(834) تَكَلَّمْ عَنْ عُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ.
عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ وَهُوَ أَنْ يُؤْذِىَ الْمُسْلِمُ أَحَدَ وَالِدَيْهِ أَوْ كِلَيْهِمَا أَذًى شَدِيدًا. وَمِنْ عُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ ضَرْبُهُمَا أَوْ شَتْمُهُمَا أَوْ تَرْكُ الإِنْفَاقِ عَلَيْهِمَا إِنْ كَانَا فَقِيرَيْنِ فَيَجِبُ عَلَى الأَبْنَاءِ الذُّكُورِ وَالإِنَاثِ الإِنْفَاقُ عَلَى الْوَالِدَيْنِ الْمُحْتَاجَيْنِ وَهَذَا مِنْ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ أَىْ أَمَرَ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَأَمَرَ بِالإِحْسَانِ لِلْوَالِدَيْنِ وَنَهَى عَنْ إِيذَائِهِمَا.
وَعَنْ بَهْزِ بنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَبَرُّ قَالَ أُمَّكَ قُلْتُ ثُمَّ مَنْ قَالَ أُمَّكَ قُلْتُ ثُمَّ مَنْ قَالَ أُمَّكَ قُلْتُ ثُمَّ مَنْ قَالَ أَبَاكَ ثُمَّ الأَقْرَبَ فَالأَقْرَبَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِىُّ. فَيُفْهَمُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَقْدِيمُ الأُمِّ عَلَى الأَبِ فِى الْبِرِّ وَإِنَّمَا حَضَّ الرَّسُولُ ﷺ عَلَى بِرِّ الأُمِّ ثَلاثًا وَعَلَى بِرِّ الأَبِ مَرَّةً لِمُعَانَاتِهَا مَعَ مَا تُقَاسِيهِ مِنْ حَمْلٍ وَطَلْقٍ وَوِلادَةٍ وَرَضَاعَةٍ وَسَهَرِ لَيَالٍ.
وَيُسَنُّ لِلْوَلَدِ أَنْ يُطِيعَ وَالِدَيْهِ الْمُسْلِمَيْنِ فِى الْمُبَاحِ وَالْمَكْرُوهِ إِلَّا فِى مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُمَا فِى الْعُمُرِ مَرَّةً وَلَيْسَ شَرْطًا بَعْدَ وَفَاتِهِمَا. فَالْوَلَدُ إِنِ اسْتَغْفَرَ لِوَالِدَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا يَنْتَفِعُ وَالِدَاهُ بِهَذَا الِاسْتِغْفَارِ. وَإِذَا طَلَبَ الأَبُ أَوِ الأُمُّ مِنَ الِابْنِ شَيْئًا مُبَاحًا كَغَسْلِ الصُّحُونِ أَوْ تَرْتِيبِ الْغُرْفَةِ أَوْ تَسْخِينِ الطَّعَامِ أَوْ عَمَلِ الشَّاىِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَلَمْ يَفْعَلْ فَإِنْ كَانَ يَغْتَمُّ قَلْبُ الْوَالِدِ أَوِ الْوَالِدَةِ فَعَلَيْهِ مَعْصِيَةٌ.
(835) تَكَلَّمْ عَنِ الْفِرَارِ مِنَ الزَّحْفِ.
الْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ وَهُوَ الْهُرُوبُ مِنْ أَرْضِ الْمَعْرَكَةِ بِغَيْرِ عُذْرٍ فَلا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَهْرُبَ مِنْ أَرْضِ الْمَعْرَكَةِ إِذَا كَانَ عَدَدُ الْكُفَّارِ ضِعْفَ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَقَلَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ (أَىِ الْمُهْلِكَاتِ) قِيلَ وَمَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّى يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(836) مَا حُكْمُ قَطِيعَةِ الرَّحِمِ.
اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَذَّرَنَا مِنْ قَطِيعَةِ الرَّحِمِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِى تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ أَىْ وَاتَّقُوا الأَرْحَامَ أَنْ تَقْطَعُوهَا. وَقَطِيعَةُ الرَّحِمِ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ لِقَوْلِهِ ﷺ لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ، أَىْ لا يَدْخُلُها مَعَ الأَوَّلِينَ إِنَّمَا يَدْخُلُهَا بَعْدَ سَبْقِ عَذَابٍ إِنْ لَمْ يَعْفُ اللَّهُ عَنْهُ. وَالأَرْحَامُ هُمْ كَالأُمِّ وَالأَبِ وَالإِخْوَةِ وَالأَخَوَاتِ وَالأَقَارِبِ كَالْجَدَّاتِ وَالأَجْدَادِ وَالْخَالاتِ وَالْعَمَّاتِ وَأَوْلادِهِنَّ وَالأَخْوَالِ وَالأَعْمَامِ وَأَوْلادِهِمْ. وَقَطِيعَةُ الرَّحِمِ تَحْصُلُ بِإِيحَاشِ قُلُوبِ الأَرْحَامِ وَتَنْفِيرِهَا إِمَّا بِتَرْكِ الإِحْسَانِ بِالْمَالِ فِى حَالِ الْحَاجَةِ النَّازِلَةِ بِهِمْ أَوْ تَرْكِ زِيَارَتِهِمْ بِلا عُذْرٍ.
(837) مَا حُكْمُ إِيذَاءِ الْجَارِ.
لا يَجُوزُ إِيذَاءُ الْجَارِ بِالضَّرْبِ أَوِ الشَّتْمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ بَلْ يَنْبَغِى الإِحْسَانُ إِلَى الْجَارِ وَالصَّبْرُ عَلَى أَذَاهُ وَبَذْلُ الْمَعْرُوفِ لَهُ. رُوىَ عَنْ سَهْلٍ التُسْتَرِىِّ أَنَّهُ كَانَ لَهُ جَارٌ مَجُوسِىٌّ فَانْفَتَحَ خَلاءُ الْمَجُوسِىِّ إِلَى دَارِ سَهْلٍ فَأَقَامَ سَهْلٌ مُدَّةً يُنَحِّى فِى اللَّيْلِ مَا يَجْتَمِعُ مِنَ الْقَذَرِ فِى بَيْتِهِ حَتَّى مَرِضَ فَدَعَا الْمَجُوسِىَّ وَأَخْبَرَهُ بِأَنَّهُ يَخْشَى أَنْ لا يَتَحَمَّلَ وَرَثَتُهُ ذَلِكَ كَمَا كَانَ يَتَحَمَّلُهُ فَيُخَاصِمُونَهُ فَتَعَجَّبَ الْمَجُوسِىُّ مِنْ صَبْرِهِ عَلَى هَذَا الأَذَى الْعَظِيمِ مَعَ كَوْنِهِ عَلَى غَيْرِ دِينِهِ فَأَسْلَمَ.
(838) مَا حُكْمُ خَضْبِ الشَّعَرِ بِالسَّوَادِ.
يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ صَبْغُ الشَّعَرِ بِالسَّوَادِ وَأَجَازَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ لِلْمَرْأَةِ بِإِذْنِ زَوْجِهَا. أَمَّا الْعَزْبَاءُ فَلا يَجُوزُ لَهَا صَبْغُ شَعَرِهَا بِالسَّوَادِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْغَشِّ وَالتَّلْبِيسِ. وَأَمَّا صَبْغُ الشَّعَرِ بِالأَصْفَرِ وَالأَحْمَرِ فَهُوَ جَائِزٌ لِلرَّجُلِ وَفِيهِ ثَوَابٌ وَكَذَلِكَ لِلْمَرْأَةِ الْمُتَزَوِّجَةِ إِذَا أَمَرَهَا زَوْجُهَا بِذَلِكَ.
(839) مَا حُكْمُ تَشَبُّهِ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ أَوِ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ.
يَحْرُمُ تَشَبُّهُ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ أَوِ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ فِى الْمَلْبَسِ وَالْكَلامِ وَالْمَشْىِ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِىُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّجُلَ يَلْبَسُ لِبْسَةَ الْمَرْأَةِ وَالْمَرْأَةَ تَلْبَسُ لِبْسَةَ الرَّجُلِ.
فَمَا كَانَ خَاصًّا بِأَحَدِ الصِّنْفَيْنِ مِنَ الزِّىِّ فَهُوَ حَرَامٌ عَلَى الصِّنْفِ الآخَرِ فَلا يَجُوزُ لِلأَهْلِ أَنْ يُلْبِسُوا الصَّبِىَّ ثِيَابَ الْبِنْتِ أَوْ يُلْبِسُوا الْبِنْتَ ثِيَابَ الصَّبِىِّ. وَيَحْرُمُ نَتْفُ شَعَرِ الْحَاجِبِ كُلِّهِ وَرَسْمُهُ رَسْمًا بِنَوْعٍ مِنَ الأَلْوَانِ وَثَقْبُ الأَنْفِ وَاللِّسَانِ وَالسُّرَّةِ لِوَضْعِ الْحَلَقِ وَأَكْثَرُ مِنْ ثُقْبٍ فِى الأُذُنِ لِأَنَّهُ مِنْ عَادَةِ الْفَاسِقَاتِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ.
(840) مَا حُكْمُ التَّشَبُّهِ بِالْكُفَّارِ.
