وَيَقُولُ ابْنُ تَيْمِيَةَ فِى كِتَابِهِ الْمُسَمَّى مُوَافَقَةَ صَرِيحِ الْمَعْقُولِ لِصَحِيحِ الْمَنْقُولِ اتَّفَقَتِ الْكَلِمَةُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكَافِرِينَ أَنَّ اللَّهَ فِى السَّمَاءِ وَحَدُّوهُ بِذَلِكَ، وَهَذَا كَذِبٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لا يَجُوزُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مَحْدُودًا أَىْ ذَا حَجْمٍ فَإِذًا هُوَ مُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ يَكُونَ سَاكِنًا فِى السَّمَاءِ أَوْ جَالِسًا عَلَى الْعَرْشِ. كَمَا أَنَّ ابْنَ

تَيْمِيَةَ يَنْسُبُ إِلَى اللَّهِ الْحَرَكَةَ وَالِانْتِقَالَ وَالنُّزُولَ الْحِسِّىَّ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ فَيَقُولُ فِى كِتَابِهِ الْمُوَافَقَةِ مَا نَصُّهُ لِأَنَّ الْحَىَّ الْقَيُّومَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَتَحَرَّكُ إِذَا شَاءَ وَيَهْبِطُ وَيَرْتَفِعُ إِذَا شَاءَ وَيَقُومُ وَيَجْلِسُ إِذَا شَاءَ لِأَنَّ أَمَارَةَ مَا بَيْنَ الْحَىِّ وَالْمَيِّتِ التَّحَرُّكُ وَيَقُولُ فِى كِتَابِهِ شَرْحِ حَدِيثِ النُّزُولِ اللَّهُ عَلَى الْعَرْشِ وَيَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ وَلا يَخْلُو مِنْهُ الْعَرْشُ وَقَدْ صَرَّحَ فِى بَعْضِ كُتُبِهِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بِقَدْرِ الْعَرْشِ لا أَكْبَرَ مِنْهُ وَلا أَصْغَرَ.

عَجَبًا كَيْفَ يَعْتَقِدُ ابْنُ تَيْمِيَةَ أَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ مُسْتَقِرٌّ فَوْقَ الْعَرْشِ بِقَدْرِ الْعَرْشِ وَأَنَّهُ يَنْزِلُ بِذَاتِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الأُولَى وَقَدْ ثَبَتَ فِى الْحَدِيثِ أَنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَرْشِ كَحَلْقَةٍ فِى أَرْضٍ فَلاةٍ أَىْ كَحَبَّةٍ صَغِيرَةٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى صَحْرَاءَ كَبِيرَةٍ فَعَلَى مُقْتَضَى كَلامِهِ أَنَّ اللَّهَ يَتَصَاغَرُ حَتَّى تَسَعَهُ السَّمَاءُ الأُولَى وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ.

كَمَا أَنَّهُ جَعَلَ جِنْسَ الْعَالَمِ أَىْ نَوْعَهُ أَزَلِيًّا مَعَ اللَّهِ فَيَقُولُ فِى كِتَابِهِ الْمُوَافَقَةِ فَإِنَّ الأَزَلِىَّ اللَّازِمَ هُوَ نَوْعُ الْحَادِثِ لا عَيْنُ الْحَادِثِ، أَىْ يَقُولُ بِحَوَادِثَ أَىْ مَخْلُوقَاتٍ لا أَوَّلَ لَهَا وَفِى هَذَا تَكْذِيبٌ لِلْقُرْءَانِ وَالْحَدِيثِ وَإِجْمَاعِ الأُمَّةِ وَالْقَوْلُ بِأَزَلِيَّةِ الْعَالَمِ نَفْىٌ لِخَالِقِيَّةِ اللَّهِ وَهُوَ كُفْرٌ بِالإِجْمَاعِ نَقَلَ الإِجْمَاعَ بَدْرُ الدِّينِ الزَّرْكَشِىُّ فِى تَشْنِيفِ الْمَسَامِعِ.

وَيَقُولُ ابْنُ تَيْمِيَةَ فِى كِتَابِهِ الْمُسَمَّى مُوَافَقَةَ صَرِيحِ الْمَعْقُولِ لِصَحِيحِ الْمَنْقُولِ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا بِحُرُوفٍ مُتَعَاقِبَةٍ، وَيَقُولُ فِى رِسَالَتِهِ الْمُسَمَّاةِ مَذْهَبَ السَّلَفِ الْقَوِيمِ فِى تَحْقِيقِ مَسْأَلَةِ كَلامِ اللَّهِ الْكَرِيمِ فَلا تَكُونُ الْحُرُوفُ الَّتِى هِىَ مَعَانِى أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى وَكُتُبِهِ الْمُنْزَلَةِ مَخْلُوقَةً لِأَنَّ اللَّهَ تَكَلَّمَ بِهَا وَيَقُولُ فِى فَتَاوِيهِ هُوَ سُبْحَانَهُ يَتَكَلَّمُ إِذَا شَاءَ وَيَسْكُتُ إِذَا شَاءَ، وَهَذَا لا شَكَّ تَشْبِيهٌ لِلَّهِ بِخَلْقِهِ، وَيَقُولُ فِى كِتَابِهِ مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى الْمَلائِكَةُ أَعْوَانُ اللَّهِ وَهَذَا كُفْرٌ لِأَنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنِ الأَعْوَانِ وَيَقُولُ ابْنُ تَيْمِيَةَ الْحَرَّانِىُّ إِنَّ نَارَ جَهَنَّمَ تَفْنَى لا يَبْقَى فِيهَا أَحَدٌ كَمَا نَقَلَ ذَلِكَ عَنْهُ تِلْمِيذُهُ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّة فِى كِتَابِهِ حَادِى الأَرْوَاحِ مُؤَيِّدًا لَهُ وَهُوَ تَكْذِيبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾.

وَيَقُولُ ابْنُ تَيْمِيَةَ فِى الْفَتَاوَى الْكُبْرَى إِنَّ السَّفَرَ لِزِيَارَةِ قُبُورِ الأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ بِدْعَةٌ لَمْ يَفْعَلْهَا أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلا التَّابِعِينَ وَلا أَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ وَكَذَبَ فِى ذَلِكَ كَمَا أَنَّهُ يُحَرِّمُ التَّوَسُّلَ وَالِاسْتِغَاثَةَ بِالأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ كَمَا فِى كِتَابِهِ الْمُسَمَّى قَاعِدَةً جَلِيلَةً فِى التَّوَسُّلِ وَالْوَسِيلَةِ وَيَقُولُ إِنَّ نَبِيَّنَا عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ لَهُ جَاهٌ وَلا يَتَوَسَّلُ بِهِ أَحَدٌ إِلَّا وَيَكُونُ مُخْطِئًا فَاحْذَرُوهُ وَحَذِّرُوا النَّاسَ مِنْهُ وَلا يَجُوزُ تَسْمِيَتُهُ شَيْخَ الإِسْلامِ أَوِ التَّرَحُّمُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.

قَالَ عَلاءُ الدِّينِ الْبُخَارِىُّ مَنْ سَمَّى ابْنَ تَيْمِيَةَ شَيْخَ الإِسْلامِ كَفَرَ أَىْ مَعَ الْعِلْمِ بِحَالِهِ.

(125) مَا مَعْنَى التَّأْوِيلِ وَمَا الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهِ.

التَّأْوِيلُ هُوَ إِخْرَاجُ النَّصِّ عَنْ ظَاهِرِهِ وَهُوَ جَائِزٌ فِى الآيَاتِ وَالأَحَادِيثِ الَّتِى يُوهِمُ ظَاهِرُهَا أَنَّ اللَّهَ لَهُ أَعْضَاءٌ كَالْقَدَمِ وَالرِّجْلِ وَالْوَجْهِ وَالْعَيْنِ أَوْ أَنَّهُ يُوصَفُ بِصِفَاتِ الْخَلْقِ كَالْجُلُوسِ وَالتَّحَيُّزِ فِى الْمَكَانِ وَالْجِهَةِ. وَلا يَجُوزُ التَّأْوِيلُ إِلَّا بِدَلِيلٍ نَقْلِىٍّ ثَابِتٍ أَوْ عَقْلِىٍّ قَاطِعٍ كَمَا قَالَ الرَّازِىُّ فِى الْمَحْصُولِ وَلا يَجُوزُ نَفْىُ التَّأْوِيلِ مُطْلَقًا فَإِنَّ الرَّسُولَ ﷺ دَعَا لِابْنِ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ أَنْ يُعَلِّمَهُ اللَّهُ تَأْوِيلَ الْقُرْءَانِ بِقَوْلِهِ اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ وَتَأْوِيلَ الْكِتَابِ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ بِأَلْفَاظٍ مُتَعَدِّدَةٍ.

قَالَ الْحَافِظُ عَبْدُ الرَّحْمٰنِ بنُ الْجَوْزِىِّ الْحَنْبَلِىُّ فِى كِتَابِهِ الْمَجَالِسُ وَلا شَكَّ أَنَّ اللَّهَ اسْتَجَابَ دُعَاءَ الرَّسُولِ هَذَا، وَشَدَّدَ النَّكِيرَ وَالتَّشْنِيعَ أَىْ أَنْكَرَ إِنْكَارًا شَدِيدًا عَلَى مَنْ يَمْنَعُ التَّأْوِيلَ وَوَسَّعَ الْقَوْلَ فِى ذَلِكَ فَلْيُطَالِعْهُ مَنْ أَرَادَ زِيَادَةَ التَّأَكُّدِ.

(126) كَيْفَ يُرَدُّ عَلَى الْمُشَبِّهَةِ الْوَهَّابِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ تَأْوِيلَ الآيَاتِ وَالأَحَادِيثِ الْمُتَشَابِهَةِ تَعْطِيلٌ.

