْسَيْهِمَا الضَّرَرَ أَوْ عَلَى وَلَدَيْهِمَا كَأَنْ عَلِمَتِ الْحَامِلُ أَوِ الْمُرْضِعُ أَنَّهَا تَتَضَرَّرُ أَوْ يَتَضَرَّرُ الْوَلَدُ بَعْدَ أَنْ جَرَّبَتْ أَنْ تَصُومَ يَوْمًا أَمَّا مُجَرَّدُ الْحَمْلِ وَالإِرْضَاعِ فَلَيْسَ عُذْرًا لِلْفِطْرِ. وَيَجُوزُ الْفِطْرُ لِعَاجِزٍ عَنِ الصِّيَامِ لِكِبَرِ سِنٍّ أَوْ مَرَضٍ يَشَقُّ عَلَيْهِ الصَّوْمُ مَشَقَّةً لا تُحْتَمَلُ كَأَنْ يَزْدَادَ مَرْضُهُ أَوْ يَتَأَخَّرَ شِفَاؤُهُ أَوْ يَخْشَى بِصَوْمِهِ أَنْ يَتْلَفَ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَائِهِ أَوْ يَخْشَى بِصَوْمِهِ الْهَلاكَ قَالَ النَّوَوِىُّ فِى الْمَجْمُوعِ وَأَمَّا الْمَرَضُ الْيَسِيرُ الَّذِى لا يَلْحَقُ بِهِ مَشَقَّةٌ ظَاهِرَةٌ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْفِطْرُ بِلا خِلافٍ عِنْدَنَا.

(572) هَلْ يَجِبُ عَلَى الْعَاجِزِ عَنِ الصِّيَامِ لِكِبَرِ سِنٍّ أَوْ مَرَضٍ لا يُرْجَى شِفَاؤُهُ أَنْ يَدْفَعَ الْفِدْيَةَ.

تَجِبُ الْفِدْيَةُ عَلَى الْعَاجِزِ عَنِ الصِّيَامِ لِكِبَرِ سِنٍّ أَوْ مَرَضٍ لا يُرْجَى شِفَاؤُهُ وَتَجِبُ عَلَى الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ إِذَا أَفْطَرَتَا خَوْفًا عَلَى الْوَلَدِ أَنْ يُجْهَضَ أَوْ يَقِلَّ اللَّبَنُ أَىِ الْحَلِيبُ فَيَتَضَرَّرَ الْوَلَدُ. وَتَجِبُ الْفِدْيَةُ عَلَى مَنْ كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ مِنْ رَمَضَانَ فَأَخَّرَ صِيَامَهُ حَتَّى جَاءَ رَمَضَانُ ءَاخَرُ بِلا عُذْرٍ وَتَتَكَرَّرُ الْفِدْيَةُ بِتَكَرُّرِ السِّنِين. وَمِقْدَارُ الْفِدْيَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ مُدٌّ وَهُوَ حَفْنَةٌ بِكَفَّىْ رَجُلٍ مُعْتَدِلٍ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ وَالْقُوتُ هُوَ مَا يَعِيشُ بِهِ الْبَدَنُ كَالْقَمْحِ وَيُجْزِئُ فِى كُلِّ الْبِلادِ وَلا يُجْزِئُ الدَّقِيقُ أَىِ الطَّحِينُ.

وَتُدْفَعُ الْفِدْيَةُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ فِى يَوْمِهِ وَلا يُقَدَّمُ الدَّفْعُ كُلُّهُ. أَمَّا الْفِدْيَةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَهِىَ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ قَمْحٍ أَوْ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ أَوْ أَرُزٍّ أَوْ تَمْرٍ أَوْ قِيمَةُ ذَلِكَ وَلَوْ بِالْعُمْلَةِ الْوَرَقِيَّةِ وَلا تَجِبُ عِنْدَهُمْ عَلَى الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ وَالْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ وَلَوْ خَافَتَا عَلَى وَلَدَيْهِمَا لِعَدَمِ وُرُودِ نَصٍّ فِيهِمْ وَتَجِبُ فِى الشَّيْخِ الْفَانِى لِوُرُودِ النَّصِّ فِيهِ.

وَنِصْفُ الصَّاعِ مِنْ قَمْحٍ أَلْفَانِ وَمِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ غرَامًا تَقْرِيبًا. وَيَصِحُّ إِخْرَاجُهَا عِنْدَهُمْ وَلَوْ فِى أَوَّلِ الشَّهْرِ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ عَابِدِينَ فِى حَاشِيَتِهِ وَذَكَرَ بَعْضُهُم أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَدْفَعَهَا فِى ءَاخِرِ الشَّهْرِ عَنِ الشَّهْرِ كُلِّهِ.

(573) مَا هِىَ فَرَائِضُ الصِّيَامِ.

فَرَائِضُ الصِّيَامِ اثْنَانِ النِّيَّةُ لَيْلًا وَالإِمْسَاكُ عَنِ الْمُفَطِّرَاتِ نَهَارًا. وَتَجِبُ النِّيَّةُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ وَكَمَالُ النِّيَّةِ أَنْ يَقُولَ بِقَلْبِهِ نَوَيْتُ صَوْمَ يَوْمِ غَدٍ عَنْ أَدَاءِ فَرْضِ رَمَضَانِ هَذِهِ السَّنَة إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا لِلَّهِ تَعَالَى وَالِاحْتِسَابُ هُوَ طَلَبُ الأَجْرِ. وَيَكْفِى عِنْدَ الإِمَامِ مَالِكٍ أَنْ يَنْوِىَ فِى لَيْلَةِ الْيَوْمِ الأَوَّلِ مِنْ رَمَضَانَ عَنِ الشَّهْرِ كُلِّهِ مَا لَمْ يَطْرَأْ مَانِعٌ مِنْ تَتَابُعِ صِيَامِهِ كَمَرَضٍ كَأَنْ يَقُولَ بِقَلْبِهِ نَوَيْتُ صَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانِ هَذِهِ السَّنَة إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا لِلَّهِ تَعَالَى.

وَيَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنْ تَنْوِىَ عَنِ الشَّهْرِ كُلِّهِ فِى لَيْلَةِ الْيَوْمِ الأَوَّلِ مِنْ رَمَضَانَ فَإِذَا حَاضَتْ أَثْنَاءَ الشَّهْرِ ثُمَّ انْقَطَعَ الدَّمُ فَيَكْفِيهَا أَنْ تَنْوِىَ نِيَّةً وَاحِدَةً لِمَا بَقِىَ مِنَ الأَيَّامِ لِأَنَّ النِّيَّةَ عِنْدَهُمْ تَصِحُّ لِمَا يَكُونُ التَّتَابُعُ فِيهِ لازِمًا.

(574) هَلْ يَجِبُ تَبْيِيتُ النِّيَّةِ لِلصِّيَامِ فِى رَمَضَانَ.

يَجِبُ تَبْيِيتُ النِّيَّةِ لِكُلِّ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ بِأَنْ يَنْوِىَ لَيْلًا بَيْنَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ لِقَوْلِهِ ﷺ مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلا صِيَامَ لَهُ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ. فَإِنْ نَسِىَ تَبْيِيتَ النِّيَّةِ لَزِمَهُ الإِمْسَاكُ عَنِ الْمُفَطِّرَاتِ بَقِيَّةَ النَّهَارِ وَقَضَاءُ هَذَا الْيَوْمِ. وَيَصِحُّ عِنْدَ أَبِى حَنِيفَةَ أَنْ يَنْوِىَ فِى اللَّيْلِ أَوْ فِى الْيَوْمِ التَّالِى قَبْلَ الزَّوَالِ أَىْ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الظُّهْرِ قَبْلَ أَنْ يَتَنَاوَلَ مُفَطِّرًا.

(575) عَمَّ يَجِبُ الإِمْسَاكُ أَثْنَاءَ الصَّوْمِ.

يَجِبُ الإِمْسَاكُ عَنِ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ وَالِاسْتِمْنَاءِ وَهُوَ اسْتِخْرَاجُ الْمَنِىِّ بِغَيْرِ جِمَاعٍ بِنَحْوِ الْيَدِ وَالِاسْتِقَاءَةِ وَهِىَ اسْتِخْرَاجُ الْقَىْءِ عَمْدًا بِنَحْوِ إِدْخَالِ إِصْبَعِهِ فِى فَمِهِ. وَيَجِبُ الإِمْسَاكُ عَنِ الرِّدَّةِ أَىِ الْكُفْرِ سَوَاءٌ كَانَ بِالْقَوْلِ كَسَبِّ اللَّهِ أَوِ الْفِعْلِ كَسُجُودٍ لِصَنَمٍ أَوْ شَيْطَانٍ أَوِ الِاعْتِقَادِ كَاعْتِقَادِ أَنَّ اللَّهَ لَهُ شَكْلٌ أَوْ حَجْمٌ أَوْ أَنَّهُ يَسْكُنُ مَكَانًا أَوْ جِهَةً أَوِ اعْتِقَادِ أَنَّهُ جَالِسٌ عَلَى الْعَرْشِ وَيَنْزِلُ حَقِيقَةً وَيَصْعَدُ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ.

وَيَجِبُ عَلَى مَنْ وَقَعَ فِى الرِّدَّةِ أَثْنَاءَ الصِّيَامِ الرُّجُوعُ فَوْرًا إِلَى الإِسْلامِ بِالنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَلَيْسَ بِقَوْلِ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَنْ يُمْسِكَ عَنِ الْمُفَطِّرَاتِ بَقِيَّةَ النَّهَارِ وَأَنْ يَقْضِىَ هَذَا الْيَوْمَ بَعْدَ يَوْمِ الْعِيدِ فَوْرًا. وَيَجِبُ عَلَى الصَّائِمِ الإِمْسَاكُ عَنْ إِدْخَالِ شَىْءٍ لَهُ حَجْمٌ إِلَى جَوْفِهِ مِنْ مَنْفَذٍ مَفْتُوحٍ كَالْفَمِ وَالأَنْفِ. فَمَنْ تَنَاوَلَ شَيْئًا لَهُ حَجْمٌ فَدَخَلَ فِى جَوْفِهِ مِنْ مَنْفَذٍ مَفْتُوحٍ أَىْ تَجَاوَزَ مَخْرَجَ الْحَاءِ مِنْ فَمِهِ أَوْ تَجَاوَزَ الْخَيْشُومَ وَهُوَ مُنْتَهَى الأَنْفِ أَوْ أَدْخَلَ إِصْبَعَهُ فِى دُبُرِهِ وَلَوْ مِقْدَارًا قَلِيلًا وَرَاءَ مَا يُفْرَكُ عِنْدَ الِاسْتِنْجَاءِ أَفْطَرَ،

أَمَّا مَا جَاوَزَ الإِحْلِيلَ وَهُوَ مَخْرَجُ الْبَوْلِ فَفِيهِ خِلافٌ فِى مَذْهَبِ الشَّافِعِىِّ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لا يُفَطِّرُ. أَمَّا لَوْ أَدْخَلَتِ الْمَرْأَةُ إِصْبَعَهَا فِى فَرْجِهَا فَوَصَلَ إِلَى مَا وَرَاءَ مَا يَظْهَرُ مِنْ فَرْجِهَا عِنْدَ قُعُودِهَا عَلَى قَدَمَيْهَا لِقَضَاءِ حَاجَتِهَا أَفْطَرَتْ. وَمَنِ ابْتَلَعَ رِيقَهُ الْخَالِصَ الطَّاهِرَ مِنْ مَعْدِنِهِ وَهُوَ الْفَمُ فَإِنَّهُ لا يُفْطِرُ أَمَّا إِذَا ابْتَلَعَ رِيقَهُ الْمُخْتَلِطَ بِغَيْرِهِ مِنَ الطَّاهِرَاتِ أَوْ رِيقَهُ الْمُتَنَجِّسَ فَإِنَّهُ يُفْطِرُ.