يَحْرُمُ التَّشَبُّهُ بِالْكُفَّارِ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ أَىْ يَحْرُمُ التَّشَبُّهُ بِهِمْ فِى الزِّينَةِ وَاللِّبَاسِ وَنَحْوِ ذَلِكَ كَوَضْعِ الْحَلَقِ فِى السُّرَّةِ وَاللِّسَانِ لِقَوْلِهِ ﷺ مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ (أَىْ كَأَنَّهُ مِنْهُمْ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. فَإِذَا عَمِلَ الْكُفَّارُ زِيًّا مِنَ الثِّيَابِ وَشَاعَ بَيْنَهُمْ فَيَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لُبْسُهُ أَمَّا مَا عَمِلَهُ الْكُفَّارُ وَشَاعَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ابْتِدَاءً فَلا يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لُبْسُهُ.
وَلا يَجُوزُ الِاحْتِفَالُ بِأَعْيَادِ الْكُفَّارِ وَلا يَجُوزُ تَعْظِيمُهَا فَلا يُقَالُ عَنْ عِيدِهِمْ عِيدٌ سَعِيدٌ أَوْ مُبَارَكٌ أَوْ مَجِيدٌ. فَمَنْ قَالَ لِكَافِرٍ فِى عِيدِهِمْ عِيدٌ سَعِيدٌ وَكَانَ قَصْدُهُ تَجِدُونَ رَاحَةَ بَالٍ وَطُمَأْنِينَةً لا يَكْفُرُ وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ عِيدُ مِيلادٍ مَجِيدٌ وَأَرَادَ أَنَّهُ مُبَارَكٌ لِأَنَّهُ وُلِدَ فِيهِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ. سَيِّدُنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ وُلِدَ قَبْلَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ بِسِتِّمِائَةِ سَنَةٍ لَكِنْ يَوْمُ وِلادَتِهِ لَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، فِيهِ خِلافٌ وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ فِى الشِّتَاءِ. أَمَّا إِذَا قَالَ الْمُسْلِمُ لِلْمُسْلِمِ فِى نِهَايَةِ السَّنَةِ الرُّومِيَّةِ كُلُّ عَامٍ وَأَنْتُمْ بِخَيْرٍ فَلا يَحْرُمُ لِأَنَّنَا لا نَعْلَمُ أَوَّلَ مَنْ بَدَأَ بِذَلِكَ.
(841) مَا حُكْمُ تَرْقِيقِ الْحَاجِبَيْنِ.
تَرْقِيقُ الْحَاجِبَيْنِ بِإِذْنِ الزَّوْجِ جَائِزٌ أَمَّا نَتْفُ الشَّعَرِ الَّذِى بَيْنَ الْحَاجِبَيْنِ فَحَرَامٌ حَتَّى لَوْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ مُتَزَوِجَّةً وَأَذِنَ لَهَا زَوْجُهَا بِذَلِكَ فَمَنْ كَانَتْ حَاجِبَاهَا مُتَّصِلَيْنِ لا يَجُوزُ لَهَا فَتْحُهُمَا بِالنَّتْفِ. وَيَحْرُمُ نَتْفُ شَعَرِ الْحَاجِبِ كُلِّهِ ثُمَّ رَسْمُهُ رَسْمًا بِنَوْعٍ مِنَ الأَلْوَانِ.
(842) مَا حُكْمُ اسْتِعْمَالِ الْحِنَّاءِ لِلْمَرْأَةِ فِى الْيَدَيْنِ.
يُسَنُّ لِلْمَرْأَةِ اسْتِعْمَالُ الْحِنَّاءِ فِى الْيَدَيْنِ لِلإِحْرَامِ أَىْ بِلا نَقْشٍ وَلا تَطْرِيفٍ وَيُسَنُّ لِغَيْرِ الْمُحْرِمَةِ إِنْ كَانَتْ مُتَزَوِّجَةً وَإِلَّا كُرِهَ. أَمَّا النَّقْشُ وَالتَّطْرِيفُ فَمَكْرُوهٌ. وَالنَّقْشُ بِالْحِنَّاءِ هُوَ التَّنْقِيطُ بِدُونِ غَرْزِ الْجِلْدِ بِالإِبْرَةِ بِخِلافِ الْوَشْمِ أَمَّا التَّطْرِيفُ فَهُوَ وَضْعُ الْحِنَّاءِ عَلَى أَطْرَافِ الأَصَابِعِ فَقَطْ.
(843) مَا حُكْمُ تَرْكِ إِحْدَادِ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا الْمُتَوَفَّى.
يَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ تَرْكُ الإِحْدَادِ عَلَى زَوْجِهَا الْمَيِّتِ وَالإِحْدَادُ هُوَ تَرْكُ الزِّينَةِ وَالطِّيبِ وَتَرْكُ الْخُرُوجِ بِلا حَاجَةٍ إِلَى انْتِهَاءِ الْعِدَّةِ وَهِىَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةُ أَيَّامٍ لِغَيْرِ الْحَامِلِ أَمَّا الْحَامِلُ فَعِدَّتُهَا تَنْتَهِى بِوَضْعِ الْحَمْلِ. وَلا يَخْتَصُّ الإِحْدَادُ بِلَوْنٍ وَاحِدٍ مِنَ الثِّيَابِ بَلْ يَجُوزُ غَيْرُ الأَسْوَدِ كَالأَبْيَضِ وَالأَصْفَرِ إِنْ لَمْ تَكُنْ ثِيَابَ زِينَةٍ وَيَحْرُمُ مِنَ الأَسْوَدِ مَا كَانَ ثِيَابَ زِينَةٍ.
وَالْحِكْمَةُ مِنَ الْتِزَامِ الْمَرْأَةِ الْعِدَّةَ فِى الْبَيْتِ الِاسْتِعْدَادُ لِلآخِرَةِ فَإِنَّ مُكْثَهَا فِى الْبَيْتِ لِأَجْلِ وَفَاةِ الزَّوْجِ فِيهِ تَذْكِيرٌ لَهَا بِأَنَّهَا سَتَلْحَقُ بِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ دَاعِيًا لَهَا لِلْعَمَلِ لِلْقَبْرِ وَمَا بَعْدَهُ.
(844) مَا حُكْمُ أَنْ تُكَلِّمَ الْمَرْأَةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا الرِّجَالَ غَيْرَ الْمَحَارِمِ أَوِ الْجُلُوسِ فِى شُرْفَةِ الْبَيْتِ.
لا يَحْرُمُ عَلَى الزَّوْجَةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا كَشْفُ وَجْهِهَا أَمَامَ الرِّجَالِ غَيْرِ الْمَحَارِمِ وَلا يَحْرُمُ التَّكَلُّمُ مَعَهُمْ أَوِ الْجُلُوسُ فِى شُرْفَةِ الْبَيْتِ.
(845) مَا حُكْمُ الإِحْدَادِ عَلَى غَيْرِ الزَّوْجِ.
لا يَجُوزُ الإِحْدَادُ عَلَى غَيْرِ الزَّوْجِ فَوْقَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ. ثَلاثَةُ أَيَّامٍ رُخْصَةٌ وَمَا زَادَ ذَنْبٌ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا تُحِدُّ امْرَأَةٌ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(846) مَا حُكْمُ تَرْكِ الزَّوْجَةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا الْمَبِيتَ فِى بَيْتِهَا.
يَحْرُمُ عَلَى الزَّوْجَةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَنْ تَبِيتَ خَارِجَ بَيْتِهَا أَثْنَاءَ الْعِدَّةِ وَيَجُوزُ لَهَا الْخُرُوجُ لِحَاجَةٍ كَشِرَاءِ طَعَامٍ إِنْ لَمْ تَجِدْ مَنْ يَقْضِى لَهَا حَاجَتَهَا. وَيَجُوزُ للْمُطَلَّقَةِ بِالثَّلاثِ وَللْمُخْتَلِعَةِ وَهِىَ الْمَفْسُوخُ نِكَاحُهَا بِالْخُلْعِ الْخُرُوجُ مِنْ بَيْتِهَا أَثْنَاءَ الْعِدَّةِ لِحَاجَةٍ أَمَّا الْمُطَلَّقَةُ طَلاقًا رَجْعِيًّا فَيَجُوزُ لَهَا الْخُرُوجُ بِإِذْنِ الزَّوْجِ.
(847) مَا حُكْمُ إِسْبَالِ الثَّوْبِ.
إِسْبَالُ الثَّوْبِ أَىْ إِنْزَالُهُ إِلَى مَا تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ لِلْفَخْرِ وَالْكِبْرِ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ لِحَدِيثِ الْبُخَارِىِّ وَمُسْلِمٍ لا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاء، أَىْ لا يُكْرِمُهُ بَلْ يُهِينُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ النَّظَرَ بِالْجَارِحَةِ لِأَنَّ الرُّؤْيَةَ بِالْجَارِحَةِ مِنْ صِفَاتِ الْخَلْقِ. أَمَّا إِنْزَالُ الثَّوْبِ إِلَى مَا تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ لِغَيْرِ الْفَخْرِ وَالْكِبْرِ فَمَكْرُوهٌ لِلرِّجَالِ وَالسُّنَّةُ أَنْ يَكُونَ إِلَى نِصْفِ السَّاقَيْنِ لِقَوْلِهِ ﷺ إِزْرَةُ الْمُؤْمِنِ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
(848) مَا حُكْمُ اسْتِعْمَالِ الْحِنَّاءِ لِلرَّجُلِ.
يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ اسْتِعْمَالُ الْحِنَّاءِ فِى الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ بِلا حَاجَةٍ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ أَمَّا إِنْ كَانَ لِحَاجَةٍ كَأَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِلتَّدَاوِى اعْتِمَادًا عَلَى قَوْلِ طَبِيبٍ ثِقَةٍ فَيَجُوزُ.