اعْلَمْ أَنَّهُ وَرَدَ فِى الْقُرْءَانِ أَنَّ سَيِّدَنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ قَالَ ﴿تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلا أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوب﴾ وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ فِيهَا اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ لِمَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لِأَنَّ النَّفْسَ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْغَيْبُ كَمَا فِى هَذِهِ الآيَةِ ﴿وَلا أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ﴾ أَىْ مَا فِى غَيْبِكَ أَىْ مَا أَخْفَيْتَهُ عَنْ عِبَادِكَ فَلا يَعْلَمُ كُلَّ الْخَفِيَّاتِ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ أَمَّا الْوَهَّابِيَّةُ الْمُشَبِّهَةُ الْمُجَسِّمَةُ الَّذِينَ لا يَقْبَلُونَ بِهَذَا التَّأْوِيلِ بَلْ يَحْمِلُونَ الآيَةَ عَلَى ظَاهِرِهَا وَالظَّاهِرُ مِنَ اللَّفْظِ هُوَ أَوَّلُ مُتَبَادِرٍ إِلَى الذِّهْنِ يَكُونُونَ بِهَذَا جَوَّزُوا عَلَى اللَّهِ الْمَوْتَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْت﴾.

كَمَا أَنَّ الْوَهَّابِيَّةَ يَعْتَقِدُونَ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ أَنَّ اللَّهَ لَهُ عَيْنٌ حَقِيقِيَّةٌ لِأَنَّهُمْ لا يُؤَوِّلُونَ الآيَاتِ الْمُتَشَابِهَةَ بَلْ يَحْمِلُونَهَا عَلَى ظَاهِرِهَا فَمَاذَا يَقُولُونَ فِى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ سَفِينَةِ نُوحٍ ﴿تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا﴾. هَؤُلاءِ جَعَلُوا تِلْكَ السَّفِينَةَ بِمَا فِيهَا مِنْ بَشَرٍ وَبَهَائِمَ وَبَقَرٍ وَحَمِيرٍ فِى ذَاتِ اللَّهِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ، حَاشَى لِلَّهِ ﴿تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا﴾ أَىْ بِحِفْظِنَا لَهَا وَلَيْسَ كَمَا قَالُوا عَيْنٌ حَقِيقِيَّةٌ.

كَانَ فِى الْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ رَجُلٌ مِنْ رُؤُوسِ الْمُشَبِّهَةِ الْقُدَمَاءِ يُقَالُ لَهُ بَيَانُ بنُ سِمْعَان وَكَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ لِلَّهِ وَجْهًا بِمَعْنَى الْجُزْءِ الْمُرَكَّبِ عَلَى الْبَدَنِ وَأَنَّ اللَّهَ يَفْنَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يَبْقَى مِنْهُ إِلَّا وَجْهُهُ. وَالْوَهَّابِيَّةُ كَذَلِكَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ لَهُ وَجْهٌ بِمَعْنَى الْجُزْءِ الْمُرَكَّبِ عَلَى الْبَدَنِ وَإِنْ لَمْ يَقُولُوا يَفْنَى لَكِنَّهُمْ يَمْنَعُونَ التَّأْوِيلَ وَيَحْمِلُونَ الآيَاتِ الْمُتَشَابِهَةَ عَلَى ظَاهِرِهَا فَمَاذَا يَقُولُونَ فِى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ فَهَلْ يَقُولُونَ إِنَّ كُلَّ مَا سِوَى اللَّهِ وَهُوَ الْعَالَمُ يَفْنَى وَلا يَبْقَى مِنْهُ شَىْءٌ وَإِنَّ اللَّهَ يَفْنَى وَلا يَبْقَى مِنْهُ إِلَّا الْوَجْهُ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ.

هَذَا ابْنُ بَازٍ أَحَدُ زُعَمَاءِ الْوَهَّابِيَّةِ وَكَانَ أَعْمَى قَالَ لَهُ شَخْصٌ أَنْتُمْ تَمْنَعُونَ التَّأْوِيلَ وَتَقُولُونَ إِنَّ التَّأْوِيلَ لِلآيَاتِ وَالأَحَادِيثِ الْمُتَشَابِهَةِ تَعْطِيلٌ أَىْ إِنْكَارٌ لَهَا فَلا يَجُوزُ، فَمَا تَقُولُ فِى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ كَانَ فِى هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِى الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ فَقَالَ ابْنُ بَازٍ إِلَّا هَذِهِ الآيَة فَإِنَّهَا تُؤَوَّلُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى سَخَافَةِ عَقِيدَةِ الْوَهَّابِيَّةِ.

(127) مَا هُوَ دَلِيلُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِى الرَّدِّ عَلَى الْوَهَّابِيَّةِ أَدْعِيَاءِ السَّلَفِيَّةِ الَّذِينَ يَصِفُونَ اللَّهَ بِالْجِسْمِ وَالأَعْضَاءِ.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَمَعْنَى الأَحَدِ الَّذِى لا يَقْبَلُ الِانْقِسَامَ أَىْ لَيْسَ جِسْمًا وَالْجِسْمُ مَا لَهُ حَجْمٌ كَبِيرًا كَانَ أَوْ صَغِيرًا وَقَالَ الإِمَامُ عَلِىٌّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ سَيَرْجِعُ قَوْمٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ عِنْدَ اقْتِرَابِ السَّاعَةِ كُفَّارًا يُنْكِرُونَ خَالِقَهُمْ فَيَصِفُونَهُ بِالْجِسْمِ وَالأَعْضَاءِ رَوَاهُ ابْنُ الْمُعَلِّمِ الْقُرَشِىُّ فِى كِتَابِهِ نَجْمُ الْمُهْتَدِى وَرَجْمُ الْمُعْتَدِى.

أَمَّا الْوَهَّابِيَّةُ الْمُشَبِّهَةُ فَإِنَّهُمْ جَعَلُوا اللَّهَ جِسْمًا لَهُ أَعْضَاءٌ فَنَسَبُوا إِلَيْهِ الْقَدَمَ وَالرِّجْلَ عَلَى مَعْنَى الْجَارِحَةِ وَالْعُضْوِ وَقَالُوا إِنَّ اللَّهَ لَهُ قَدَمٌ يَضَعُهَا فِى جَهَنَّمَ فَلا تَحْتَرِقُ كَمَا أَنَّ مَلائِكَةَ الْعَذَابِ فِى النَّارِ لا يَتَأَذَوْنَ بِهَا وَقَالَ زَعِيمُهُمُ ابْنُ الْعُثَيْمِين فِى تَفْسِيرِهِ لِآيَةِ الْكُرْسِىِّ مَا نَصُّهُ وَالْكُرْسِىُّ هُوَ مَوْضِعُ قَدَمَىِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.

وَلْيُعْلَمْ أَنَّ الْقَدَمَ فِى لُغَةِ الْعَرَبِ يُقَالُ لِمَا يُقَدَّمُ إِلَى الشَّىْءِ وَأَمَّا الرِّجْلُ فَتَأْتِى بِمَعْنَى الْفَوْجِ فَيُقَالُ فِى اللُّغَةِ رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ أَىْ فَوْجٌ مِنْ جَرَادٍ فَالْقَدَمُ الْوَارِدُ فِى حَدِيثِ الْبُخَارِىِّ لا تَزَالُ جَهَنَّمُ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيد حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ فِيهَا قَدَمَهُ فَتَقُولُ قَطٍ قَط مَعْنَاهُ الْجَمَاعَةُ الَّذِينَ يُقَدِّمُهُمُ اللَّهُ لِلنَّارِ فَتَمْتَلِئُ بِهِمْ، وَمَعْنَى قَطٍ قَط اكْتَفَيْتُ اكْتَفَيْت.

وَكَذَلِكَ وَرَدَ فِى صَحِيحِ الْبُخَارِىِّ أَنَّ النَّارَ لا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ اللَّهُ فِيهَا رِجْلَهُ فَتَقُولُ قَطٍ قَط فَالْمُرَادُ بِالرِّجْلِ هُنَا الْفَوْجُ الَّذِى يَمْلَأُ اللَّهُ بِهِمُ النَّارَ. وَلا يَجُوزُ جَعْلُ الْقَدَمِ وَالرِّجْلِ مِنْ بَابِ الصِّفَاتِ بَلِ الإِضَافَةُ فِيهِمَا إِضَافَةُ مِلْكٍ. فَمَنْ جَعَلَ لِلَّهِ قَدَمًا وَرِجْلًا بِمَعْنَى الْجُزْءِ فَقَدْ جَعَلَ اللَّهَ مِثْلَ خَلْقِهِ. وَلْيُعْلَمْ أَنَّ كُلَّ شَىْءٍ يَرِدُ النَّارَ فَهُوَ مَخْلُوقٌ لَيْسَ بِإِلَهٍ بِدَلِيلِ أَنَّ الأَصْنَامَ تُرْمَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِى جَهَنَّمَ إِهَانَةً لِلْكُفَّارِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ﴾ أَىِ الأَصْنَامُ ﴿ءَالَهَةً مَّا وَرَدُوهَا﴾ أَىْ مَا دَخَلُوهَا.

وَلا يَجُوزُ إِطْلاقُ الْفَمِ أَوِ الأُذُنِ عَلَى اللَّهِ لِأَنَّهَا مِنْ قَبِيلِ الأَجْسَامِ وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ جِسْمًا إِذْ لَوْ كَانَ جِسْمًا لَجَازَ عَلَيْهِ مَا يَجُوزُ عَلَى الأَجْسَامِ كَالْفَنَاءِ وَالتَّغَيُّرِ وَلَصَحَّتِ الأُلُوهِيَّةُ لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَجْسَامِ.

(128) كَيْفَ يُرَدُّ عَلَى الْوَهَّابِيَّةِ الْمُشَبِّهَةِ الَّذِينَ يَنْسُبُونَ إِلَى اللَّهِ الْقُعُودَ عَلَى الْعَرْشِ.

اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَ الْوَهَّابِيَّةِ اللَّهُ قَاعِدٌ عَلَى الْعَرْشِ شَتْمٌ لِلَّهِ لِأَنَّ الْقُعُودَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ الْبَشَرِ وَالْبَهَائِمِ وَالْجِنِّ وَالْمَلائِكَةِ وَلا يَكُونُ إِلَّا مِمَّنْ لَهُ جُزْءٌ أَعْلَى وَجُزْءٌ أَسْفَلُ وَمَقْعَدَةٌ يُلامِسُ بِهَا مَا يَقْعُدُ عَلَيْهِ وَكُلُّ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِ إِذَا وُصِفَ اللَّهُ بِهَا فَهُوَ شَتْمٌ لَهُ. قَالَ الْحَافِظُ الْفَقِيهُ مُحَمَّدُ مُرْتَضَى الزَّبِيدِىُّ فِى شَرْحِ إِحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ مَنْ جَعَلَ اللَّهَ تَعَالَى مُقَدَّرًا بِمِقْدَارٍ كَفَرَ، أَىْ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ ذَا كَمِيَّةٍ وَحَجْمٍ.

وَالْحَجْمُ وَالْكَمِيَّةُ مِنْ مُوجِبَاتِ الْحُدُوثِ أَىْ يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ الْمُتَّصِفَ بِهِمَا حَادِثٌ أَىْ مَخْلُوقٌ، وَهَلْ عَرَفْنَا أَنَّ الشَّمْسَ حَادِثَةٌ مَخْلُوقَةٌ مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ إِلَّا لِأَنَّ لَهَا حَجْمًا فَلَوْ كَانَ لِلَّهِ تَعَالَى حَجْمٌ لَكَانَ مِثْلًا لِلشَّمْسِ فِى الْحَجْمِيَّةِ وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ مَا كَانَ يَسْتَحِقُّ الأُلُوهِيَّةَ كَمَا أَنَّ الشَّمْسَ لا تَسْتَحِقُّ الأُلُوهِيَّةَ.

(129) مَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾.

فَسَّرَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِالْقَهْرِ لَكِنْ لا يُقْطَعُ بِأَنَّ مُرَادَ اللَّهِ بِالِاسْتِوَاءِ عَلَى الْعَرْشِ الْقَهْرُ إِنَّمَا يُظَنُّ ظَنًّا رَاجِحًا. وَمَعْنَى قَهْرِ اللَّهِ لِلْعَرْشِ الَّذِى هُوَ أَكْبَرُ الْمَخْلُوقَاتِ حَجْمًا أَنَّ الْعَرْشَ تَحْتَ تَصَرُّفِ اللَّهِ هُوَ أَوْجَدَهُ وَحَفِظَهُ وَأَبْقَاهُ، حَفِظَهُ مِنَ الْهُوِىِّ وَالسُّقُوطِ وَلَوْلا حِفْظُ اللَّهِ لَهُ لَهَوَى وَتَحَطَّمَ. أَمَّا مَنْ يُفَسِّرُ الِاسْتِوَاءَ بِالْجُلُوسِ أَوِ الِاسْتِقْرَارِ فَيَقُولُ إِنَّ اللَّهَ جَالِسٌ عَلَى الْعَرْشِ أَوْ مُسْتَقِرٌّ عَلَيْهِ أَوْ مُحَاذٍ لَهُ بِوُجُودِ فَرَاغٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَرْشِ فَهُوَ كَافِرٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفِ اللَّهَ.

فَتُحْمَلُ الآيَةُ عَلَى الْقَهْرِ أَوْ يُقَالُ اسْتَوَى اسْتِوَاءً يَلِيقُ بِهِ أَوِ اسْتَوَى بِلا كَيْفٍ. وَالْكَيْفُ الْمَنْفِىُّ عَنِ اللَّهِ هُوَ مَا كَانَ مِنْ صِفَاتِ الْخَلْقِ كَالْجُلُوسِ وَالِاسْتِقْرَارِ وَالْمُحَاذَاةِ أَىْ كَوْنِ الشَّىْءٍ فِى مُقَابِلِ شَىْءٍ وَالتَّحَيُّزِ فِى الْمَكَانِ وَالْجِهَةِ. وَهَذِهِ الآيَةُ ﴿الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ مِنَ الآيَاتِ الْمُتَشَابِهَةِ وَقَدْ وَرَدَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ اعْمَلُوا بِمُحْكَمِهِ (أَىِ الْقُرْءَانِ) وَءَامِنُوا بِمُتَشَابِهِهِ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِى صَحِيحِهِ.

وَءَامِنُوا بِمُتَشَابِهِهِ أَىْ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَتَوَهَّمُوا أَنَّ مَعَانِيَهُ مِنْ صِفَاتِ الأَجْسَامِ فَقَدْ نَقَلَ الْبَيْهَقِىُّ فِى كِتَابِ الْمُعْتَقَدِ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الأَوْزَاعِىِّ وَمَالِكٍ وَسُفْيَانَ وَاللَّيْثِ بنِ سَعْدٍ أَنَّهُمْ سُئِلُوا عَنِ الآيَاتِ الْمُتَشَابِهَةِ فَقَالُوا أَمِّرُوهَا كَمَا جَاءَتْ بِلا كَيْفِيَّةٍ، أَىْ ءَامِنُوا بِهَا وَلا تُفَسِّرُوهَا تَفْسِيرًا فَاسِدًا بِنِسْبَةِ الْكَيْفِيَّةِ إِلَى اللَّهِ. وَلْيُعْلَمْ أَنَّ الِاسْتِوَاءَ فِى لُغَةِ الْعَرَبِ لَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ مَعْنًى مِنْهَا مَا لا يَلِيقُ بِاللَّهِ كَالْجُلُوسِ وَالِاسْتِقْرَارِ فَلا تُحْمَلُ الآيَةُ عَلَيْهِ وَمِنْهَا مَا يَلِيقُ بِاللَّهِ كَالْقَهْرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾.

(130) مَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾.

قَالَ إِمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِىُّ فِى تَأْوِيلاتِهِ أَىْ تَأْوِيلاتِ أَهْلِ السُّنَّةِ إِنَّ كَلِمَةَ ثُمَّ فِى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ بِمَعْنَى الْوَاوِ أَىْ وَقَدِ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْنِى أَنَّ اللَّهَ كَانَ مُسْتَوِيًا عَلَى الْعَرْشِ أَىْ قَاهِرًا لَهُ وَمُسَيْطِرًا عَلَيْهِ قَبْلَ وُجُودِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ جَالِسٌ عَلَى الْعَرْشِ أَوْ مُسْتَقِرٌّ عَلَيْهِ أَوْ مُحَاذٍ لَهُ بِوُجُودِ مَسَافَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَرْشِ.

وَإِنَّمَا خُصَّ الْعَرْشُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ الْمَخْلُوقَاتِ حَجْمًا فَيُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ قَاهِرٌ لِمَا دُونَهُ مِنْ بَابِ الأَوْلَى. وَلَيْسَ مَعْنَى الآيَةِ أَنَّ اللَّهَ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ كَمَا يَتَوَهَّمُ بَعْضُ النَّاسِ لِأَنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ كَلِمَةَ ثُمَّ دَائِمًا لِلتَّأْخِيرِ. فَإِنْ قَالَ الْوَهَّابِيَّةُ الْمُشَبِّهَةُ إِنَّ كَلِمَةَ عَلَى فِى الآيَةِ بِمَعْنَى فَوْقَ يُقَالُ لَهُمْ إِنَّ عَلَى تَأْتِى لِعُلُوِّ الْقَدْرِ وَلِلْعُلُوِّ الْحِسِّىِّ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ فِرْعَوْنَ أَنَّهُ قَالَ ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ وَأَرَادَ عُلُوَّ الْقَهْرِ. وَمَاذَا تَقُولُ الْوَهَّابِيَّةُ الْمُشَبِّهَةُ فِى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ هَلْ يَفْهَمُونَ مِنْ هَذِهِ الآيَةِ أَنَّ الْعِبَادَ فَوْقَ اللَّهِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ.

(131) مَا هُوَ دَلِيلُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِى الرَّدِّ عَلَى الْمُشَبِّهَةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ نَفْىَ الْمَكَانِ عَنِ اللَّهِ نَفْىٌ لِوُجُودِ اللَّهِ.

يَكْفِى فِى تَنْزِيهِ اللَّهِ عَنِ الْمَكَانِ وَالْحَيِّزِ وَالْجِهَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ مَكَانٌ لَكَانَ لَهُ أَمْثَالٌ وَأَبْعَادٌ طُولٌ وَعَرْضٌ وَعُمْقٌ وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ مُحْدَثًا أَىْ مَخْلُوقًا. وَرَوَى الْبُخَارِىُّ وَابْنُ الْجَارُودِ وَالْبَيْهَقِىُّ بِالإِسْنَادِ الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَىْءٌ غَيْرُهُ، أَىْ كَانَ اللَّهُ مَوْجُودًا فِى الأَزَلِ أَىْ فِى مَا لا بِدَايَةَ لَهُ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ غَيْرُهُ لا أَرْضٌ وَلا سَمَاءٌ وَلا كُرْسِىٌّ وَلا عَرْشٌ وَلا مَكَانٌ وَلا جِهَاتٌ فَهُوَ تَعَالَى مَوْجُودٌ قَبْلَ الْمَكَانِ بِلا مَكَانٍ وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ الْمَكَانَ فَلا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ.

