(57) قَالَ الْعُلَمَاءُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَوْصُوفٌ بِكُلِّ كَمَالٍ يَلِيقُ بِهِ، لِمَاذَا قُيِّدَتْ كَلِمَةُ كَمَالٍ بِعِبَارَةِ يَلِيقُ بِهِ.

يَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ اللَّهَ مَوْصُوفٌ بِكُلِّ كَمَالٍ يَلِيقُ بِهِ أَىْ أَنَّ اللَّهَ مُتَّصِفٌ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ اللَّائِقَةِ بِهِ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالإِرَادَةِ وَإِنَّمَا قِيلَ بِكُلِّ كَمَالٍ يَلِيقُ بِهِ لِأَنَّ مِنَ الْكَمَالِ مَا لا يَلِيقُ بِاللَّهِ كَالْوَصْفِ بِرَجَاحَةِ الْعَقْلِ هُوَ كَمَالٌ وَمَدْحٌ فِى حَقِّ الإِنْسَانِ لَكِنَّهُ لَيْسَ كَمَالًا فِى حَقِّ اللَّهِ فَلا يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ اللَّهُ بِهِ. أَمَّا سَيِّدُ قُطُب زَعِيمُ حِزْبِ الإِخْوَانِ فَإِنَّهُ وَصَفَ اللَّهَ بِالْعَقْلِ الْمُدَبِّرِ وَهَذَا لا يَلِيقُ بِاللَّهِ لِأَنَّ الْعَقْلَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ الْبَشَرِ قَالَ الإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِىُّ أَحْمَدُ بنُ سَلامَةَ الْمِصْرِىُّ فِى عَقِيدَتِهِ الْمَشْهُورَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِى الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ وَمَنْ وَصَفَ اللَّهَ بِمَعْنًى مِنْ مَعَانِى الْبَشَرِ (أَىْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الْبَشَرِ) فَقَدْ كَفَرَ وَقَالَ الإِمَامُ النَّسَفِىُّ فِى تَفْسِيرِهِ وَمِنَ الإِلْحَادِ (أَىِ الْكُفْرِ) تَسْمِيَّةُ اللَّهِ بِالْجِسْمِ وَالْجَوْهَرِ وَالْعَقْلِ وَالْعِلَّةِ.

(58) تَكَلَّمْ عَنْ تَنْزِيهِ اللَّهِ عَنِ النَّقَائِصِ.

اللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ أَىْ عَنْ كُلِّ مَا لا يَلِيقُ بِهِ تَعَالَى كَالْحَجْمِ وَالشَّكْلِ وَاللَّوْنِ وَالْهَيْئَةِ وَالتَّحَيُّزِ فِى الْمَكَانِ وَالْجِهَةِ وَالِاتِّصَالِ وَالِانْفِصَالِ وَالدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ وَالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾.

(59) مَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾.

مَعْنَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لا يُشْبِهُ الْمَخْلُوقَاتِ بِأَىِّ وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ لَيْسَ جِسْمًا وَلا يُوصَفُ بِصِفَاتِ الأَجْسَامِ قَالَ الإِمَامُ ذُو النُّونِ الْمِصْرِىُّ وَأَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ مَهْمَا تَصَوَّرْتَ بِبَالِكَ فَاللَّهُ بِخِلافِ ذَلِكَ (أَىْ لا يُشْبِهُ ذَلِكَ). أَمَّا مَنْ شَبَّهَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ كَأَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ قَاعِدٌ فَوْقَ الْعَرْشِ فَهُوَ كَافِرٌ مُكَذِّبٌ لِـلا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مَعْنًى وَلَوْ قَالَهَا لَفْظًا لِأَنَّهُ نَسَبَ الأُلُوهِيَّةَ إِلَى ذَلِكَ الْجِسْمِ الَّذِى تَصَوَّرَهُ وَهُوَ لَيْسَ اللَّه فَلا يَكُونُ أَقَرَّ بِأُلُوهِيَّةِ اللَّهِ وَلا عَبَدَهُ بَلْ عَبَدَ شَيْئًا تَخَيَّلَهُ وَتَوَهَّمَهُ.

(60) مَا مَعْنَى الْمِثْلِيَّةِ الَّتِى نَفَاهَا اللَّهُ عَنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾.

الْمِثْلِيَّةُ الْمَنْفِيَّةُ عَنِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ هِىَ الْمِثْلِيَّةُ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ أَىْ لا يُوجَدُ شَىْءٌ يُمَاثِلُهُ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ وَلا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ فَلا يُوجَدُ ذَاتٌ مِثْلُ ذَاتِهِ لِأَنَّ ذَاتَهُ لَيْسَ جِسْمًا مُؤَلَّفًا مِنْ أَجْزَاءٍ وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ صِفَةٌ كَصِفَتِهِ أَوْ فِعْلٌ كَفِعْلِهِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى

لا يُشْبِهُهُ شَىءٌ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ بِأَىِّ وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ لَفْظَ شَىْءٍ فِى سِيَاقِ النَّفْىِ وَالنَّكِرَةُ إِذَا جَاءَتْ فِى سِيَاقِ النَّفْىِ فَهِىَ لِلشُّمُولِ فَاللَّهُ تَعَالَى نَفَى بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ عَنْ نَفْسِهِ مُشَابَهَةَ كُلِّ أَفْرَادِ الْمَخْلُوقَاتِ وَلَمْ يُقَيِّدْ نَفْىَ الشَّبَهِ عَنْهُ بِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَخْلُوقَاتِ قَالَ تَعَالَى ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أَىْ مِثْلًا أَىْ لَيْسَ لَهُ مَثِيلٌ وَلا شَبِيهٌ وَقَالَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ فِى الْفِقْهِ الأَكْبَرِ أَنَّى يُشْبِهُ الْخَالِقُ مَخْلُوقَهُ أَىْ لا يُشْبِهُ الْخَالِقُ مَخْلُوقَهُ.

وَيَشْمَلُ نَفْىُ مُشَابَهَةِ اللَّهِ لِخَلْقِهِ تَنْزِيهَهُ تَعَالَى عَنِ الْكَمِّيَّةِ وَالْكَيْفِيَّةِ وَالتَّنْزِيهُ هُوَ نَفْىُ مَا لا يَلِيقُ بِاللَّهِ عَنِ اللَّهِ. وَالْكَمِيَّةُ هِىَ مِقْدَارُ الْحَجْمِ وَأَمَّا الْكَيْفِيَّةُ فَهِىَ كُلُّ مَا كَانَ مِنْ صِفَاتِ الْخَلْقِ. أَمَّا الِاتِّفَاقُ بِاللَّفْظِ كَأَنْ يُقَالَ عَنِ اللَّهِ حَىٌّ وَعَنِ الْمَخْلُوقِ حَىٌّ فَلَيْسَ ذَلِكَ مُمَاثَلَةً لِأَنَّ حَيَاةَ اللَّهِ أَزَلِيَّةٌ لَيْسَتْ بِرُوحٍ وَجَسَدٍ وَإِذَا قِيلَ عَنِ اللَّهِ مَوْجُودٌ وَعَنِ الْمَخْلُوقِ مَوْجُودٌ فَلَيْسَ ذَلِكَ مُمَاثَلَةً لِأَنَّ وُجُودَ اللَّهِ أَزَلِىٌّ وَوُجُودَ الْمَخْلُوقِ حَادِثٌ.

(61) مَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.

أَىْ أَنَّ اللَّهَ مَوْصُوفٌ بِالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ فَيَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَسْمَعُ كُلَّ الْمَسْمُوعَاتِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى أُذُنٍ أَوْ ءَالَةٍ أُخْرَى وَيَرَى كُلَّ الْمَرْئِيَّاتِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى حَدَقَةٍ أَوْ شُعَاعِ ضَوْءٍ وَالْحَدَقَةُ هِىَ الْعَيْنُ بِمَعْنَى الْجِسْمِ.

(62) مَا مَعْنَى قَوْلِ الْعُلَمَاءِ اللَّهُ قَدِيمٌ وَمَا سِوَاهُ حَادِثٌ.

مَعْنَى قَوْلِ الْعُلَمَاءِ اللَّهُ قَدِيمٌ وَمَا سِوَاهُ حَادِثٌ أَنَّ اللَّهَ أَزَلِىٌّ أَىْ لا بِدَايَةَ لِوُجُودِهِ وَأَنَّ كُلَّ مَا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ لَهُ بِدَايَةٌ أَىْ وُجِدَ بَعْدَ عَدَمٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَىْءٌ غَيْرُهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَكَتَبَ فِى الذِّكْرِ كُلَّ شَىْءٍ ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ. كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَىْءٌ غَيْرُهُ أَىْ أَنَّ اللَّهَ أَزَلِىٌّ وَلا أَزَلِىَّ سِوَاهُ.

أَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وَكَتَبَ فِى الذِّكْرِ كُلَّ شَىْءٍ أَىْ أَمَرَ الْقَلَمَ أَنْ يَكُتْبَ عَلَى اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ بَعْدَ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَىْ خَلَقَهُمَا وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكُلُّ يَوْمٍ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ قَدْرُ أَلْفِ سَنَةٍ قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّون﴾.

(63) مَا مَعْنَى أَنَّ اللَّهَ مُبَايِنٌ لِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ فِى الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ وَالأَفْعَالِ.

اللَّهُ مُبَايِنٌ لِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ أَىْ غَيْرُ مُشَابِهٍ لَهَا فَلا يُوجَدُ ذَاتٌ مِثْلُ ذَاتِهِ لِأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ جِسْمًا وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ صِفَةٌ كَصِفَتِهِ أَوْ فِعْلٌ كَفِعْلِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ أَىْ لِلَّهِ صِفَاتٌ لا تُشْبِهُ صِفَاتِ غَيْرِهِ وَقَالَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِعْلُهُ تَعَالَى (أَىْ تَخْلِيقُهُ) صِفَةٌ لَهُ فِى الأَزَلِ وَالْمَفْعُولُ (أَىِ الْمَخْلُوقُ) حَادِثٌ (أَىْ وُجِدَ بَعْدَ عَدَمٍ).

(64) مَا مَعْنَى قَوْلِ الْعُلَمَاءِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.

قَوْلُ الْعُلَمَاءِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا أَىْ تَنَزَّهَ اللَّهُ تَنَزُّهًا كَامِلًا عَمَّا يَقُولُ الْكَافِرُونَ فِى حَقِّ اللَّهِ مِمَّا لا يَلِيقُ بِهِ كَالزَّوْجَةِ وَالْوَلَدِ. وَأَكْبَرُ الظُّلْمِ هُوَ ظُلْمُ الْكَافِرِينَ فَالْكَافِرُونَ بَلَغُوا الْغَايَةَ فِى الظُّلْمِ، وَلَمَّا كَانَ الْكُفْرُ أَكْبَرَ الظُّلْمِ وَأَشَدَّهُ أَطْلَقَ اللَّهُ فِى الْقُرْءَانِ الظَّالِمِينَ وَأَرَادَ بِهِ الْكَافِرِينَ قَالَ تَعَالَى ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.

(65) تَكَلَّمْ عَنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى.

اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُتَّصِفٌ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ اللَّائِقَةِ بِهِ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِى أَسْمَائِهِ﴾ أَىْ لِلَّهِ أَسْمَاءٌ تَدُلُّ عَلَى الْكَمَالِ فَادْعُوهُ بِهَا وَلا تَتَّبِعُوا الَّذِينَ يُحَرِّفُونَ أَسْمَاءَ اللَّهِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ أَىْ لِلَّهِ صِفَاتٌ تَدُلُّ عَلَى الْكَمَالِ لا تُشْبِهُ صِفَاتِ غَيْرِهِ وَصِفَاتُ اللَّهِ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ أَىْ لا بِدَايَةَ وَلا نِهَايَةَ لَهَا أَمَّا صِفَاتُ غَيْرِهِ فَهِىَ حَادِثَةٌ أَىْ مَخْلُوقَةٌ قَالَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ فِى كِتَابِهِ الْفِقْهِ الأَكْبَرِ مَنْ قَالَ بِحُدُوثِ صِفَاتِ اللَّهِ أَوْ شَكَّ أَوْ تَوَقَّفَ فَهُوَ كَافِرٌ،

أَىْ مَنْ قَالَ إِنَّ اللَّهَ حَدَثَتْ لَهُ صِفَاتٌ لَمْ يَكُنْ مُتَّصِفًا بِهَا فِى الأَزَلِ أَوْ شَكَّ فِيهَا كَأَنْ قَالَ لَعَلَّهَا أَزَلِيَّةٌ وَلَعَلَّهَا حَادِثَةٌ أَوْ تَوَقَّفَ فِيهَا كَأَنْ قَالَ لا أَقُولُ إِنَّهَا حَادِثَةٌ وَلا أَقُولُ إِنَّهَا أَزَلِيَّةٌ فَهُوَ كَافِرٌ.

(66) اذْكُرِ الصِّفَاتِ الثَّلاثَ عَشْرَةَ الْوَاجِبَةَ لِلَّهِ تَعَالَى.

يَجِبُ وُجُوبًا عَيْنِيًّا عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ مَعْرِفَةُ الصِّفَاتِ الثَّلاثَ عَشْرَةَ الْوَاجِبَةِ لِلَّهِ تَعَالَى وَهِىَ الْوُجُودُ وَالْوَحْدَانِيَّةُ وَالْقِدَمُ أَىِ الأَزَلِيَّةُ وَالْبَقَاءُ وَقِيَامُهُ بِنَفْسِهِ أَىْ أَنَّهُ لا يَحْتَاجُ إِلَى غَيْرِهِ وَالْقُدْرَةُ وَالإِرَادَةُ وَالْعِلْمُ وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَالْحَيَاةُ وَالْكَلامُ وَالْمُخَالَفَةُ لِلْحَوَادِثِ أَىْ عَدَمُ مُشَابَهَتِهِ لِلْمَخْلُوقَاتِ. وَهَذِهِ الصِّفَاتُ تَكَرَّرَ ذِكْرُهَا فِى الْقُرْءَانِ وَالْحَدِيثِ إِمَّا لَفْظًا كَالْقَدِيرِ كَمَا فِى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ وَإِمَّا مَعْنًى كَالْقَوِىِّ كَمَا فِى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾ وَالْقَوِىُّ بِمَعْنَى الْقَدِيرِ أَىِ التَّامُّ الْقُدْرَةِ الَّذِى لا يُعْجِزُهُ شَىْءٌ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ قَوِىَّ الْجَسَدِ لِأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ جِسْمًا.

وَكَانَ الرَّسُولُ ﷺ يَحْرِصُ عَلَى تَعْلِيمِ هَذِهِ الصِّفَاتِ لِكُلِّ أَحَدٍ. أَمَّا مَعْرِفَةُ الأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالنَّقْلِيَّةِ فِى إِثْبَاتِ هَذِهِ الصِّفَاتِ فَهُوَ فَرْضٌ كِفَائِىٌّ أَىْ يَجِبُ عَلَى بَعْضِ الْمُكَلَّفِينَ وَلا يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ بِعَيْنِهِ.

(67) تَكَلَّمْ عَنْ صِفَةِ الْوُجُودِ لِلَّهِ.

يَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ اللَّهَ مَوْجُودٌ لا شَكَّ فِى وُجُودِهِ وَوُجُودُهُ تَعَالَى لَيْسَ بِإِيجَادِ مُوجِدٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ وُجُودَهُ عَدَمٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَفِى اللَّهِ شَكٌّ﴾ أَىْ لا شَكَّ فِى وُجُودِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى. أَمَّا الدَّلِيلُ الْعَقْلِىُّ عَلَى وُجُودِ اللَّهِ فَهُوَ كَأَنْ يُقَالَ الْكِتَابَةُ لا بُدَّ لَهَا مِنْ فَاعِلٍ وَالْبِنَاءُ لا بُدَّ لَهُ مِنْ فَاعِلٍ وَالْكِتَابَةُ وَالْبِنَاءُ جُزْءٌ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ فَهَذَا الْعَالَمُ بِالأَوْلَى لا بُدَّ لَهُ مِنْ خَالِقٍ خَلَقَهُ لا يُشْبِهُهُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ.

(68) تَكَلَّمْ عَنْ صِفَةِ الْوَحْدَانِيَّةِ لِلَّهِ.

يَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ وَلا مَعْبُودَ بِحَقٍّ سِوَاهُ وَلَيْسَ جِسْمًا مُؤَلَّفًا مِنْ أَجْزَاءٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ وَحْدَانِيَّةَ الْعَدَدِ لِأَنَّ الْجِسْمَ الْوَاحِدَ لَهُ أَجْزَاءٌ بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُ لا شَبِيهَ لَهُ فَلا يُوجَدُ ذَاتٌ مِثْلُ ذَاتِهِ وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ صِفَةٌ كَصِفَتِهِ أَوْ فِعْلٌ كَفِعْلِهِ قَالَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ فِى كِتَابِهِ الْفِقْهِ الأَكْبَرِ وَاللَّهُ وَاحِدٌ لا مِنْ طَرِيقِ الْعَدَدِ وَلَكِنْ مِنْ طَرِيقِ أَنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ،

أَىْ لا شَرِيكَ لَهُ فِى ذَاتِهِ وَلا فِى صِفَاتِهِ وَلا فِى فِعْلِهِ. فَلَوْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ وَاحِدًا وَكَانَ مُتَعَدِّدًا لَمَا وُجِدَ الْعَالَمُ. فَلَوْ كَانَ لِلْكَوْنِ إِلَهَانِ وَأَرَادَ أَحَدُهُمَا وُجُودَ شَىْءٍ وَالآخَرُ أَرَادَ عَدَمَهُ وَلا يَكُونُ الشَّىْءُ مَوْجُودًا وَمَعْدُومًا فِى ءَانٍ وَاحِدٍ. فَإِنْ حَصَلَ مَا أَرَادَهُ أَحَدُهُمَا فَهُوَ الإِلَهُ وَأَمَّا الآخَرُ فَعَاجِزٌ وَلا يَكُونُ الْعَاجِزُ إِلَهًا فَثَبَتَ أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ.

(69) تَكَلَّمْ عَنْ صِفَةِ الْقِدَمِ لِلَّهِ.

اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدِيمٌ أَىْ أَزَلِىٌّ لا بِدَايَةَ لِوُجُودِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿هُوَ الأَوَّلُ﴾ أَىْ أَنَّ اللَّهَ وَحْدَهُ الأَوَّلُ الَّذِى لا ابْتِدَاءَ لِوُجُودِهِ وَفَسَّرَهَا الرَّسُولُ ﷺ بِقَوْلِهِ كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَىْءٌ غَيْرُهُ أَىْ أَنَّ اللَّهَ أَزَلِىٌّ وَلا أَزَلِىَّ سِوَاهُ وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ كَانَ يَقُولُ إِذَا أَرَادَ دُخُولَ الْمَسْجِدِ أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَالْحَدِيثُ إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.

فَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ إِطْلاقِ الْقَدِيمِ عَلَى سُلْطانِ اللَّهِ الَّذِى هُوَ صِفَتُهُ جَاَزَ إِطْلاقُهُ عَلَى الذَّاتِ. وَأَجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلَى جَوَازِ إِطْلاقِ الْقَدِيمِ عَلَى اللَّهِ ذَكَرَ ذَلِكَ الإِمَامُ مُحَمَّدُ مُرْتَضَى الزَّبِيدِىُّ فِى شَرْحِ إِحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ. فَيَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ اللَّهَ قَدِيمٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ لا بِدَايَةَ لِوُجُودِهِ قَالَ الإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِىُّ أَحْمَدُ بنُ سَلامَةَ الْمِصْرِىُّ فِى عَقِيدَتِهِ قَدِيمٌ بِلا ابْتِدَاءٍ.

وَلَيْسَ مَعْنَى الْقَدِيمِ فِى حَقِّ اللَّهِ أَنَّهُ مَضَى عَلَيْهِ زَمَانٌ طَوِيلٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لا يَجْرِى عَلَيْهِ زَمَانٌ. أَمَّا الدَّلِيلُ الْعَقْلِىُّ عَلَى قِدَمِ اللَّهِ فَهُوَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ قَدِيمًا لَكَانَ حَادِثًا أَىْ مَخْلُوقًا وَالْحَادِثُ مُحْتَاجٌ إِلَى مَنْ أَوْجَدَهُ وَالْمُحْتَاجُ إِلَى غَيْرِهِ لا يَكُونُ إِلَهًا. وَيَدُلُّ قِدَمُ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَ الْعَرْشِ وَقَبْلَ السَّمَوَاتِ وَقَبْلَ الْجِهَاتِ وَالأَمْكِنَةِ بِلا مَكَانٍ وَلا جِهَةٍ وَلَمْ يَزَلْ كَمَا كَانَ فِى الأَزَلِ مَوْجُودًا بِلا مَكَانٍ وَلا جِهَةٍ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لا يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ فَإِنَّ التَّغَيُّرَ هُوَ أَقْوَى عَلامَاتِ الْحُدُوثِ.

(70) تَكَلَّمْ عَنْ صِفَةِ الْبَقَاءِ لِلَّهِ.

يَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لا يَلْحَقُهُ وَلا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْفَنَاءُ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ عَلَيْهِ الْفَنَاءُ لَكَانَ مَخْلُوقًا وَلَمْ يَكُنْ أَزَلِيًّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ أَىْ ذَاتُ رَبِّكَ أَىْ يَبْقَى اللَّهُ. وَذَاتُ اللَّهِ أَىْ حَقِيقَةُ اللَّهِ الَّذِى لا يُشْبِهُ الْحَقَائِقَ أَىْ لَيْسَ جِسْمًا كَثِيفًا كَالإِنْسَانِ وَالْحَجَرِ وَلا جِسْمًا لَطِيفًا كَالنُّورِ وَالْهَوَاءِ. وَبَقَاءُ اللَّهِ بَقَاءٌ ذَاتِىٌّ أَىْ لَيْسَ بِإِبْقَاءِ غَيْرِهِ لَهُ أَمَّا بَقَاءُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَهُوَ لَيْسَ بَقَاءً ذَاتِيًّا بَلْ هُمَا بَاقِيَتَانِ بِإِبْقَاءِ اللَّهِ لَهُمَا أَىْ بَقَاؤُهُمَا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ فَلا شَرِيكَ لِلَّهِ تَعَالَى فِى صِفَةِ الْبَقَاءِ.

(71) تَكَلَّمْ عَنْ صِفَةِ الْقِيَامِ بِالنَّفْسِ لِلَّهِ.

يَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ اللَّهَ مُسْتَغْنٍ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ فَلا يَحْتَاجُ إِلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ وَلا يَنْتَفِعُ رَبُّنَا بِطَاعَةِ الطَّائِعِينَ وَلا يَنْضَرُّ بِعِصْيَانِ الْعُصَاةِ وَكُلُّ شَىْءٍ سِوَى اللَّهِ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ لا يَسْتَغْنِى عَنِ اللَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ الْعَالَمِين﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ﴾. وَالْغَنِىُّ هُوَ الَّذِى اسْتَغْنَى عَنْ خَلْقِهِ وَالْخَلائِقُ تَفْتَقِرُ إِلَيْهِ وَالْحَمِيدُ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ وَالْمَدْحِ.

(72) تَكَلَّمْ عَنْ صِفَةِ الْقُدْرَةِ لِلَّهِ.

يَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ لا يُعْجِزُهُ شَىْءٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾. فَلَوْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ قَادِرًا لَكَانَ عَاجِزًا وَالْعَجْزُ نَقْصٌ وَالنَّقْصُ مُسْتَحِيلٌ عَلَى اللَّهِ. وَلا يَجُوزُ تَسْمِيَةُ اللَّهِ بِالْقُوَّةِ لِأَنَّ الْقُوَّةَ بِمَعْنَى الْقُدْرَةِ صِفَةٌ لِلَّهِ وَاللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ صِفَةً بَلْ يُقَالُ قَوِىٌّ أَىْ تَامُّ الْقُدْرَةِ لا يُعْجِزُهُ شَىْءٌ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ قَوِىَّ الْجَسَدِ لِأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ جِسْمًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾.

(73) تَكَلَّمْ عَنْ صِفَةِ الإِرَادَةِ لِلَّهِ.

الإِرَادَةُ بِمَعْنَى الْمَشِيئَةِ صِفَةٌ لِلَّهِ يُخَصِّصُ بِهَا الْمُمْكِنَ الْعَقْلِىَّ بِالْوُجُودِ بَدَلَ الْعَدَمِ وَبِصِفَةٍ دُونَ صِفَةٍ. وَالإِرَادَةُ شَامِلَةٌ لِأَعْمَالِ الْعِبَادِ الْخَيْرِ مِنْهَا وَالشَّرِّ فَكُلُّ مَا دَخَلَ فِى الْوُجُودِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ فَبِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَقَعَ وَحَصَلَ وَلَوْلا تَخْصِيصُ اللَّهِ تَعَالَى لِلْحَسَنَاتِ بِالْوُجُودِ مَا وُجِدَتْ وَكَذَلِكَ الْكُفْرِيَّاتُ وَالْمَعَاصِى لَوْلا تَخْصِيصُ اللَّهِ تَعَالَى لَهَا بِالْوُجُودِ مَا وُجِدَتْ.

وَلا يُقَاسُ الْخَالِقُ عَلَى الْمَخْلُوقِ فَفِعْلُ الْعَبْدِ لِلشَّرِّ قَبِيحٌ مِنَ الْعَبْدِ لِأَنَّهُ مَنْهِىٌ عَنْ فِعْلِهِ أَمَّا خَلْقُ اللَّهِ لِلشَّرِّ فَلَيْسَ قَبِيحًا مِنَ اللَّهِ وَكَذَلِكَ إِرَادَةُ اللَّهِ لِوُجُودِ الْقَبِيحِ لَيْسَ قَبِيحًا مِنَ اللَّهِ إِنَّمَا الْقَبِيحُ فِعْلُهُ وَإِرَادَتُهُ مِنَ الْعِبَادِ. فَاللَّهُ تَعَالَى هُوَ الآمِرُ النَّاهِى الَّذِى لا ءَامِرَ لَهُ وَلا نَاهٍ وَهُوَ مَالِكُ كُلِّ شَىْءٍ حَقِيقَةً وَلَهُ التَّصَرُّفُ بِمَا يَمْلِكُ كَمَا يَشَاءُ قَالَ تَعَالَى ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾.

(74) اذْكُرْ قَوْلَ الإِمَامِ أَبِى حَنِيفَةَ فِى كَسْرِ الْقَدَرِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ اللَّهَ مَا شَاءَ حُصُولَ الْمَعَاصِى وَالشُّرُورِ.

قَالَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ الْكَلامُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَدَرِيَّةِ فِى حَرْفَيْنِ يُقَالُ لَهُمْ هَلْ عَلِمَ اللَّهُ مَا يَكُونُ مِنَ الْعِبَادِ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلُوا فَإِنْ قَالُوا لا كَفَرُوا لِأَنَّهُمْ جَهَّلُوا رَبَّهُمْ وَإِنْ قَالُوا عَلِمَ يُقَالُ لَهُمْ هَلْ شَاءَ خِلافَ مَا عَلِمَهُ فَإِنْ قَالُوا نَعَمْ كَفَرُوا لِأَنَّهُمْ قَالُوا شَاءَ أَنْ يَكُونَ جَاهِلًا وَإِنْ قَالُوا لا رَجَعُوا إِلَى قَوْلِنَا.

(75) تَكَلَّمْ عَنْ صِفَةِ الْعِلْمِ لِلَّهِ.

يَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ اللَّهَ عَالِمٌ بِكُلِّ شَىْءٍ بِعِلْمِهِ الأَزَلِىِّ فَهُوَ عَالِمٌ بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَمَا يُحْدِثُهُ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا لَكَانَ جَاهِلًا وَالْجَهْلُ نَقْصٌ وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقْصِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾ وَلا يَقْبَلُ عِلْمُهُ الزِّيَادَةَ وَلا النُّقْصَانَ لِأَنَّ اللَّهَ لَوْ كَانَ عِلْمُهُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ لَكَانَ مِثْلَ خَلْقِهِ.

وَلا يَكْتَسِبُ اللَّهُ عِلْمًا جَدِيدًا بَلْ هُوَ عَالِمٌ فِى الأَزَلِ بِكُلِّ شَىْءٍ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ فَمَعْنَاهُ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِمَا شِئْنَا مِنَ الْبَلايَا حَتَّى نُظْهِرَ لِلْخَلْقِ مَنْ هُوَ الصَّادِقُ الَّذِى يُجَاهِدُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَيَصْبِرُ عَلَى الْمَشَقَّاتِ مِنْ غَيْرِهِمْ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ سَوْفَ يَعْلَمُ الْمُجَاهِدِينَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِهِمْ بِالِامْتِحَانِ وَالِاخْتِبَارِ فَإِنَّ ذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ عَلَى اللَّهِ.

(76) تَكَلَّمْ عَنْ صِفَةِ السَّمْعِ لِلَّهِ.

يَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ بِسَمْعِهِ الأَزَلِىِّ كُلَّ الْمَسْمُوعَاتِ فَهُوَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَسْمَعُ كَلامَهُ الأَزَلِىَّ وَكَلامَ الْمَخْلُوقَاتِ وَأَصْوَاتَهُمْ بِلا أُذُنٍ وَلا ءَالَةٍ أُخْرَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. قَدَّمَ اللَّهُ تَعَالَى قَوْلَهُ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ عَلَى قَوْلِهِ ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ حَتَّى لا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أَنَّ سَمْعَ اللَّهِ وَبَصَرَهُ كَسَمْعِ وَبَصَرِ غَيْرِهِ.

قَالَ الإِمَامُ أَبو زُرْعَةَ الْعِرَاقِىُّ فِى الْغَيْثِ الْهَامِعِ شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ أَوَّلُ هَذِهِ الآيَةِ تَنْزِيهٌ (أَىْ نَفْىُ مَا لا يَلِيقُ بِاللَّهِ عَنِ اللَّهِ) وَءَاخِرُهَا إِثْبَاتٌ (أَىْ إِثْبَاتُ مَا يَلِيقُ بِاللَّهِ وَهُوَ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ) وَصَدْرُهَا (أَىْ أَوَّلُهَا) رَدٌّ عَلَى الْمُجَسِّمَةِ (الَّذِينَ شَبَّهُوا اللَّهَ بِخَلْقِه فَنَسَبُوا إِلَيْهِ الْجِسْمَ) وَعَجُزُهَا (أَىْ ءَاخِرُهَا) رَدٌّ عَلَى الْمُعَطِّلَةِ (الَّذِينَ نَفَوُا الصِّفَاتِ عَنِ اللَّهِ).

نَزَّهَ اللَّهُ نَفْسَهُ عَنْ مُشَابَهَةِ الْمَخْلُوقَاتِ ثُمَّ أَثْبَتَ الصِّفَاتِ لِنَفْسِهِ فَكَانَ أَوَّلُ الآيَةِ تَنْزِيهًا وَرَدًّا عَلَى الْمُجَسِّمَةِ وَءَاخِرُ الآيَةِ إِثْبَاتًا لِلصِّفَاتِ وَرَدًّا عَلَى الْمُعَطِّلَةِ. أَمَّا الدَّلِيلُ الْعَقْلِىُّ عَلَى اتِّصَافِ اللَّهِ بِالسَّمْعِ فَهُوَ أَنَّهُ تَعَالَى لَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَّصِفًا بِالسَّمْعِ لَكَانَ مُتَّصِفًا بِالصَّمَمِ وَهُوَ نَقْصٌ عَلَى اللَّهِ وَالنَّقْصُ عَلَيْهِ مُحَالٌ.

(77) تَكَلَّمْ عَنْ صِفَةِ الْبَصَرِ لِلَّهِ.

يَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ اللَّهَ يَرَى بِرُؤْيَتِهِ الأَزَلِيَّةِ كُلَّ الْمَرْئِيَّاتِ فَهُوَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَرَى ذَاتَهُ الأَزَلِىَّ وَيَرَى جَمِيعَ الْمَخْلُوقَاتِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى حَدَقَةٍ أَوْ شُعَاعِ ضَوْءٍ لِأَنَّ اللَّهَ لَوْ كَانَ لَهُ عَيْنٌ بِمَعْنَى الْجِسْمِ لَكَانَ مِثْلًا لَنَا وَلَجَازَ عَلَيْهِ مَا يَجُوزُ عَلَيْنَا مِنَ الْمَوْتِ وَالْفَنَاءِ وَالتَّغَيُّرِ. أَمَّا الدَّلِيلُ الْعَقْلِىُّ عَلَى اتِّصَافِ اللَّهِ بِالْبَصَرِ فَهُوَ أَنَّهُ تَعَالَى لَوْ لَمْ يَكُنْ بَصِيرًا رَائِيًا لَكَانَ أَعْمَى وَالْعَمَى أَىْ عَدَمُ الرُّؤْيَةِ نَقْصٌ عَلَى اللَّهِ وَالنَّقْصُ عَلَيْهِ مُسْتَحِيلٌ.

(78) تَكَلَّمْ عَنْ صِفَةِ الْحَيَاةِ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.

يَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ اللَّهَ حَىٌّ بِحَيَاةٍ لا تُشْبِهُ حَيَاتَنَا لَيْسَتْ بِرُوحٍ وَجَسَدٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَتوَكَّلْ عَلَى الْحَىِّ الَّذِى لا يَمُوتُ﴾ فَلَوْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ حَيًّا لَمْ يُوجَدْ شَىْءٌ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ لِأَنَّ مَنْ لَيْسَ حَيًّا لا يَتَّصِفُ بِالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالإِرَادَةِ وَمَنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ لا يَكُونُ خَالِقًا.

(79) تَكَلَّمْ عَنْ صِفَةِ الْكَلامِ لِلَّهِ.

يَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ اللَّهَ يَتَكَلَّمُ بِلا لِسَانٍ وَلا شَفَتَيْنِ لِأَنَّهُ لَيْسَ جِسْمًا لَهُ أَعْضَاءٌ وَكَلامُهُ لَيْسَ حَرْفًا وَلا صَوْتًا وَلا لُغَةً لَيْسَ لَهُ ابْتِدَاءٌ وَلَيْسَ لَهُ انْتِهَاءٌ لا يَطْرَأُ عَلَيْهِ سُكُوتٌ أَوْ تَقَطُّعٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ فَلَوْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ مُتَكَلِّمًا لَكَانَ أَبْكَمَ وَالْبَكَمُ أَىْ عَدَمُ الْكَلامِ نَقْصٌ عَلَى اللَّهِ وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقْصِ. وَلا يَجُوزُ تَسْمِيَةُ اللَّهِ بِالنَّاطِقِ لِأَنَّ النُّطْقَ لا يَكُونُ إِلَّا بِالْحَرْفِ وَالصَّوْتِ بَلْ يُسَمَّى مُتَكَلِّمًا.

(80) مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَهُ صِفَةُ الْكَلامِ.

يَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُتَكَلِّمٌ بِكَلامٍ لا يُشْبِهُ كَلامَنَا لَيْسَ حَرْفًا وَلا صَوْتًا وَلا لُغَةً لَيْسَ لَهُ ابْتِدَاءٌ وَلَيْسَ لَهُ انْتِهَاءٌ لا يَطْرَأُ عَلَيْهِ سُكُوتٌ أَوْ تَقَطُّعٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ، وَقَالَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ فِى الْفِقْهِ الأَكْبَرِ وَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ بِالآلاتِ وَالْحُرُوفِ وَاللَّهُ تَعَالَى يَتَكَلَّمُ بِلا ءَالَةٍ وَلا حُرُوفٍ وَالْحُرُوفُ مَخْلُوقَةٌ وَكَلامُ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرُ مَخْلُوقٍ.

وَالآلاتُ هِىَ مَخَارِجُ الْحُرُوفِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فَمَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ الأَشْيَاءَ بِسُرْعَةٍ بِدُونِ تَعَبٍ وَلا مَشَقَّةٍ وَبِدُونِ مُمَانَعَةٍ مِنْ أَحَدٍ لَهُ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ يَنْطِقُ بِلَفْظِ كُنْ بِعَدَدِ مَخْلُوقَاتِهِ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَخْلُقُ فِى اللَّحْظَةِ الْوَاحِدَةِ مَا لا يَدْخُلُ تَحْتَ الْحَصْرِ فَالآيَةُ ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ تَدُلُّ عَلَى سُرْعَةِ الإِيجَادِ. وَيُطْلَقُ عَلَى اللَّفْظِ الْمُنَزَّلِ الَّذِى نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ وَأَخَذَهُ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ كَلامُ اللَّهِ وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ كَلامِ اللَّهِ الذَّاتِىِّ لَيْسَ مِنْ تَأْلِيفِ مَلَكٍ وَلا تَصْنِيفِ بَشَرٍ.

(81) مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْقُرْءَانَ بِمَعْنَى اللَّفْظِ الْمُنَزَّلِ يُقَالُ لَهُ كَلامُ اللَّهِ.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ أَىْ إِنْ جَاءَكَ يَا مُحَمَّدُ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَاسْتَأْمَنَكَ أَىْ طَلَبَ مِنْكَ الأَمَانَ لِيَسْمَعَ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وَالْقُرْءَانِ فَأَمِّنْهُ أَىْ أَعْطِهِ الأَمَانَ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ أَىْ حَتَّى يَسْمَعَ اللَّفْظَ الْمُنَزَّلَ وَيَتَدَبَّرَهُ. فَالْقُرْءَانُ بِمَعْنَى اللَّفْظِ الْمُنَزَّلِ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ يُقَالُ لَهُ كَلامُ اللَّهِ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى كَلامِ اللَّهِ الأَزَلِىِّ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ تَأْلِيفِ مَلَكٍ وَلا بَشَرٍ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ نَطَقَ بِهِ بِالْحَرْفِ وَالصَّوْتِ كَمَا نَحْنُ نَقْرَؤُهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّهُ﴾ أَىِ الْقُرْءَانَ ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ أَىْ مَقْرُوءُ جِبْرِيلَ.

اللَّهُ تَعَالَى أَجْرَى الْقَلَمَ بِقُدْرَتِهِ مِنْ غَيْرِ إِمْسَاكٍ لِأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ جِسْمًا لا يَمَسُّ وَلا يُمَسُّ فَكَتَبَ فِى اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ الْقُرْءَانَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَالزَّبُورَ وَسَائِرَ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ ثُمَّ أَمَرَ اللَّهُ جِبْرِيلَ بَعْدَ أَنْ خَلَقَ الأَنْبِيَاءَ أَنْ يَنْزِلَ بِهَذِهِ الْكُتُبِ عَلَى أَنْبِيَائِهِ.

(82) مَا هُوَ دَلِيلُ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ كَلامَ اللَّهِ الَّذِى هُوَ صِفَتُهُ لَيْسَ صَوْتًا وَلا حُرُوفًا مُتَعَاقِبَةً.

اسْتَدَلَّ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ كَلامَ اللَّهِ لَيْسَ صَوْتًا وَلا حُرُوفًا مُتَعَاقِبَةً بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ وَبِقَوْلِهِ ﷺ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ. فَاللَّهُ تَعَالَى يُكَلِّمُ كُلَّ إِنْسَانٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَفْهَمُ الْعَبْدُ مِنْ كَلامِ اللَّهِ السُّؤَالَ عَنْ أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ وَاعْتِقَادَاتِهِ. فَلَوْ كَانَ حِسَابُ

اللَّهِ لِخَلْقِهِ مِنْ إِنْسٍ وَجِنٍّ بِالْحَرْفِ وَالصَّوْتِ مَا كَانَ يَنْتَهِى حِسَابُهُمْ فِى مِائَةِ أَلْفِ سَنَةٍ لِأَنَّ الْخَلْقَ كَثِيرٌ وَيَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَحْدَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْبَشَرُ كُلُّهُمْ بِالنِّسْبَةِ لَهُمْ كَوَاحِدٍ مِنْ مِائَةٍ وَفِى رِوَايَةٍ كَوَاحِدٍ مِنْ أَلْفٍ وَمِنَ الإِنْسِ مَنْ عَاشَ أَلْفَىْ سَنَةٍ وَمِنْهُمْ مَنْ عَاشَ أَلْفًا وَزِيَادَةً وَمِنْهُمْ مَنْ عَاشَ مِئَاتٍ مِنَ السِّنِينَ وَبَعْضُ الْجِنِّ يَعِيشُونَ ءَالافًا مِنَ السِّنِينَ وَحِسَابُ الْعِبَادِ لَيْسَ عَلَى الْقَوْلِ فَقَطْ بَلْ عَلَى الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَالِاعْتِقَادِ فَلَوْ كَانَ اللَّهُ يُكَلِّمُهُمْ بِالْحَرْفِ وَالصَّوْتِ لَاسْتَغْرَقَ حِسَابُهُمْ زَمَانًا طَوِيلًا جِدًّا وَلَكَانَ اللَّهُ أَبْطَأَ الْحَاسِبِينَ وَهَذَا خِلافُ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ أَىْ أَسْرَعُ مِنْ كُلِّ حَاسِبٍ.

(83) مَا الرَّدُّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ اللَّهَ مُتَكَلِّمٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ خَالِقُ الْكَلامِ فِى غَيْرِهِ.

الْمُعْتَزِلَةُ نَفَوُا الْكَلامَ عَنِ اللَّهِ فَجَعَلُوهُ أَبْكَمَ وَقَالُوا إِنَّ الْحَرْفَ وَالصَّوْتَ حَادِثَانِ فَلَوْ كَانَ اللَّهُ يَتَكَلَّمُ لَكَانَ حَادِثًا أَىْ مَخْلُوقًا وَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ مَجَازٌ أَىْ خَلَقَ اللَّهُ الْكَلامَ فِى الشَّجَرَةِ الَّتِى كَانَ مُوسَى عِنْدَهَا فَسَمِعَ مُوسَى كَلامَ اللَّهِ مِنَ الشَّجَرَةِ وَهَذَا بَاطِلٌ فَلَوْ كَانَ الأَمْرُ كَمَا يَزْعُمُونَ مَا أَكَّدَ اللَّهُ الْفِعْلَ بِالْمَصْدَرِ وَفِى ذَلِكَ نَفْىٌ لِلْمَجَازِ.

وَالْمَجَازُ هُوَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِى غَيْرِ مَعْنَاهُ الأَصْلِىِّ قَالَ أَبُو حَيَّانَ الأَنْدَلُسِىُّ فِى الْبَحْرِ الْمُحِيطِ ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ هَذَا إِخْبَارٌ بِأَنَّ اللَّهَ شَرَّفَ مُوسَى بِكَلامِهِ وَأُكِّدَ بِالْمَصْدَرِ دِلالَةً عَلَى وُقُوعِ الْفِعْلِ عَلَى حَقِيقَتِهِ لا عَلَى مَجَازِهِ. فَيَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ سَمِعَ كَلامَ اللَّهِ الأَزَلِىَّ الَّذِى لَيْسَ حَرْفًا وَلا صَوْتًا كَمَا يَرَى الْمُؤْمِنُونَ ذَاتَ اللَّهِ فِى الآخِرَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ جَوْهَرًا فَرْدًا أَوْ مُرَكَّبًا أَوْ عَرَضًا أَىْ صِفَةً لِلْجَوْهَرِ لِأَنَّ الْعَقْلَ لا يُحِيلُ سَمَاعَ مَا لَيْسَ بِحَرْفٍ وَلا صَوْتٍ وَإِنْ كُنَّا لا نَسْتَطِيعُ تَصَوُّرَهُ. وَالْجَوْهَرُ الْفَرْدُ هُوَ الْجُزْءُ الَّذِى لا يَتَجَزَّأُ مِنْ تَنَاهِيهِ فِى الْقِلَّةِ أَمَّا الْمُرَكَّبُ مِنْ أَجْزَاءٍ فَهُوَ الْجِسْمُ.

(84) مَنْ هُمُ الْمُعْتَزِلَةُ وَمَا هِىَ اعْتِقَادَاتُهُمْ.

الْمُعْتَزِلَةُ فِرَقٌ مُتَعَدِّدَةٌ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الشَّرَّ يَحْصُلُ بِغَيْرِ مَشِيئَةِ اللَّهِ وَأَنَّ الْعَبْدَ يَخْلُقُ أَفْعَالَهُ الِاخْتِيَارِيَّةَ بِقُدْرَةٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهَا وَيُنْكِرُونَ الصِّفَاتِ الْوَاجِبَةَ لِلَّهِ إِجْمَاعًا كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْحَيَاةِ وَالْكَلامِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِى لَيْسَ لَهُمَا نَصِيبٌ فِى الإِسْلامِ الْقَدَرِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ، وَالْقَدَرِيَّةُ هُمُ الْمُعْتَزِلَةُ وَأَمَّا الْمُرْجِئَةُ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ لا يَضُرُّ مَعَ الإِيمَانِ ذَنْبٌ أَىْ أَنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ مَهْمَا عَمِلَ مِنَ الْكَبَائِرِ وَمَاتَ بِلا تَوْبَةٍ لَيْسَ عَلَيْهِ عَذَابٌ وَهَذَا ضَلالٌ وَكُفْرٌ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ يَنْضَرُّ بِالْمَعَاصِى الَّتِى يَرْتَكِبُهَا.

وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْقَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الأُمَّةِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِىُّ فِى السُّنَنِ الْكُبْرَى. شَبَّهَ الرَّسُولُ الْمُعْتَزِلَةَ بِالْمَجُوسِ لِأَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْعَبْدَ يَخْلُقُ أَفْعَالَهُ فَكَأَنَّهُمْ يُثْبِتُونَ خَالِقَيْنِ فِى الْحَقِيقَةِ كَمَا أَثْبَتَ الْمَجُوسُ خَالِقَيْنِ خَالِقًا لِلْخَيْرِ وَهُوَ النُّورُ عِنْدَهُمْ وَخَالِقًا لِلشَّرِّ وَهُوَ الظَّلامُ عِنْدَهُمْ. وَنَقَلَ الإِمَامُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِىُّ فِى تَفْسِيرِ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ الإِجْمَاعَ عَلَى كُفْرِ الْمُعْتَزِلَةِ وَقَالَ الْحَافِظُ مُحَمَّدُ مُرْتَضَى الزَّبِيدِىُّ فِى كِتَابِ إِتْحَافِ السَّادَةِ الْمُتَّقِينَ لَمْ يَتَوَقَّفْ أَصْحَابُنَا مِنْ أَهْلِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ فِى تَكْفِيرِ الْمُعْتَزِلَةِ أَىْ لِقَوْلِهِمْ بِأَنَّ الْعَبْدَ يَخْلُقُ أَفْعَالَهُ.