(849) مَا حُكْمُ لُبْسِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْحَرِيرِ لِلرَّجُلِ.
يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ لُبْسُ الذَّهَبِ مُطْلَقًا وَالْفِضَّةِ غَيْرِ الْخَاتَمِ مِنْهَا وَلُبْسُ الْحَرِيرِ الْخَالِصِ أَوْ مَا أَكْثَرُهُ وَزْنًا مِنْهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لِإِنَاثِ أُمَّتِى وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِى جَوَازِ إِلْبَاسِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِلصَّبِىِّ إِلَى الْبُلُوغِ كمَا ذَكَرَ النَّوَوِىُّ فِى الْمَجْمُوعِ وَقَالَ إِنَّ الصَّحِيحَ جَوَازُهُ.
(850) مَا حُكْمُ قَطْعِ الْفَرْضِ أَوِ النَّفْلِ مِنْ صَلاةٍ أَوْ صَوْمٍ.
يَحْرُمُ قَطْعُ الْفَرْضِ مِنْ صَلاةٍ أَوْ صِيَامٍ أَوْ حَجٍّ بِلا عُذْرٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾. وَيَجُوزُ قَطْعُ النَّفْلِ مِنْ صَلاةٍ أَوْ صَوْمٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ إِنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ رَوَاهُ الْبَيْهَقِىُّ. أَمَّا نَفْلُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَيَحْرُمُ قَطْعُهُ لِأَنَّهُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ يَصِيرُ إِتْمَامُهُ وَاجِبًا وَقَطْعُهُ مِنَ الْكَبَائِرِ.
(851) مَا حُكْمُ مُحَاكَاةِ الْمُؤْمِنِ اسْتِهْزَاءً بِهِ.
مُحَاكَاةُ الْمُؤْمِنِ أَىْ تَقْلِيدُهُ فِى قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِهْزَاءِ بِهِ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾. وَقَدْ تَكُونُ الْمُحَاكَاةُ بِالضَّحِكِ عَلَى كَلامِهِ إِذَا تَخَبَّطَ فِيهِ وَغَلِطَ أَوْ عَلَى صَنْعَتِهِ وَقُبْحِ صُورَتِهِ أَوْ عَلَى مَشْيِهِ إِنْ كَانَ بِهِ عَرَجٌ فَتَقْلِيدُهُ فِى ذَلِكَ لِإِضْحَاكِ النَّاسِ عَلَيْهِ حَرَامٌ.
(852) مَا حُكْمُ تَتَبُّعِ عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ.
يَحْرُمُ التَّجَسُّسُ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ أَىِ الْبَحْثُ عَنْ عُيُوبِهِمْ وَمَسَاوِئِهِمْ يُرِيدُ أَنْ يَعْرِفَ عَنْهُمُ الْقَبِيحَ مِنَ الْقَوْلِ أَوِ الْفِعْلِ فَيَسْأَلُ عَنْهُ النَّاسَ أَوْ يَبْحَثُ عَنْهُ بِنَفْسِهِ مِنْ دُونِ سُؤَالٍ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ أَىْ لا يَبْحَثْ أَحَدُكُمْ عَنْ عَيْبِ أَخِيهِ لِيَطَّلِعَ عَلَيْهِ.
(853) مَا حُكْمُ الْوَشْمِ وَهَلْ يَمْنَعُ الْوَشْمُ فِى الْيَدِ أَوِ الْقَدَمِ صِحَّةَ الْوُضُوءِ أَوِ الْغُسْلِ.
الْوَشْمُ حَرَامٌ مِنَ الْكَبَائِرِ لِحَدِيثِ الْبُخَارِىِّ وَمُسْلِمٍ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ. وَالْوَشْمُ هُوَ غَرْزُ الْجِلْدِ بِالإِبْرَةِ حَتَّى يَخْرُجَ الدَّمُ ثُمَّ يُذَرُّ عَلَيْهِ الْكُحْلُ الأَسْوَدُ أَوْ شَىْءٌ أَخْضَرُ فَيَخْتَلِطُ بِالدَّمِ وَيَبْقَى لَوْنُهُ. وَالْوَشْمُ فِى الأَصْلِ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ لِأَنَّ الدَّمَ الَّذِى يَخْرُجُ عِنْدَ غَرْزِ الْجِلْدِ بِالإِبْرَةِ نَجِسٌ وَعِنْدَمَا يُذَرُّ عَلَيْهِ شَىْءٌ كَالْكُحْلِ الأَسْوَدِ يَخْتَلِطُ هَذَا الدَّمُ بِهِ وَلا يَذْهَبُ بِالْمَاءِ فَيَصِيرُ مَانِعًا لِصِحَّةِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ لَكِنْ إِذَا كَانَ الشَّخْصُ الَّذِى عِنْدَهُ وَشْمٌ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُزِيلَهُ إِلَّا مَعَ الضَّرَرِ فَيَصِحُّ وُضُوؤُهُ وَغُسْلُهُ حِينَئِذٍ. أَمَّا إِنِ اسْتَطَاعَ إِزَالَةَ الْوَشْمِ بِلا ضَرَرٍ فَيَلْزَمُهُ إِزَالَتُهُ.
(854) مَا حُكْمُ هَجْرِ الْمُسْلِمِ.
مَنْ هَجَرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ أَىْ تَرَكَ تَكْلِيمَهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِىٍّ إِلَى ثَلاثَةِ أَيَّامٍ لا يُكْتَبُ عَلَيْهِ ذَنْبٌ أَمَّا بَعْدَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فَيُكْتَبُ عَلَيْهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثِ لَيَالٍ يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِى يَبْدَأُ بِالسَّلامِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَأَمَّا هَجْرُهُ لِعُذْرٍ شَرْعِىٍّ كَأَنْ كَانَ شَارِبَ خَمْرٍ أَوْ تَارِكًا لِلصَّلاةِ فَيَجُوزُ إِلَى أَنْ يَتُوبَ وَلَوْ إِلَى الْمَمَاتِ بَعْدَ إِعْلامِهِ بِسَبَبِ الْهَجْرِ.
(855) مَا حُكْمُ مُجَالَسَةِ الْمُبْتَدِعِ أَوِ الْفَاسِقِ لِلإِينَاسِ لَهُ عَلَى فِسْقِهِ.
يَحْرُمُ مُجَالَسَةُ الْمُبْتَدِعِ أَوِ الْفَاسِقِ لِإِينَاسِهِ عَلَى فِعْلِهِ الْمُنْكَرَ. وَالْمُرَادُ بِالْمُبْتَدِعِ الْمُبْتَدِعُ فِى الِاعْتِقَادِ وَهُوَ إِمَّا كَافِرٌ كَالْمُشَبِّهِ وَإِمَّا مُسْلِمٌ عَاصٍ كَالَّذِى يَعْتَقِدُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ظَلَمُوا عَلِيًّا بِالتَّقَدُّمِ فِى الْخِلافَةِ وَأَمَّا الْفَاسِقُ فَهُوَ مُرْتَكِبُ الْكَبِيرَةِ كَشَارِبِ الْخَمْرِ.
(856) مَا حُكْمُ خَلْوَةِ الرَّجُلِ بِالْمَرْأَةِ الأَجْنَبِيَّةِ.
مِنَ الأَحْكَامِ الَّتِى قَرَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَحْرِيمُ خَلْوَةِ الرَّجُلِ بِالْمَرْأَةِ الأَجْنَبِيَّةِ أَىْ أَنْ يَكُونَ مَعَ امْرَأَةٍ غَيْرِ زَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ وَمَحْرَمِهِ بِحَيْثُ لا يَرَاهُمَا مُسْلِمٌ بَصِيرٌ ثِقَةٌ أَوْ مَحْرَمٌ مُمَيِّزٌ يُسْتَحَى مِنْهُ كَابْنِ تِسْعِ سِنِينَ لِقَوْلِهِ ﷺ لا يَدْخُلَنَّ أَحَدُكُمْ عَلَى مُغِيبَةٍ إِلَّا وَمَعَهُ رَجُلٌ أَوْ رَجُلانِ، وَالْمُغِيبَةُ هِىَ الْمَرْأَةُ الَّتِى زَوْجُهَا غَائِبٌ وَقَوْلِهِ ﷺ وَلا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ الشَّيْطَانُ ثَالِثَهُمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ، مَعْنَاهُ يَشْتَغِلُ بِهِمَا حَتَّى يُوَقِعَهُمَا فِى الْحَرَامِ لِأَنَّهُ تِلْكَ السَّاعَةَ يَقْوَى عَلَيْهِمَا.
وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ مَعَ الأَجْنَبِيَّةِ فِى سَيَّارَةٍ لا يَرَاهُمَا فِيهَا غَيْرُهُمَا وَيَأْمَنَانِ كُلَّ لَحْظَةٍ مِنَ اطِّلاعِ غَيْرِهِمَا عَلَيْهِمَا كَانَ ذَلِكَ خَلْوَةً مُحَرَّمَةً أَمَّا إِنْ كَانَا فِى شَارِعٍ مَطْرُوقٍ أَىْ يَمُرُّ النَّاسُ فِيهِ عَادَةً فَلا يَكُونُ خَلْوَةً مُحَرَّمَةً، وَالْمَكَانُ الْمَطْرُوقُ الَّذِى يَمْنَعُ حُصُولَ الْخَلْوَةِ إِنْ كَانَ مَسْجِدًا أَوْ شَارِعًا هُوَ بِحَيْثُ لا يَأْمَنَانِ مِنَ اطِّلاعِ غَيْرِهِمَا عَلَيْهِمَا فِى كُلِّ لَحْظَةٍ.
وَمِنَ الْخَلْوَةِ الْمُحَرَّمَةِ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ فِى غُرْفَةٍ وَامْرَأَةٌ أَجْنَبِيَّةٌ فِى شُرْفَةِ الْبَيْتِ أَوْ كَانَا فِى شُرْفَةِ الْبَيْتِ وَلا يُوجَدُ فِى الْبَيْتِ مَنْ يَرَاهُمَا. وَمَنْ كَانَ فِى خَلْوَةٍ مُحَرَّمَةٍ وَقَالَ لِلْمَرْأَةِ شُكْرًا لا يَكْفُرُ إِنْ لَمْ يُرِدْ أَنَّكِ بِالْخَلْوَةِ مَعِى فَعَلْتِ أَمْرًا حَسَنًا لَكِنْ لا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقُولَ لَهَا ذَلِكَ. وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ فِى بَيْتٍ مَعَ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ وَكَانَ مَعَهُمَا رَجُلٌ ثَالِثٌ وَكُلُّ وَاحِدٍ فِى غُرْفَةٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ خَلْوَةً مُحَرَّمَةً. وَلا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَخْتَلِىَ بِالأَجْنَبِىِّ الْمُرَاهِقِ وَهُوَ فِى عُرْفِ الشَّرْعِ مَنْ قَارَبَ الْبُلُوغَ كَابْنِ أَرْبَعَ عَشَرَةَ سَنَةً وَيَجُوزُ لَهَا أَنْ تَخْتَلِىَ بِالصَّبِىِّ الْمُمَيِّزِ غَيْرِ الْمُرَاهِقِ.
(857) مَا حُكْمُ سَفَرِ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ.
يَحْرُمُ سَفَرُ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ كَأَخٍ أَوْ نَحْوِ مَحْرَمٍ كَزَوْجٍ وَلَوْ سَفَرًا قَصِيرًا كَنَحْوِ عِشْرِينَ كِيلُو مِتْرًا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ. وَأَمَّا إِذَا كَانَ سَفَرُهَا لِضَرُورَةٍ فَيَجُوزُ كَأَنْ كَانَتْ مُهَاجِرَةً مِنْ دَارِ الْكُفْرِ إِلَى دَارِ الإِسْلامِ أَوْ كَانَ سَفَرُهَا لِحَجِّ الْفَرْضِ أَوْ عُمْرَةِ الْفَرْضِ. وَأَجَازَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنْ تُسَافِرَ الْمَرْأَةُ مَسِيرَةَ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ بِدُونِ مَحْرَمٍ وَأَجَازَ الإِمَامُ أَحْمَدُ سَفَرَ الْمَرْأَةِ بِدُونِ مَحْرَمٍ إِذَا كَانَ سَفَرُهَا مَعَ جَمْعٍ مِنَ النِّسْوَةِ الثِّقَاتِ.
(858) مَا حُكْمُ خُرُوجِ الْمَرْأَةِ مِنْ بَيْتِهَا بِقَصْدِ التَّعَرُّضِ لِلرِّجَالِ.
يَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ بَيْتِهَا بِقَصْدِ التَّعَرُّضِ لِلرِّجَالِ أَىِ اسْتِمَالَتِهِمْ لِلْمَعْصِيَةِ وَلَوْ كَانَتْ سَاتِرَةً لِلْعَوْرَةِ لِحَدِيثِ ابْنِ حِبَّانَ أَيُّمَا امْرَأَةٍ خَرَجَتْ مُتَعَطِّرَةً فَمَرَّتْ بِقَوْمٍ لِيَجِدُوا رِيحَهَا فَهِىَ زَانِيَةٌ، أَىْ إِذَا قَصَدَتْ بِخُرُوجِهَا مُتَعَطِّرَةً التَّعَرُّضَ لِلرِّجَالِ لِإِيقَاعِهِمْ فِى الْحَرَامِ فَعَلَيْهَا إِثْمٌ لَكِنْ لَيْسَ كَإِثْمِ الزَّانِيَةِ الزِّنَى الْحَقِيقِىَّ الْمُوجِبَ لِلْحَدِّ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ. أَمَّا إِذَا خَرَجَتْ مُتَعَطِّرَةً أَوْ مُتَزَيِّنَةً وَكَانَتْ سَاتِرَةً لِلْعَوْرَةِ وَلَمْ يَكُنْ قَصْدُهَا فِتْنَةَ الرِّجَالِ فَمَكْرُوهٌ فَقَطْ وَلَيْسَ حَرَامًا.
(859) مَا حُكْمُ اسْتِخْدَامِ الْحُرِّ كُرْهًا.
يَحْرُمُ اسْتِخْدَامُ الْحُرِّ كُرْهًا فَلا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْهَرَهُ عَلَى عَمَلٍ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ كَالْعَمَلِ فِى الْبِنَاءِ أَوْ حِرَاثَةِ الأَرْضِ. أَمَّا الْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ فَيَجُوزُ لِسَيِّدِهِ أَنْ يَقْهَرَهُ عَلَى الْعَمَلِ الَّذِى يُطِيقُهُ.
(860) مَا حُكْمُ مُعَادَاةِ الْوَلِىِّ.
يَحْرُمُ مُعَادَاةُ الْوَلِىِّ أَىِ اتِّخَاذُهُ عَدُوًّا وَمُحَارَبَتُهُ كَأَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِى الْحَدِيثِ الْقُدْسِىِّ مَنْ عَادَى لِى وَلِيًّا فَقَدْ ءَاذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ، أَىْ أَعْلَمْتُهُ أَنِّى مُحَارِبٌ لَهُ. وَالْوَلِىُّ هُوَ الْمُؤْمِنُ الْمُسْتَقِيمُ بِطَاعَةِ اللَّهِ أَىْ أَدَّى جَمِيعَ الْوَاجِبَاتِ وَاجْتَنَبَ جَمِيعَ الْمُحَرَّمَاتِ وَأَكْثَرَ مِنَ النَّوَافِلِ قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾.
(861) مَا حُكْمُ الإِعَانَةِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ.
يَحْرُمُ الإِعَانَةُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ وَقَوْلِهِ ﷺ لا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِى مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ. وَالإِعَانَةُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ الْكَبِيرَةِ كَبِيرَةٌ فَمَنْ أَعَانَ غَيْرَهُ عَلَى فِعْلِ مَعْصِيَةٍ كَبِيرَةٍ وَقَعَ فِى ذَنْبٍ كَبِيرٍ. أَمَّا الإِعَانَةُ عَلَى الْكُفْرِ فَهِىَ كُفْرٌ كَأَنْ أَعْطَى كَافِرًا مَا يَسْتَعِينُ بِهِ لِفِعْلِ الْكُفْرِ مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ.
(862) مَا حُكْمُ تَرْوِيجِ الزَّائِفِ.
يَحْرُمُ تَرْوِيجُ الزَّائِفِ كَالَّذِى يُرَوِّجُ الْعُمْلَةَ الْوَرَقِيَّةَ الْمُزَيَّفَةَ لِمَا فِيهِ مِنَ الْغَشِّ وَأَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ.
(863) مَا حُكْمُ اسْتِعْمَالِ أَوَانِى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَاتِّخَاذِهَا.
يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ أَوَانِى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِى الأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ لِقَوْلِهِ ﷺ إِنَّ الَّذِى يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ فِى ءَانِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِى بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَيَحْرُمُ اتِّخَاذُ أَوَانِى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ أَىِ اقْتِنَاءُ أَوَانِيهِمَا بِلا اسْتِعْمَالٍ. وَيَجُوزُ الِاكْتِحَالُ بِالْمِيلِ وَلَوْ كَانَ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ لِلتَّدَاوِى اعْتِمَادًا عَلَى قَوْلِ طَبِيبٍ ثِقَةٍ وَيَجُوزُ تَرْكِيبُ سِنٍّ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جِسْرٍ وَلَوْ وَجَدَ غَيْرَهُ.
(864) مَا حُكْمُ تَرْكِ الْفَرْضِ.
يَحْرُمُ تَرْكُ أَدَاءِ الْفَرْضِ أَوْ تَأْخِيرُهُ عَنْ وَقْتِهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ كَالصَّلاةِ قَالَ تَعَالَى ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ وَالْوَيْلُ هُوَ شِدَّةُ الْعَذَابِ وَقَدْ تَوَعَّدَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْعَذَابِ الشَّدِيدِ مَنْ يَتَهَاوَنُونَ بِالصَّلاةِ بِأَنْ يُؤَخِّرُوهَا عَمْدًا حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الصَّلاةِ الأُخْرَى بِلا عُذْرٍ.
(865) مَا حُكْمُ الصَّيْدِ بِالْمُثَقَّلِ الْمُذَفِّفِ.
يَحْرُمُ الصَّيْدُ بِالْمُثَقَّلِ الْمُذَفِّفِ. وَالْمُثَقَّلُ هُوَ مَا يَقْتُلُ بِثِقَلِهِ كَالصَّخْرَةِ أَمَّا الْمُذَفِّفُ فَهُوَ الْمُسْرِعُ لِإِزْهَاقِ الرُّوحِ كَالرَّصَاصِ الَّذِى عُرِفَ اسْتِعْمَالُهُ لِلصَّيْدِ. أَمَّا مَا يُقْتَلُ بِالرَّصَاصِ فَمَيْتَةٌ إِلَّا أَنْ يُدْرَكَ وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ أَىْ حَرَكَةٌ اخْتِيَارِيَّةٌ وَيُذْبَحَ بِالسِّكِّينِ أَوْ نَحْوِهَا وَعَلامَةُ اسْتِقْرَارِ الْحَيَاةِ أَنْ تَشْتَدَّ حَرَكَتُهُ بَعْدَ الذَّبْحِ وَيَتَدَفَّقَ دَمُهُ. وَيَجُوزُ الصَّيْدُ بِبُنْدُقِ الرَّصَاصِ عِنْدَ الإِمَامِ عَبْدِ الرَّحْمٰنِ الأَوْزَاعِىِّ بِشَرْطِ التَّسْمِيَةِ قَبْلَ الرَّمْىِ عِنْدَ كُلِّ صَيْدٍ فَإِنْ أَدْرَكَهُ حَيًّا وَتَرَكَهُ يَمُوتُ مِنْ غَيْرِ ذَبْحٍ فَلا يَحِلُّ عِنْدَهُ.
(866) مَا حُكْمُ اتِّخَاذِ الْحَيَوَانِ غَرَضًا.
يَحْرُمُ اتِّخَاذُ الْحَيَوَانِ غَرَضًا أَىْ هَدَفًا يُرْمَى إِلَيْهِ لِتَعَلُّمِ الرِّمَايَةِ أَوْ لِلَّهْوِ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا رَوَاهُ مُسْلِمٌ. أَمَّا مَا يُسْتَحَبُّ قَتْلُهُ كَالْفَأْرَةِ وَالْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ وَالْقِرْدِ وَالْخِنْزِيرِ فَيَرْمِى إِلَيْهِ بِنِيَّةِ قَتْلِهِ لا تَعْذِيبِهِ.
(867) مَا حُكْمُ تَنْجِيسِ الْمَسْجِدِ أَوْ تَقْذِيرِهِ.
اعْلَمْ أَنَّ الْمَسَاجِدَ أَحَبُّ بِقَاعِ الأَرْضِ إِلَى اللَّهِ لِأَنَّهَا بُنِيَتْ لِعِبَادَةِ اللَّهِ فَيَحْرُمُ تَنْجِيسُهَا بِنَجِسٍ كَبَوْلٍ أَوْ تَقْذِيرُهَا بِطَاهِرٍ مُسْتَقْذَرٍ كَالْبُصَاقِ وَالْمُخَاطِ لِأَنَّ حِفْظَ الْمَسْجِدِ مِنْ ذَلِكَ مِنْ تَعْظِيمِ شَعَائِرِ اللَّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾. وَأَمَّا تَلْطِيخُ الْمَسْجِدِ بِالْقَاذُورَاتِ أَوِ النَّجَاسَاتِ اسْتِخْفَافًا بِالْمَسْجِدِ لِأَنَّهُ مَكَانُ الصَّلاةِ فَهُوَ كُفْرٌ.
وَيَجُوزُ الْبَصْقُ فِى الْمَسْجِدِ الْمَفْرُوشِ بِالْحَصَى وَنَحْوِهِ بِنِيَّةِ أَنْ يُدْفَنَ أَمَّا أَنْ يُبْصَقَ فِيهِ بِدُونِ نِيَّةِ أَنْ يُدْفَنَ هَذَا الْبُصَاقُ فَهُوَ حَرَامٌ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ بَصَقَ فِى مَسْجِدِهِ ثُمَّ دَفَنَ الْبُصَاقَ بِقَدَمِهِ الْيُسْرَى وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ حَدِيثُ الْبُصَاقُ فِى الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ. وَيَحْرُمُ رَمْىُ مَا يُؤْذِى الْمُصَلِّينَ عَلَى الْحُصُرِ وَالسَّجَاجِيدِ فِى أَرْضِ الْمَسْجِدِ كَرَمْىِ قِشْرِ الْبِزْرِ أَوِ الأَظَافِرِ أَوْ فُتَاتِ الْخُبْزِ بِحَيْثُ يَلْصَقُ بِثَوْبِ الْمُصَلِّى عِنْدَ الْقُعُودِ وَبِجَبْهَتِهِ عِنْدَ السُّجُودِ وَبِرِجْلِهِ عِنْدَ الْقِيَامِ وَالسَّيْرِ.
وَمِنْ أَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَالْجُنُبِ الْمُكْثُ فِيهَا. وَالصَّلاةُ الْمَفْرُوضَةُ فِى الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلاةِ فِى الْبَيْتِ أَمَّا النَّفْلُ فِى الْبَيْتِ فَهُوَ أَفْضَلُ وَأَعْظَمُ ثَوَابًا. وَالِاعْتِكَافُ فِى الْمَسْجِدِ أَىِ الْمُكْثُ فِيهِ وَلَوْ مُدَّةً يَسِيرَةً بِنِيَّةٍ حَسَنَةٍ فِيهِ ثَوَابٌ وَهُوَ مَعَ الذِّكْرِ وَتِلاوَةِ الْقُرْءَانِ أَعْظَمُ أَجْرًا. وَمِنْ أَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ كَرَاهَةُ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِيهَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ فِى الْمَسْجِدِ أَوْ يَبْتَاعُ فَقُولُوا لَهُ لا بَارَكَ اللَّهُ لَكَ رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ.
وَالْكَلامُ فِى الْمَسْجِدِ فِى أُمُورِ الدُّنْيَا بِمَا لَيْسَ فِيهِ مَعْصِيَةٌ جَائِزٌ وَلا يُذْهِبُ شَيْئًا مِنَ الثَّوَابِ فَلا يَجُوزُ الْقَوْلُ الْكَلامُ فِى الْمَسْجِدِ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ كَانَ فِى الْمَسْجِدِ مَعَ جَمْعٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَكَانَ الصَّحَابَةُ يَتَذَاكَرُونَ مَا حَصَلَ فِى الْجَاهِلِيَّةِ أَىْ قَبْلَ دُخُولِهِمْ فِى الإِسْلامِ مِنْ أَحْوَالِ النَّاسِ وَأَعْمَالِهِمْ فَيَضْحَكُونَ وَالرَّسُولُ يَتَبَسَّمُ رَوَى ذَلِكَ التِّرْمِذِىُّ وَصَحَّحَهُ.
وَيَجُوزُ الْجُلُوسُ فِى الْمَسْجِدِ وَلَوْ مع مَدِّ الرِّجْلَيْنِ إِلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ إِنَّمَا الْمَنْهِىُّ عَنْهُ هُوَ مَدُّ الرِّجْلَيْنِ إِلَى الْمُصْحَفِ أَوْ إِلَى كِتَابِ عِلْمٍ شَرْعِىٍّ أَوْ إِلَى اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى إِنْ كَانَ قَرِيبًا. وَمِنْ أَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ جَوَازُ الْمَبِيتِ فِيهَا لِلْغَرِيبِ وَغَيْرِهِ فَقَدْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَبِيتُ فِى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ.
(868) مَا حُكْمُ التَّهَاوُنِ بِالْحَجِّ بَعْدَ الِاسْتِطَاعَةِ.
إِذَا أَخَّرَ الْمُسْلِمُ أَدَاءَ الْحَجِّ بَعْدَ حُصُولِ الِاسْتِطَاعَةِ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ وَقَعَ فِى ذَنْبٍ كَبِيرٍ. وَإِذَا حُجَّ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ سَقَطَ عَنْهُ الْفَرْضُ فَلا يُسْأَلُ عَنْهُ.
(869) مَا حُكْمُ الِاسْتِدَانَةِ لِمَنْ لا يَرْجُو وَفَاءً لِدَيْنِهِ.
يَحْرُمُ الِاسْتِدَانَةُ لِمَنْ لا يَرْجُو وَفَاءً لِدَيْنِهِ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِلْكٌ وَلا مِهْنَةٌ يَسْتَغِلُّهَا لِرَدِّ الدَّيْنِ. أَمَّا إِنْ كَانَ دَائِنُهُ يَعْلَمُ بِحَالِهِ وَمَعَ ذَلِكَ أَقْرْضَهُ فَلا حَرَجَ عَلَيْهِ. وَمَنْ أَتْلَفَ شَيْئًا خَطَأً وَعَجَزَ عَنْ غَرَامَتِهِ حَتَّى مَاتَ فَلا عُقُوبَةَ عَلَيْهِ فِى الآخِرَةِ لِأَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ مَظْلَمَةً كَمَا ذَكَرَ السُّبْكِىُّ.
(870) مَا حُكْمُ عَدَمِ إِنْظَارِ الْمُعْسِرِ.
يَحْرُمُ عَلَى الدَّائِنِ تَرْكُ إِنْظَارِ الْمُعْسِرِ أَىِ الْعَاجِزِ عَنْ قَضَاءِ مَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ مَعَ عِلْمِهِ بِعَجْزِهِ أَىْ يَحْرُمُ إِيذَاؤهُ بِحَبْسٍ أَوْ إِزْعَاجٍ قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِى الْيَسَرِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ عَنْهُ (أَىْ أَسْقَطَ شَيْئًا مِنْ دَيْنِهِ) أَظَلَّهُ اللَّهُ فِى ظِلِّهِ (أَىْ فِى ظِلِّ الْعَرْشِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) يَوْمَ لا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ، فَالَّذِى يَكْتَسِبُ هَذِهِ الْمَثُوبَةَ فَهُوَ مِنَ الْفَائِزِينَ.
(871) مَا حُكْمُ بَذْلِ الْمَالِ فِى مَعْصِيَةٍ.
يَحْرُمُ صَرْفُ الْمَالِ فِى مَعْصِيَةٍ كَبِيرَةً كَانَتْ أَوْ صَغِيرَةً وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ كَالْمَالِ الَّذِى يُعْطَى لِلْمُغَنِيَّاتِ وَالْمُغَنِّينَ أُجْرَةً فَلا يَحِلُ لَهُمْ وَلا يَدْخُلُ فِى مِلْكِهِمْ وَالْمَالِ الَّذِى يُدْفَعُ لِشِرَاءِ الصُّوَرِ الْمُجَسَّمَةِ لِإِنْسَانٍ أَوْ بَهِيمَةٍ كَلُعَبِ الأَطْفَالِ وَهَذَا هُوَ التَّبْذِيرُ الْمُحَرَّمُ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ وَالتَّبْذِيرُ هُوَ صَرْفُ الْمَالِ فِى الْحَرَامِ.
وَأَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ شِرَاءَ اللُّعَبِ لِلْبَنَاتِ الصِّغَارِ إِذَا كَانَتِ اللُّعْبَةُ بِهَيْئَةِ بِنْتٍ صَغِيرَةٍ. وَأَمَّا أَخْذُ الأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْءَانِ أَوْ عِلْمِ الدِّينِ فَيَجُوزُ. وَأَمَّا التَّوَسُّعُ فِى الْمُبَاحَاتِ كَأَنْ يُعَدِّدَ الشَّخْصُ أَصْنَافَ الطَّعَامِ وَالثِّيَابِ فَلَيْسَ حَرَامًا لَكِنْ تَرْكُهُ أَحْسَنُ إِلَّا إِذَا كَانَ يُؤَدِّى إِلَى تَضْيِيعِ وَاجِبٍ كَنَفَقَةٍ وَاجِبَةٍ أَوْ زَكَاةٍ فَيَحْرُمُ حِينَئِذٍ.
(872) مَا حُكْمُ الِاسْتِهَانَةِ بِالْمُصْحَفِ.
يَحْرُمُ الِاسْتِهَانَةُ بِالْمُصْحَفِ أَىِ الإِخْلالُ بِتَعْظِيمِهِ كَمَسِّهِ بِغَيْرِ وُضُوءٍ أَوْ مَدِّ الرِّجْلِ إِلَيْهِ إِذَا كَانَ قَرِيبًا وَغَيْرَ مُرْتَفِعٍ أَوْ تَمْكِينِ الصَّبِىِّ الْمُمَيِّزِ مِنْ مَسِّهِ وَحَمْلِهِ بِغَيْرِ وُضُوءٍ لِغَيْرِ حَاجَتِهِ لِلتَّعَلُّمِ فِيهِ وَأَمَّا الِاسْتِخْفَافُ بِهِ كَدَوْسِهِ عَمْدًا أَوْ رَمْيِهِ فِى الْقَاذُورَاتِ فَهُوَ كُفْرٌ.
(873) مَا حُكْمُ تَغْيِيرِ مَنَارِ الأَرْضِ.
يَحْرُمُ تَغْيِيرُ الْحَدِّ الْفَاصِلِ بَيْنَ مِلْكِهِ وَمِلْكِ جَارِهِ بِأَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ أَرْضِ جَارِهِ وَيَضُمَّهَا إِلَى أَرْضِهِ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ لِقَوْلِهِ ﷺ لَعَنَ اللَّهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الأَرْضِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(874) مَا حُكْمُ التَّصَرُّفِ بِالشَّارِعِ.
يَحْرُمُ التَّصَرُّفُ بِالشَّارِعِ أَىِ الطَّرِيقِ النَّافِذِ بِمَا يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ كَأَنْ يَبْنِىَ شَيْئًا مُرْتَفِعًا لِيَجْلِسَ عَلَيْهِ فِى الشَّارِعِ أَوْ لِيَضَعَ عَلَيْهِ أَغْرَاضَهُ لِيَبِيعَهَا أَمَّا إِنْ جَلَسَ فِى طَرَفِ الشَّارِعِ وَبَسَطَ سَجَّادَةً وَجَلَسَ عَلَيْهَا لِيَبِيعَ أَغْرَاضَهُ فَيَجُوزُ. أَمَّا الطَّرِيقُ غَيْرُ النَّافِذِ أَىِ الطَّرِيقُ الْفَرْعِىُّ الَّذِى يَتَفَرَّعُ مِنَ الشَّارِعِ الْعَامِّ وَفِى جَانِبَيْهِ بُيُوتٌ وَطَرَفُهُ الآخَرُ مَسْدُودٌ فَلا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِدُونِ إِذْنِ أَهْلِهِ لِأَنَّ دُخُولَهُ وَالْجُلُوسَ فِيهِ لا يَجُوزُ إِلَّا لِأَهْلِهِ أَوْ مَنْ أَذِنُوا لَهُ.
(875) مَا حُكْمُ اسْتِعْمَالِ الْمُعَارِ فِى غَيْرِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِيهِ.
يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ الشَّىْءِ الْمُعَارِ فِى غَيْرِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِيهِ كَأَنِ اسْتَعَارَ دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا فَنَقَلَ عَلَيْهَا مَتَاعَ مَنْزِلِهِ أَوْ زَادَ عَلَى الْمُدَّةِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِيهَا كَأَنْ أَعَارَهُ شَخْصٌ سَيَّارَتَهُ لِأُسْبُوعٍ فَاسْتَعْمَلَهَا أُسْبُوعَيْنِ أَوْ أَعَارَ الشَّىْءَ الْمُعَارَ لِغَيْرِهِ بِلا إِذْنٍ مِنَ الْمَالِكِ.
(876) مَا حُكْمُ تَحْجِيرِ الْمُبَاحِ.
يَحْرُمُ تَحْجِيرُ الْمُبَاحِ أَىْ مَنْعُ النَّاسِ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِالأَشْيَاءِ الْمُبَاحَةِ لَهُمْ كَشَوَاطِئِ الأَنْهَارِ وَالْبِحَارِ وَالْمَرْعَى فِى أَرْضٍ لا مَالِكَ لَهَا وَالْمِلْحِ مِنْ مَعْدِنِهِ كَالْبَحْرِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مِنْ مَعْدِنِهِمَا أَىْ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِى خُلِقَا فِيهِ. وَيَحْرُمُ مَنْعُ النَّاسِ مِنَ أَخْذِ الْحَطَبِ مِنَ الأَرْضِ الْمَوَاتِ الَّتِى لا مَالِكَ لَهَا وَمِنَ الشُّرْبِ مِنَ مَاءِ الْبِئْرِ الَّتى حُفِرَتْ فِى الأَرْضِ الْمَوَاتِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِى ثَلاثٍ الْمَاءِ وَالْكَلَإِ وَالنَّارِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
(877) مَا حُكْمُ اسْتِعْمَالِ اللُّقَطَةِ.
يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ اللُّقَطَةِ قَبْلَ التَّعْرِيفِ عَنْهَا مُدَّةَ سَنَةٍ وَاللُّقَطَةُ هِىَ مَا ضَاعَ مِنْ مَالِكِهِ فِى شَارِعٍ أَوْ مَسْجِدٍ وَنَحْوِهِمَا وَلا يُعْرَفُ مَالِكُهُ. فَإِذَا وَجَدَ الشَّخْصُ لُقَطَةً فِى الطَّرِيقِ لا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَرْفَعَهَا لَكِنْ إِنْ أَخَذَهَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعَرِّفَهَا مُدَّةَ سَنَةٍ وَلا يَحِلُّ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهَا قَبْلَ التَّعْرِيفِ عَنْهَا فَإِنْ أَكَلَهَا قَبْلَ أَنْ يُعَرِّفَ عَنْهَا وَقَعَ فِى ذَنْبٍ كَبِيرٍ.
فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ صَاحِبُهَا بَعْدَ سَنَةٍ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا بِنِيَّةِ أَنْ يَغْرَمَ لِصَاحِبِهَا إِنْ ظَهَرَ فَيَقُولَ تَمَلَّكْتُ هَذَا الشَّىْءَ. فَإِنْ كَانَتِ اللُّقَطَةُ مِمَّا يَتْلَفُ بِسُرْعَةٍ يَبِيعُهَا وَيَحْفَظُ ثَمَنَهَا لِصَاحِبِهَا وَلا يَأْكُلُهَا. وَإِذَا وَجَدَ صَنَمًا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ شِعَارَ كُفْرٍ فَلا يُعَرِّفُ عَنْهُ وَلا يُعْطِيهِ لِكَافِرٍ إِنَّمَا يَكْسِرُهُ وَيَتَصَدَّقُ بِهِ. وَأَمَّا إِذَا كَانَتِ اللُّقَطَةُ فِيهَا شَىْءٌ مُحْتَرَمٌ كَاسْمِ اللَّهِ أَوْ ءَايَةٍ قُرْءَانِيَّةٍ فَلا يَتْرُكُهَا تَدُوسُ عَلَيْهَا الأَرْجُلُ بَلْ يَرْفَعُهَا وُجُوبًا وَيُعَرِّفُ عَنْهَا.
وَأَمَّا مَا يَجِدُهُ الشَّخْصُ فِى بَيْتِهِ أَوْ دُكَّانِهِ أَوْ سَيَّارَتِهِ مِمَّا لَيْسَ لَهُ فَإِنَّهُ يَحْفَظُهُ وَلا يَتَصَرَّفُ فِيهِ حَتَّى يَيْأَسَ مِنْ مَعْرِفَةِ صَاحِبِهِ فَإِنْ يَئِسَ مِنْ مَعْرِفَةِ صَاحِبِهِ كَأَنْ مَضَى عَلَيْهِ عَشْرُ سِنِينَ وَلَمْ يَجِدْ صَاحِبَهُ فَعِنْدَئِذٍ يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى فَقِيرٍ إِنْ شَاءَ وَيَقُولُ فِى نَفْسِهِ ثَوَابُهُ لِصَاحِبِهِ إِنْ كَانَ مُسْلِمًا، فَإِنْ ظَهَرَ صَاحِبُهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَكَانَ مُسْلِمًا يُخَيِّـرُهُ بَيْنَ أَنْ يَدْفَعَ لَهُ أَوْ أَنْ يَرْضَى بِالثَّوَابِ.
(878) مَا حُكْمُ الْجُلُوسِ مَعَ مُشَاهَدَةِ الْمُنْكَرِ.
يَحْرُمُ الْبَقَاءُ فِى مَكَانٍ مَعَ الْعِلْمِ بِوُجُودِ الْمُنْكَرِ فِيهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ بِأَنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يُفَارِقَ الْمَكَانَ فَلَمْ يَفْعَلْ. وَالْمُنْكَرُ هُوَ الْحَرَامُ. وَإِذَا دُعِىَ الرَّجُلُ إِلَى وَلِيمَةِ عُرْسٍ وَعَلِمَ أَنَّ فِيهِ مُنْكَرًا كَآلاتِ اللَّهْوِ الْمُحَرَّمَةِ فَلا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُلَبِّىَ الدَّعْوَةَ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِى جَوَازِ حُضُورِهِ فَقَالَ بَعْضٌ لا يَجُوزُ لَهُ الْحُضُورُ لِوُجُودِ الْمُنْكَرِ فِيهِ وَقَالَ بَعْضٌ كَالشَّافِعِىِّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَحْضُرُ وَيُنْكِرُ بِقَلْبِهِ إِنْ عَجَزَ عَنِ الإِنْكَارِ بِيَدِهِ وَلِسَانِهِ.
أَمَّا إِنْ عَلِمَ بِوُجُودِ الْمُنْكَرِ فِيهِ وَكَانَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُزِيلَ هَذَا الْمُنْكَرَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَذْهَبَ لِإِزَالَتِهِ لِحَدِيثِ مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا (أَىْ عَلِمَ بِوُجُودِهِ) فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ. أَمَّا إِذَا دُعِىَ الرَّجُلُ إِلَى وَلِيمَةِ الْعُرْسِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مُنْكَرٌ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُلَبِّىَ الدَّعْوَةَ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ وَلَمْ يَعْتَذِرْ عَنِ الْحُضُورِ. وَمَنْ أَرَادَ الِاعْتِذَارَ عَنْ حُضُورِ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ يَعْتَذِرُ لِلَّذِى دَعَاهُ.
(879) مَا حُكْمُ التَّطَفُّلِ فِى الْوَلائِمِ.
يَحْرُمُ حُضُورُ الْوَلِيمَةِ الَّتِى لَمْ يُدْعَ إِلَيْهَا أَوْ دُعِىَ إِلَيْهَا اسْتِحْيَاءً مِنَ النَّاسِ مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﷺ لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَأْخُذَ عَصَا أَخِيهِ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ. وَفِى هَذَا الْحَدِيثِ تَحْذِيرٌ بَلِيغٌ مِنَ اسْتِعْمَالِ مَالِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسِ صَاحِبِهِ.
(880) مَا حُكْمُ تَرْكِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ.
يَحْرُمُ تَرْكُ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ فِى النَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ وَالْمَبِيتِ. أَمَّا مَا كَانَ فَوْقَ النَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ فَلا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ فِيهِ بَيْنَ زَوْجَاتِهِ فَلَوْ خَصَّ إِحْدَاهُنَّ بِحُلِىٍّ دُونَ غَيْرِهَا لَمْ يَأْثَمْ. وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُسَوِّىَ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ فِى الْمَحَبَّةِ الْقَلْبِيَّةِ وَالْجِمَاعِ وَإِعْطَاءِ الْهَدَايَا لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يَفْرِضْ عَلَى الزَّوْجِ التَّسْوِيَّةَ بَيْنَهُنَّ فِى كُلِّ شَىْءٍ وَلَيْسَ بِاسْتِطَاعَتِهِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ. وَإِذَا جَامَعَ إِحْدَى زَوْجَاتِهِ مَرَّةً ثُمَّ امْتَنَعَ مِنْ جِمَاعِهَا لا يُلْزِمُهُ الْحَاكِمُ بِالْجِمَاعِ لَكِنْ تَرْكُ جِمَاعِ الزَّوْجَةِ بِالْمَرَّةِ إِيحَاشٌ لَهَا.
(881) مَا حُكْمُ السِّحْرِ.
يَحْرُمُ الْعَمَلُ بِالسِّحْرِ وَهُوَ مُزَاوَلَةُ أَفْعَالٍ وَأَقْوَالٍ خَبِيثَةٍ. وَالسِّحْرُ حَرَامٌ مِنَ الْكَبَائِرِ وَمِنْهُ مَا هُوَ كُفْرٌ كَالسُّجُودِ لِصَنَمٍ أَوْ شَيْطَانٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ (أَىِ الْمُهْلِكَاتِ) وَعَدَّ مِنْهَا السِّحْرَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَالسِّحْرُ حَرَامٌ سَوَاءٌ كَانَ لِلْمَحَبَّةِ أَوْ لِلتَّبْغِيضِ. وَيَحْرُمُ تَعَلُّمُهُ وَتَعْلِيمُهُ لِغَيْرِ سَبَبٍ شَرْعِىٍّ. أَمَّا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ فَمَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ الْمَلَكَيْنِ هَارُوتَ وَمَارُوتَ أَنْ يَنْزِلا إِلَى الأَرْضِ وَيُعَلِّمَا النَّاسَ السِّحْرَ أَىْ نَوْعًا مِنَ السِّحْرِ لا لِيَعْمَلُوا بِهِ بَلْ لِيَعْرِفُوا حَقِيقَتَهُ،
كَانَا يُعَلِّمَانِ مَعَ التَّحْذِيرِ فَيَقُولانِ لِلنَّاسِ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ أَىْ ابْتِلاءٌ مِنَ اللَّهِ وَاخْتِبَارٌ نُعَلِّمُكُمُ السِّحْرَ أَىْ نَوْعًا مِنَ السِّحْرِ فَلا تَعْمَلُوا بِهِ وَلا تَعْتَبِرُوهُ حَلالًا فَتَكْفُرُوا، كَانَا يُعَلِّمَانِ النَّاسَ مَا يَكُونُ مِنَ السِّحْرِ مِنْ نَوْعِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ اثْنَيْنِ مُتَحَابَّيْنِ ثُمَّ النَّاسُ الَّذِينَ تَعَلَّمُوا مِنْهُمَا بَعْضُهُمْ عَمِلُوا بِهِ وَعَصَوْا رَبَّهُمْ. وَلْيُعْلَمْ أَنَّ السِّحْرَ لَيْسَ مِنْ عَمَلِ الأَنْبِيَاءِ وَالأَوْلِيَاءِ وَأَنَّ الْقُرْءَانَ لا يَدْخُلُ فِى عَمَلِ السِّحْرِ فَمَنْ رَأَى شَيْئًا مَكْتُوبًا مِنَ السِّحْرِ مَخْلُوطًا بِآيَاتٍ مِنَ الْقُرْءَانِ فَلْيَعْلَمْ أَنَّ الْقُرْءَانَ لَيْسَ لَهُ دَخَلٌ إِنَّمَا الشَّيَاطِينُ أَدْخَلَتْ هَذَا لِتُضِلَّ النَّاسَ لِيَظُنُّوا أَنَّ الْقُرْءَانَ يَدْخُلُ فِى عَمَلِ السِّحْرِ.
(882) مَا حُكْمُ الْخُرُوجِ عَنِ طَاعَةِ الإِمَامِ.
يَحْرُمُ الْخُرُوجُ عَنْ طَاعَةِ الإِمَامِ أَىِ الْخَلِيفَةِ كَطَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَالزُّبَيْرِ بنِ الْعَوَّامِ فَإِنَّهُمَا خَرَجَا عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِىِّ بنِ أَبِى طَالِبٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَىْ تَرَكَا طَاعَتَهُ وَخَالَفَاهُ بِوُقُوفِهِمَا مَعَ الَّذِينَ قَاتَلُوهُ فِى الْبَصْرَةِ فَقَالَ سَيِّدُنَا عَلِىٌّ لِلزُّبَيْرِ قَبْلَ نُشُوبِ الْحَرْبِ أَلَمْ يَقُلْ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّكَ لَتُقَاتِلَنَّ عَلِيًّا وَأَنْتَ ظَالِمٌ لَهُ فَقَالَ نَسِيتُ فَذَهَبَ مُنْصَرِفًا عَنْ قِتَالِهِ تَائِبًا ثُمَّ لَحِقَهُ رَجُلٌ مِنْ جَيْشِ عَلِىٍّ فَطَعَنَهُ بِرُمْحٍ فِى ظَهْرِهِ فَقَتَلَهُ.
وَقَالَ لِطَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِىٌّ مَوْلاهُ أَىْ مَنْ كُنْتُ نَاصِرَهُ فَعَلِىٌّ يَنْصُرُهُ فَذَهَبَ طَلْحَةُ مُنْصَرِفًا عَنْ قِتَالِهِ تَائِبًا فَرَمَاهُ مَرْوَانُ بنُ الْحَكَمِ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ. أَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى حُرْمَةِ الْخُرُوجِ عَنْ طَاعَةِ الإِمَامِ فَهُوَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ يَخْرُجُ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا فَمَاتَ عَلَيْهِ إِلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً (أَىْ كَأَنَّهُ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً). شَبَّهَ الرَّسُولُ ﷺ مَنْ تَمَرَّدَ عَلَى الْخَلِيفَةِ وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ بِأَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ فِى مِيتَتِهِ لِعُظْمِ ذَنْبِهِ.
(883) مَا حُكْمُ التَّوَلِّى عَلَى يَتِيمٍ أَوْ مَسْجِدٍ أَوْ قَضَاءٍ.
مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ أَنْ يَتَوَلَّى الشَّخْصُ التَّصَرُّفَ بِمَالِ الْيَتِيمِ وَهُوَ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ الْخِيَانَةَ فِيهِ أَوْ يَتَوَلَّى وَظِيفَةً تَتَعَلَّقُ بِالْمَسْجِدِ كَأَنْ يَنْتَصِبَ إِمَامًا فِى مَسْجِدٍ لِيُصَلِىَّ بِالنَّاسِ وَهُوَ لا يُحْسِنُ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ أَوْ يَتَوَلَّى الْقَضَاءَ بَيْنَ النَّاسِ وَهُوَ لَيْسَ أَهْلًا.
(884) مَا حُكْمُ إِيوَاءِ الظَّالِمِ.
يَحْرُمُ إِيوَاءُ الظَّالِمِ لِيَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ يُرِيدُ أَخْذَ الْحَقِّ مِنْهُ كَأَنْ قَتَلَ مُسْلِمًا ظُلْمًا فَآوَاهُ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ءَاوَى مُحْدِثًا. وَالْمُحْدِثُ هُنَا هُوَ الظَّالِمُ.
(885) مَا حُكْمُ تَرْوِيعِ الْمُسْلِمِ.
يَحْرُمُ تَرْوِيعُ الْمُسْلِمِ أَىْ تَخْوِيفُهُ وَإِرْعَابُهُ بِغَيْرِ حَقٍّ كَالتَّرْوِيعِ بِنَحْوِ سِلاحٍ يُشِيرُ بِهِ إِلَيْهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ ﷺ مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ لَعَنَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَابْنُ حِبَّانَ.
(886) مَا حُكْمُ قَطْعِ الطَّرِيقِ.
يَحْرُمُ قَطْعُ الطَّرِيقِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ مِنَ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ وَيَحْصُلُ بِإِخَافَةِ الْمَارَّةِ أَوْ أَخْذِ أَمْوَالِهِمْ أَوْ قَتْلِهِمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ وَفِى ذَلِكَ إِشْعَارٌ بِعُظْمِ ذَنْبِ قَطْعِ الطَّرِيقِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ. وَيُعَاقَبُ قَاطِعُ الطَّرِيقِ بِحَبْسٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ إِذَا كَانَتْ جِنَايَتُهُ إِخَافَةَ الْمَارَّةِ فَقَطْ وَتُقْطَعُ يَدُهُ الْيُمْنَى وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى إِذَا كَانَتْ جِنَايَتُهُ إِخَافَتَهُمْ وَأَخْذَ مَالِهِمْ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ قِيمَتُهُ رُبْعَ دِينَارِ ذَهَبٍ أَوْ أَكْثَرَ فَإِنْ عَادَ فَيَدُهُ الْيُسْرَى وَرِجْلُهُ الْيُمْنَى.
أَمَّا إِذَا كَانَتْ جِنَايَتُهُ الْقَتْلَ وَأَخْذَ الْمَالِ فَيُقْتَلُ وَيُغَسَّلُ وَيُكَفَّنُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ يُعَلَّقُ عَلَى خَشَبَةٍ مُعْتَرِضَةٍ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ وَإِلَّا أُنْزِلَ وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ جِنَايَتُهُ الْقَتْلَ بِلا أَخْذِ مَالٍ فَيُقْتَلُ وَلا يُعَلَّقُ عَلَى خَشَبَةٍ وَلا يَسْقُطُ هَذَا الْقَتْلُ بِعَفْوِ الْوَلِىِّ.
(887) مَا حُكْمُ عَدَمِ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ.
يَحْرُمُ تَرْكُ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ. وَالنَّذْرُ هُوَ الِالْتِزَامُ بِفِعْلِ طَاعَةٍ غَيْرِ وَاجِبَةٍ كَأَنْ يَقُولَ لِلَّهِ عَلَىَّ أَوْ نَذْرًا عَلَىَّ أَوْ عَلَىَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِمَبْلَغِ كَذَا. وَشَرْطُ النَّذْرِ الَّذِى يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ أَنْ يَكُونَ الْمَنْذُورُ قُرْبَةً غَيْرَ وَاجِبَةٍ أَىْ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ كَصِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ قِرَاءَةِ قُرْءَانٍ أَوْ ذِكْرٍ فَلا يَصِحُّ نَذْرُ الْقُرْبَةِ الْوَاجِبَةِ كَصِيَامِ رَمَضَانَ وَلا نَذْرُ تَرْكِ الْمَعْصِيَةِ كَشُرْبِ الْخَمْرِ.
وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَذْبَحَ خَرُوفًا لِيَتَصَدَّقَ بِهِ يَذْبَحُ خَرُوفًا عُمْرُهُ سَنَةٌ أَوْ أَسْقَطَ مُقَدَّمَ أَسْنَانِهِ وَلَيْسَ لِلنَّاذِرِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ نَذْرِهِ الَّذِى نَذَرَهُ وَلا أَنْ يُطْعِمَ أَوْلادَهُ الصِّغَارَ مِنْهُ إِنَّمَا يُطْعِمُ الْفُقَرَاءَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ وَلَيْسُوا مَنْسُوبِينَ لِلرَّسُولِ ﷺ. وَالنَّذْرُ مِنْهُ مَا هُوَ مُعَلَّقٌ بِحُصُولِ نِعْمَةٍ أَوْ زَوَالِ نِقْمَةٍ أَىْ بَلِيَّةٍ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ لَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ كَأَنْ يَقُولَ إِنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِى فَعَلَىَّ صِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ وَنَذْرٌ غَيْرُ مُعَلَّقٍ بِحُصُولِ شَىْءٍ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ وَفِيهِ ثَوَابٌ كَالَّذِى يَقُولُ نَذْرًا عَلَىَّ أَنْ أَصُومَ يَوْمَ غَدٍ أَوْ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِكَذَا.
(888) مَا حُكْمُ الْوِصَالِ فِى الصَّوْمِ.
يَحْرُمُ الْوِصَالُ فِى الصَّوْمِ أَىْ أَنْ يَصُومَ يَوْمَيْنِ مُتَتَالِيَيْنِ فَأَكْثَرَ بِلا تَنَاوُلِ مُفَطِّرٍ عَمْدًا بِغَيْرِ عُذْرٍ أَمَّا الرَّسُولُ ﷺ فَكَانَ يَجُوزُ لَهُ الْوِصَالُ فِى الصَّوْمِ لِحَدِيثِ الْبُخَارِىِّ وَمُسْلِمٍ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْوِصَالِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ وَأَيُّكُمْ مِثْلِى أَبِيتُ يُطْعِمُنِى رَبِّى وَيَسْقِينِى، أَىْ يَجْعَلُ اللَّهُ فِىَّ قُوَّةَ الطَّاعِمِ الشَّارِبِ مِنْ غَيْرِ أَنْ ءَاكُلَ وَهَذَا لَيْسَ دَائِمًا لِأَنَّهُ كَانَ يَجُوعُ فِى بَعْضِ الأَحْيَانِ.
(889) مَا حُكْمُ أَخْذِ مَجْلِسِ غَيْرِهِ.
مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ أَخْذُ مَجْلِسِ غَيْرِهِ فِى مَكَانٍ عَامٍّ كَمَسْجِدٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ. فَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ السَّابِقَ لِمَحَلٍّ مِنَ الْمَسْجِدِ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الأَمَاكِنِ الْعَامَّةِ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يُفَارِقَهُ فَإِنْ فَارَقَهُ لِعُذْرٍ كَتَجْدِيدِ وُضُوءٍ أَوْ قَضَاءِ حَاجَةٍ وَنَوَى الْعَوْدَةَ لَمْ يَبْطُلْ حَقُّهُ. وَأَمَّا مَنْ أَخَذَ مَجْلِسَ غَيْرِهِ فِى بَيْتِ شَخْصٍ فَلَيْسَ حَرَامًا إِلَّا إِذَا كَانَ صَاحِبُ الْبَيْتِ لا يَرْضَى بِذَلِكَ.
(890) مَا حُكْمُ أَخْذِ نَوْبَةِ غَيْرِهِ.
يَحْرُمُ أَخْذُ دَوْرِ غَيْرِهِ فِى نَحْوِ اسْتِقَاءِ الْمَاءِ الَّذِى لا يَكْفِى لِأَهْلِ الْبَلَدِ إِلَّا بِالدَّوْرِ أَمَّا إِنْ كَانَ الشَّخْصُ يَمْلِكُ فُرْنًا لِلْخُبْزِ وَنَحْوِهِ فَلَهُ أَنْ يُقَدِّمَ مَنْ شَاءَ فِى الْبَيْعِ وَيُؤَخِّرَ مَنْ شَاءَ.