وَلَيْسَ مِحْوَرُ الِاعْتِقَادِ عَلَى الْوَهْمِ أَىْ أَنَّ الِاعْتِقَادَ الصَّحِيحَ لا يُبْنَى عَلَى الْوَهْمِ بَلْ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْلُ الصَّحِيحُ السَّلِيمُ الَّذِى هُوَ شَاهِدٌ لِلشَّرْعِ أَىْ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الشَّرْعِ وَذَلِكَ أَنَّ الْمَحْدُودَ مُحْتَاجٌ إِلَى مَنْ حَدَّهُ بِذَلِكَ الْحَدِّ أَىْ أَنَّ كُلَّ مَا لَهُ حَجْمٌ فَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى مَنْ جَعَلَهُ عَلَى هَذَا الْحَجْمِ فَلا يَكُونُ إِلَهًا فَيَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ

اللَّهَ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ وَلا كَمِيَّةٌ وَلا يَتَحَيَّزُ فِى مَكَانٍ أَوْ جِهَةٍ فَكَمَا صَحَّ وُجُودُ اللَّهِ تَعَالَى بِلا مَكَانٍ وَلا جِهَةٍ قَبْلَ خَلْقِ الأَمَاكِنِ وَالْجِهَاتِ فَكَذَلِكَ يَصِحُّ وُجُودُهُ تَعَالَى بَعْدَ خَلْقِ الأَمَاكِنِ وَالْجِهَاتِ بِلا مَكَانٍ وَلا جِهَةٍ وَاعْتِقَادُ أَنَّ اللَّهَ مَوْجُودٌ بِلا مَكَانٍ وَلا جِهَةٍ لا يَكُونُ نَفْيًا لِوُجُودِ اللَّهِ كَمَا زَعَمَتِ الْمُشَبِّهَةُ وَمِنْهُمُ الْوَهَّابِيَّةُ فَالتَّحَيُّزُ فِى الْمَكَانِ هُوَ أَخْذُ مِقْدَارٍ مِنَ الْفَرَاغِ فَاللَّهُ تَعَالَى بِمَا أَنَّهُ لَيْسَ جِسْمًا كَثِيفًا وَلا لَطِيفًا لا يَجُوزُ فِى حَقِّهِ أَنْ يَأْخُذَ قَدْرًا مِنَ الْفَرَاغِ،

وَالتَّحَيُّزُ فِى الْمَكَانِ نَقْصٌ فِى حَقِّ اللَّهِ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ التَّحَيُّزِ أَنْ يَكُونَ لَهُ حَدٌّ أَىْ حَجْمٌ وَمِقْدَارٌ وَلَوْ كَانَ ذَا حَدٍّ وَمِقْدَارٍ لَاحْتَاجَ إِلَى مَنْ جَعَلَهُ بِذَلِكَ الْحَدِّ وَالْمِقْدَارِ وَالْمُحْتَاجُ لا يَكُونُ إِلَهًا.

(132) لِمَاذَا تُرْفَعُ الأَيْدِى إِلَى السَّمَاءِ فِى الدُّعَاءِ.

نَرْفَعُ الأَيْدِىَ فِى الدُّعَاءِ لِلسَّمَاءِ لِأَنَّهَا قِبْلَةُ الدُّعَاءِ وَمَهْبِطُ الرَّحَمَاتِ وَالْبَرَكَاتِ أَىْ تَنْزِلُ عَلَيْنَا الْبَرَكَةُ وَالرَّحْمَةُ مِنْهَا وَلَيْسَ لِأَنَّ اللَّهَ يَسْكُنُ السَّمَاءَ كَمَا أَنَّنَا نَسْتَقْبِلُ الْكَعْبَةَ الشَّرِيفَةَ فِى الصَّلاةِ لِأَنَّهَا قِبْلَةُ الصَّلاةِ وَلَيْسَ لِأَنَّ اللَّهَ يَسْكُنُهَا. وَيَكْفُرُ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ يَتَحَيَّزُ فِى مَكَانٍ أَوْ جِهَةٍ أَوْ يَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ شَىْءٌ كَالْهَوَاءِ أَوْ كَالنُّورِ يَمْلَأُ مَكَانًا أَوْ غُرْفَةً أَوْ مَسْجِدًا.

وَنُسَمِّى الْمَسَاجِدَ بُيُوتَ اللَّهِ لِأَنَّهَا أَمَاكِنُ مُعَدَّةٌ لِذِكْرِ اللَّهِ وَعِبَادَتِهِ لا لِأَنَّ اللَّهَ يَسْكُنُهَا فَالإِضَافَةُ إِضَافَةُ تَشْرِيفٍ. وَلا يَجُوزُ تَسْمِيَةُ الْمَعَابِدِ الدِّينِيَّةِ لِلْكُفَّارِ بُيُوتَ اللَّهِ لِأَنَّهَا أَمَاكِنُ بُنِيَتْ لِلشِّرْكِ وَالْكُفْرِ فَلا تَكُونُ مُعَظَّمَةً عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.

(133) مَا هُوَ دَلِيلُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِى الرَّدِّ عَلَى الْوَهَّابِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ اللَّهَ فَوْقَ الْعَرْشِ بِذَاتِهِ.

اعْلَمْ أَنَّ الْوَهَّابِيَّةَ مُشَبِّهَةٌ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ اللَّهَ فَوْقَ الْعَرْشِ بِذَاتِهِ ذَكَرَ هَذَا الِاعْتِقَادَ الْفَاسِدَ ابْنُ الْعُثَيْمِين فِى كِتَابِهِ الْمُسَمَّى فَتَاوَى الْعَقِيدَةِ وَابْنُ بَازٍ فِى مَجَلَّةِ الْحَجِّ فَكَذَّبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﷺ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَهَذَا الْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِى أَنَّ السَّاجِدَ أَقْرَبُ إِلَى اللَّهِ وَلا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى الظَّاهِرِ أَىْ بِإِثْبَاتِ الْمَسَافَةِ لِلَّهِ بِالْحُلُولِ عَلَى الْعَرْشِ فَلَوْ كَانَ اللَّهُ بِذَاتِهِ فَوْقَ الْعَرْشِ لَكَانَ الْوَاقِفُ أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنَ السَّاجِدِ.

وَالْقُرْبُ الْمَذْكُورُ فِى هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ الْقُرْبُ الْمَعْنَوِىُّ أَىِ السَّاجِدُ أَقْرَبُ إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ وَأَقْرَبُ إِلَى اسْتِجَابَةِ الدُّعَاءِ أَمَّا عَلَى اعْتِقَادِ الْوَهَّابِيَّةِ يَكُونُ الْقَائِمُ أَقْرَبَ إِلَى اللَّهِ مِنَ السَّاجِدِ وَهَذَا خِلافُ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَهَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ قَوِيَّةٌ فِى نَقْضِ عَقِيدَتِهِمْ لِأَنَّ الْفَضْلَ عِنْدَ الْوَهَّابِيَّةِ لِلْجِهَةِ فَعَلَى مُوجَبِ قَوْلِهِمْ مَا كَانَ أَقْرَبُ إِلَى الْعَرْشِ أَفْضَلَ مِمَّا سِوَاهُ فَيَكُونُ الْمُسَافِرُونَ بِالطَّائِرَةِ مِنَ الْكُفَّارِ عَلَى مُقْتَضَى قَوْلِهِمْ أَقْرَبَ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ السَّاجِدِينَ لِلَّهِ فِى بُيُوتِهِمْ وَمَسَاجِدِهِمْ.

وَاللَّهُ تَعَالَى يُوصَفُ بِالْقَرِيبِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ فَلَوْ كَانَ اللَّهُ بِذَاتِهِ فَوْقَ الْعَرْشِ لَكَانَ بَعِيدًا وَلَمْ يَكُنْ قَرِيبًا. ثُمَّ الْمَكَانُ هُوَ مَا يَشْغَلُهُ الْحَجْمُ مِنَ الْفَرَاغِ فَلَوْ كَانَ اللَّهُ فِى مَكَانٍ لَكَانَ حَجْمًا وَلَوْ كَانَ حَجْمًا لَاحْتَاجَ إِلَى مَنْ جَعَلَهُ عَلَى هَذَا الْحَجْمِ وَالْمُحْتَاجُ لا يَكُونُ إِلَهًا وَلَوْ جَازَ أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّ خَالِقَ الْعَالَمِ حَجْمٌ لَجَازَ أَنْ تُعْتَقَدَ الأُلُوهِيَّةُ لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ.

قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْغَنِىِّ النَّابُلُسِىُّ فِى الْفَتْحِ الرَّبَّانِىِّ مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ (جِسْمٌ) مَلَأَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَوْ أَنَّهُ جِسْمٌ قَاعِدٌ فَوْقَ الْعَرْشِ فَهُوَ كَافِرٌ وَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ وَقَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِىُّ الْمُجَسِّمُ كَافِرٌ وَنَقَلَ صَاحِبُ الْخِصَالِ الْحَنْبَلِىُّ عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ مَنْ قَالَ اللَّهُ جِسْمٌ لا كَالأَجْسَامِ كَفَرَ. فَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْوَهَّابِىَّ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُقِيمَ الْحُجَّةَ عَلَى عَابِدِ الشَّمْسِ الَّذِى لا يُؤْمِنُ بِالْقُرْءَانِ بِأَنَّ الشَّمْسَ لا تَسْتَحِقُّ الأُلُوهِيَّةَ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ مُتَحَيِّزٌ فَوْقَ الْعَرْشِ وَعَابِدُ الشَّمْسِ كَذَلِكَ يَعْبُدُ جِسْمًا مُتَحَيِّزًا فِى الْفَضَاءِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ.

(134) مَا حُكْمُ مَنْ يَقُولُ اللَّهُ فِى كُلِّ مَكَانٍ.

اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيْسَ جِسْمًا كَثِيفًا كَالإِنْسَانِ وَالْحَجَرِ وَلا جِسْمًا لَطِيفًا كَالنُّورِ وَالظَّلامِ فَلا يَجُوزُ فِى حَقِّهِ أَنْ يَأْخُذَ قَدْرًا مِنَ الْفَرَاغِ فَلا يَتَحَيَّزُ رَبُّنَا فِى جِهَةٍ أَوْ مَكَانٍ وَلا فِى جَمِيعِ الأَمَاكِنِ لا يَجُوزُ أَنْ يَمْلَأَ جَمِيعَ الأَمْكِنَةِ قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْغَنِىِّ النَّابُلُسِىُّ فِى كِتَابِهِ الْفَتْحِ الرَّبَانِىِّ مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ (جِسْمٌ) مَلَأَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَوْ أَنَّهُ جِسْمٌ قَاعِدٌ فَوْقَ الْعَرْشِ فَهُوَ كَافِرٌ وَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ.

أَمَّا قَوْلُ اللَّهُ فِى كُلِّ مَكَانٍ فَلَيْسَ مِنْ كَلامِ عُلَمَاءِ الإِسْلامِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلامِ شَخْصٍ كَافِرٍ يُسَمَّى جَهْمَ بنَ صَفْوَان الَّذِى كَانَ يَقُولُ عَنِ اللَّهِ هُوَ هَذَا الْهَوَاءُ وَعَلَى كُلِّ شَىْءٍ فَكَفَّرَهُ الْمُسْلِمُونَ وَقُتِلَ بِسَبَبِ الرِّدَّةِ وَتَبِعَهُ فِى ذَلِكَ سَيِّد قُطُب فَقَالَ فِى كِتَابِهِ الْمُسَمَّى فِى ظِلالِ الْقُرْءَانِ فِى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ مَا نَصُّهُ وَهِىَ كَلِمَةٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ لا عَلَى الْكِنَايَةِ وَالْمَجَازِ وَاللَّهُ تَعَالَى مَعَ كُلِّ شَىْءٍ وَمَعَ كُلِّ أَحَدٍ فِى كُلِّ وَقْتٍ وَفِى كُلِّ مَكَانٍ.

وَكَلامُهُ هَذَا كُفْرٌ صَرِيحٌ لا شَكَّ فِيهِ لِأَنَّهُ جَعَلَ اللَّهَ مُنْتَشِرًا فِى الْعَالَمِ أَمَّا الآيَةُ ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ فَمَعْنَاهَا الإِحَاطَةُ بِالْعِلْمِ لا بِالْجِهَةِ أَىْ عَالِمٌ بِكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ. أَمَّا مَنْ يَقُولُ اللَّهُ فِى كُلِّ مَكَانٍ وَيَظُنُّ أَنَّهَا تَعْنِى أَنَّ اللَّهَ عَالِمٌ بِكُلِّ شَىْءٍ فَلا يَكْفُرُ لَكِنْ يَجِبُ نَهْيُهُ عَنْهَا بِخِلافِ مَا إِذَا قَالَ اللَّهُ مَوْجُودٌ فِى كُلِّ مَكَانٍ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ لِأَنَّهُ لَفْظٌ صَرِيحٌ فِى إِثْبَاتِ الْمَكَانِ لِلَّهِ.

قَالَ الإِمَامُ ابْنُ فُورَك فِى كِتَابِ مُشْكِلِ الْحَدِيثِ اعْلَمْ أَنَّهُ لا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فِى مَكَانٍ أَوْ فِى كُلِّ مَكَانٍ وَقَالَ الإِمَامُ عَبْدُ الْوَهَّابِ الشَّعْرَانِىُّ فِى كِتَابِهِ الْيَوَاقِيتُ وَالْجَوَاهِرُ قَالَ عَلِىٌّ الْخَوَّاصُ لا يَجُوزُ الْقَوْلُ إِنَّهُ تَعَالَى بِكُلِّ مَكَانٍ كَمَا تَقُولُ الْمُعْتَزِلَةُ، وَقَالَ مِثْلَهُ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِىُّ فِى أُصُولِ الدِّينِ. فَالَّذِى يَعْتَقِدُ فِى اللَّهِ التَّحَيُّزَ فِى كُلِّ مَكَانٍ جَعَلَ اللَّهَ مُنْتَشِرًا فِى الأَمَاكِنِ النَّظِيفَةِ وَالأَمَاكِنِ الْقَذِرَةِ وَلا يَقُولُ بِذَلِكَ مُسْلِمٌ قَطُّ فَمَنْ نَسَبَ لِلَّهِ الْمَكَانَ جَعَلَهُ حَجْمًا فَلا يَكُونُ مُسْلِمًا.

(135) مَا الرَّدُّ عَلَى الْمُشَبِّهَةِ الْوَهَّابِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ نَفْىَ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ عَنِ اللَّهِ نَفْىٌ لِوُجُودِ اللَّهِ.

اعْلَمْ أَنَّ الْوَهَّابِيَّةَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ لِذَلِكَ يَصِفُونَهُ بِالدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ وَلا يَعْتَقِدُونَ بِوُجُودِ مَوْجُودٍ لَيْسَ دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلا خَارِجًا عَنْهُ بَلْ يَعْتَبِرُونَ ذَلِكَ نَفْيًا لِوُجُودِ اللَّهِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ. فَيُقَالُ لَهُمْ اللَّهُ أَزَلِىٌّ وَلا أَزَلِىَّ سِوَاهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿هُوَ الأَوَّلُ﴾ لِأَنَّ الْمُبْتَدَأَ وَالْخَبَرَ مَعْرِفَةٌ وَهَذَا يُفِيدُ الْحَصْرَ أَىْ هُوَ وَحْدَهُ الأَوَّلُ الَّذِى لا ابْتِدَاءَ لِوُجُودِهِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ كَانَ اللَّهُ (أَىْ فِى الأَزَلِ) وَلَمْ يَكُنْ شَىْءٌ غَيْرُهُ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ.

فَيُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْعَالَمَ حَادِثٌ مَخْلُوقٌ حَدَثَ وُجُودُهُ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ وَأَنَّ اللَّهَ كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَهُ فَكَمَا صَحَّ عَقْلًا وُجُودُهُ تَعَالَى قَبْلَ خَلْقِ الْعَالَمِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلا خَارِجَهُ وَلا فِى جِهَةٍ مِنْهُ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَفْيًا لِوُجُودِهِ تَعَالَى فَكَذَلِكَ يَصِحُّ وُجُودُهُ بَعْدَ خَلْقِ الْعَالَمِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ دَاخِلَهُ أَوْ خَارِجَهُ أَوْ فِى جِهَةٍ مِنْهُ وَلا يَكُونُ هَذَا نَفْيًا لِوُجُودِهِ تَعَالَى.

فَإِنْ قَالُوا إِنَّهُ دَاخِلَ الْعَالَمِ جَعَلُوهُ مَحْصُورًا وَإِنْ قَالُوا إِنَّهُ خَارِجَ الْعَالَمِ جَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَالَمِ مَسَافَةً وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ. وَكَمَا لا يُقَالُ إِنَّهُ تَعَالَى دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلا خَارِجَهُ كَذَلِكَ لا يُقَالُ إِنَّهُ مُتَّصِلٌ بِالْعَالَمِ وَلا مُنْفَصِلٌ عَنْهُ بِالْمَسَافَةِ، لا يَجُوزُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِالْعَالَمِ وَلا مُنْفَصِلًا عَنِ الْعَالَمِ بِالْمَسَافَةِ لِأَنَّ الِاتِّصَالَ وَالِانْفِصَالَ بِالْمَسَافَةِ مِنْ صِفَاتِ الْحَجْمِ وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَيْسَ حَجْمًا نَفَى ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾.

(136) مَا الرَّدُّ عَلَى الْوَهَّابِيَّةِ الَّذِينَ قَسَّمُوا التَّوْحِيدَ إِلَى ثَلاثَةِ أَقْسَامٍ تَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ وَتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ وَتَوْحِيدِ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ.

اعْلَمْ أَنَّ الْوَهَّابِيَّةَ أَدْخَلَتْ فِى دِينِ اللَّهِ بِدْعَةً سَيِّئَةً وَهِىَ قَوْلُهُمْ التَّوْحِيدُ يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلاثَةِ أَقْسَامٍ تَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ وَتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ وَتَوْحِيدِ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَغَرَضُهُمْ مِنْ هَذَا التَّقْسِيمِ تَكْفِيرُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ. وَتَوْحِيدُ الأُلُوهِيَّةِ عِنْدَهُمْ هُوَ تَوْحِيدُ اللَّهِ بِأَفْعَالِ الْعِبَادِ أَىْ إِفْرَادُهُ بِالْعِبَادَةِ وَيُفَسِّرُونَ الْعِبَادَةَ بِالتَّوَسُّلِ وَالِاسْتِغَاثَةِ وَالنِّدَاءِ فَيُكَفِّرُونَ الْمُسْلِمِينَ الْمُتَوَسِّلِينَ بِالأَنْبِيَاءِ وَالأَوْلِيَاءِ وَالْمُنَادِينَ لَهُمْ وَالْمُسْتَغِيثِينَ بِهِمْ عِنْدَ الشِّدَّةِ وَالضِّيقِ وَالزَّائِرِينَ لِقُبُورِهِمْ رَجَاءَ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ لَهُمُ الْبَرَكَةَ بِزِيَارِتِهِمْ.

وَتَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ عِنْدَهُمْ هُوَ تَوْحِيدُ اللَّهِ بِأَفْعَالِهِ كَالْخَلْقِ وَالرَّزْقِ وَالإِحْيَاءِ وَالإِمَاتَةِ فَيَقُولُونَ إِنَّ اللَّهَ هُوَ وَحْدَهُ الْخَالِقُ وَهُوَ الضَّارُّ النَّافِعُ وَلا يَنْفَعُ أَحَدٌ بَعْدَ مَوْتِهِ لا نَبِىٌّ وَلا وَلِىٌّ وَيُرِيدُونَ بِذَلِكَ تَكْفِيرَ الْمُسْلِمِينَ الْمُتَبَرِّكِينَ بِآثَارِ الأَنْبِيَاءِ وَتَكْفِيرَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ النَّبِىَّ أَوِ الْوَلِىَّ يَنْفَعُ بَعْدَ مَوْتِهِ بِإِذْنِ اللَّهِ.