وَشُرْبُ السِّيكَارَةِ مُفَطِّرٌ لِأَنَّ السِّيكَارَةَ يَنْفَصِلُ مِنْهَا أَجْزَاءٌ لَطِيفَةٌ تَدْخُلُ الْجَوْفَ أَمَّا مُجَاوَرَةُ شَارِبِ السِّيكَارَةِ فَلا تُؤَثِّرُ. وَيُعْفَى عَنْ بُخَارِ الْمَاءِ السَّاخِنِ فِى الْحَمَّامِ وَدُخَانِ الْحَطَبِ وَبُخَارِ الطَّعَامِ، أَمَّا إِنْ تَعَمَّدَ وَضْعَ رَأْسِهِ فَوْقَ الإِنَاءِ وَاسْتَنْشَقَ بُخَارَ الطَّعَامِ بِحَيْثُ دَخَلَ إِلَى جَوْفِهِ فَإِنَّهُ لا يُعْفَى عَنْهُ حِينَئِذٍ.

(576) مَا حُكْمُ مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا فِى نَهَارِ رَمَضَانَ وَهُوَ صَائِمٌ.

مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا فِى نَهَارِ رَمَضَانَ وَهُوَ صَائِمٌ لا يَفْسُدُ صَوْمُهُ لِقَوْلِهِ ﷺ مَنْ نَسِىَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ.

(577) هَلِ الْقَىْءُ مُفَطِّرٌ.

إِذَا اسْتَقَاءَ بِنَحْوِ إِدْخَالِ إِصْبَعِهِ أَفْطَرَ أَمَّا لَوْ غَلَبَهُ الْقَىْءُ وَلَمْ يَبْلَعْ شَيْئًا مِنْ رِيقِهِ الْمُتَنَجِّسِ فَلا يُفْطِرُ لِقَوْلِهِ ﷺ مَنْ ذَرَعَهُ الْقَىْءُ (أَىْ غَلَبَهُ) فَلا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَمَنِ اسْتَقَاءَ فَعَلَيْهِ قَضَاءٌ رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ وَالنَّسَائِىُّ.

(578) هَلِ الْقَطْرَةُ فِى الْعَيْنِ أَوِ الأُذُنِ مُفَطِّرَةٌ.

الْقَطْرَةُ فِى الْعَيْنِ لا تُفَطِّرُ فِى مَذْهَبِ الإِمَامِ الشَّافِعِىِّ وَلَوْ شَعَرَ بِطَعْمِهَا فِى حَلْقِهِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِىِّ فِى الأُذُنِ هَلْ هِىَ مَنْفَذٌ مَفْتُوحٌ أَمْ لا فَقَالَ قِسْمٌ مِنْهُمْ مَا دَخَلَ الأُذُنَ وَجَاوَزَ الظَّاهِرَ إِلَى بَاطِنِهَا أَىْ جَاوَزَ خَرْقَ الأُذُنِ مِنْ مَاءٍ أَوْ دَوَاءٍ أَوْ دُهْنٍ مُفَطِّرٌ وَقَالَ قِسْمٌ لا يُفَطِّرُ لِأَنَّهُ كَتَشَرُّبِ الْمَسَامِّ.

(579) هَلِ الْجُنُونُ وَالإِغْمَاءُ فِى نَهَارِ رَمَضَانَ يُفْسِدُ الصِّيَامَ.

إِذَا جُنَّ وَلَوْ لَحْظَةً أَوْ أُغْمِىَ عَلَيْهِ كُلَّ الْيَوْمِ فَسَدَ صَوْمُهُ أَمَّا لَوْ نَامَ كُلَّ الْيَوْمِ لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ.

(580) مَا هِىَ الأَيَّامُ الَّتِى لا يَجُوزُ وَلا يَصِحُّ صَوْمُهَا.

لا يَصِحُّ وَلا يَجُوزُ صَوْمُ يَوْمِ عِيدِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ عِيدِ الأَضْحَى فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَوْمَيْنِ يَوْمِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ الأَضْحَى. كَمَا لا يَصِحُّ وَلا يَجُوزُ صَوْمُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ الثَّلاثَةِ وَهِىَ الَّتِى تَلِى يَوْمَ عِيدِ الأَضْحَى لِقَوْلِهِ ﷺ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

(581) هَلْ يَجُوزُ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ.

لا يَصِحُّ وَلا يَجُوزُ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ أَىْ يَوْمِ الثَّلاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ عَلَى أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ أَىْ إِذَا أَخْبَرَ مَنْ لا يَثْبُتُ الصِّيَامُ بِشَهَادَتِهِمْ كَالْفَسَقَةِ أَىْ أَصْحَابِ الْكَبَائِرِ أَنَّهُمْ رَأَوْا هِلالَ رَمَضَانَ فِى التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ لَيْلًا فَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ بِقَوْلِهِ لا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاثِينَ يَوْمًا رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ. أَمَّا صِيَامُ يَوْمِ الشَّكِّ لِقَضَاءِ يَوْمٍ فَائِتٍ فَيَجُوزُ.

(582) هَلْ يَجُوزُ صَوْمُ النِّصْفِ الأَخِيرِ مِنْ شَعْبَانَ.

