(288) مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْجَاهِلَ فِى أُصُولِ الدِّينِ لا يُعْذَرُ.
لا يُعْفَى الْجَاهِلُ فِى أُصُولِ الدِّينِ وَلا يُعْذَرُ فِيمَا يَقَعُ مِنْهُ مِنَ الْكُفْرِ لِعَدَمِ اهْتِمَامِهِ بِالدِّينِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ قَدْرًا مِنْ عِلْمِ الدِّينِ يُصَحِّحُ بِهِ عَقِيدَتَهُ وَيَحْفَظُ بِهِ إِسْلامَهُ عَمَّا يُفْسِدُهُ وَيُبْطِلُهُ فَلَوْ كَانَ الْجَهْلُ يُسْقِطُ الْمُؤَاخَذَةَ أَىِ الْعُقُوبَةَ فِى الآخِرَةِ لَكَانَ الْجَهْلُ خَيْرًا لِلنَّاسِ مِنَ الْعِلْمِ وَهَذَا خِلافُ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ خَيْرٌ مِنَ الْجَهْلِ.
قَالَ الْفُضَيْلُ بنُ عِيَاضٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ لا تَسْتَوْحِشْ طُرُقَ الْهُدَى لِقِلَّةِ أَهْلِهَا وَلا يَغُرَّنَّكَ كَثْرَةُ الْهَالِكِينَ، أَىْ لا تَنْظُرْ إِلَى كَثْرَةِ مَنْ يَتَخَبَّطُ بِالْمَعَاصِى وَالْجَهْلِ وَلا تَتْرُكْ طَرِيقَ السَّلامَةِ وَلَوْ قَلَّ سَالِكُوهَا.
(289) مَا حُكْمُ مَنِ اعْتَقَدَ اعْتِقَادًا كُفْرِيًّا أَوْ فَعَلَ فِعْلًا كُفْرِيًّا أَوْ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ كُفْرِيَّةٍ فَتَشَهَّدَ مَعَ شَكِّهِ فِى كَوْنِ مَا حَصَلَ مِنْهُ كُفْرًا.
مَنْ حَصَلَ مِنْهُ كُفْرٌ اعْتِقَادِىٌّ أَوْ فِعْلِىٌّ أَوْ قَوْلِىٌّ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ لا يَنْفَعُهُ تَشَهُّدُهُ مَعَ الشَّكِّ فِى كَوْنِ مَا حَصَلَ مِنْهُ كُفْرًا لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ لا يَعْرِفُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْكُفْرِ وَالإِيمَانِ بَلْ لا بُدَّ أَنْ يَجْزِمَ بِقَلْبِهِ أَنَّ مَا حَصَلَ مِنْهُ هُوَ كُفْرٌ وَيَتَخَلَّى عَنْهُ وَيَنْطِقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ، أَمَّا إِنْ تَشَهَّدَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْزِمَ بِقَلْبِهِ أَنَّهُ وَقَعَ فِى الْكُفْرِ فَلا يَنْفَعُهُ تَشَهُّدُهُ كَحَالِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ فَإِنَّهُمْ يَتَلَفَّظُونَ بِأَلْفَاظٍ كُفْرِيَّةٍ صَرِيحَةٍ فِى الْكُفْرِ أَوْ غَيْرِ صَرِيحَةٍ لَكِنَّهُمْ يَقْصِدُونَ بِهَا الْمَعْنَى الْكُفْرِىَّ ثُمَّ يَتَشَهَّدُونَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْرِفُوا أَنَّهَا كُفْرٌ فَيَتَبَرَّؤُوا مِنْهَا فَلا يَنْفَعُهُمْ تَشَهُّدُهُمْ.
(290) اذْكُرِ الْحَالاتِ الْمُسْتَثْنَاةَ مِنَ الْكُفْرِ اللَّفْظِىِّ.
يُسْتَثْنَى مِنَ الْكُفْرِ اللَّفْظِىِّ حَالاتٌ لا يَكْفُرُ فِيهَا قَائِلُهُ حَالَةُ سَبْقِ اللِّسَانِ وَحَالَةُ غَيْبُوبَةِ الْعَقْلِ وَحَالَةُ الإِكْرَاهِ وَحَالَةُ الْحِكَايَةِ لِكُفْرِ الْغَيْرِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الرِّضَى وَالِاسْتِحْسَانِ وَحَالَةُ كَوْنِ الشَّخْصِ مُتَأَوِّلًا بِاجْتِهَادِهِ فِى فَهْمِ الشَّرْعِ.
(291) مَا هُوَ سَبْقُ اللِّسَانِ.
سَبْقُ اللِّسَانِ هُوَ أَنْ يَتَكَلَّمَ الشَّخْصُ بِشَىْءٍ مِنْ غَيْرِ إِرَادَةٍ كَأَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلامٍ غَيْرِ كُفْرِىٍّ فَسَبَقَ لِسَانُهُ فَقَالَ كَلِمَةً كُفْرِيَّةً مِنْ غَيْرِ إِرَادَةٍ وَلَمْ يَقْصِدْ أَنْ يَقُولَهَا بِالْمَرَّةِ كَأَنْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَسَبَقَ لِسَانُهُ فَقَالَ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ لا مُؤَاخَذَةَ عَلَيْهِ وَقَدْ مَثَّلَ الرَّسُولُ ﷺ لِسَبْقِ اللِّسَانِ بِرَجُلٍ فَقَدَ دَابَّتَهُ فِى الصَّحْرَاءِ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِى ظِلِّهَا فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّى وَأَنَا عَبْدُكَ فَقَالَ مِنْ شِدَّةِ فَرَحِهِ اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِى وَأَنَا رَبُّكَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(292) مَا مَعْنَى غَيْبُوبَةِ الْعَقْلِ.
مَعْنَى غَيْبُوبَةِ الْعَقْلِ عَدَمُ صَحْوِ الْعَقْلِ فَمَنْ غَابَ عَقْلُهُ فَنَطَقَ بِكَلامٍ كُفْرِىٍّ لا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْكُفْرِ لِارْتِفَاعِ التَّكْلِيفِ عَنْهُ وَيَشْمَلُ هَذَا الْحُكْمُ النَّائِمَ وَالْمَجْنُونَ وَنَحْوَهُمَا كَالْوَلِىِّ الْمُسْتَغْرِقِ فِى حُبِّ اللَّهِ إِذَا غَابَ عَقْلُهُ لِقَوْلِهِ ﷺ رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثٍ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنِ الصَّبِىِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ.
(293) مَا هِىَ حَالَةُ الإِكْرَاهِ.
حَالَةُ الإِكْرَاهِ هِىَ أَنْ يَنْطِقَ بِالْكُفْرِ بِلِسَانِهِ مُكْرَهًا بِالْقَتْلِ وَنَحْوِهِ أَىْ مِمَّا يُؤَدِّى إِلَى الْمَوْتِ فَمَنْ نَطَقَ بِالْكُفْرِ بِلِسَانِهِ مُكْرَهًا بِالْقَتْلِ وَنَحْوِهِ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ فَلا يَكْفُرُ. وَالْمُكْرَهُ هُوَ الَّذِى هَدَّدَهُ غَيْرُهُ بِالْقَتْلِ إِنْ لَمْ يَأْتِ بِالْكُفْرِ وَكَانَ قَادِرًا عَلَى تَنْفِيذِ تَهْدِيدِهِ وَهُوَ يُصَدِّقُهُ أَنَّهُ يَفْعَلُ وَلا يَجِدُ طَرِيقَةً لِلْخَلاصِ إِلَّا بِالإِتْيَانِ بِمَا طَلَبَ مِنْهُ.
وَأَمَّا غَيْرُ الْمُكْرَهِ فَلا يُشْتَرَطُ لِلْحُكْمِ عَلَيْهِ بِالْكُفْرِ انْشِرَاحُ الصَّدْرِ فَمَنْ قَالَ كَلامًا كُفْرِيًّا كَفَرَ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ مُنْشَرِحِ الصَّدْرِ أَىْ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ رَاضٍ بِالْكُفْرِ وَلا قَاصِدًا الْكُفْرَ وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ سَيِّدُ سَابِق الْمِصْرِىُّ فِى كِتَابِهِ الْمُسَمَّى فِقْهَ السُّنَّةِ أَنَّ الْمُسْلِمَ لا يُعْتَبَرُ خَارِجًا عَنِ الإِسْلامِ وَلا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالرِّدَّةِ إِلَّا إِذَا انْشَرَحَ صَدْرُهُ بِالْكُفْرِ وَاطْمَأَنَّ قَلْبُهُ بِهِ وَدَخَلَ فِى دِينٍ غَيْرِ الإِسْلامِ بِالْفِعْلِ،
فَهُوَ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ جَعَلَ بِقَوْلِهِ هَذَا كُلَّ الْعِبَادِ فِى حُكْمِ الْمُكْرَهِ وَاللَّهُ تَعَالَى اسْتَثْنَى الْمُكْرَهَ فِى كِتَابِهِ بِحُكْمٍ خَاصٍّ قَالَ تَعَالَى ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ أَىْ أَنَّ الْمُكْرَهَ إِذَا نَطَقَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ تَحْتَ الإِكْرَاهِ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ أَىْ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﷺ وَيَكْرَهُ الْكُفْرَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكْفُرْ وَلَمْ يَعْصِ ﴿وَلَكِنْ مَّنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ﴾ أَىْ أَنَّ الْمُكْرَهَ إِذَا انْشَرَحَ صَدْرُهُ حَالَةَ النُّطْقِ بِالْكُفْرِ كَفَرَ.
الرَّسُولُ ﷺ قَالَ لِعَمَّارِ بنِ يَاسِرٍ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ الْكُفَّارَ أَكْرَهُوهُ عَلَى قَوْلِ الْكُفْرِ هَلْ كُنْتَ شَارِحًا صَدْرَكَ حِينَ قُلْتَ مَا قُلْتَ أَمْ لا فَقَالَ لا فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ ﷺ وَإِنْ عَادُوا فَعُدْ رَوَاهُ الإِمَامُ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِى كِتَابِهِ الإِشْرَافِ، أَىْ إِنْ أَجْبَرُوكَ وَقُلْتَ كَلِمَةَ الْكُفْرِ مَا عَلَيْكَ شَىْءٌ. وَالْمُكْرَهُ إِذَا أُكْرِهَ عَلَى قَوْلِ الْكُفْرِ يَنْوِى إِجْرَاءَ اللَّفْظِ لِأَجْلِ الإِكْرَاهِ. فَإِذَا أُكْرِهَ بِالْقَتْلِ عَلَى سَبِّ النَّبِىِّ ﷺ يَقُولُ اللَّفْظَ وَيَنْوِى إِجْرَاءَ اللَّفْظِ عَلَى اللِّسَانِ لِأَنَّهُ مُكْرَهٌ وَلا يَقْصِدُ سَبَّ النَّبِىِّ بِقَلْبِهِ.
(294) مَا هِىَ حَالَةُ الْحِكَايَةِ لِكُفْرِ الْغَيْرِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الرِّضَى وَالِاسْتِحْسَانِ.
حَالَةُ الْحِكَايَةِ لِكُفْرِ الْغَيْرِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الرِّضَى وَالِاسْتِحْسَانِ هِىَ أَنْ يَنْقُلَ الشَّخْصُ عَنْ غَيْرِهِ كُفْرِيَّةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ النَّاقِلُ رَاضِيًا بِالْكُفْرِ وَلا مُسْتَحْسِنًا لَهُ مَعَ الإِتْيَانِ بِأَدَاةِ الْحِكَايَةِ الْمَانِعَةِ لِلْكُفْرِ كَأَنْ يَقُولَ قَالَ فُلانٌ وَيَذْكُرَ كُفْرَهُ. فَلا يَكْفُرُ الْحَاكِى كُفْرَ غَيْرِهِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الرِّضَى وَالِاسْتِحْسَانِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾.
وَأَدَاةُ الْحِكَايَةِ الْمَانِعَةُ لِكُفْرِ حَاكِى الْكُفْرِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ قَبْلَ الْكَلِمَةِ الْكُفْرِيَّةِ الَّتِى يَحْكِيهَا عَنْ غَيْرِهِ أَوْ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْكَلِمَةَ عَقِبَهَا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ نَاوِيًا أَنْ يَأْتِىَ بِأَدَاةِ الْحِكَايَةِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَةَ الْكُفْرِ فَلَوْ قَالَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ قَوْلُ النَّصَارَى أَوْ قَالَتْهُ النَّصَارَى فَهِىَ حِكَايَةٌ مَانِعَةٌ لِلْكُفْرِ عَنِ الْحَاكِى أَىْ تَمْنَعُ عَنْهُ الْكُفْرَ.
(295) مَا حُكْمُ مَنْ تَأَوَّلَ فَأَخْطَأَ فِى فَهْمِ الشَّرْعِ.
مَنْ تَأَوَّلَ ءَايَةً أَوْ حَدِيثًا فَأَخْطَأَ لا يَكْفُرُ إِلَّا إِذَا كَانَ تَأَوُّلُهُ فِى الْقَطْعِيَّاتِ أَىْ إِلَّا إِذَا كَانَ تَفْسِيرُهُ لِلآيَةِ أَوِ الْحَدِيثِ يُبْطِلُ الإِيمَانَ بِاللَّهِ أَوِ الإِيمَانَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَالْقَطْعِىُّ مِنْهُ ما يَسْتَقِلُّ الْعَقْلُ بِالْعِلْمِ بِهِ كَحُدُوثِ الْعَالَمِ أَىْ بِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ فَمَنْ ردَّ ذَلِكَ وَزَعَمَ أَزَلِيَّتَهُ كَفَرَ، وَمِنْهُ مَا لا سَبِيلَ إِلَى الْعِلْمِ بِهِ إِلَّا بِالنَّقْلِ وَالسَّمَاعِ سَوَاءٌ كَانَ يَتَعَلَّقُ بِالأَحْكَامِ أَوِ الأَخْبَارِ كَالْعِلْمِ بِفَرْضِيَّةِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالإِيمَانِ بِالْحَوْضِ الَّذِى يَشْرَبُ مِنْهُ الْمُؤْمِنُونَ قَبْلَ دُخُولِهِمُ الْجَنَّةَ فَمَنْ أَنْكَرَهُ بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِ كَفَرَ.
(296) مَا حُكْمُ مَنْ تَأَوَّلَ فِى غَيْرِ الْقَطْعِيَّاتِ فَأَخْطَأَ.
مَنْ تَأَوَّلَ فِى غَيْرِ الْقَطْعِيَّاتِ فَأَخْطَأَ لا يُكَفَّرُ كَالَّذِينَ امْتَنَعُوا عَنْ دَفْعِ الزَّكَاةِ فِى عَهْدِ أَبِى بَكْرٍ لِأَنَّهُمْ أَخْطَأُوا فِى تَفْسِيرِ الآيَةِ ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ فَظَنُّوا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ ﴿خُذْ﴾ أَىْ يَا مُحَمَّدُ ﴿مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ أَىْ زَكَاةً وَأَنَّ هَذَا لا يَحْصُلُ بَعْدَ وَفَاتِهِ فَلا يَجِبُ عَلَيْهِمْ دَفْعُهَا لِأَنَّهُ مَاتَ وَهُوَ الْمَأْمُورُ بِأَخْذِهَا مِنْهُمْ وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ الْحُكْمَ عَامٌّ فِى حَالِ حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ فَقَالُوا الَّذِى كَانَ يُصَلِّى عَلَيْنَا مَاتَ فَلِمَ يَأْخُذُ أَبُو بَكْرٍ أَمْوَالَنَا فَامْتَنَعُوا عَنْ دَفْعِهَا فَهَؤُلاءِ لا يُكَفَّرُونَ.
وَلَمْ يُكَفِّرِ الصَّحَابَةُ الَّذِينَ فَسَّرُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنْتَهُونَ﴾ بِأَنَّهُ تَخْيِيرٌ بَيْنَ شُرْبِ الْخَمْرِ وَتَرْكِ شُرْبِهَا وَلَيْسَ تَحْرِيمًا لَهَا فَشَرِبُوهَا لِأَنَّ هَؤُلاءِ ظَنُّوا أَنَّ الآيَةَ لا تَعْنِى تَحْرِيمَ الْخَمْرِ وَلَمْ يَبْلُغْهُمْ تَحْرِيمُ الْمُسْلِمِينَ لَهَا لِذَلِكَ سَيِّدُنَا عُمَرُ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ مَا كَفَّرَهُمْ إِنَّمَا قَالَ اجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ ثَمَانِينَ ثُمَّ إِنْ عَادُوا (أَىْ إِلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ شُرْبَهَا جَائِزٌ) فَاقْتُلُوهُمْ (أَىْ لِكُفْرِهِمْ) رَوَاهُ ابْنُ أَبِى شَيْبَةَ. أَمَّا فِى زَمَانِنَا هَذَا فَلا عُذْرَ لِمَنْ يَعِيشُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَيُنْكِرُ حُرْمَةَ الْخَمْرِ مُتَأَوِّلًا الآيَةَ بَعْدَ أَنْ بَلَغَهُ تَحْرِيمُ الْمُسْلِمِينَ لَهَا.
(297) مَاذَا يَجِبُ عَلَى مَنْ وَقَعَتْ مِنْهُ رِدَّةٌ.
يَجِبُ عَلَى مَنْ وَقَعَتْ مِنْهُ رِدَّةٌ أَىْ كُفْرٌ الْعَوْدُ فَوْرًا إِلَى الإِسْلامِ بِالنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ بِحَيْثُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ وَلا يَكْفِى أَنْ يُجْرِىَ اللَّفْظَ بِقَلْبِهِ. وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْدَمَ لِأَجْلِ أَنَّهُ وَقَعَ فِى الْكُفْرِ وَيَعْزِمَ بِقَلْبِهِ عَلَى أَنْ لا يَعُودَ إِلَيْهِ وَذَلِكَ شَأْنُ كُلِّ مَعْصِيَةٍ. وَلا يَرْجِعُ إِلَى الإِسْلامِ بِقَوْلِ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ كَمَا نَقَلَ الإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ أَبُو بَكْرِ بنُ الْمُنْذِرِ فِى كِتَابَيْهِ الإِشْرَافِ وَالإِجْمَاعِ بَلْ يَزِيدُهُ ذَلِكَ إِثْمًا وَكُفْرًا لِأَنَّهُ يَطْلُبُ الْمَغْفِرَةَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ عَلَى الْكُفْرِ وَاللَّهُ تَعَالَى لا يَغْفِرُ كُفْرَ الْكَافِرِ وَذُنُوبَهُ وَهُوَ عَلَى كُفْرِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾.
(298) كَيْفَ يُعَامَلُ الصَّبِىُّ إِذَا نَطَقَ بِالْكُفْرِ.
الصَّبِىُّ الْمُمَيِّزُ إِذَا نَطَقَ بِالْكُفْرِ وَجَبَ نَهْيُهُ وَأَمْرُهُ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَلا يُصَلَّى خَلْفَهُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَتَشَهَّدَ وَتَشَهُّدُهُ لَيْسَ لِلدُّخُولِ فِى الإِسْلامِ بَلْ لِتَأْدِيبِهِ وَتَعْوِيدِهِ. وَلا يَتَرَتَّبُ عَلَى الصَّبِىِّ أَثَرُ الرِّدَّةِ كَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْكَبِيرِ بِمَعْنَى أَنَّهُ إِذَا بَلَغَ عَلَى الْعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ لا يُطَالَبُ بِالتَّشَهُّدِ لِلدُّخُولِ فِى الإِسْلامِ وَثَوَابُ عَمَلِهِ الَّذِى عَمِلَهُ قَبْلَ الرِّدَّةِ يَبْقَى.
الصَّبِىُّ إِذَا نَطَقَ بِالْكُفْرِ يُقَالُ عَنْهُ كَفَرَ أَىْ حَصَلَ مِنْهُ صُورَةُ الْكُفْرِ أَمَّا إِذَا اعْتَقَدَ الْكُفْرَ فَيُقَالُ عَنْهُ كَافِرٌ حَقِيقَةً لَكِنْ إِذَا بَلَغَ عَلَى الْعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ لا يُطَالَبُ بِالتَّشَهُّدِ لِلدُّخُولِ فِى الإِسْلامِ. أَمَّا غَيْرُ الْمُمَيِّزِ إِذَا نَطَقَ بِالْكُفْرِ فَنَأْمُرُهُ بِالتَّشَهُّدِ مِنْ بَابِ الِاسْتِحْسَانِ لِيَتَعَوَّدَ. وَالصَّبِىُّ إِذَا نَطَقَ بِالْكُفْرِ وَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ يُعَامَلُ مُعَامَلَةَ الْمُسْلِمِينَ فَيُغَسَّلُ وَيُكَفَّنُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْفَنُ فِى مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ.
(299) مَا هُوَ تَشَهُّدُ الِاحْتِيَاطِ وَمَتَى يَجِبُ.
تَشَهُّدُ الِاحْتِيَاطِ هُوَ أَنْ يَتَشَهَّدَ الشَّخْصُ إِذَا صَارَ عِنْدَهُ احْتِمَالٌ وَلَوْ ضَعِيْفًا بِحُصُولِ الْكُفْرِ مِنْهُ. فَإِذَا تَكَلَّمَ بِكَلامٍ لَهُ مَعْنَيَانِ أَحَدُهُمَا كُفْرٌ وَالآخَرُ لَيْسَ كُفْرًا ثُمَّ شَكَّ أَىَّ الْمَعْنَيَيْنِ مِنْهَا أَرَادَ حِينَ نُطْقِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ عِنْدَئِذٍ أَنْ يَتَشَهَّدَ احْتِيَاطًا عَلَى الْفَوْرِ لِلْخَلاصِ مِنَ الْكُفْرِ إِنْ كَانَ حَصَلَ مِنْهُ فَإِنْ تَشَهَّدَ نَفَعَهُ وَلا يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَشَهَّدَ مِنْ جَدِيدٍ إِذَا تَذَكَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ قَصَدَ الْمَعْنَى الْكُفْرِىَّ أَمَّا إِنْ لَمْ يَتَشَهَّدْ فَوْرًا يَكُونُ قَدْ رَضِىَ لِنَفْسِهِ بِالْبَقَاءِ عَلَى الْكُفْرِ فِى حَالِ حُصُولِهِ مِنْهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا عَلِمَ حُكْمَ مَسْأَلَةٍ أَنَّهَا كُفْرٌ وَلَمْ يَسْمَعْ بِحُكْمِهَا مِنْ قَبْلُ فَصَارَ عِنْدَهُ احْتِمَالٌ أَنْ تَكُونَ حَصَلَتْ مِنْهُ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَتَشَهَّدَ احْتِيَاطًا عَلَى الْفَوْرِ.
(300) اذْكُرْ بَعْضَ الأَحْكَامِ الَّتِى تَتَعَلَّقُ بِالرِّدَّةِ.
مَنِ ارْتَدَّ عَنِ الإِسْلامِ بَطَلَ صَوْمُهُ وَتَيَمُّمُهُ وَيَحْرُمُ أَكْلُ ذَبِيحَتِهِ وَلا يَرِثُ مَنْ مَاتَ مِنْ أَقْرِبَائِهِ الْمُسْلِمِينَ وَلا تَجُوزُ الصَّلاةُ عَلَيْهِ إذا مَاتَ وَلا يَجُوزُ دَفْنُهُ فِى مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَلا يَرِثُهُ قَرِيبُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَلا يَجُوزُ التَّرَحُّمُ عَلَيْهِ وَلا الِاسْتِغْفَارُ لَهُ.
(301) مَا حُكْمُ مَنْ يَأْتِى بِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ.
اعْلَمْ أَنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا حَصَلَ مِنْهُ كُفْرٌ فَإِنَّهُ يَخْسَرُ حَسَنَاتِهِ السَّابِقَةَ كُلَّهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ وَلا تَرْجِعُ إِلَيْهِ حَسَنَاتُهُ الَّتِى خَسِرَهَا بَعْدَ رُجُوعِهِ إِلَى الإِسْلامِ وَأَمَّا ذُنُوبُهُ الَّتِى عَمِلَهَا أَثْنَاءَ الرِّدَّةِ وَقَبْلَ ذَلِكَ فَلا تُمْحَى عَنْهُ بِرُجُوعِهِ إِلَى الإِسْلامِ إِنَّمَا الَّذِى يُغْفَرُ لَهُ بِذَلِكَ هُوَ الْكُفْرُ فَقَطْ وَأَمَّا الْكَافِرُ الأَصْلِىُّ وَهُوَ الَّذِى وُلِدَ بَيْنَ أَبَوَيْنِ كَافِرَيْنِ وَبَلَغَ عَلَى الْكُفْرِ فَإِنَّ ذُنُوبَهُ تُمْحَى بِإِسْلامِهِ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ الإِسْلامُ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ،
أَىْ يَمْحُو مَا كَانَ قَبْلَهُ مِنَ السَّيِّئَاتِ الْكُفْرِ وَمَا سِوَاهُ قَالَ تَعَالَى ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ أَىْ أَنَّ الْكَافِرَ الأَصْلِىَّ إِذَا أَسْلَمَ يُغْفَرُ لَهُ كُفْرُهُ وَمَعَاصِيهِ وَتُكْتَبُ لَهُ الْحَسَنَاتُ الْجَدِيدَةُ الَّتِى يَعْمَلُهَا بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ كُفْرَهُ وَمَعَاصِيَهُ تَنْقَلِبُ حَسَنَاتٍ كَمَا يَدَّعِى عَمْرُو خَالِد الدَّاعِيَةُ إِلَى الْكُفْرِ وَالإِلْحَادِ فَإِنَّهُ قَالَ فِى الْمُحَاضَرَةِ الْمُسَمَّاةِ التَّوْبَةَ إِنَّ الذَّنْبَ يُمْحَى وَيُكْتَبُ مَكَانَهُ حَسَنَةٌ حَتَّى إِنَّ الطَّائِعِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْسُدُونَ الْعُصَاةَ مِنْ كَثْرَةِ الذُّنُوبِ الَّتِى انْقَلَبَتْ حَسَنَاتٍ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ، وَقَالَ عَنِ الْعَاصِى الَّذِى تَابَ كُلُّ الصَّلَوَاتِ الَّتِى تَرَكَهَا انْقَلَبَتْ حَسَنَاتٍ وَالْمَالُ الْحَرَامُ الَّذِى أَكَلَهُ انْقَلَبَ حَسَنَاتٍ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ وَهَذَا تَكْذِيبٌ صَرِيحٌ لِشَرِيعَةِ اللَّهِ.
(302) مَا حُكْمُ نِكَاحِ مَنِ ارْتَدَّ عَنِ الإِسْلامِ.
مَنِ ارْتَدَّ عَنِ الإِسْلامِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِالزَّوْجَةِ بَطَلَ نِكَاحُهُ وَلا تَحِلُّ لَهُ وَلَوْ عَادَ إِلَى الإِسْلامِ إِلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ وَكَذَا يَبْطُلُ نِكَاحُهُ إِنِ ارْتَدَّ عَنِ الإِسْلامِ بَعْدَ الدُّخُولِ بِالزَّوْجَةِ وَلَمْ يَعُدْ إِلَى الإِسْلامِ فِى مُدَّةِ الْعِدَّةِ، فَإِنْ عَادَ إِلَى الإِسْلامِ قَبْلَ انْتِهَاءِ الْعِدَّةِ فَلا يَحْتَاجُ إِلَى تَجْدِيدِ الْعَقْدِ عِنْدَ الشَّافِعِىِّ. وَمُدَّةُ الْعِدَّةِ ثَلاثَةُ أَطْهَارٍ لِمَنْ تَحِيضُ وَثَلاثَةُ أَشْهُرٍ قَمَرِيَّةٍ لِمَنْ لا تَحِيضُ وَأَمَّا الْحَامِلُ فَعِدَّتُهَا تَنْتَهِى بِوَضْعِ الْحَمْلِ.
فَإِنْ جَامَعَ الْمُسْلِمُ امْرَأَتَهُ الْمُرْتَدَّةَ وَهُوَ لا يَعْلَمُ بِرِدَّتِهَا فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَيُنْسَبُ الْوَلَدُ الْمُنْعَقِدُ مِنْ هَذَا الْجِمَاعِ إِلَيْهِ وَإِلَيْهَا وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْمُرْتَدُّ هُوَ الزَّوْجَ وَجَامَعَ امْرَأَتَهُ الْمُسْلِمَةَ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَعْرِفَ بِرِدَّتِهِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهَا وَلا يُنْسَبُ الْوَلَدُ إِلَيْهِ إِنَّمَا يُنْسَبُ إِلَيْهَا. أَمَّا الْكُفَّارُ الأَصْلِيُّونَ فَإِنَّ نِكَاحَهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ نِكَاحٌ يَثْبُتُ بِهِ نَسَبُ الْوَلَدِ فَيُقَالُ مَثَلًا عُمَرُ بنُ الْخَطَّابِ فَيُنْسَبُ إِلَى أَبِيهِ مَعْ أَنَّهُ وُلِدَ مِنْ نِكَاحِ الْجَاهِلِيَّةِ. وَالْمُرْتَدُّ لا يَصِحُّ عَقْدُ نِكَاحِهِ عَلَى مُسْلِمَةٍ وَلا غَيْرِهَا. أَمَّا الرِّدَّةُ فِى مَذْهَبِ أَبِى حَنِيفَةَ فَتُعَدُّ فَسْخًا لَكِنْ إِذَا حَصَلَتِ الرِّدَّةُ مِنَ الزَّوْجَةِ تُجْبَرُ عَلَى الإِسْلامِ وَعَلَى تَجْدِيدِ الْعَقْدِ.
(303) كَيْفَ يُعَامَلُ الْمُرْتَدُّ.
اعْلَمْ أَنَّ عِشْرَةَ الْمُرْتَدِّ لا خَيْرَ فِيهَا لِأَنَّهَا قَدْ تَجُرُّ مَنْ يُعَاشِرُهُ إِلَى الْحَرَامِ وَقَدْ تُوقِعُهُ فِى مَسْأَلَةٍ يَكُونُ فِيهَا هَلاكُهُ فَيَنْبَغِى لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَخْتَارَ لِنَفْسِهِ صَدِيقًا يَنْفَعُهُ فِى دِينِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، أَىْ أَنَّ الأَوْلَى فِى الصُّحْبَةِ الْمُؤْمِنُ وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ (أَىِ الْمَرْءُ يَتَأَثَّرُ بِسِيرَةِ صَاحِبِهِ) فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِل (أَىْ مَنْ يُصَاحِبُ) وَجَاءَ فِى الْحَدِيثِ الْوَحْدَةُ خَيْرٌ مِنْ جَلِيسِ السُّوءِ وَالْجَلِيسُ الصَّالِحُ خَيْرٌ مِنَ الْوَحْدَةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا يَتَوَهَّمُ مِنْهُ الْمُرْتَدُّ أَنَّهُ مُسْلِمٌ أَوْ أَنَّ عَمَلَهُ مَقْبُولٌ عِنْدَ اللَّهِ فَلا يُقَالُ لَهُ صَلِّ وَلا يُدْعَى إِلَى الْمُشَارَكَةِ فِى الذِّكْرِ الْجَمَاعِىِّ وَلا يَجُوزُ إِعَانَتُهُ عَلَى فِعْلِ شَىْءٍ يَتَوَهَّمُ مِنْهُ أَنَّهُ مُسْلِمٌ أَوْ أَنَّ عَمَلَهُ مَقْبُولٌ عِنْدَ اللَّهِ لِأَنَّ الْكَافِرَ الْمُرْتَدَّ الَّذِى يَعْمَلُ صُورَةَ الطَّاعَةِ وَيَعْتَقِدُ أَنَّهُ يُكْتَبُ لَهُ ثَوَابٌ بِذَلِكَ يَكْفُرُ فَلا يَجُوزُ إِعَانَتُهُ عَلَى الْكُفْرِ.