أَمَّا تَوْحِيدُ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ فَهُوَ عِنْدَهُمْ وَصْفُ اللَّهِ بِمَا ثَبَتَ عَنْهُ فِى الْقُرْءَانِ أَوْ عَنْ رَسُولِهِ ﷺ بِلا تَأْوِيلٍ كَالِاسْتِوَاءِ فَيَصِفُونَ اللَّهَ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ بِالْجُلُوسِ وَالِاسْتِقْرَارِ عَلَى الْعَرْشِ أَمَّا الَّذِى يُؤَوِّلُ الِاسْتِوَاءَ بِالْقَهْرِ وَلا يَصِفُ اللَّهَ بِالْجُلُوسِ وَالِاسْتِقْرَارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الْخَلْقِ فَهُوَ عِنْدَهُمْ مُعَطِّلٌ أَىْ مُنْكِرٌ لِصِفَةِ الِاسْتِوَاءِ فَلا يَكُونُ عِنْدَهُمْ مُوَحِّدًا لِلَّهِ تَوْحِيدَ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ لِأَنَّ التَّوْحِيدَ عِنْدَهُمْ هُوَ تَشْبِيهُ اللَّهِ بِخَلْقِهِ أَمَّا تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنْ مُشَابَهَةِ الْخَلْقِ فَيَعْتَبِرُونَهُ كُفْرًا وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ.

وَتَوْحِيدُ الأُلُوهِيَّةِ عِنْدَ الْمُشَبِّهَةِ الْوَهَّابِيَّةِ لا يَكْفِى لِلإِيـمَانِ بَلْ لا بُدَّ مِنْ تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ وَهَذَا ضِدُّ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّى رَسُولُ اللَّهِ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّى دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ. فَالرَّسُولُ ﷺ جَعَلَ اعْتِرَافَ الْعَبْدِ بِتَفْرِيدِ اللَّهِ بِالأُلُوهِيَّةِ وَبِوَصْفِ رَسُولِ اللَّهِ بِالرِّسَالَةِ كَافِيًا وَلَمْ يَشْرِطْ تَوْحِيدَيْنِ بَلْ كَانَ الرَّسُولُ ﷺ يَحْكُمُ بِإِسْلامِ الْكَافِرِ إِذَا نَطَقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ بِقَوْلِ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ يَأْمُرُهُ بِالصَّلاةِ قَبْلَ غَيْرِهَا مِنْ أُمُورِ الدِّينِ لِلْحَدِيثِ الَّذِى رَوَاهُ الْبَيْهَقِىُّ فِى كِتَابِ الِاعْتِقَادِ.

وَلْيُعْلَمْ أَنَّ تَوْحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ هُوَ تَوْحِيدُ الأُلُوهِيَّةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ جَاءَ فِى سُؤَالِ الْقَبْرِ حَدِيثَانِ حَدِيثٌ بِلَفْظِ اللَّهُ رَبِّى رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِى صَحِيحِهِ أَىْ يَسْأَلُهُ الْمَلَكَانِ فِى الْقَبْرِ مَنْ رَبُّكَ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ اللَّهُ رَبِّى وَحَدِيثٌ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ فِى سُنَنِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قُبِرَ الْمَيِّتُ أَوِ الإِنْسَانُ أَتَاهُ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا مُنْكَرٌ وَلِلآخَرِ نَكِيرٌ فَيَقُولانِ لَهُ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِى هَذَا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ فَهُوَ قَائِلٌ مَا كَانَ يَقُولُ فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا قَالَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ شَهَادَةَ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ شَهَادَةٌ بِرُبُوبِيَّةِ اللَّهِ. وَمَا أَعْظَمَ مُصِيبَةَ الْمُسْلِمِينَ بِهَذِهِ الْفِرْقَةِ الضَّالَّةِ الْوَهَّابِيَّةِ أَدْعِيَاءِ السَّلَفِيَّةِ.

(137) اذْكُرْ كَيْفَ يَكْسِرُ عَابِدُ الشَّمْسِ الْمُشَبِّهَةَ الْوَهَّابِيَّةَ الَّذِى يَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَكَانًا.

لَوْ طَالَبَ عَابِدُ الشَّمْسِ الْمُشَبِّهَةَ الْوَهَّابِيَّةَ بِدَلِيلٍ عَقْلِىٍ عَلَى اسْتِحْقَاقِ اللَّهِ الأُلُوهِيَّةَ وَعَدَمِ اسْتِحْقَاقِ الشَّمْسِ الأُلُوهِيَّةَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ دَلِيلٌ وَغَايَةُ مَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَقُولُوا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ فَإِنْ قَالُوا ذَلِكَ لِعَابِدِ الشَّمْسِ يَقُولُ لَهُمْ عَابِدُ الشَّمْسِ أَنَا لا أُؤْمِنُ بِكِتَابِكُمْ أَعْطُونِى دَلِيلًا عَقْلِيًّا عَلَى أَنَّ الشَّمْسَ لا تَسْتَحِقُّ الأُلُوهِيَّةَ فَإِنْ قَالَ الْمُشَبِّهُ الْوَهَّابِىُّ مَعْبُودِى جِسْمٌ وَلَهُ شَكْلٌ وَيَنْزِلُ وَيَصْعَدُ أَجَابَهُ عَابِدُ الشَّمْسِ وَمَعْبُودِى كَذَلِكَ غَيْرَ أَنَّ مَعْبُودِىَ جِسْمٌ مُنِيرٌ يَرَاهُ وَيُحِسُّ بِنَفْعِهِ كُلُّ أَحَدٍ وَأَمَّا مَعْبُودُكُمُ الَّذِى تَزْعُمُونَ أَنَّهُ جِسْمٌ مُسْتَقِرٌّ فَوْقَ الْعَرْشِ فَلا أَنَا رَأَيْتُهُ وَلا أَنْتُمْ رَأَيْتُمُوهُ وَلا يُحِسُّ أَحَدٌ بِنَفْعِهِ فَكَيْفَ تَكُونُ عِبَادَتُكُمْ صَحِيحَةً وَعِبَادَتِى بَاطِلَةً فَهُنَا يَنْقَطِعُونَ وَيَعْجِزُونَ عَنْ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَى عَابِدِ الشَّمْسِ.

(138) مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ مِنَ الْبِدَعِ مَا هُوَ حَسَنٌ.

اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَدَحَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أُمَّةِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ رَحْمَةٍ وَرَأْفَةٍ وَلِأَنَّهُمُ ابْتَدَعُوا الرَّهْبَانِيَّةَ وَهِىَ الِانْقِطَاعُ عَنِ الشَّهَوَاتِ الْمُبَاحَةِ زِيَادَةً عَلَى تَجَنُّبِ الْمُحَرَّمَاتِ حَتَّى إِنَّهُمُ انْقَطَعُوا عَنِ الزِّوَاجِ وَتَرَكُوا اللَّذَائِذَ مِنَ الْمَطْعُومَاتِ وَالثِّيَابِ الْفَاخِرَةِ لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا الْمُبَالَغَةَ فِى طَاعَةِ اللَّهِ وَالتَّقَرُّبَ إِلَى اللَّهِ وَالتَّجَرُّدَ لِلْعِبَادَةِ بِتَرْكِ الِانْشِغَالِ بِالزِّوَاجِ وَنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ وَالأَوْلادِ فَأَقْبَلُوا عَلَى الآخِرَةِ إِقْبَالًا تَامًّا قَالَ تَعَالَى ﴿وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾.

فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ فِيهِ مَدْحٌ لَهُمْ عَلَى مَا ابْتَدَعُوا. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ سَنَّ فِى الإِسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً (أَىْ أَحْدَثَ فِى دِينِ الإِسْلامِ بِدْعَةً حَسَنَةً) فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَىْءٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَرَوَى الْبُخَارِىُّ أَنَّ عُثْمَانَ بنَ عَفَّانَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَحْدَثَ أَذَانًا ثَانِيًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الأَذَانُ الثَّانِى فِى أَيَّامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَحْدَثَ الصَّحَابِىُّ الْجَلِيلُ خُبَيْبُ بنُ عَدِىٍّ صَلاةَ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ الْقَتْلِ فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِىُّ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فَكَانَ خُبَيْبٌ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ عِنْدَ الْقَتْلِ.

وَرَوَى الْبُخَارِىُّ أَنَّ عُمَرَ بنَ الْخَطَّابِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ جَمَعَ النَّاسَ عَلَى صَلاةِ التَّرَاوِيحِ فِى رَمَضَانَ بَعْدَ أَنْ كَانُوا يُصَلُّونَهَا فُرَادَى فِى أَيَّامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ عُمَرُ نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ. وَمِنَ الْبِدَعِ الْحَسَنَةِ تَنْقِيطُ التَّابِعِىِّ الْجَلِيلِ يَحْيَى بنِ يَعْمَرَ الْمُصْحَفَ وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالتَّقْوَى تُوُفِّىَ سَنَةَ مِائَةٍ وَتِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَأَقَرَّ ذَلِكَ الْعُلَمَاءُ وَاسْتَحْسَنُوهُ وَلَمْ يَكُنِ الْمُصْحَفُ مُنَقَّطًا عِنْدَمَا أَمْلَى الرَّسُولُ عَلَى كَتَبَةِ الْوَحْىِ بَلْ كَانُوا يَكْتُبُونَ الْبَاءَ وَالتَّاءَ وَنَحْوَهُمَا بِلا نَقْطٍ قَالَ أَبُو بَكْرِ بنُ أَبِى دَاوُدَ فِى كِتَابِهِ الْمُسَمَّى كِتَابَ الْمَصَاحِفِ أَوَّلُ مَنْ نَقَطَ الْمَصَاحِفَ يَحْيَى بنُ يَعْمَرَ وَهُوَ مِنْ عُلَمَاءِ التَّابِعِينَ.