لا يَصِحُّ وَلا يَجُوزُ صَوْمُ النِّصْفِ الأَخِيرِ مِنْ شَعْبَانَ لِحَدِيثِ التِّرْمِذِىِّ إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلا صِيَامَ حَتَّى يَكُونَ رَمَضَان، إِلَّا إِذَا وَصَلَهُ بِمَا قَبْلَهُ كَأَنْ صَامَ الْخَامِسَ عَشَرَ مِنْهُ وَوَصَلَهُ بِمَا بَعْدَهُ أَوْ كَانَ صَوْمُهُ لِلنِّصْفِ الأَخِيرِ مِنْ شَعْبَانَ لِقَضَاءِ أَيَّامٍ فَاتَتْهُ أَوْ نَذْرٍ أَوْ وِرْدٍ وَهُوَ مَا يُعْتَادُ صَوْمُهُ تَطَوُّعًا كَمَنِ اعْتَادَ صَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ.

(583) مَا حُكْمُ مَنْ جَامَعَ فِى نَهَارِ رَمَضَانَ عَمْدًا بِغَيْرِ عُذْرٍ.

مَنْ جَامَعَ فِى نَهَارِ رَمَضَانَ عَمْدًا بِغَيْرِ عُذْرٍ فَسَدَ صَوْمُهُ وَعَلَيْهِ الإِثْمُ وَالْقَضَاءُ بَعْدَ يَوْمِ الْعِيدِ فَوْرًا وَكَفَّارَةٌ. أَمَّا الْكَفَّارَةُ فَهِىَ عَلَى الرَّجُلِ وَلَيْسَتْ عَلَى الْمَرْأَةِ وَالْكَفَّارَةُ هِىَ أَنْ يُعْتِقَ عَبْدًا مُؤْمِنًا فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا سِتِّينَ مُدًّا مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ كَالْقَمْحِ وَالْمُدُّ مِلْءُ الْكَفَّيْنِ الْمُعْتَدِلَتَيْنِ.

(584) مَا حُكْمُ مَنْ جَامَعَ فِى نَهَارِ رَمَضَانَ نَاسِيًا.

مَنْ جَامَعَ فِى نَهَارِ رَمَضَانَ نَاسِيًا لا يَفْسُدُ صَوْمُهُ.

(585) هَلْ يَحْرُمُ عَلَى الصَّائِمِ صَوْمَ فَرْضٍ تَقْبِيلُ زَوْجَتِهِ بِشَهْوَةٍ.

يَحْرُمُ عَلَى الصَّائِمِ صَوْمَ فَرْضٍ تَقْبِيلُ زَوْجَتِهِ بِشَهْوَةٍ إِنْ خَشِىَ الإِنْزَالَ أَىْ إِنْزَالَ الْمَنِىِّ بِسَبَبِ الْقُبْلَةِ أَمَّا إِنْ قَبَّلَهَا بِشَهْوَةٍ وَكَانَ لا يَخْشَى الإِنْزَالَ فَلَيْسَ حَرَامًا إِنَّمَا هُوَ مَكْرُوهٌ فَقَطْ. وَأَمَّا إِنْ قَبَّلَهَا بِلا شَهْوَةٍ فَلَيْسَ مَكْرُوهًا وَلا مَعْصِيَةَ فِيهِ.

(586) هَلِ الْغِيبَةُ تُذْهِبُ ثَوَابَ الصَّوْمِ.

اعْلَمْ أَنَّ مَنْ وَقَعَ فِى الْغِيبَةِ لا يَفْسُدُ صَوْمُهُ لَكِنْ غِيبَةُ التَّقِىِّ وَكَذَلِكَ النَّمِيمَةُ وَشَهَادَةُ الزُّورِ وَالْعَمَلُ بِهَا تُذْهِبُ ثَوَابَ الصَّوْمِ.

(587) مَا هِىَ الأَيَّامُ الَّتِى يُسَنُّ الصِّيَامُ فِيهَا.

يُسَنُّ صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ وَيَوْمِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَعَنْ أَبِى قَتَادَةَ الأَنْصَارِىِّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ فَقَالَ يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ وَقَالَ ﷺ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَقُومُوا لَيْلَهَا وَصُومُوا نَهَارَهَا. وَيُسَنُّ صَوْمُ عَاشُورَاءَ وَهُوَ الْعَاشِرُ مِنْ شَهْرِ مُحَرَّمٍ وَتَاسُوعَاءَ وَهُوَ التَّاسِعُ مِنْ شَهْرِ مُحَرَّمٍ فَقَدْ سُئِلَ النَّبِىُّ ﷺ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ فَقَالَ يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَقَالَ ﷺ لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ.

وَيُسَنُّ صَوْمُ سِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ وَأَيَّامِ الْبِيضِ وَهِىَ الْيَوْمُ الثَّالِثَ عَشَرَ وَالرَّابِعَ عَشَرَ وَالْخَامِسَ عَشَرَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ فَعَنْ أَبِى أَيُّوبَ الأَنْصَارِىِّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ وَقَالَ ﷺ لِأَبِى ذَرٍّ إِذَا صُمْتَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاثًا فَصُمْ ثَلاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ. وَيُسَنُّ صَوْمُ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ وَيُكْرَهُ إِفْرَادُ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فِى النَّفْلِ بِلا سَبَبٍ لِقَوْلِهِ ﷺ لا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَّا أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ. أَمَّا إِذَا صَادَفَ يَوْمُ عَرَفَةَ أَوِ النِّصْفُ مِنْ شَعْبَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَلا يُكْرَهُ إِفْرَادُهُ بِالصَّوْمِ.

(588) تَكَلَّمْ عَنْ فَضْلِ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ.