فَإِذَا طَلَبَ الْمُرْتَدُّ مِنَ الْمُسْلِمِ أَنْ يُوصِلَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ لِأَدَاءِ صَلاةِ الْجُمُعَةِ لا يُوصِلُهُ وَإِذَا طَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَدُلَّهُ عَلَى مَكَانِ الْوُضُوءِ لِيَتَوَضَّأْ لا يَدُلُّهُ وَإِذَا طَلَبَ مِنْهُ سَجَّادَةَ الصَّلاةِ لا يُعْطِيهِ وَإِذَا سَأَلَ عَنْ وَقْتِ دُخُولِ الصَّلاةِ أَوِ اتِّجَاهِ الْقِبْلَةِ أَوْ سَأَلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فِى الشَّرْعِ لا يُجِيبُهُ. أَمَّا إِذَا أَجَابَهُ عَنْ سُؤَالٍ يُؤَدِّى إِلَى دُخُولِهِ فِى الإِسْلامِ فَيَجُوزُ.
(304) هَلْ يُحْكَمُ عَلَى الشخص بِالرِّدَّةِ لِمُجَرَّدِ شَهَادَةِ وَاحِدٍ عَلَيْهِ بِذَلِكَ.
لا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالرِّدَّةِ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ وَلَوْ كَانَ ثِقَةً أَىْ عَدْلًا وَلا بِشَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ. أَمَّا لَوْ أَخْبَرَ ثِقَتَانِ أَنَّ فُلانًا ارْتَدَّ فَيَجُوزُ الأَخْذُ بِقَوْلِهِمَا وَلا يَجِبُ أَمَّا الْحَاكِمُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ بِقَوْلِهِمَا أَىْ يَحْكُمُ عَلَى الْمُرْتَدِّ بِالرِّدَّةِ وَيُطَالِبُهُ بِالرُّجُوعَ إِلَى الإِسْلامِ بِالنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ. وَالْعَدْلُ هُوَ الْمُسْلِمُ الْمُجْتَنِبُ لِكَبَائِرِ الذُّنُوبِ وَلا يُكْثِرُ مِنَ الذُّنُوبِ الصَّغِيرَةِ بِحَيْثُ تَزِيدُ عَلَى طَاعَاتِهِ الْمُجْتَنِبُ لِمَا يُخِلُّ بِمُرُوءَتِهِ كَتَطْيِيرِ الْحَمَامِ أَوِ الْعَمَلِ فِى مِهْنَةِ الزَّبَّالِ إِنْ لَمْ تَسُقْهُ الضَّرُورَةُ أَوِ الأَكْلِ فِى السُّوقِ مَاشِيًا إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ السُّوقِ أَوِ الرَّقْصِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ النَّوْعِ الْمُحَرَّمِ أَوِ الإِكْثَارِ مِنَ الرِّوَايَاتِ الْمُضْحِكَةِ الَّتِى لَيْسَ فِيهَا ثَمَرَةٌ وَلَوْ كَانَتْ مُبَاحَةً.
(305) هَلْ يَجِبُ عَلَى الْمُرْتَدِّ إِذَا أَسْلَمَ أَنْ يَقْضِىَ مَا فَاتَهُ مِنْ صَلاةٍ أَوْ صِيَامٍ فِى أَيَّامِ رِدَّتِهِ.
يَجِبُ عَلَى الْمُرْتَدِّ إِذَا أَسْلَمَ أَنْ يَقْضِىَ مَا فَاتَهُ مِنْ صَلاةٍ أَوْ صِيَامٍ فِى أَيَّامِ رِدَّتِهِ عِنْدَ الإِمَامِ الشَّافِعِىِّ وَلا يَجِبُ عِنْدَ الأَئِمَّةِ الثَّلاثَةِ أَبِى حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ. أَمَّا إِذَا فَاتَهُ الْحَجُّ فِى أَيَّامِ رِدَّتِهِ وَكَانَ مُسْتَطِيعًا فَيَلْزَمُهُ عِنْدَ الْجَمِيعِ أَنْ يَحُجَّ بَعْدَ أَنْ يُسْلِمَ.