وَعَمِلَ عُمرُ بنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ الْمَحَارِيبَ الْمُجَوَّفَةَ الَّتِى تَدُلُّ عَلَى اتِّجَاهِ الْقِبْلَةِ لِلْمَسَاجِدِ بَعْدَ نَحْوِ تِسْعِينَ سَنَةً مِنْ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. أَمَّا حَدِيثُ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ فَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ النَّوَوِىُّ فِى شَرْحِ مُسْلِمٍ إِنَّهُ عَامٌّ مَخْصُوصٌ وَالْمُرَادُ بِهِ غَالِبُ الْبِدَعِ. وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى عَنِ الرِّيحِ ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ وَلَمْ تُدَمِّرْ هَذِهِ الرِّيحُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ إِنَّمَا دَمَّرَتْ كُلَّ شَىْءٍ مَرَّتْ عَلَيْهِ مِنْ رِجَالِ عَادٍ الْكَافِرِينَ وَأَمْوَالِهمْ،

وَقَوْلُهُ ﷺ وَكُلُّ عَيْنٍ زَانِيَةٌ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ بِلا اسْتِثْنَاءٍ حَتَّى الأَنْبِيَاءَ وَالأَعْمَى يَقَعُونَ فِى مَعْصِيَةِ زِنَى الْعَيْنِ وَهُوَ النَّظَرُ الْمُحَرَّمُ بَلِ الْمُرَادُ أَنَّ أَغْلَبَ النَّاسِ يَقَعُونَ فِى هَذِهِ الْمَعْصِيَةِ.

(139) مَا مَعْنَى التَّوَسُّلِ وَمَا الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ التَّوَسُّلِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِى حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ.

التَّوَسُّلُ هُوَ طَلَبُ حُصُولِ مَنْفَعَةٍ أَوِ انْدِفَاعِ مَضَرَّةٍ مِنَ اللَّهِ بِذِكْرِ اسْمِ نَبِىٍّ أَوْ وَلِىٍّ إِكْرَامًا لِلْمُتَوَسَّلِ بِهِ. وَالتَّوَسُّلُ بِالنَّبِىِّ ﷺ أَوِ الْوَلِىِّ لَيْسَ كُفْرًا وَلا شِرْكًا لِأَنَّهُ لَيْسَ عِبَادَةً لِغَيْرِ اللَّهِ كَمَا تَدَّعِى الْوَهَّابِيَّةُ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ هِىَ أَقْصَى غَايَةِ الْخُشُوعِ وَالْخُضُوعِ كَمَا قَالَ الإِمَامُ تَقِىُّ الدِّينِ السُّبْكِىُّ فِى فَتَاوِيهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ نِهَايَةُ التَّذَلُّلِ أَىْ أَقْصَى غَايَةِ التَّعْظِيمِ كَمَا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ كَلامِ الرَّاغِبِ الأَصْبَهَانِىِّ فِى مُفْرَدَاتِهِ وَنَقَلَهُ عَنْهُ مُرْتَضَى الزَّبِيدِىُّ فِى تَاجِ الْعَرُوسِ.

وَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ التَّوَسُّلِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِى حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ فَهُوَ مَا رَوَاهُ الْحَافِظُ الطَّبَرَانِىُّ فِى الْمُعْجَمِ الصَّغِيرِ وَصَحَّحَهُ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ عَلَّمَ الأَعْمَى أَنْ يَتَوَسَّلَ بِهِ فَذَهَبَ وَتَوَسَّلَ بِهِ فِى غَيْرِ حَضْرَتِهِ وَعَادَ إِلَى مَجْلِسِ الرَّسُولِ وَقَدْ أَبْصَر، وَكَانَ مِمَّا عَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ نَبِىِّ الرَّحْمَةِ يَا مُحَمَّدُ إِنِّى أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى رَبِّى فِى حَاجَتِى لِتُقْضَى لِى.

وَبِهَذَا الْحَدِيثِ بَطَلَ زَعْمُ الْوَهَّابِيَّةِ أَنَّهُ لا يَجُوزُ التَّوَسُّلُ إِلَّا بِالْحَىِّ الْحَاضِرِ لِأَنَّ الأَعْمَى لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا فِى مَجْلِسِ الرَّسُولِ حِينَ تَوَسَّلَ بِهِ بِدَلِيلِ أَنَّ رَاوِىَ الْحَدِيثِ عُثْمَانَ بنَ حُنَيْفٍ قَالَ لَمَّا رَوَى حَدِيثَ الأَعْمَى فَوَاللَّهِ مَا تَفَرَّقْنَا وَلا طَالَ بِنَا الْمَجْلِسُ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْنَا الرَّجُلُ وَقَدْ أَبْصَر.

فَقَوْلُهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْنَا الرَّجُلُ وَقَدْ أَبْصَر يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الأَعْمَى لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا فِى مَجْلِسِ الرَّسُولِ حِينَ تَوَسَّلَ بِهِ بِقَوْلِهِ يَا مُحَمَّد. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الأَعْمَى تَوَسَّلَ بِالرَّسُولِ فِى غَيْرِ حَضْرَتِهِ أَنَّهُ ثَبَتَ النَّهْىُ عَنْ نِدَاءِ الرَّسُولِ بِاسْمِهِ فِى وَجْهِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾. وَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ التَّوَسُّلِ بِرَسُولِ اللَّهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ أَنَّ عُثْمَانَ بنَ حُنَيْفٍ عَلَّمَ رَجُلًا هَذَا الدُّعَاءَ الَّذِى فِيهِ تَوَسُّلٌ بِرَسُولِ اللَّهِ لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ حَاجَةٌ عِنْدَ سَيِّدِنَا عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ فِى خِلافَتِهِ وَمَا كَانَ يَتَيَسَّرُ لَهُ الِاجْتِمَاعُ بِهِ حَتَّى قَرَأَ هَذَا الدُّعَاءَ فَتَيَسَّرَ أَمْرُهُ بِسُرْعَةٍ وَقَضَى لَهُ سَيِّدُنَا عُثْمَانُ حَاجَتَهُ.

أَمَّا قَوْلُ الأَلْبَانِىِّ إِنَّ مُرَادَ الطَّبَرَانِىِّ بِقَوْلِهِ وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ هُوَ مَا فَعَلَهُ الأَعْمَى فِى حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ وَلَيْسَ مَا فَعَلَهُ الرَّجُلُ بَعْدَ وَفَاةِ الرَّسُولِ أَيَّامَ عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ فَمَرْدُودٌ لِأَنَّ عُلَمَاءَ مُصْطَلَحِ الْحَدِيثِ قَالُوا الْحَدِيثُ يُطْلَقُ عَلَى الْمَرْفُوعِ إِلَى النَّبِىِّ وَعَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَى الصَّحَابِىِّ أَىْ أَنَّ كَلامَ الرَّسُولِ يُسَمَّى حَدِيثًا وَقَوْلَ الصَّحَابِىِّ يُسَمَّى حَدِيثًا نَصّ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ مِنْهُمُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلانِىُّ كَمَا نَقَلَ عَنْهُ السُّيُوطِىُّ فِى تَدْرِيبِ الرَّاوِى وَابْنُ الصَّلاحِ فِى مُقَدِّمَتِهِ فِى عُلُومِ الْحَدِيثِ وَكَذَلِكَ الإِمَامُ أَحْمَدُ.

وَأَخِيرًا نَذْكُرُ مَا قَالَهُ ابْنُ تَيْمِيَة شَيْخُ الْمُجَسِّمَةِ فِى هَذِهِ الْمَسْئَلَةِ وَلَيْسَ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ الَّذِينَ يُرْجَعُ إِلَيْهِمْ فِى مَعْرِفَةِ أُمُورِ الدِّينِ بَلْ لِيَكُونَ كَلامُهُ حُجَّةً فِى هَذِهِ الْمَسْئَلَةِ عَلَى الْفِرْقَةِ الْوَهَّابِيَّةِ أَدْعِيَاءِ السَّلَفِيَّةِ الَّذِينَ يُشَنِّعُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْمُتَوَسِّلِينَ بِالأَنْبِيَاءِ وَالأَوْلِيَاءِ قَالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ فِى كِتَابِهِ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ فِى الصَّحِيفَةِ الثَّالِثَةِ وَالسَّبْعِينَ مَا نَصُّهُ فَصْلٌ فِى الرَّجُلِ إِذَا خَدِرَتْ رِجْلُهُ عَنِ الْهَيْثَمِ بنِ حَنَشٍ قَالَ كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَخَدِرَتْ رِجْلُهُ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ اذْكُرْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيْكَ فَقَالَ يَا مُحَمَّد فَكَأَنَّمَا نَشِطَ مِنْ عِقَال.

وَكِتَابُهُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ثَابِتٌ أَنَّهُ مِنْ تَأْلِيفِهِ ذَكَرَ ذَلِكَ صَلاحُ الدِّينِ الصَّفَدِىّ وَكَانَ مُعَاصِرًا لِابْنِ تَيْمِيَةَ وَيَتَرَدَّدُ عَلَيْهِ وَأَثْبَتَ ذَلِكَ الأَلْبَانِىُّ فِى مُقَدِّمَةِ النُّسْخَةِ الَّتِى طَبَعَهَا الْوَهَّابِىُّ تِلْمِيذُ الأَلْبَانِىِّ زُهَيْرٌ الشَّاوِيش، فَإِنْ قَالُوا ابْنُ تَيْمِيَةَ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ رَاوٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ يُقَالُ لَهُمْ مُجَرَّدُ إِيرَادِهِ لَهُ فِى هَذَا الْكِتَابِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ اسْتَحْسَنَهُ لِأَنَّ الَّذِى يُورِدُ الْبَاطِلَ فِى كِتَابِهِ وَلا يُحَذِّرُ مِنْهُ فَهُوَ دَاعٍ إِلَيْهِ وَتَسْمِيَتُهُ لِلْكِتَابِ بِالْكَلِمِ الطَّيِّبِ أَىِ الْكَلامِ الطَّيِّبِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ اسْتَحْسَنَ كُلَّ مَا فِيهِ.