اعْلَمْ أَنَّهُ يُسَنُّ صَوْمُ يَوْمِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ وَقِيَامُ لَيْلِهِ بِالطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ لِحَدِيثِ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَقُومُوا لَيْلَهَا وَصُومُوا نَهَارَهَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، خِلافًا لِلْوَهَّابِيَّةِ الَّذِينَ يُحَرِّمُونَ صِيَامَ يَوْمِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ وَقِيَامَ لَيْلِهِ وَيُرَدُّ عَلَيْهِمْ مِنْ كَلامِ شَيْخِهِمُ الضَّالِّ ابْنِ تَيْمِيَةَ فَإِنَّهُ يَقُولُ فِى كِتَابِهِ الْمُسَمَّى اقْتِضَاءَ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ وَمِنْ هَذَا الْبَابِ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَقَدْ رُوِىَ فِى فَضْلِهَا مِنَ الأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ وَالآثَارِ مَا يَقْتَضِى أَنَّهَا لَيْلَةٌ مُفَضَّلَةٌ وَأَنَّ مِنَ السَّلَفِ مَنْ كَانَ يَخُصُّهَا بِالصَّلاةِ فِيهَا،

وَصَوْمُ شَهْرِ شَعْبَانَ قَدْ جَاءَتْ فِيهِ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ انْتَهَى كَلامُ ابْنِ تَيْمِيَةَ. وَمِنْ خَصَائِصِ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَان أَنَّ الدُّعَاءَ فِيهَا مُسْتَجَابٌ ذَكَرَ ذَلِكَ الإِمَامُ الشَّافِعِىُّ فِى كِتَابِهِ الأُمّ لَكِنْ لَمْ يَرِدْ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ مَا اعْتَادَ بَعْضُ النَّاسِ قِرَاءَتَهُ فِى تِلْكَ اللَّيْلَةِ الْمُبَارَكَةِ وَهُوَ قَوْلُهُمُ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ كَتَبْتَنِى عِنْدَكَ فِى أُمِّ الْكِتَابِ مَحْرُومًا أَوْ مَطْرُودًا أَوْ مُقَتَّرًا عَلَىَّ فِى الرِّزْقِ فَامْحُ اللَّهُمَّ بِفَضْلِكَ شَقَاوَتِى وَحِرْمَانِى وَطَرْدِى وَإِقْتَارَ رِزْقِى إلخ.

وَالْقَاعِدَةُ الشَّرْعِيَّةُ الَّتِى لا خِلافَ عَلَيْهَا عِنْدَ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ لا تَتَغَيَّرُ بِدَعْوَةِ دَاعٍ فَمَا شَاءَ اللَّهُ فِى الأَزَلِ حُصُولَهُ لا بُدَّ أَنْ يَحْصُلَ. وَوَرَدَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ يَطَّلِعُ اللَّهُ إِلَى خَلْقِهِ فِى لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَان فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِن رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ. وَمَعْنَى يَطَّلِعُ اللَّهُ إِلَى خَلْقِهِ يَرْحَمُهُمْ فِيهَا بِرَحْمَةٍ خَاصَّةٍ فَيَغْفِرُ لِبَعْضِ عِبَادِهِ الْمُسْلِمِينَ بَعْضَ ذُنُوبِهِمْ وَلِبَعْضٍ كُلَّ ذُنُوبِهِمْ أَمَّا الْمُشَاحِنُ الَّذِى بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُسْلِمٍ ءَاخَرَ عَدَاوَةٌ وَحِقْدٌ وَبَغْضَاءُ لِأَجْلِ الدُّنْيَا فَلا يُغْفَرُ لَهُ فِى تِلْكَ اللَّيْلَةِ وَكَذَلِكَ الْكَافِرُ،

فَلْيُصْلِحْ كُلٌّ مِنَّا مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ وَلْيَعْفُ وَلْيَصْفَحْ لِلَّهِ تَعَالَى وَلْيُخْرِجْ مَا فِى قَلْبِهِ مِنْ غِلٍّ قَبْلَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ. اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ ءَامَنُوا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

(589) مَاذَا حَصَلَ فِى يَوْمِ عَاشُورَاءَ.

يَوْمُ عَاشُورَاءَ هُوَ الْيَوْمُ الْعَاشِرُ مِنْ شَهْرِ الْمُحَرَّمِ وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِى نَجَّى اللَّهُ فِيهِ سَيِّدَنَا نُوحًا وَمَنْ مَعَهُ فِى السَّفِينَةِ مِنَ الطُّوفَانِ وَفِيهِ تَابَ اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا ءَادَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنْ مَعْصِيَةٍ صَغِيرَةٍ لا خِسَّةَ فِيهَا وَلا دَنَاءَةَ وَفِيهِ نَجَّى اللَّهُ سَيِّدَنَا مُوسَى وَأَتْبَاعَهُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْغَرَقِ وَأَهْلَكَ فِرْعَوْنَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْكَافِرِينَ وَفِيهِ

نَجَّى اللَّهُ نَبِيَّهُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنْ نَارِ النُّمْرُودِ وَفِيهِ نَجَّى اللَّهُ نَبِيَّهُ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنْ جَوْفِ الْحُوتِ وَفِيهِ رُفِعَ الْمَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلامُ إِلَى السَّمَاءِ وَفِيهِ رَدَّ اللَّهُ سَيِّدَنَا يُوسُفَ عَلَى سَيِّدِنَا يَعْقُوبَ عَلَيْهِمَا السَّلامُ وَفِيهِ شَفَى اللَّهُ سَيِّدَنَا أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ وَرَفَعَ عَنْهُ الْبَلاء وَفِيهِ قُتِلَ سَيِّدُنَا الْحُسَيْنُ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ فِى كَرْبَلاءَ فَظَهَرَتِ النُّجُومُ فِى النَّهَارِ وَبَكَى عَلَيْهِ مَلائِكَةُ السَّمَاءِ وَالصَّالِحُونَ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ.

وَيُسَنُّ صَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَوَجَدَ الْيَهُودَ صِيَامًا يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَقَالَ لَهُمْ مَا هَذَا الْيَوْمُ الَّذِى تَصُومُونَهُ فَقَالُوا هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ أَنْجَى اللَّهُ فِيهِ مُوسَى وَقَوْمَهُ وَغَرَّقَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ فَصَامَهُ مُوسَى شُكْرًا لِلَّهِ فَنَحْنُ نَصُومُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ، ثُمَّ صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ.

وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ صَوْمُ شَهْرِ اللَّهِ الْمُحَرَّمِ سِيَّمَا عَاشُورَاءَ فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ وَأَفْضَلُ الصَّلاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلاةُ اللَّيْلِ. قَالَ إِمَامُنَا الشَّافِعِىُّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ يُسْتَحَبُّ صَوْمُ التَّاسِعِ وَالْعَاشِرِ وَالْحَادِى عَشَرَ مِنَ الْمُحَرَّمِ.

(590) اذْكُرْ بَعْضَ سُنَنِ الصِّيَامِ.

يُسَنُّ لِلصَّائِمِ أَنْ يَتَسَحَّرَ لِحَدِيثِ الْبُخَارِىِّ تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِى السَّحُورِ بَرَكَةً. وَالسَّحُورُ مَا يُؤْكَلُ فِى السَّحَرِ. وَيُسَنُّ لِلصَّائِمِ أَنْ يُؤَخِّرَ السُّحُورَ وَيُعَجِّلَ الْفِطْرَ لِحَدِيثِ الْبُخَارِىِّ وَمُسْلِمٍ لا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ. وَيُسَنُّ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ عَلَى تَمْرٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَى مَاءٍ لِحَدِيثِ التِّرْمِذِىِّ إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى مَاءٍ فَإِنَّهُ طَهُورٌ.

وَيُسَنُّ لِلصَّائِمِ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ فِطْرِهِ اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ وَثَبَتَ الأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَلِلصَّائِمِ دَعْوَةٌ إِذَا أَفْطَرَ فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِىُّ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ثَلاثٌ لا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ الإِمَامُ الْعَادِلُ وَالصَّائِمُ حِينَ يُفْطِرُ وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرِو بنِ الْعَاصِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِنَّ لِلصَّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ لِدَعْوَةً مَا تُرَدُّ،

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَمْرٍو يَقُولُ إِذَا أَفْطَرَ اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ بِرَحْمَتِكَ الَّتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ أَنْ تَغْفِرَ لِى. وَيُسَنُّ لِمَنْ أَفْطَرَ عِنْدَ شَخْصٍ أَنْ يَقُولَ لَهُ أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الأَبْرَارُ وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلائِكَةُ.

(591) هَلْ يَصِحُّ الْجَمْعُ بَيْنَ صِيَامِ الْقَضَاءِ وَصِيَامِ سِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ فِى نِيَّةٍ وَاحِدَةٍ.

لا يَصِحُّ الْجَمْعُ بَيْنَ الْعِبَادَتَيْنِ بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الْقَوْلِ الْمُعْتَمَدِ وَإِذَا صَامَ بِنِيَّةِ الْقَضَاءِ وَبِنِيَّةِ السِّتِّ مِنْ شَوَّالٍ حَصَلَ الْفَرْضُ فَقَطْ.

(592) هَلْ يَجُوزُ إِطْعَامُ الْمُكَلَّفِ غَيْرِ الْمَعْذُورِ فِى نَهَارِ رَمَضَانَ.

لا يَجُوزُ إِطْعَامُ الْمُكَلَّفِ غَيْرِ الْمَعْذُورِ فِى نَهَارِ رَمَضَانَ وَلَوْ كَانَ كَافِرًا فَالْكَافِرُ الْمُكَلَّفُ غَيْرُ الْمَعْذُورِ إِذَا أَكَلَ فِى نَهَارِ رَمَضَانَ عَلَيْهِ مَعْصِيَةٌ كَبِيرَةٌ وَلا يَجُوزُ إِعَانَتُهُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ وَقَوْلِهِ ﷺ لا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِى مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ رَوَاهُ أَحْمَدُ فِى مُسْنَدِهِ. وَلْيُعْلَمْ أَنَّ الإِعَانَةَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ الْكَبِيرَةِ كَبِيرَةٌ فَمَنْ أَعَانَ غَيْرَهُ عَلَى فِعْلِ مَعْصِيَةٍ كَبِيرَةٍ وَقَعَ فِى ذَنْبٍ كَبِيرٍ.

(593) تَكَلَّمْ عَنْ فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ.

هِىَ لَيْلَةٌ فِى رَمَضَانَ عَظِيمَةُ الشَّأْنِ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا لَهُ قَدْرٌ عَظِيمٌ عِنْدَ اللَّهِ وَثَوَابُ الْعِبَادَةِ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْ ثَوَابِ الْعِبَادَةِ فِى أَلْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيهِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. مَنْ يَسَّرَ اللَّهُ لَهُ أَنْ يَدْعُوَ فِى وَقْتِ رُؤْيَتِهَا كَانَ ذَلِكَ عَلامَةً لِاسْتِجَابَةِ الدُّعَاءِ. وَمَنْ حَصَلَ لَهُ رُؤْيَةُ شَىْءٍ مِنْ عَلامَاتِهَا يَقَظَةً فَقَدْ حَصَلَ لَهُ رُؤْيَةُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ.

وَمِنْ عَلامَاتِهَا رُؤْيَةُ نُورٍ غَيْرِ نُورِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْكَهْرَبَاءِ يَمْلَأُ السَّمَاءَ وَيَدْخُلُ الْبُيُوتَ. وَمِنْ عَلامَاتِهَا رُؤْيَةُ الأَشْجَارِ سَاجِدَةً وَطُلُوعُ الشَّمْسِ صَبِيحَتَهَا لَطِيفَةً بَيْضَاءَ لا شُعَاعَ لَهَا وَرُؤْيَةُ الْمَلائِكَةِ عَلَى أَشْكَالِهِمُ الأَصْلِيَّةِ ذَوَاتِ أَجْنِحَةٍ أَوْ سَمَاعُ أَصْوَاتِهِمْ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَسْمَعُونَ الْمَلائِكَةَ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِمْ. وَمَنْ رَءَاهَا فِى الْمَنَامِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى خَيْرٍ لَكِنَّهُ أَقَلُّ مِنْ رُؤْيَتِهَا يَقَظَةً.