(85) مَا مَعْنَى مُخَالَفَةِ اللَّهِ لِلْحَوَادِثِ.

مَعْنَى مُخَالَفَةِ اللَّهِ لِلْحَوَادِثِ أَنَّهُ لا يُشْبِهُ الْمَخْلُوقَاتِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ فَاللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى نَفَى بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ عَنْ نَفْسِهِ مُشَابَهَةَ كُلِّ الْمَخْلُوقَاتِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ لَفْظَ شَىْءٍ فِى سِيَاقِ النَّفْىِ وَالنَّكِرَةُ إِذَا أُورِدَتْ فِى سِيَاقِ النَّفْىِ فَهِىَ لِلشُّمُولِ فَاللَّهُ تَعَالَى لا يُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ بِأَىِّ وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ لا يُشْبِهُ ذَوِى الأَرْوَاحِ مِنْ إِنْسٍ وَجِنٍّ وَمَلائِكَةٍ وَغَيْرِهِمْ وَلا يُشْبِهُ الْجَمَادَاتِ مِنَ الأَجْرَامِ الْعُلْوِيَّةِ وَالسُّفْلِيَّةِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ يُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ خَلْقِهِ لَجَازَ عَلَيْهِ مَا يَجُوزُ عَلَى الْخَلْقِ كَالتَّغَيُّرِ وَالتَّطَوُّرِ وَلَوْ جَازَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لَاحْتَاجَ إِلَى مَنْ يُغَيِّرُهُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ وَالْمُحْتَاجُ إِلَى غَيْرِهِ لا يَكُونُ إِلَهًا.

(86) مَا هِىَ الآيَاتُ الْمُحْكَمَاتُ وَالآيَاتُ الْمُتَشَابِهَاتُ.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِىَ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ ءَايَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ فَالْقُرْءَانُ فِيهِ ءَايَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أَىِ الْمَرْجِعُ وَالأَصْلُ الَّذِى يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِى تَفْسِيرِ كُلِّ الْقُرْءَانِ وَلا يَجُوزُ الْخُرُوجُ عَنْهَا فِى تَفْسِيرِ أَىِّ ءَايَةٍ مِنْهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ وَفِيهِ ءَايَاتٌ مُتَشَابِهَاتٌ يُحْتَاجُ لِمَعْرِفَتِهَا الرُّجُوعُ إِلَى أَهْلِ الْعِلْمِ لِلْوُقُوفِ عَلَى مَعْنَاهَا الْمُرَادِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ فَقَدْ فَسَّرَهَا أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْقَهْرِ وَلَيْسَ مَعْنَاهَا أَنَّ اللَّهَ جَلَسَ أَوْ قَعَدَ أَوِ اسْتَقَرَّ لِأَنَّ هَذَا لا يَجُوزُ عَلَى اللَّهِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اسْتَيْقَظَ مِنَ اللَّيْلِ قَالَ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ. فَكُلُّ ءَايَةٍ يُوهِمُ ظَاهِرُهَا مَعْنًى لا يَلِيقُ بِاللَّهِ لا تُحْمَلُ عَلَى الظَّاهِرِ بَلْ لا بُدَّ أَنْ تُفَسَّرَ تَفْسِيرًا يَتَوَافَقُ وَيَنْسَجِمُ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾.

(87) بَيِّنْ أَقْسَامَ الْمُتَشَابِهِ.

الْمُتَشَابِهُ قِسْمَانِ أَحَدُهُمَا مَا لا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ كَوَجْبَةِ الْقِيَامَةِ أَىِ وَقْتِ وُقُوعِهَا وَخُرُوجِ الدَّجَّالِ عَلَى التَّحْدِيدِ وَالثَّانِى يَعْلَمُهُ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِى الْعِلْمِ كَمَعْنَى الِاسْتِوَاءِ الْمَذْكُورِ فِى الآيَةِ ﴿الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ فَإِنَّ الرَّاسِخِينَ فِى الْعِلْمِ أَىِ الْمُتَمَكِّنِينَ فِيهِ فَسَّرُوهُ بِالْقَهْرِ.

(88) مَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِى الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾.

﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ أَىْ ضَلالٌ وَهُمُ الْمُبْتَدِعَةُ فِى الِاعْتِقَادِ كَالْمُشَبِّهَةِ وَغَيْرِهِمْ ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ أَىِ الْمُتَشَابِهَ مِنَ الْقُرْءَانِ ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ أَىِ ابْتِغَاءَ إِيقَاعِ الْمُؤْمِنِ فِى اعْتِقَادِهِمُ الْبَاطِلِ ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ أَىْ تَأْوِيلًا بَاطِلًا وَهُوَ مُحَاوَلَتُهُمْ مَعْرِفَةَ وَقْتِ حُصُولِ الْقِيَامَةِ وَخُرُوحِ الدَّجَّالِ عَلَى التَّحْدِيدِ ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ أَىْ وَقْتَ حُصُولِهِ ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ مَعْنَاهُ أَنَّ الْقُرْءَانَ فِيهِ ءَايَاتٌ مُتَشَابِهَاتٌ تَتَعَلَّقُ بِأُمُورٍ لَمْ يُطْلِعِ اللَّهُ أَحَدًا مِنَ الْخَلْقِ عَلَى وَقْتِ حُصُولِهَا كَوَقْتِ قِيَامِ السَّاعَةِ وَخُرُوجِ الدَّجَّالِ عَلَى التَّحْدِيدِ ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِى الْعِلْمِ﴾ أَىِ الْمُتَمَكِّنُونَ فِيهِ ﴿يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ﴾ أَىْ بِالْقُرْءَانِ كُلِّهِ الْمُحْكَمِ مِنْهُ وَالْمُتَشَابِهِ ﴿كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ أَىْ كُلٌّ مِنَ الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ وَحْىٌ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا.

(89) مَا هُوَ مَسْلَكُ السَّلَفِ فِى تَأْوِيلِ الآيَاتِ الْمُتَشَابِهَةِ.

السَّلَفُ هُمْ أَهْلُ الْقُرُونِ الثَّلاثَةِ الأُولَى قَرْنِ الصَّحَابَةِ وَقَرْنِ التَّابِعِينَ وَقَرْنِ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ وَمَسْلَكُ أَكْثَرِهِمْ أَنَّهُمْ يُؤَوِّلُونَ الآيَاتِ الْمُتَشَابِهَةَ تَأْوِيلًا إِجْمَالِيًّا أَىْ بِالإِيمَانِ بِهَا وَاعْتِقَادِ أَنَّ لَهَا مَعْنًى يَلِيقُ بِاللَّهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعَيِّنُوا لَهَا مَعْنًى كَآيَةِ ﴿الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ فَيَقُولُونَ اسْتَوَى بِلا كَيْفٍ أَوْ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ أَىْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ بِهَيْئَةٍ كَالْجُلُوسِ وَالِاسْتِقْرَارِ.

قَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِىُّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ فِى الآيَاتِ الْمُتَشَابِهَةِ ءَامَنْتُ بِمَا جَاءَ عَنِ اللَّهِ عَلَى مُرَادِ اللَّهِ وَبِمَا جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَى مُرَادِ رَسُولِ اللَّهِ، أَىْ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِى يَلِيقُ بِاللَّهِ وَلَيْسَ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِى يُؤَدِّى إِلَى تَشْبِيهِ اللَّهِ بِخَلْقِهِ.

(90) كَيْفَ يُرَدُّ عَلَى مَنْ نَفَى التَّأْوِيلَ التَّفْصِيلِىَّ عَنِ السَّلَفِ.

نَفْىُ التَّأْوِيلِ التَّفْصِيلِىِّ عَنِ السَّلَفِ مَرْدُودٌ بِمَا فِى صَحِيحِ الْبُخَارِىِّ فِى كِتَابِ تَفْسِيرِ الْقُرْءَانِ وَعِبَارَتُهُ ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ إِلَّا مُلْكَهُ وَيُقَالُ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَيْهِ. وَمُلْكُ اللَّهِ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ الأَزَلِيَّةِ لَيْسَ كَالْمُلْكِ الَّذِى يُعْطِيهِ لِلْمَخْلُوقِينَ فَمُلْكُ أَحْبَابِ اللَّهِ كَسُلَيْمَانَ وَذِى الْقَرْنَيْنِ وَمُلْكُ أَعْدَاءِ اللَّهِ كَنُمْرُودَ وَفِرْعَوْنَ يَفْنَى أَمَّا مُلْكُ اللَّهِ فَلا يَفْنَى.

وَمُلْكُ اللَّهِ أَىْ سُلْطَانُهُ فَاللَّهُ تَعَالَى لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى هَذَا الْعَالَمِ وَسُلْطَانُهُ لا يَفْنَى. أَمَّا قَوْلُ الْبُخَارِىِّ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَيْهِ أَىِ الأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ فَإِنَّهَا تَبْقَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ﴾. وَأَوَّلَ الْبُخَارِىُّ الضَّحِكَ الْوَارِدَ فِى الْحَدِيثِ الَّذِى فِيهِ ضَحِكَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ بِالرَّحْمَةِ نَقَلَ ذَلِكَ عَنْهُ الْخَطَّابِىُّ فَقَالَ وَقَدْ تَأَوَّلَ الْبُخَارِىُّ الضَّحِكَ فِى مَوْضِعٍ ءَاخَرَ عَلَى مَعْنَى الرَّحْمَةِ وَهُوَ قَرِيبٌ وَتَأْوِيلُهُ عَلَى مَعْنَى الرِّضَا أَقْرَبُ.

وَثَبَتَ عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ فِى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ إِنَّمَا جَاءَتْ قُدْرَتُهُ أَىْ ءَاثَارُ قُدْرَتِهِ مِنَ الأُمُورِ الْعِظَامِ الَّتِى تَظْهَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَجَرِّ الْمَلائِكَةِ لِجُزْءٍ كَبِيرٍ مِنْ جَهَنَّمَ إِلَى الْمَوْقِفِ حَتَّى يَرَاهُ الْكُفَّارُ فَيَفْزَعُوا وَشَهَادَةِ الأَيْدِى وَالأَرْجُلِ بِمَا كَسَبَهُ الْكُفَّارُ مَعَ الْخَتْمِ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ. وَهَذَا الأَثَرُ عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ صَحَّحَ سَنَدَهُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِىُّ.

(91) مَا هُوَ مَسْلَكُ الْخَلَفِ فِى تَأْوِيلِ الآيَاتِ الْمُتَشَابِهَةِ.

الْخَلَفُ هُمْ مَنْ جَاءُوا بَعْدَ الْقُرُونِ الثَّلاثَةِ الأُولَى وَهَؤُلاءِ يُؤَوِّلُونَ الآيَاتِ الْمُتَشَابِهَةَ تَفْصِيلًا بِتَعْيِينِ مَعَانٍ لَهَا وَلا يَحْمِلُونَهَا عَلَى ظَوَاهِرِهَا وَلا بَأْسَ بِسُلُوكِهِ وَلا سِيَّمَا عِنْدَ الْخَوْفِ مِنْ تَزَلْزُلِ الْعَقِيدَةِ عِنْدَ إِلْقَاءِ الشُّبَهِ عَلَى الْعَوَامِّ حِفْظًا لَهُمْ مِنَ التَّشْبِيهِ. وَهَذَا التَّأْوِيلُ التَّفْصِيلِىُّ هُوَ مِثْلُ تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فِى تَوْبِيخِ إِبْلِيسَ ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ﴾ فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ بِالْيَدَيْنِ الْعِنَايَةُ وَالْحِفْظُ أَىْ مَا مَنَعَكَ يَا إِبْلِيسُ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِعِنَايَتِى وَحِفْظِى أَىْ لِمَنْ أَكْرَمْتُهُ وَأَرَدْتُ لَهُ الْمَقَامَ الْعَالِىَ وَالْخَيْرَ الْعَظِيمَ وَهُوَ ءَادَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ. وَاعْلَمُوا أَنَّ تَرْكَ التَّأْوِيلِ التَّفْصِيلِىِّ وَالإِجْمَالِىِّ يُوقِعُ فِى التَّشْبِيهِ لا مَحَالَةَ فَانْتَبِهُوا وَاحْذَرُوا مِنَ الْمُشَبِّهَةِ الْوَهَّابِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ التَّأْوِيلُ تَعْطِيلٌ.

(92) مَا مَعْنَى الْجَنْبِ وَالإِصْبَعِ وَالصُّورَةِ إِذَا أُضِيفَتْ إِلَى اللَّهِ فِى الْقُرْءَانِ أَوِ الْحَدِيثِ.

اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيْسَ جِسْمًا مُؤَلَّفًا مِنْ أَجْزَاءٍ مُنَزَّهٌ عَنِ الشَّكْلِ وَالصُّورَةِ وَالأَعْضَاءِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءُ﴾ وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ أَىْ لا تُشَبِّهُوهُ بِخَلْقِهِ. أَمَّا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنِ الْكَافِرِ ﴿يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فرَّطْتُ فِى جَنْبِ اللَّهِ﴾ أَىْ يَقُولُ الْكَافِرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا تَرَكْتُ مِمَّا أَمَرَنِى اللَّهُ بِهِ وَقَصَّرْتُ فِى الدُّنْيَا فِى طَاعَةِ اللَّهِ وَالْحَسْرَةُ هِىَ النَّدَامَةُ.

وَأَمَّا حَدِيثُ مُسْلِمٍ إِنَّ قُلُوبَ بَنِى ءَادَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمٰنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ فَمَعْنَاهُ أَنَّ قُلُوبَ الْعِبَادِ تَحْتَ تَصَرُّفِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ إِنْ شَاءَ أَزَاغَ قَلْبَ الْعَبْدِ وَإِنْ شَاءَ أَقَامَهُ كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ لَهُ أَصَابِعُ كَالأَصَابِعِ الَّتِى نَعْهَدُهَا مِنْ أَنْفُسِنَا وَالَّتِى هِىَ جُزْءٌ مِنْ أَجْسَادِنَا.

وَكَذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ ءَادَمَ عَلَى صُورَتِهِ وَفِى رِوَايَةٍ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمٰنِ فَهَذِهِ الإِضَافَةُ إِضَافَةُ الْمِلْكِ وَالتَّشْرِيفِ أَىْ عَلَى الصُّورَةِ الْمُشَرَّفَةِ عِنْدَ الرَّحْمٰنِ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ لَهُ شَكْلٌ وَصُورَةٌ. وَأَمَّا الآيَةُ ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْىِ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً﴾ أَىْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لا يَتْرُكُ إِظْهَارَ الْحَقِّ اسْتِحْيَاءً كَمَا يَتْرُكُ الْبَشَرُ الشَّىْءَ اسْتِحْيَاءً وَكَذَلِكَ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنَّ اللَّهَ حَيِىٌّ كَرِيـمٌ يَسْتَحِى إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْنِ فَمَعْنَاهُ لا يُخَيِّبُ مَنْ دَعَاهُ إِمَّا أَنْ يُعْطِيَهُ مَعَ الثَّوَابِ مَا طَلَبَ أَوْ يُعْطِيَهُ الثَّوَابَ فَقَطْ، وَقَوْلُهُ إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَىْ إِلَى جِهَةِ مَهْبِطِ الرَّحْمَةِ وَهِىَ السَّمَاءُ لِأَنَّ السَّمَاءَ قِبْلَةُ الدَّعُاءِ. وَلْيُعْلَمْ أَنَّهُ لا يَجُوزُ تَسْمِيَةُ اللَّهِ بِالْمُسْتَحِى.

(93) مَا مَعْنَى الْيَدِ إِذَا أُضِيفَتْ إِلَى اللَّهِ فِى الْقُرْءَانِ.

اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيْسَ جِسْمًا لَهُ أَعْضَاءٌ، فَالْيَدُ إِذَا أُضِيفَتْ إِلَى اللَّهِ فِى الْقُرْءَانِ لَيْسَ مَعْنَاهَا الْجَارِحَةَ وَالْعُضْوَ إِنَّمَا لَهَا مَعْنًى يَلِيقُ بِاللَّهِ لِأَنَّ الْجَوَارِحَ أَىِ الأَعْضَاءَ مُسْتَحِيلَةٌ عَلَى اللَّهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾. وَاعْلَمْ أَنَّ الْيَدَ فِى لُغَةِ الْعَرَبِ تَأْتِى بِمَعْنَى الْجَارِحَةِ وَالْجِسْمِ وَتَأْتِى بِمَعْنَى النِّعْمَةِ وَالْقُوَّةِ وَالْعَهْدِ وَالْعِنَايَةِ وَالْحِفْظِ كَمَا فِى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ أَىْ بِقُوَّةٍ وَالْقُوَّةُ بِمَعْنَى الْقُدْرَةِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ أَىْ عَهْدُ اللَّهِ فَوْقَ عُهُودِهِمْ أَىْ ثَبَتَ عَلَيْهِمْ عَهْدُ اللَّهِ لِأَنَّ مُعَاهَدَةَ الصَّحَابَةِ لِلرَّسُولِ تَحْتَ شَجَرَةِ الرِّضْوَانِ فِى الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى أَنْ لا يَفِرُّوا عَنْهُ وَأَنْ يَحْمُوهُ بِأَرْوَاحِهِمْ مُعَاهَدَةٌ لِلَّهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِى أَمَرَ نَبِيَّهُ بِهَذِهِ الْمُبَايَعَةِ.

وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ غَنِىٌّ وَاسِعُ الْكَرَمِ. أَمَّا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِى تَوْبِيخِ إِبْلِيسَ ﴿ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ﴾ فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ بِالْيَدَيْنِ الْعِنَايَةُ وَالْحِفْظُ أَىْ مَا مَنَعَكَ يَا إِبْلِيسُ أَنَّ تَسْجُدَ لِآدَمَ الَّذِى خَلَقْتُهُ بِعِنَايَتِى وَحِفْظِى أَىْ أَرَدْتُ لَهُ الْمَقَامَ الْعَالِىَ وَالْخَيْرَ الْعَظِيمَ.

قَالَ الْعُلَمَاءُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لِلَّهِ يَدٌ لا كَأَيْدِينَا عَلَى مَعْنَى الصِّفَةِ لا عَلَى مَعْنَى الْجِسْمِ لِأَنَّ اللَّهَ لَوْ كَانَ لَهُ يَدٌ بِمَعْنَى الْجِسْمِ لَكَانَ مِثْلًا لَنَا وَلَوْ كَانَ مِثْلًا لَنَا لَجَازَ عَلَيْهِ مَا يَجُوزُ عَلَيْنَا مِنَ الْمَوْتِ وَالْفَنَاءِ وَالتَّغَيُّرِ وَلَمْ يَكُنْ إِلَهًا. أَمَّا الْمُشَبِّهَةُ الْوَهَّابِيَّةُ أَدْعِيَاءُ السَّلَفِيَّةِ فَيَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ لَهُ يَدٌ لا كَأَيْدِينَا وَفِى الِاعْتِقَادِ يَعْتَقِدُونَ الْجِسْمَ الَّذِى تَعْرِفُهُ النُّفُوسُ.

وَأَمَّا الْوُقُوفُ بَيْنَ يَدَىِ اللَّهِ لِلْحِسَابِ فَمَعْنَاهُ حِسَابُهُمْ عِنْدَ عَرْضِ أَعْمَالِهِمْ عَلَيْهِمْ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَكُونُ فِى مَوْقِفِ الْقِيَامَةِ وَيَكُونُ النَّاسُ حَوْلَهُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيْسَ جِسْمًا يَتَحَيَّزُ فِى مَكَانٍ. وَتِلْكَ الْهَيْئَةُ الَّتِى يَتَصَوَّرُهَا بَعْضُ النَّاسِ مِنْ أَنَّ اللَّهَ يَكُونُ ذَلِكَ الْيَوْمَ فِى مَوْقِفِ الْقِيَامَةِ وَالنَّاسُ حَوْلَهُ يَجْتَمِعُونَ لِلْحِسَابِ هَذِهِ الْهَيْئَةُ لا تَجُوزُ عَلَى اللَّهِ لِأَنَّ هَذِهِ هَيْئَةُ الْمُلُوكِ تَحُفُّ بِهِمْ رَعَايَاهُمْ. فَالَّذِى يَظُنُّ أَنَّ مَعْنَى الْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَىِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْقُرْبُ مِنْهُ بِالْمَسَافَةِ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ.

(94) مَا مَعْنَى الْوَجْهِ إِذَا أُضِيفَ إِلَى اللَّهِ فِى الْقُرْءَانِ وَالْحَدِيثِ.

اعْلَمْ أَنَّ الْوَجْهَ فِى لُغَةِ الْعَرَبِ لَهُ مَعَانٍ كَثِيرَةٌ فَهُوَ يَأْتِى بِمَعْنَى الْجُزْءِ الْمُرَكَّبِ عَلَى الْبَدَنِ وَيَأْتِى بِمَعْنَى قَصْدِ التَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ كَقَوْلِ الْقَائِلِ فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا لِوَجْهِ اللَّهِ أَىْ عَمِلْتُ كَذَا وَكَذَا تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ وَامْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ وَيَأْتِى بِمَعْنَى الذَّاتِ كَمَا فِى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾.

﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ أَىْ أَنَّ كُلَّ مَنْ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ يَفْنَى وَفَنَاءُ الْبَشَرِ وَالْجِنِّ مَعْنَاهُ مُفَارَقَةُ أَرْوَاحِهِمْ لِأَجْسَادِهِمْ، وَ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ أَىْ ذَاتُ رَبِّكَ أَىْ يَبْقَى اللَّهُ، وَ﴿ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُجَلَّ فَلا يُجْحَدَ وَلا يُكْفَرَ بِهِ أَىْ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ مِنَّا أَنْ نُعَظِّمَهُ وَلا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نُنْكِرَ وُجُودَهُ أَوْ أَنْ نَكْفُرَ بِهِ وَهُوَ الْمُكْرِمُ أَهْلَ وِلايَتِهِ بِالْفَوْزِ وَالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

وَيَأْتِى الْوَجْهُ بِمَعْنَى الْمُلْكِ كَمَا فِى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ قَالَ الْبُخَارِىُّ أَىْ إِلَّا مُلْكَهُ وَمُلْكُ اللَّهِ أَىْ سُلْطَانُهُ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ الأَزَلِيَّةِ فَاللَّهُ تَعَالَى لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى هَذَا الْعَالَمِ وَسُلْطَانُهُ لا يَفْنَى وَقِيلَ إِلَّا وَجْهَهُ أَىِ الأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ فَإِنَّهَا تَبْقَى. وَيَأْتِى الْوَجْهُ بِمَعْنَى الْقِبْلَةِ كَمَا فِى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ أَىْ فَثَمَّ قِبْلَةُ اللَّهِ، جَاءَ هَذَا التَّفْسِيرُ عَنْ مُجَاهِدٍ تِلْمِيذِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَإِنَّهُ فَسَّرَ الْوَجْهَ بِالْقِبْلَةِ أَىْ لِصَلاةِ النَّفْلِ فِى السَّفَرِ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَىِ الدَّابَّةِ أَوْ مَاشِيًا.

وَيَأْتِى الْوَجْهُ بِمَعْنَى الطَّاعَةِ كَمَا فِى حَدِيثِ ابْنِ حِبَّانَ الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ (أَىْ أَغْلَبُ بَدَنِهَا عَوْرَةٌ) فَإِذَا خَرَجَتِ اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ (أَىِ اهْتَمَّ بِهَا لِيَفْتِنَ بِهَا غَيْرَهَا) وَأَقْرَبُ مَا تَكُونُ الْمَرْأَةُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ (أَىْ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ) إِذَا كَانَتْ فِى قَعْرِ بَيْتِهَا. أَمَّا مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْوَجْهَ إِذَا أُضِيفَ إِلَى اللَّهِ فِى الْقُرْءَانِ أَوِ الْحَدِيثِ مَعْنَاهُ الْجُزْءُ الَّذِى هُوَ مُركَّبٌ عَلَى الْبَدَنِ فَهُوَ لَمْ يَعْرِفْ رَبَّهُ لِأَنَّ هَذِهِ هَيْئَةُ الإِنْسَانِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْجِنِّ وَالْبَهَائِمِ فَكَيْفَ يَكُونُ خَالِقُ الْعَالَمِ مِثْلَهُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾.

(95) مَاذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ فِى إِطْلاقِ الْوَجْهِ وَالْيَدِ وَالْعَيْنِ وَالرِّضَا وَالْغَضَبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فِى الْقُرْءَانِ.

قَالَ الْعُلَمَاءُ نُؤْمِنُ بِإِثْبَاتِ مَا وَرَدَ فِى الْقُرْءَانِ كَالْوَجْهِ وَالْيَدِ وَالْعَيْنِ وَالرِّضَا وَالْغَضَبِ عَلَى أَنَّهَا صِفَاتٌ يَعْلَمُهَا اللَّهُ أَىْ يَعْلَمُ حَقِيقَتَهَا لا عَلَى أَنَّهَا جَوَارِحُ أَىْ أَعْضَاءٌ وَانْفِعَالاتٌ كَأَيْدِينَا وَوُجُوهِنَا وَعُيُونِنَا وَرِضَانَا وَغَضَبِنَا فَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لِلَّهِ يَدٌ لا كَأَيْدِينَا وَوَجْهٌ لا كَوُجُوهِنَا وَعَيْنٌ لا كَأَعْيُنِنَا عَلَى مَعْنَى الصِّفَةِ كَمَا فِى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ أَىْ بِقُوَّةٍ وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ أَىْ إِلَّا مُلْكَهُ أَىْ سُلْطَانَهُ وَقَوْلِهِ تَعَالَى عَنْ سَفِينَةِ نُوحٍ ﴿تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا﴾ أَىْ بِحِفْظِنَا لَهَا.

وَالرِّضَا إِذَا وُصِفَ اللَّهُ بِهِ فَمَعْنَاهُ إِرَادَةُ الرَّحْمَةِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ لِعِبَادِهِ إِسْبَاغُ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ وَلَيْسَتْ رِقَّةَ الْقَلْبِ. أَمَّا الْغَضَبُ إِذَا وُصِفَ اللَّهُ بِهِ فَمَعْنَاهُ إِرَادَةُ الِانْتِقَامِ وَلَيْسَ انْفِعَالًا أَوْ تَغَيُّرًا يَحْدُثُ فِى النَّفْسِ فَإِنَّ الْجَوَارِحَ وَالاِنْفِعَالاتِ مُسْتَحِيلَةٌ عَلَى اللَّهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾. وَأَمَّا مَحَبَّةُ اللَّهِ فَمَعْنَاهَا الإِكْرَامُ وَلَيْسَتِ انْفِعَالًا أَوْ تَغَيُّرًا فَإِذَا قِيلَ اللَّهُ يُحِبُّ أَوْلِيَاءَهُ مَعْنَاهُ يُكْرِمُهُمْ وَكَذَلِكَ إِذَا قِيلَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمَسَاجِدَ فَقَدْ وَرَدَ فِى الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَسَاجِدَ تُزَفُّ إِلَى الْجَنَّةِ كَمَا تُزَفُّ الْعَرُوسُ. فَالْكَعْبَةُ تُنْقَلُ إِلَى الْجَنَّةِ وَكَذَلِكَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ وَمَسْجِدُ الرَّسُولِ ﷺ وَكُلُّ الْمَسَاجِدِ الَّتِى بُنِيَتْ مِنْ مَالٍ حَلالٍ.