(817) مَا هُوَ الزِّنَى وَمَا حُكْمُهُ.

الزِّنَى مِنْ مَعَاصِى الْفَرْجِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ وَهُوَ إِدْخَالُ الْحَشَفَةِ أَىْ رَأْسِ الذَّكَرِ فِى فَرْجِ امْرَأَةٍ لا تَحِلُّ لَهُ وَإِدْخَالُ الْحَشَفَةِ كَإِدْخَالِ كُلِّ الذَّكَرِ أَىْ يُوجِبُ الْحَدَّ وَهُوَ الْعِقَابُ. وَالزِّنَى مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ أَنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَىُّ الذَّنْبِ أَشَدُّ قَالَ أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ (أَىْ أَنْ تُشْرِكَ بِاللَّهِ) قِيلَ ثُمَّ أَىُّ قَالَ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ الْفَقْرِ قِيلَ ثُمَّ أَىُّ قَالَ أَنْ تُزَانِىَ حَلِيلَةَ جَارِكَ،

فَجَعَلَ الرَّسُولُ ﷺ الزِّنَى فِى هَذَا الْحَدِيثِ فِى الْمَرْتَبَةِ الثَّالِثَةِ بَعْدَ الْكُفْرِ وَقَتْلِ النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ. وَإِنَّمَا ذَكَرَ حَلِيلَةَ الْجَارِ لِأَنَّ مِنْ أَشَدِّ الزِّنَى الزِّنَى بِحَلِيلَةِ الْجَارِ أَىْ زَوْجَتِهِ. وَيُحَدُّ أَىْ يُعَاقَبُ الْحُرُّ الْمُكَلَّفُ الْمُحْصَنُ أَىِ الَّذِى جَامَعَ فِى نِكَاحٍ صَحِيحٍ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى إِذَا زَنَى بِالرَّجْمِ بِالْحِجَارَةِ الْمُعْتَدِلَةِ حَتَّى يَمُوتَ وَيُحَدُّ غَيْرُ الْمُحْصَنِ بِمِائَةِ جَلْدَةٍ بِالسَّوْطِ الْمُعْتَدِلِ وَتَغْرِيبِ سَنَةٍ إِلَى مَسَافَةِ قَصْرٍ مِنْ مَحَلِّ الزِّنَى.

وَإِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَى الزَّانِى هُوَ مِنْ وَظِيفَةِ الإِمَامِ الْخَلِيفَةِ وَمَنْ فِى مَعْنَاهُ. وَلا يَثْبُتُ الزِّنَى إِلَّا بِشَهَادَةِ أَرْبَعَةٍ مِنَ الرِّجَالِ الْعُدُولِ أَنَّ فُلانًا أَدْخَلَ حَشَفَتَهُ فِى فَرْجِ فُلانَةَ زَانِيًا بِهَا أَوْ بِاعْتِرَافِهِ. وَيَنْبَغِى لِمَنِ ابْتَلاهُ اللَّهُ بِهَذِهِ الْمَعْصِيَةِ أَنْ يَسْتُرَ عَلَى نَفْسِهِ فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنِ ابْتُلِىَ بِشَىْءٍ مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِى لَنَا صَفْحَتَهُ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ، أَىْ يَنْبَغِى مِنَ الَّذِى زَنَى أَنْ يَتُوبَ وَيَسْتُرَ عَلَى نَفْسِهِ وَلا يُخْبِرَ الْحَاكِمَ فَالسَّتْرُ عَلَى النَّفْسِ مَعَ التَّوْبَةِ أَفْضَلُ مِنَ الِاعْتِرَافِ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَإِنْ كَانَ الِاعْتِرَافُ عِنْدَهُ جَائِزًا.

(818) مَا حُكْمُ اللِّوَاطِ.

اللِّوَاطُ مِنَ الْكَبَائِرِ وَهُوَ إِدْخَالُ الْحَشَفَةِ أَىْ رَأْسِ الذَّكَرِ فِى دُبُرِ غَيْرِ زَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَعَنَ اللَّهُ مَنْ أَتَى امْرَأَةً فِى دُبُرِهَا. أَمَّا جِمَاعُ الزَّوْجَةِ فِى دُبُرِهَا فَهُوَ حَرَامٌ لَكِنَّهُ لَيْسَ إِلَى حَدِّ اللِّوَاطِ بِغَيْرِ امْرَأَتِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يَنْظُرُ اللَّهُ إلى رَجُلٍ أَتَى امرَأَتَهُ فى دُبُرِهَا رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ. لا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِ أَىْ لا يُكْرِمُهُ بَلْ يُهِينُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِى حَدِّ اللَّائِطِ وَالْمَلُوطِ بِهِ فَقِيلَ حَدُّ الْفَاعِلِ حَدُّ الزِّنَى وَأَمَّا الْمَفْعُولُ بِهِ فَحَدُّهُ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ إِنْ كَانَ حُرًّا وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ.

(819) مَا حُكْمُ جِمَاعِ الزَّوْجَةِ فِى حَالِ الْحَيْضِ أَوِ النِّفَاسِ.

يَحْرُمُ جِمَاعُ الزَّوْجَةِ فِى حَالِ الْحَيْضِ أَوِ النِّفَاسِ سَوَاءٌ كَانَ بِحَائِلٍ أَوْ بِدُونِ حَائِلٍ وَهُوَ مِنَ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ وَيَحْرُمُ جِمَاعُهَا بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ وَقَبْلَ الْغُسْلِ. وَمَنِ اسْتَحَلَّ جِمَاعَهَا فِى حَالِ الْحَيْضِ كَفَرَ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ مَعْلُومَةٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ أَىْ يَعْلَمُ ذَلِكَ الْعَالِمُ وَالْجَاهِلُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَيَجُوزُ عَلَى قَوْلٍ فِى الْمَذْهَبِ الشَّافِعِىِّ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا بِغَيْرِ الْجِمَاعِ وَلَوْ بِغَيْرِ حَائِلٍ لِقَوْلِهِ ﷺ اصْنَعُوا كُلَّ شَىْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَالنِّكَاحُ هُنَا بِمَعْنَى الْجِمَاعِ. وَبَدَنُ الْحَائِضِ طَاهِرٌ فَلا تُكْرَهُ مُخَالَطَتُهَا بِدَلِيلِ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ الْقُرْءَانَ وَرَأْسُهُ فِى حِجْرِ عَائِشَةَ وَهِىَ حَائِضٌ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ.

(820) مَا حُكْمُ إِتْيَانِ الْبَهَائِمِ.

يَحْرُمُ إِتْيَانُ الْبَهَائِمِ أَىْ جِمَاعُهَا وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ لِقَوْلِهِ ﷺ لَعَنَ اللَّهُ مَنْ أَتَى بَهِيمَةً رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ فَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ تَحْرِيمُ إِتْيَانِ الْبَهَائِمِ وَسِحَاقِ النِّسَاءِ فِيمَا بَيْنَهُنَّ.

(821) مَا حُكْمُ الِاسْتِمْنَاءِ.

يَحْرُمُ الِاسْتِمْنَاءُ وَهُوَ اسْتِخْرَاجُ الْمَنِىِّ بِغَيْرِ جِمَاعٍ بِنَحْوِ الْيَدِ وَيُفْهَمُ تَحْرِيمُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾.

(822) مَا حُكْمُ مَا يُسَمَّى تَأْجِيرَ الأَرْحَامِ.

اعْلَمْ أَنَّ مَا يُسَمَّى تَأْجِيرَ الأَرْحَامِ بِإِدْخَالِ مَنِىِّ رَجُلٍ فِى رَحِمِ امْرَأَةٍ لا تَحِلُّ لَهُ حَرَامٌ بَيِّنٌ لا يَشُكُّ فِيهِ وَلا يُنْكِرُهُ إِلَّا جَاهِلٌ لِمَا فِيهِ مِنْ تَضْيِيعِ الأَنْسَابِ وَكَشْفٍ لِلْفُرُوجِ عِنْدَ الأَطِبَّاءِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ وَارْتِكَابِ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ وَلا تَفْعَلُ ذَلِكَ إِلَّا عَاصِيَةٌ جَاهِلَةٌ أَوْ فَاجِرَةٌ كَافِرَةٌ اسْتَحَلَّتْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ. فَلا يَحِلُّ ذَلِكَ فَالشَّرْعُ حَثَّ عَلَى وَضْعِ النُّطَفِ فِى الأَرْحَامِ لِطَلَبِ الْوَلَدِ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالطَّرِيقِ الْمَشْرُوعِ.

وَهَذَا الْفِعْلُ الْخَبِيثُ يَجُرُّ بَعْضَ النِّسَاءِ لِلْوُقُوعِ فِى الزِّنَى لِأَنَّ الْمَرْأَةَ الزَّانِيَةَ إِذَا جَاءَتْ وَهِىَ حَامِلٌ تَقُولُ أَنَا مُطَلَّقَةٌ أَوْ أَرْمَلَةٌ وَقَدْ ءَاجَرْتُ رَحِمِى وَلَمْ أُمَارِسِ الزِّنَى. أَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى تَحْرِيمِ مَا يُسَمَّى تَأْجِيرَ الأَرْحَامِ فَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ قَالَ إِمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِىُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ أَىْ فِيمَا لا يَحِلُّ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ قَالَ الإِمَامُ الْمُفَسِّرُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْفَرَّاءُ الْبَغَوِىُّ الشَّافِعِىُّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ أَىْ عَمَّا لا يَحِلُّ.

(823) مَا حُكْمُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ أَوِ اسْتِدْبَارِهَا بِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ.

يَحْرُمُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ أَوِ اسْتِدْبَارُهَا بِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ فِى غَيْرِ الْمَكَانِ الْمُعَدِّ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ أَوْ بِحَائِلٍ يَبْعُدُ عَنْهُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلاثَةِ أَذْرُعٍ أَوْ كَانَ ارْتِفَاعُهُ أَقَلَّ مِنْ ثُلُثَىْ ذِرَاعٍ لِحَدِيثِ الْبُخَارِىِّ وَمُسْلِمٍ لا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلا تَسْتَدْبِرُوهَا بِغَائِطٍ وَلا بَوْلٍ وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا. وَمَعْنَى شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا اتَّجِهُوا إِلَى نَاحِيَةِ الشَّرْقِ أَوِ الْغَرْبِ لِأَنَّ الشَّخْصَ إِذَا كَانَ فِى الْمَدِينَةِ وَاتَّجَهَ إِلَى الْجَنُوبِ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَإِنِ اتَّجَهَ إِلَى الشَّمَالِ اسْتَدْبَرَ الْقِبْلَةَ. أَمَّا فِى بَيْتِ الْخَلاءِ فَيَجُوزُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ أَوِ اسْتِدْبَارُهَا بِلا كَرَاهَةٍ فِى مَذْهَبِ الشَّافِعِىِّ.

(824) مَا حُكْمُ التَّبَوُّلِ أَوِ التَّغَوُّطِ عَلَى قَبْرِ مُسْلِمٍ.

يَحْرُمُ التَّبَوُّلُ أَوِ التَّغَوُّطُ عَلَى قَبْرِ الْمُسْلِمِ لِقَوْلِهِ ﷺ لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ وَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَالْمُرَادُ بِالْجُلُوسِ عَلَى الْقَبْرِ الْمَنْهِىِّ عَنْهُ الْجُلُوسُ لِلْبَوْلِ أَوِ الْغَائِطِ أَمَّا الْجُلُوسُ عَلَى الْقَبْرِ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَلا يَحْرُمُ إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ كَلامٌ مُعَظَّمٌ.

(825) مَا حُكْمُ تَرْكِ الْخِتَانِ لِلْبَالِغِ.

يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ عِنْدَ الشَّافِعِىِّ الْخِتَانُ إِنْ أَطَاقَ وَيَحْرُمُ تَرْكُهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ. وَهُوَ سُنَّةٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَلا يَجِبُ. فَيَنْبَغِى التَّلَطُّفُ بِمَنْ يَدْخُلُ فِى الإِسْلامِ وَهُوَ غَيْرُ مُخْتَتِنٍ فَلا يَنْبَغِى أَنْ يُكَلَّمَ بِذَلِكَ إِنْ كَانَ يُخْشَى مِنْهُ النُّفُورُ مِنَ الإِسْلامِ. وَالْخِتَانُ يُسَاعِدُ عَلَى رَفْعِ الْجَنَابَةِ لِأَنَّ الْجِلْدَ إِذَا كَانَ مُغَطِيًّا لِرَأْسِ الذَّكَرِ لا يَصِلُ الْمَاءُ بِسُهُولَةٍ.