وَقَدْ تُصَادِفُ هَذِهِ اللَّيْلَةُ أَىَّ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ لَكِنَّهَا فِى الْغَالِبِ تَكُونُ فِى الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْتَمِسُوهَا فِى الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ. وَأَمَّا إِحْيَاءُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فَيَكُونُ بِأَنْ يَقُومَ كُلَّ اللَّيْلِ أَوْ مُعْظَمَهُ أَوْ نِصْفَ اللَّيْلِ، لا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُسْتَيْقِظًا أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ وَلَوْ بِقَلِيلٍ وَقِيَامُ هَذِهِ اللَّيْلَةِ يَحْصُلُ بِالصَّلاةِ فِيهَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ.

(594) مَا هِىَ التَّرَاوِيحُ.

التَّرَاوِيحُ هِىَ الصَّلاةُ الَّتِى تُصَلَّى فِى كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ وَهِىَ عِشْرُونَ رَكْعَةً بِعَشْرِ تَسْلِيمَاتٍ وَوَقْتُهَا مَا بَيْنَ صَلاةِ الْعِشَاءِ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ يَنْوِى فِى كُلِّ رَكْعَتَيْنِ أَنَّهُ يُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ مِنَ التَّرَاوِيحِ. وَيُسَنُّ أَنْ يُنَادَى الصَّلاةُ جَامِعَة لِأَنَّهَا نَفْلٌ تُشْرَعُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ وَلا يُؤَذَّنُ لَهَا وَلا يُقَامُ. أَمَّا إِذَا كَانَ يُصَلِّى قِيَامَ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ يُصَلِّى ثَمَانِىَ رَكَعَاتٍ يَنْوِى فِى كُلِّ رَكْعَتَيْنِ قِيَامَ رَمَضَانَ وَيُوتِرُ بَعْدَهَا بِثَلاثٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ تَهَجُّدٌ يُصَلِّيهِ بَعْدَ التَّرَاوِيحِ فَيَجْعَلُ الْوِتْرَ بَعْدَهُ. وَالتَّهَجُّدُ هُوَ أَنْ يُصَلِّىَ النَّفْلَ بَعْدَ نَوْمٍ وَالأَفْضَلُ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ يَنْوِى بِهِمَا قِيَامَ اللَّيْلِ.

(595) مَاذَا يَنْبَغِى لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَعْمَلَ فِى يَوْمِ الْعِيدِ.

يَنْبَغِى لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَغْتَسِلَ لِيَوْمِ الْعِيدِ فَإِنَّهُ سُنَّةٌ وَيَبْدَأُ وَقْتُهُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَيَنْبَغِى لَهُ أَنْ يَلْبَسَ الثِّيَابَ الْحَسَنَةَ النَّظِيفَةَ وَالأَحْسَنُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَلْبَسَ الْقَمِيصَ الأَبْيَضَ وَأَنْ يَضَعَ عَلَى كَتِفَيْهِ رِدَاءً أَبْيَضَ لِقَوْلِهِ ﷺ عَلَيْكُمْ بِالْبَيَاضِ فَإِنَّهُ خَيْرُ الثِّيَابِ. وَيَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ أَنْ يَكُونَ لِبَاسُهُمَا سَاتِرًا لِلْعَوْرَةِ وَأَنْ لا يَتَشَبَّهَ أَحَدُهُمَا بِالآخَرِ فِى اللِّبَاسِ.

وَاللِّبَاسُ الضَّيِّقُ فِى حَقِّ الْمَرْأَةِ مَكْرُوهٌ وَفِى حَقِّ الرَّجُلِ خِلافُ الأَوْلَى قَالَ الإِمَامُ الْحَافِظُ الْحَنَفِىُّ مُحَمَّدُ مُرْتَضَى الزَّبِيدِىُّ أَمَّا إِدْرَاكُ الْحَجْمِ فَلا يَضُرُّ لَكِنَّهُ لِلْمَرْأَةِ مَكْرُوهٌ وَلِلرَّجُلِ خِلافُ الأَوْلَى. وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ لَبِسَ لِبَاسًا جَدِيدًا أَنْ يَقُولَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى كَسَانِى مَا أُوَارِى بِهِ عَوْرَتِى وَأَتَجَمَّلُ بِهِ فِى حَيَاتِى لِقَوْلِهِ ﷺ مَنْ لَبِسَ ثَوْبًا جَدِيدًا فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى كَسَانِى مَا أُوَارِى بِهِ عَوْرَتِى وَأَتَجَمَّلُ بِهِ فِى حَيَاتِى وَعَمَدَ إِلَى الثَّوْبِ الَّذِى أَخْلَقَهُ (أَىْ أَبْلاهُ) فَتَصَدَّقَ بِهِ كَانَ فِى حِفْظِ اللَّهِ وَكَنَفِ اللَّهِ حَيًّا وَمَيِّتًا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ،

وَالْكَنَفُ السِّتْرُ. وَيُسْتَحَبُّ إِذَا لَبِسَ وَنَظَرَ فِى الْمِرْآةِ أَنْ يَقُولَ الْحَمْدُ لِلَّهِ اللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنْتَ خَلْقِى فَحَسِّنْ خُلُقِى أَىْ كَمَا أَنَّكَ لَمْ تَجْعَلْ فِى خِلْقَتِى عَاهَةً فَجَمِّلْنِى بِالأَخْلاقِ الْحَسَنَةِ. وَيُسْتَحَبُّ التَّنَظُّفُ يَوْمَ الْعِيدِ بِنَتْفِ الإِبْطِ وَحَلْقِ شَعْرِ الْعَانَةِ وَقَلْمُ الظُّفْرِ وَقَطْعُ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ وَالتَّطَيُّبُ ويَسْتَوِى فِى اسْتِحْبَابِ مَا ذُكِرَ الْقَاعِدُ فِى بَيْتِهِ وَالْخَارِجُ إِلَى صَلاةِ الْعِيدِ.

وَيُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلُ أَنْ يُبَكِّرَ لِصَلاةِ الْعِيدِ وَأَنْ يُخْرِجَ زَكَاةَ الْفِطْرَةِ قَبْلَ الصَّلاةِ ويُسَنُّ الْخُرُوجُ مَشْيًا اتِّبَاعًا لِلنَّبِىِّ ﷺ يَغْدُو مِنْ طَرِيقٍ وَيَعُودُ مِنْ أُخْرَى. وَيُسَنُّ لِلْمُسْلِمِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ لِصَلاةِ الْعِيدِ أَنْ يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ بِعَدَدٍ وِتْرٍ كَوَاحِدَةٍ أَوْ ثَلاثَةٍ فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِىُّ عَنْ أَنَسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ وَيَأْكُلُهُنَّ وِتْرًا.

وَيُسَنُّ التَّكْبِيرُ يَوْمَ الْعِيدِ جَهْرًا وَالسُّنَّةُ فِى التَّكْبِيرِ أَنْ يَقُولَ اللَّهُ أَكْبَرُ ثَلاثًا وَيَزِيدَ عَقِبَهَا اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَلا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُون، لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ صَدَقَ وَعْدَهُ ونَصَرَ عَبْدَهُ وَأَعَزَّ جُنْدَهُ وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ، لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.

وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ لَقِىَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ أَنْ يَقُولَ لَهُ تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكُمْ. وَيَنْبَغِى اغْتِنَامُ يَوْمِ الْعِيدِ فِى صِلَةِ الرَّحِمِ وَمَنْ وَصَلَ رَحِمَهُ الَّتِى تَقْطَعُهُ فَهُوَ أَعْظَمُ أَجْرًا عِنْدَ اللَّهِ مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ الَّتِى تَصِلُهُ. وَيَنْبَغِى إِظْهَارُ الْفَرَحِ يَوْمَ الْعِيدِ فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الْعِيدِ فَوَجَدَ عِنْدَهَا جَارِيَتَيْنِ تُغَنِّيَانِ فَلَمْ يُعْجِبْ ذَلِكَ أَبَا بَكْرٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَا أَبَا بَكْرٍ إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا وَهَذَا عِيدُنَا.

(596) تَكَلَّمْ عَنْ صَلاةِ عِيدِ الْفِطْرِ.

صَلاةُ الْعِيدِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَقِيلَ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَهِىَ رَكْعَتَانِ يُكَبِّرُ نَدْبًا فِى الأُولَى بَعْدَ دُعَاءِ الِافْتِتَاحِ وَقَبْلَ التَّعَوُّذِ سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ وَيُكَبِّرُ فِى الثَّانِيَةِ بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ وَقَبْلَ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِى جَمِيعِ التَّكْبِيرَاتِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ وَيَقْرَأُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِى الرَّكْعَةِ الأُولَى سُورَةَ ق وَفِى الثَّانِيَةِ سُورَةَ الْقَمَرِ.

وَيَخْطُبُ نَدْبًا بِهِمْ خُطْبَتَيْنِ بَعْدَ الصَّلاةِ يَسْتَفْتِحُ الأُولَى بِتِسْعِ تَكْبِيرَاتٍ وَالثَّانِيَةَ بِسَبْعِ تَكْبِيرَاتٍ. وَيُسَنُّ أَنْ تُصَلَّى جَمَاعَةً وَيُنَادَى لَهَا الصَّلاةُ جَامِعَةٌ وَلا يُؤَذَّنُ لَهَا وَلا يُقَامُ. وَمَنْ صَلَّاهَا رَكْعَتَيْنِ كَرَكْعَتَىْ سُنَّةِ الْفَجْرِ مُنْفَرِدًا بِدُونِ هَذِهِ التَّكْبِيرَاتِ صَحَّتْ صَلاتُهُ. وَوَقْتُهَا مِنْ شُرُوقِ شَمْسِ يَوْمِ الْعِيدِ إِلَى مَا قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الظُّهْرِ وَيُسَنُّ تَأْخِيرُهَا عَنِ الشُّرُوقِ إِلَى أَنْ تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ قَدْرَ رُمْحٍ أَىْ بِنَحْوِ ثُلُثِ سَاعَةٍ بَعْدَ الشُّرُوقِ. وَيُسَنُّ التَّكْبِيرُ قَبْلَهَا إِلَى أَنْ يَدْخُلَ الإِمَامُ فِى الصَّلاةِ.

(597) مَا هِىَ تَكْبِيرَاتُ الْعِيدِ.

تَكْبِيرَاتُ الْعِيدِ هِىَ

اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَر، لا إِلَهَ إِلَّا اللَّه، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَر وَلِلَّهِ الْحَمْد.

اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَر، لا إِلَهَ إِلَّا اللَّه، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَر وَلِلَّهِ الْحَمْد.

اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَر، لا إِلَهَ إِلَّا اللَّه، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَر وَلِلَّهِ الْحَمْد.

اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرا وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا، لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَه، صَدَقَ وَعْدَه، وَنَصَرَ عَبْدَه، وَأَعَزَّ جُنْدَه، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَه، لا إِلَهَ إِلَّا اللَّه وَلا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُون، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى ءَالِ مُحَمَّد، وَعَلَى أَصْحَابِ مُحَمَّد، وَعَلَى أَنْصَارِ مُحَمَّد، وَعَلَى أَزْوَاجِ مُحَمَّد، وَعَلَى ذُرِّيَّةِ مُحَمَّدٍ وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرا، رَبِّ اغْفِرْ لِى وَلِوَالِدَىَّ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرا.