(701) مَا هُوَ الرِّيَاءُ.
الرِّيَاءُ هُوَ الْعَمَلُ بِالطَّاعَةِ لِأَجْلِ النَّاسِ أَىْ لِيَمْدَحُوهُ وَهُوَ مِنَ الْمَعَاصِى الْكَبَائِرِ لِأَنَّ الرَّسُولَ ﷺ سَمَّاهُ الشِّرْكَ الأَصْغَرَ فَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ فِى الْمُسْتَدْرَكِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ اتَّقُوا الرِّيَاءَ (أَىِ اجْتَنِبُوا الرِّيَاءَ) فَإِنَّهُ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ، أَىْ ذَنْبٌ كَبِيرٌ يُشْبِهُ الإِشْرَاكَ بِاللَّهِ وَلا يُخْرِجُ فَاعِلَهُ مِنَ الإِسْلامِ قَالَ تَعَالَى ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ أَىْ مَنْ كَانَ يَرْجُو الثَّوَابَ مِنَ اللَّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُرَاءِ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ.
وَالرِّيَاءُ يُحْبِطُ ثَوَابَ الْعَمَلِ الَّذِى قَارَنَهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِى يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾. وَلا يَجْتَمِعُ الثَّوَابُ وَالرِّيَاءُ لِحَدِيثِ أَبِى دَاوُدَ وَالنَّسَائِىِّ بِالإِسْنَادِ إِلَى أَبِى أُمَامَةَ أَنَّهُ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ رَجُلًا غَزَا يَلْتَمِسُ الأَجْرَ وَالذِّكْرَ مَا لَهُ قَالَ لا شَىْءَ لَهُ فَأَعَادَهَا ثَلاثًا كُلَّ ذَلِكَ يَقُولُ لا شَىْءَ لَهُ ثُمَّ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ اللَّهَ لا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ خَالِصًا لَهُ وَمَا ابْتُغِىَ بِهِ وَجْهُهُ.
وَالَّذِى يُسَاعِدُ عَلَى عَدَمِ الرِّيَاءِ شَغْلُ الْقَلْبِ بِأَنَّهُ لا نَافِعَ وَلا ضَارَّ عَلَى الْحَقِيقَةِ إِلَّا اللَّهُ، مَنِ اسْتَشْعَرَ بِأَنَّهُ لا أَحَدَ يَنْفَعُ فِى جَلْبِ خَيْرٍ وَلا دَفْعِ مَضَرَّةٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ الْخَلْقَ أَسْبَابٌ فَقَطْ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا مِنْ مَنْفَعَةٍ وَلا مَضَرَّةٍ يَسْهُلُ عَلَيْهِ تَرْكُ الرِّيَاءِ.
(702) مَا هُوَ الْعُجْبُ بِطَاعَةِ اللَّهِ.
الْعُجْبُ بِطَاعَةِ اللَّهِ مِنَ الْكَبَائِرِ وَهُوَ أَنْ يُعْجَبَ الْعَبْدُ بِطَاعَاتِهِ بِحَيْثُ يَرَى تَعْظِيمَ نَفْسِهِ نَاسِيًا أَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِى تَفَضَّلَ عَلَيْهِ بِهَا فَأَقْدَرَهُ عَلَيْهَا وَيُبْطِلُ الْعُجْبُ ثَوَابَ الطَّاعَةِ الَّتِى قَارَنَهَا أَمَّا إِذَا حَصَلَ الْعُجْبُ بَعْدَ الِانْتِهَاءِ مِنَ الْعَمَلِ فَلا يُحْبِطُ الثَّوَابَ لَكِنَّهُ حَرَامٌ. وَأَمَّا الْفَرَحُ بِالطَّاعَةِ لِأَنَّهَا نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ.
(703) مَا حُكْمُ مَنْ شَكَّ فِى وُجُودِ اللَّهِ.
اعْلَمْ أَنَّ الشَّكَّ خِلافُ الْيَقِينِ وَالشَّكُّ مَحَلُّهُ الْقَلْبُ وَلا يَكُونُ الإِنْسَانُ مُؤْمِنًا إِلَّا بِالتَّصْدِيقِ الْجَازِمِ بِالْقَلْبِ بِوُجُودِ اللَّهِ وَأَنَّهُ لا يُشْبِهُ شَيْئًا مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ أَىْ لَمْ يَشُكُّوا فَدَلَّتِ هَذِهِ الآيَةُ عَلَى أَنَّ مَنْ شَكَّ فِى وُجُودِ اللَّهِ أَوْ قُدْرَتِهِ أَوْ عِلْمِه أَوْ وَحْدَانِيَّتِهِ أَوْ حِكْمَتِهِ أَوْ عَدْلِهِ أَوْ فِى أَىِّ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ الثَّلاثَ عَشْرَةَ الْوَاجِبَةِ لَهُ إِجْمَاعًا لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ وَأَنَّ الإِيمَانَ لا يَحْصُلُ إِلَّا بِالْجَزْمِ وَأَنَّ التَّرَدُّدَ يُنَافِيهِ. أَمَّا الْخَاطِرُ الْخَبِيثُ الَّذِى يَرِدُ عَلَى الْقَلْبِ بِلا إِرَادَةٍ فَلا يُؤَثِّرُ إِنْ لَمْ يُورِثْهُ شَكًّا.
(704) مَا مَعْنَى الأَمْنِ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ.
الأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ هُوَ أَنْ يَسْتَمِرَّ الشَّخْصُ فِى فِعْلِ الْمَعَاصِى وَيَعْتَمِدَ عَلَى رَحْمَةِ اللَّهِ فَيَأْمَنَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ أَمَّا اعْتِقَادُ أَنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُ عَلَى الْمَعَاصِى بَعْدَ ثُبُوتِ الإِيمَانِ بِالْمَرَّةِ فَهُوَ كُفْرٌ قَالَ تَعَالَى ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ أَىْ عُقُوبَةَ اللَّهِ ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾، ﴿وَمَكَرُوا﴾ أَىِ الْكُفَّارُ فَإِنَّهُمْ فَعَلُوا حِيلَةً وَخُبْثًا وَخِدَاعًا لِإِيصَالِ الضَّرَرِ لِلْمُسْلِمِينَ بِطَرِيقٍ خَفِىٍّ ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ أَىْ عَاقَبَهُمْ عَلَى مَكْرِهِمْ ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ أَىِ اللَّهُ أَقْوَى فِى إِيصَالِ الضَّرَرِ إِلَى الْمَاكِرِينَ مِنْ كُلِّ مَاكِرٍ جَزَاءً لَهُمْ عَلَى مَكْرِهِمْ.
وَمَكْرُ اللَّهِ لَيْسَ كَمَكْرِ الْعِبَادِ مَكْرُ اللَّهِ لا يُذَمُّ لِأَنَّ اللَّهَ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ الظُّلْمُ لا يَكُونُ ظَالِمًا إِنِ انْتَقَمَ مِنْ عِبَادِهِ الظَّالِمِينَ بِمَا شَاءَ وَأَمَّا الْمَكْرُ بِمَعْنَى الِاحْتِيَالِ فَمُسْتَحِيلٌ عَلَى اللَّهِ. وَلا يَجُوزُ تَسْمِيَةُ اللَّهِ مَاكِرًا لِأَنَّهُ اسْتِخْفَافٌ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
(705) مَا مَعْنَى الْقُنُوطِ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ.
الْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ هُوَ أَنْ يَعْتَقِدَ الْعَبْدُ أَنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ لَهُ وَأَنَّهُ لا مَحَالَةَ يُعَذِّبُهُ لِكَثْرَةِ ذُنُوبِهِ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قُلْ يَا عِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أَمَّا اعْتِقَادُ أَنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ ذُنُوبَ الْمُؤْمِنِينَ الْعُصَاةِ فَهُوَ كُفْرٌ كَالْخَوَارِجِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ مُرْتَكِبَ الْكَبِيرَةِ كَافِرٌ مُخَلَّدٌ فِى النَّارِ وَالْمُعْتَزِلَةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ مُرْتَكِبَ الْكَبِيرَةِ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ وَلا كَافِرٍ. وَطَرِيقُ النَّجَاةِ الَّذِى يَنْبَغِى أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ الْمُؤْمِنُ أَنْ يَكُونَ خَائِفًا رَاجِيًا يَخَافُ عِقَابَ اللَّهِ عَلَى ذُنُوبِهِ وَيَرْجُو رَحْمَةَ اللَّهِ.
(706) مَا هُوَ التَّكَبُّرُ.
التَّكَبُّرُ هُوَ رَدُّ الْحَقِّ عَلَى قَائِلِهِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ الْحَقَّ مَعَ الْقَائِلِ فَيَسْتَعْظِمُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْحَقِّ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَاسْتِحْقَارُ النَّاسِ وَهُوَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى غَيْرِهِ بِعَيْنِ الِاحْتِقَارِ وَإِلَى نَفْسِهِ بِعَيْنِ التَّعْظِيمِ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِى قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ أَىْ لا يَدْخُلُهَا مَعَ الأَوَّلِينَ بَلْ يَدْخُلُهَا بَعْدَ سَبْقِ عَذَابٍ إِنْ لَمْ يَعْفُ اللَّهُ عَنْهُ.
وَقَدْ نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ عَنِ التَّكَبُّرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِى سُورَةِ لُقْمَان ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِى الأَرْضِ مَرَحًا﴾ أَىْ لا تُعْرِضْ عَنْهُمْ مُتَكَبِّرًا بَلْ أَقْبِلْ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِكَ مُتَوَاضِعًا وَلا تَمْشِ مِشْيَةَ الْكِبْرِ وَالْفَخْرِ. وَقَدْ وَرَدَ فِى الْحَدِيثِ الَّذِى رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ فِى الأَدَبِ الْمُفْرَدِ أَنَّ الْمُتَكَبِّرِينَ يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَمْثَالِ الذَّرِّ أَىْ بِحَجْمِ النَّمْلِ الأَحْمَرِ الصَّغِيرِ وَصُورَةِ بَنِى ءَادَمَ يَطَؤُهُمُ النَّاسُ بِأَقْدَامِهِمْ إِهَانَةً لَهُمْ وَلا يَمُوتُونَ.
وَالتَّكَبُّرُ مَذْمُومٌ فِى وَجْهِ الْمُؤْمِنِ وَغَيْرِ الْمُؤْمِنِ لِذَلِكَ الأَنْبِيَاءُ لَمَّا دَعَوُا الْكُفَّارَ إِلَى الدِّينِ مَا كَانُوا مُتَكَبِّرِينَ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا مُتَكَبِّرِينَ فِى وُجُوهِ الْكُفَّارِ لَنَفَرُوا عَنْهُمْ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ فِى الْمَدِينَةِ عَامَلَ النَّبِىَّ ﷺ بِبَيْعٍ إِلَى أَجَلٍ ثُمَّ جَاءَ الْيَهُودِىُّ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ قَبْلَ حُلُولِ الأَجَلِ فَقَالَ يَا بَنِى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِنَّكُمْ مُطْلٌ مَعْنَاهُ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ وَعَشِيرَتُكَ تُمَاطِلُونَ الدَّيْنَ فَلَمْ يُعَنِّفْهُ النَّبِىُّ ﷺ وَلا أَظْهَرَ الْغَضَبَ مِنْهُ لِيَدْعُوَهُ ذَلِكَ إِلَى التَّفَكُّرِ فِى شَأْنِ الرَّسُولِ مِنْ حَيْثُ تَوَاضُعُهُ وَحِلْمُهُ فَيَمِيلَ إِلَى الدُّخُولِ فِى الإِسْلامِ ثُمَّ أَمَرَ النَّبِىُّ ﷺ بِوَفَاءِ دَيْنِهِ عَلَى وَجْهِ الإِحْسَانِ فَأَسْلَمَ الْيَهُودِىُّ لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَمْتَحِنَهُ هَلْ يَجِدُ فِيهِ الْعَلامَاتِ الَّتِى هِىَ مَذْكُورَةٌ فِى بَعْضِ الْكُتُبِ الْقَدِيمَةِ مِنْ صِفَةِ مُحَمَّدٍ فَلَمَّا رَءَاهَا أَسْلَمَ.
(707) مَا هُوَ الْحِقْدُ.
الْحِقْدُ مِنْ مَعَاصِى الْقَلْبِ وَهُوَ إِضْمَارُ الْعَدَاوَةِ لِلْمُسْلِمِ مَعَ الْعَزْمِ عَلَى الْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهُ أَىْ أَنْ يَعْزِمَ عَلَى إِيذَاءِ مُسْلِمٍ بِالْقَوْلِ أَوِ الْفِعْلِ كَأَنْ يَقُولَ فِى نَفْسِهِ إِنْ تَمَكَّنْتُ مِنْ فُلانٍ أَفْعَلُ بِهِ كَذَا وَكَذَا مِمَّا فِيهِ إِضْرَارٌ بِهِ. أَمَّا إِنْ كَرِهَهُ بِقَلْبِهِ فَقَطْ وَلَمْ يَعْمَلْ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ فَلا يَكُونُ مَعْصِيَةً. أَمَّا كَرَاهِيَةُ نَبِىٍّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ فَهُوَ كُفْرٌ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ.
(708) مَا هُوَ الْحَسَدُ.
الْحَسَدُ مِنْ مَعَاصِى الْقَلْبِ وَهُوَ أَنْ يَتَمَنَّى زَوَالَ النِّعْمَةِ عَنِ الْمُسْلِمِ مَعَ السَّعْىِ لِذَلِكَ بِالْقَوْلِ أَوِ الْفِعْلِ أَمَّا إِذَا لَمْ يَسْعَ فَلا يُكْتَبُ عَلَيْهِ مَعْصِيَةٌ لَكِنْ يُسَمَّى حَسَدًا وَأَمَّا إِنْ تَمَنَّى لَهُ الْوُقُوعَ فِى مَعْصِيَةٍ أَوْ تَمَنَّى لَهُ تَرْكَ وَاجِبٍ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ بِتَمَنِّيهِ وَإِنْ لَمْ يَسْعَ. رَوَى الْبُخَارِىُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لا تَبَاغَضُوا وَلا تَحَاسَدُوا وَلا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، فَالْحَسَدُ وَالتَّبَاغُضُ ضَرَرُهُ كَبِيرٌ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إِذَا تَحَاسَدُوا وَتَبَاغَضُوا يَتَقَاعَسُونَ عَنِ فِعْلِ الْخَيْرِ. وَأَمَّا التَّدَابُرُ فَهُوَ أَنْ يُوَلِّىَ ظَهْرَهُ لِلْمُسْلِمِ، هَذَا يُقْبِلُ إِلَيْهِ وَذَاكَ يُدْبِرُ عَنْهُ أَوْ يَصْرِفُ وَجْهَهُ إِلَى النَّاحِيَةِ الأُخْرَى لِلإِشْعَارِ بِأَنَّهُ يَكْرَهُهُ وَهَذَا فِيهِ إِيذَاءٌ لِلْمُسْلِمِ.
(709) تَكَلَّمْ عَنِ الْمَنِّ بِالصَّدَقَةِ.
الْمَنُّ بِالصَّدَقَةِ مِنْ مَعَاصِى الْقَلْبِ وَهُوَ أَنْ يُعَدِّدَ نِعْمَتَهُ عَلَى ءَاخِذِهَا لِيَكْسِرَ قَلْبَهُ كَأَنْ يَقُولَ لِمَنْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ أَلَمْ أُعْطِكَ كَذَا مِنَ الْمَالِ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا حِينَ كُنْتَ مُحْتَاجًا لِيَكْسِرَ قَلْبَهُ. وَالْمَنُّ بِالصَّدَقَةِ يُحْبِطُ ثَوَابَ الصَّدَقَةِ وَهُوَ ذَنْبٌ كَبِيرٌ قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾. وَأَمَّا إِذَا أَحْسَنَ الشَّخْصُ لِآخَرَ وَذَاكَ أَسَاءَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ أَلَمْ أُحْسِنْ إِلَيْكَ بِكَذَا وَكَذَا لِيَكُفَّ أَذَاهُ عَنْهُ فَيَجُوزُ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الْكِبْرِ وَلَمْ يَكُنْ قَصْدُهُ أَنْ يَكْسِرَ قَلْبَهُ.
(710) مَا هُوَ الإِصْرَارُ عَلَى الذَّنْبِ الْمَعْدُودُ مِنَ الْكَبَائِرِ.
الإِصْرَارُ عَلَى الذَّنْبِ الْمَعْدُودُ مِنَ الْكَبَائِرِ هُوَ أَنْ يُدَاوِمَ الشَّخْصُ عَلَى فِعْلِ الصَّغَائِرِ بِحَيْثُ تَغْلِبُ صَغَائِرُهُ عَلَى طَاعَاتِهِ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدُ بِالنِّسْبَةِ لِمَا مَضَى مِنْ عُمُرِهِ وَلا يَتُوبُ مِنْهَا فَيَصِيرُ بِذَلِكَ وَاقِعًا فِى ذَنْبٍ كَبِيرٍ وَلا يَعْنِى ذَلِكَ أَنَّ مَجْمُوعَ صَغَائِرِهِ تَنْقَلِبُ إِلَى كَبِيرَةٍ أَوْ أَنَّ كُلَّ صَغِيرَةٍ تَنْقَلِبُ إِلَى كَبِيرَةٍ. وَأَمَّا مُجَرَّدُ تَكْرَارِ الذَّنْبِ الَّذِى هُوَ مِنَ الصَّغَائِرِ وَالْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهِ كَالنَّظَرِ الْمُحَرَّمِ فَلا يَكُونُ كَبِيرَةً إِذَا لَمْ يَغْلِبْ ذَلِكَ الذَّنْبُ طَاعَاتِهِ. فَمَنْ وَقَعَ فِى مَعْصِيَةِ الإِصْرَارِ عَلَى الذَّنْبِ يَلْزَمُهُ التَّوْبَةُ مِنْهَا وَمِنَ الصَّغَائِرِ لِذَلِكَ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِى اجْتِنَابِ الْمَعَاصِى صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا.
(711) مَا هُوَ سُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ وَسُوءُ الظَّنِّ بِعِبَادِ اللَّهِ.
سُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ هُوَ أَنْ يَظُنَّ الْعَبْدُ بِرَبِّهِ أَنَّهُ لا يَرْحَمُهُ بَلْ يُعَذِّبُهُ وَأَمَّا سُوءُ الظَّنِّ بِعِبَادِ اللَّهِ فَهُوَ أَنْ يَظُنَّ بِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ السُّوءَ بِدُونِ دَلِيلٍ مُعْتَبَرٍ كَأَنْ يُسْرَقَ لَهُ مَالٌ فَيَظُنَّ بِفُلانٍ أَنَّهُ السَّارِقُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ﴾ قَالَ الزَّجَّاجُ هُوَ ظَنُّكَ بِأَهْلِ الْخَيْرِ سُوءًا فَأَمَّا أَهْلُ الْفِسْقِ فَلَنَا أَنْ نَظُنَ فِيهِمْ مِثْلَ الَّذِى ظَهَرَ مِنْهُمْ.
وَأَمَّا الإِثْمُ فَهُوَ الذَّنْبُ الَّذِى يَسْتَحِقُّ صَاحِبُهُ الْعِقَابَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ. فَالظَّنُّ الَّذِى ذَمَّهُ الرَّسُولُ ﷺ هُوَ الظَّنُّ بِلا قَرِينَةٍ مُعْتَبَرَةٍ أَمَّا بِقَرِينَةٍ مُعْتَبَرَةٍ فَلا يَحْرُمُ وَالْقَرِينَةُ الْمُعْتَبَرَةُ هِىَ كَأَنْ يَكُونَ الشَّخْصُ فِى غُرْفَةٍ وَلَهُ فِيهَا مَالٌ وَمَعَهُ شَخْصٌ ءَاخَرُ ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْغُرْفَةِ وَعَادَ إِلَيْهَا فَوَجَدَ أَنَّ الْمَالَ قَدْ فُقِدَ وَكَانَ مُتَيَّقِنًا أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ هَذِهِ الْغُرْفَةَ غَيْرُهُ وَغَيْرُ الَّذِى كَانَ مَعَهُ فَظَنَّ بِهَذَا الشَّخْصِ أَنَّهُ سَرَقَ الْمَالَ.
(712) مَا حُكْمُ التَّكْذِيبِ بِالْقَدَرِ.
اعْلَمْ أَنَّ الْقَدَرَ صِفَةٌ لِلَّهِ وَمَعْنَى الْقَدَرِ إِيجَادُ اللَّهِ الأَشْيَاءَ عَلَى حَسَبِ عِلْمِهِ وَمَشِيئَتِهِ الأَزَلِيَيْنِ. فَيَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ كُلَّ مَا دَخَلَ فِى الْوُجُودِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ فَهُوَ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ الأَزَلِىِّ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ. أَمَّا مَنْ أَنْكَرَ الْقَدَرَ فَهُوَ كَافِرٌ بِالإِجْمَاعِ كَالْقَدَرِيَّةِ أَىِ الْمُعْتَزِلَةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَشَأْ حُصُولَ الْمَعَاصِى وَالشُّرُورِ وَتَبِعَ الْمُعْتَزِلَةَ فِى هَذِهِ الْمَقَالَةِ الْفَاسِدَةِ مُحَمَّد رَاتِب النَّابُلْسِى فَقَالَ إِنَّ أَعْمَالَ الْعِبَادِ لَيْسَتْ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ.
وَفِى هَذَا تَكْذِيبٌ لِلْقُرْءَانِ وَالْحَدِيثِ وَإِجْمَاعِ الأُمَّةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَاهُ بقَدَرٍ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلُّ شَىْءٍ بِقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْزُ وَالْكَيْسُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَقَالَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ فِى الْفِقْهِ الأَكْبَرِ وَالطَّاعَةُ كُلُّهَا مَا كَانَتْ وَاجِبَةً بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَحَبَّتِهِ وَبِرِضَائِهِ وَعِلْمِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَقَضَائِهِ وَتَقْدِيرِهِ وَالْمَعَاصِى كُلُّهَا بِعِلْمِهِ وَقَضَائِهِ وَتَقْدِيرِهِ وَمَشِيئَتِهِ لا بِمَحَبَّتِهِ وَلا بِرِضَائِهِ وَلا بِأَمْرِهِ.
(713) مَا حُكْمُ الْفَرَحِ بِالْمَعْصِيَةِ.
يَحْرُمُ الْفَرَحُ بِالْمَعْصِيَةِ الصَّادِرَةِ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ وَيَجِبُ كَرَاهِيَتُهَا فَمَنْ عَلِمَ بِمَعْصِيَةٍ حَصَلَتْ مِنْ غَيْرِهِ كَالزِّنَى أَوْ ضَرْبِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَفَرِحَ بِهَا فَقَدْ عَصَى اللَّهَ. الْفَرَحُ بِالْمَعْصِيَةِ الصَّغِيرَةِ صَغِيرَةٌ أَمَّا الْفَرَحُ بِهَا لِأَنَّهَا مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ فَهِىَ كَبِيرَةٌ وَكَذَلِكَ الْفَرَحُ بِالْمَعْصِيَةِ الْكَبِيرَةِ كَبِيرَةٌ وَأَمَّا الْفَرَحُ بِكُفْرِ الْغَيْرِ فَهُوَ كُفْرٌ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ.
(714) مَا حُكْمُ الْغَدْرِ.
الْغَدْرُ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ وَهُوَ كَأَنْ يَقُولَ لِشَخْصٍ أَنْتَ فِى حِمَايَتِى ثُمَّ يَقْتُلَهُ أَوْ يَدُلَّ عَلَيْهِ مَنْ يَقْتُلُهُ. وَمِنَ الْغَدْرِ الْمُحَرَّمِ أَنْ يَغْدِرَ بِالإِمَامِ بَعْدَ أَنْ يُبَايِعَهُ بِأَنْ يَعُودَ مُحَارِبًا لَهُ أَوْ يُعْلِنَ تَمَرُّدَهُ عَلَى طَاعَتِهِ. وَمِنَ الْغَدْرِ الْمُحَرَّمِ أَنْ يُعَامِلَ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَيَخُونَهُ فِى الْوَزْنِ أَوِ الْكَيْلِ أَوْ يَشْتَرِىَ مِنْهُ شَيْئًا بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ ثُمَّ يَجْحَدَهُ أَوْ يُضَيِّعَ وَدِيعَةً اسْتَوْدَعَهُ إِيَّاهَا الْكَافِرُ فَيُتْلِفَهَا أَوْ يَجْحَدَهَا.
(715) مَا مَعْنَى الْمَكْرِ.
الْمَكْرُ وَالْخَدِيعَةُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ إِيصَالُ الضَّرَرِ إِلَى الْمُسْلِمِ بِطَرِيقَةٍ خَفِيَّةٍ بِاسْتِعْمَالِ حِيلَةٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَكْرُ وَالْخَدِيعَةُ فِى النَّارِ رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِى الْمُسْتَدْرَكِ. فَمَنْ مَكَرَ بِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَقَعَ فِى ذَنْبٍ كَبِيرٍ.
(716) مَا حُكْمُ بُغْضِ الصَّحَابَةِ وَالآلِ وَالصَّالِحِينَ.
بُغْضُ الصَّحَابَةِ وَالآلِ وَالصَّالِحِينَ مِنْ مَعَاصِى الْقَلْبِ. وَبُغْضُ الصَّحَابَةِ أَىْ كَرَاهِيَتُهُمْ جُمْلَةً كُفْرٌ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ هُمُ الَّذِينَ نَقَلُوا الْقُرْءَانَ وَأُمُورَ الدِّينِ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ أَمَّا بُغْضُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَلَيْسَ كُفْرًا وَالصَّحَابِىُّ هُوَ مَنْ لَقِىَ النَّبِىَّ ﷺ عَلَى وَجْهِ الْعَادَةِ مُؤْمِنًا بِهِ وَمَاتَ عَلَى الإِيمَانِ. وَءَالُ النَّبِىِّ الْمُرَادُ بِهِمْ أَقَارِبُهُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَزْوَاجُهُ وَأَمَّا الصَّالِحُونَ فَالْمُرَادُ بِهِمُ الأَتْقِيَاءُ وَبُغْضُهُمْ جُمْلَةً كُفْرٌ.
(717) مَا حُكْمُ الْبُخْلِ بِمَا أَوْجَبَ اللَّهُ.
الْبُخْلُ بِمَا أَوْجَبَ اللَّهُ مِنَ الْكَبَائِرِ كَالْبُخْلِ عَنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ لِلْمُسْتَحِقِّينَ وَالْبُخْلِ عَنْ دَفْعِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ وَالأَطْفَالِ وَالْبُخْلِ عَنْ نَفَقَةِ الأَبَوَيْنِ الْفَقِيرَيْنِ وَالْبُخْلِ عَنْ مُوَاسَاةِ الْفَقِيرِ مِنَ الأَقْرِبَاءِ مَعَ حَاجَتِهِ.
(718) مَا هُوَ الشُّحُّ وَمَا حُكْمُهُ.
الشُّحُّ هُوَ الْبُخْلُ الشَّدِيدُ كَالِامْتِنَاعِ عَنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ وَنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ وَالأَوْلادِ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ.
(719) مَا حُكْمُ الِاسْتِهَانَةِ بِمَا عَظَّمَ اللَّهُ.
الِاسْتِهَانَةُ بِمَا عَظَّمَ اللَّهُ مِنَ مَعَاصِى الْقَلْبِ وَهِىَ الإِخْلالُ بِالتَّعْظِيمِ الْوَاجِبِ كَمَسِّ الْمُصْحَفِ بِغَيْرِ وُضُوءٍ أَىْ مَسِّ وَرَقِهِ وَجِلْدِهِ الْمُتَّصِلِ بِهِ وَحَوَاشِيهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ وَقَوْلِهِ ﷺ لا يَمَسُّ الْقُرْءَانَ إِلَّا طَاهِرٌ رَوَاهُ الْبَيْهَقِىُّ. وَمِنَ الِاسْتِهَانَةِ بِمَا عَظَّمَ اللَّهُ تَقْلِيبُ أَوْرَاقِ الْمُصْحَفِ بِالإِصْبَعِ الَّذِى عَلَيْهِ جِرْمُ الرِّيقِ أَمَّا إِذَا كَانَ عَلَيْهِ أَثَرُ الرِّيقِ بِدُونِ جِرْمٍ أَىْ شَىْءٌ خَفِيفٌ مِنَ الرُّطُوبَةِ دُونَ أَنْ يَكُونَ جِرْمُ الرِّيقِ ظَاهِرًا فَلَيْسَ حَرَامًا.
(720) مَا حُكْمُ التَّصْغِيرِ لِمَا عَظَّمَ اللَّهُ مِنْ طَاعَةٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ أَوْ قُرْءَانٍ أَوْ عِلْمٍ أَوْ جَنَّةٍ أَوْ عَذَابِ نَارٍ.
التَّصْغِيرُ أَىِ التَّحْقِيرُ لِمَا عَظَّمَ اللَّهُ كُفْرٌ كَالَّذِى يَقُولُ لَيْسَ الشَّأْنُ بِالصَّلاةِ إِنَّمَا الشَّأْنُ فِى حُسْنِ الْمُعَامَلَةِ مَعَ النَّاسِ أَوْ يَرَى مَا تَوَعَّدَ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ مِنَ الْعِقَابِ فِى الآخِرَةِ شَيْئًا هَيِّنًا كَقَوْلِ جَمَاعَةِ أَمِين شَيْخُو جَهَنَّمُ مُسْتَشْفًى أَىْ مَحَلُّ طَبَابَةٍ وَعِلاجٍ وَتَنْظِيفٍ وَلَيْسَتْ مَحَلَّ عِقَابٍ وَتَعْذِيبٍ. وَمِنَ الِاسْتِهَانَةِ بِمَا عَظَّمَ اللَّهُ الِاسْتِهَانَةُ بِشَىْءٍ مِنَ الْقُرْءَانِ أَوْ بِعِلْمِ الدِّينِ كَقَوْلِ سَيِّد قُطُب زَعِيمِ حِزْبِ الإِخْوَانِ بِأَنَّ تَعَلُّمَ الْفِقْهِ مَضْيَعَةٌ لِلْعُمُرِ وَالأَجْرِ ذَكَرَ ذَلِكَ فِى كِتَابِهِ الْمُسَمَّى فِى ظِلالِ الْقُرْءَانِ وَهُوَ مُعَارِضٌ لِلْقُرْءَانِ وَالسُّنَّةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ،
مَعْنَاهُ الْعِنَايَةُ بِالطَّهَارَةِ نِصْفُ الإِيمَانِ أَىْ أَمْرٌ عَظِيمٌ فِى الدِّينِ. بَيَّنَ الرَّسُولُ ﷺ فِى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الطُّهُورَ شَأْنُهُ عَظِيمٌ عِنْدَ اللَّهِ لِأَنَّهُ مِفْتَاحُ الصَّلاةِ فَمَعْرِفَةُ الْفِقْهِ وَمَعْرِفَةُ الأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ أَمْرٌ ضَرُورِىٌّ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمُسْلِمُ فِى كُلِّ وَقْتٍ. وَمَعْرِفَةُ أَحْكَامِ الطَّهَارَةِ مِنْ وُضُوءٍ وَغُسْلٍ وَإِزَالَةِ نَجَاسَةٍ مِنَ الأُمُورِ الْمُهِمَّةِ فِى دِينِ اللَّهِ لِأَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَى الإِخْلالِ بِهَا وَعَدَمِ صِحَّتِهَا عَدَمُ صِحَّةِ الصَّلاةِ الَّتِى عَظَّمَ اللَّهُ أَمْرَهَا وَجَعَلَهَا أَفْضَلَ الأَعْمَالِ بَعْدَ الإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أَىْ لا يَسْتَوُونَ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَا أَيُّهَا النَّاسُ تَعَلَّمُوا فَإِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ وَالْفِقْهُ بِالتَّفَقُّهِ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِى الدِّينِ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ، أَىْ مَنْ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا أَىْ رِفْعَةً فِى الدَّرَجَةِ رَزَقَهُ الْعِلْمَ بِأُمُورِ دِينِهِ وَقَالَ الْحَافِظُ النَّوَوِىُّ الِاشْتِغَالُ بِالْعِلْمِ أَوْلَى مَا تُقْضَى بِهِ نَفَائِسُ الأَوْقَاتِ وَقَالَ الإِمَامُ الْعَبْدَرِىُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عِلْمُ الدِّينِ حَيَاةُ الإِسْلامِ. وَمِنَ الِاسْتِهَانَةِ بِمَا عَظَّمَ اللَّهُ الِاسْتِهَانَةُ بِالْجَنَّةِ أَوْ بِعَذَابِ النَّارِ كَقَوْلِ بَعْضِ السُّفَهَاءِ الْجَنَّةُ لُعْبَةُ الصِّبْيَانِ وَقَوْلِ بَعْضٍ غَدًا نَتَدَفَّأُ بِنَارِ جَهَنَّمَ.