فَهُمْ وَقَعُوا فِى حَيْرَةٍ لِأَنَّ ابْنَ تَيْمِيَةَ أَجَازَ قَوْلَ يَا مُحَمَّدُ عِنْدَ الضِّيقِ وَاسْتَحْسَنَهُ وَهَذَا فِيهِ اسْتِحْبَابُ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ عِنْدَهُمْ وَقَائِلُ هَذَا إِمَامُهُمُ الَّذِى أَخَذُوا مِنْهُ أَكْثَرَ عَقَائِدِهِمْ، فَمَاذَا يَقُولُونَ كَفَرَ لِهَذَا أَمْ لَمْ يَكْفُرْ، فَإِنْ قَالُوا كَفَرَ وَهُمْ يُسَمُّونَهُ شَيْخَ الإِسْلامِ فَهَذَا تَنَاقُضٌ يُكَفِّرُونَهُ وَيُسَمُّونَهُ شَيْخَ الإِسْلامِ. إِنْ قَالُوا نَحْنُ عَلَى صَوَابٍ وَابْنُ تَيْمِيَةَ اسْتَحَلَّ الشِّرْكَ وَالْكُفْرَ، قُلْنَا قَدْ كَفَّرْتُمْ شَيْخَكُمْ وَتَكُونُونَ اعْتَرَفْتُمْ بِأَنَّكُمْ مُتَّبِعُونَ لِرَجُلٍ كَافِرٍ تَحْتَجُّونَ بِكَلامِهِ فِى كَثِيرٍ مِنْ عَقَائِدِكُمْ فَلِمَاذَا لا تَتَبَرَّءُونَ مِنْهُ. وَإِنْ قَالُوا لَمْ يَكْفُرْ نَقَضُوا عَقِيدَتَهُمْ أَىْ قَالُوا بِخِلافِ عَقِيدَتِهِمْ.

(140) مَا مَعْنَى التَّبَرُّكِ وَمَا الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ التَّبَرُّكِ بِآثَارِ الأَنْبِيَاءِ.

التَّبَرُّكُ هُوَ طَلَبُ زِيَادَةِ الْخَيْرِ مِنَ اللَّهِ. وَالتَّبَرُّكُ بِآثَارِ الأَنْبِيَاءِ أَمْرٌ جَائِزٌ شَرْعًا وَجَوَازُ هَذَا الأَمْرِ يُعْرَفُ مِنْ فِعْلِ الأَنْبِيَاءِ فَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِى الْقُرْءَانِ الْكَرِيمِ أَنَّ سَيِّدَنَا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَالَ ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِى هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ فَقَدْ حَصَلَ الشِّفَاءُ لِسَيِّدِنَا يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِإِلْقَاءِ قَمِيصِ ابْنِهِ يُوسَفَ عَلَى وَجْهِهِ.

فَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ التَّبَرُّكَ بِآثَارِ الأَنْبِيَاءِ أَمْرٌ جَائِزٌ شَرْعًا وَلَيْسَ كُفْرًا وَلا شِرْكًا كَمَا تَدَّعِى الْوَهَّابِيَّةُ. فَهَؤُلاءِ كَفَّرُوا سَيِّدَنَا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأَنَّهُ أَرْسَلَ قَمِيصَهُ إِلَى أَبِيهِ يَعْقُوبَ لِيَتَبَرَّكَ بِهِ وَكَفَّرُوا سَيِّدَنَا يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأَنَّهُ تَبَرَّكَ بِقَمِيصِ ابْنِهِ يُوسُفَ فَحَصَلَتْ لَهُ الْبَرَكَةُ وَالشِّفَاءُ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِى الْقُرْءَانِ.

كَمَا أَنَّهُمْ كَفَّرُوا سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا ﷺ لِأَنَّهُ قَسَمَ شَعَرَهُ حِينَ حَلَقَ فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ بَيْنَ أَصْحَابِهِ لِيَتَبَرَّكُوا بِهِ كَمَا رَوَى ذَلِكَ الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ وَكَانَ الصَّحَابَةُ يَتَبَرَّكُونَ بِشَعَرِهِ الْمُبَارَكِ فِى حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ وَلا زَالَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا عَلَى ذَلِكَ.

(141) مَا حُكْمُ الِاحْتِفَالِ بِمَوْلِدِ النَّبِىِّ ﷺ.

اعْلَمْ أَنَّ الِاحْتِفَالَ بِمَوْلِدِهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ فِى عَهْدِ النَّبِىِّ ﷺ إِنَّمَا حَدَثَ فِى الْقَرْنِ السَّابِعِ الْهِجْرِىِّ وَهُوَ بِدْعَةٌ حَسَنَةٌ وَأَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَهُ الْمَلِكُ الْمُظَفَّرُ مَلِكُ إِرْبِل أَبُو سَعِيدٍ كُوكَبْرِى وَكَانَ عَالِمًا تَقِيًّا فَاسْتَحْسَنَ ذَلِكَ الْعُلَمَاءُ فِى مَشَارِقِ الأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا مِنْهُمُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلانِىُّ وَتِلْمِيذُهُ الْحَافِظُ السَّخَاوِىُّ وَكَذَلِكَ الْحَافِظُ السُّيُوطِىُّ وَلَهُ رِسَالَةٌ سَمَّاهَا حُسْنَ الْمَقْصِدِ فِى عَمَلِ الْمَوْلِدِ قَالَ وَأَصْلُ عَمَلِ الْمَوْلِدِ الَّذِى هُوَ اجْتِمَاعُ النَّاسِ وَقِرَاءَةُ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْءَانِ وَرِوَايَةُ الأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِى مَبْدَإِ أَمْرِ النَّبِىِّ وَمَا وَقَعَ فِى مَوْلِدِهِ مِنَ الآيَاتِ ثُمَّ يُمَدُّ لَهُمْ سِمَاطٌ يَأْكُلُونَهُ هُوَ مِنَ الْبِدَعِ الْحَسَنَةِ الَّتِى يُثَابُ عَلَيْهَا صَاحِبُهَا لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْظِيمِ قَدْرِ النَّبِىِّ وَإِظْهَارِ الْفَرَحِ وَالِاسْتِبْشَارِ بِمَوْلدِهِ الشَّرِيفِ ﷺ.

وَهَذَا مَا عَلَيْهِ عُلَمَاءُ الإِسْلامِ بِخِلافِ الْوَهَّابِيَّةِ الَّذِينَ يَحُرِّمُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الِاحْتِفَالَ بِمَوْلِدِهِ الشَّرِيفِ ﷺ. وَالدَّلِيلُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ عَمَلِ الْمَوْلِدِ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وَقَوْلُهُ ﷺ مَنْ سَنَّ فِى الإِسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَىْءٌ.

(142) كَيْفَ يُرَدُّ عَلَى شُبُهَاتِ الْوَهَّابِيَّةِ فِى تَحْرِيمِهِمُ الِاحْتِفَالَ بِمَوْلِدِ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ ﷺ.

اعْلَمْ أَنَّ عِلْمَ الدِّينِ لا يُؤْخَذُ إِلَّا مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ الثِّقَاتِ وَالْوَهَّابِيَّةُ لَيْسُوا كَذَلِكَ فَلا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ عِلْمُ الدِّينِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْوَهَّابِيَّةَ الَّذِينَ يُحَرِّمُونَ الِاحْتِفَالَ بِمَوْلِدِ النَّبِىِّ ﷺ وَيَعْتَبِرُونَهُ بِدْعَةً مُحَرَّمَةً ابْتَدَعُوا دِينًا جَدِيدًا وَعَقِيدَةً تُخَالِفُ عَقِيدَةَ الأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَهِىَ عَقِيدَةُ التَّشْبِيهِ وَالتَّجْسِيمِ فَإِنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ قَاعِدٌ فَوْقَ الْعَرْشِ وَيُشَبِّهُونَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ.

وَهُمْ يَحْتَجُّونَ فِى تَحْرِيمِهِمُ الِاحْتِفَالَ بِمَوْلِدِ النَّبِىِّ ﷺ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾. وَلْيُعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِى عَرَفَاتٍ وَعَاشَ الرَّسُولُ بَعْدَهَا نَحْوَ ثَلاثَةِ أَشْهُرٍ وَالْوَحْىُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ. وَمَعْنَى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ أَنَّ قَوَاعِدَ الدِّينِ أُتِّمَتْ وَاكْتَمَلَتْ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْوَحْىَ انْقَطَعَ بِنُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ بَلْ نَزَلَتْ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ ءَايَاتٌ كَثِيرَةٌ كَآيَةِ الْكَلالَةِ فِى الْمَوَارِيثِ وَءَايَاتِ تَحْرِيمِ الرِّبَا.

فَيُقَالُ لِلْوَهَّابِيَّةِ أَدْعِيَاءِ السَّلَفِيَّةِ إِنْ حَرَّمْتُمْ مَا أَحْدَثَهُ عُلَمَاءُ الإِسْلامِ مِنَ الْبِدَعِ الْحَسَنَةِ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِىِّ ﷺ مُحْتَجِّينَ بِالآيَةِ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فَقَدْ أَلْغَيْتُمْ تَحْرِيمَ الرِّبَا لِأَنَّ ءَايَاتِ تَحْرِيمِ الرِّبَا مِنْ ءَاخِرِ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْءَانِ وَنَزَلَتْ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ ذَكَرَ ذَلِكَ الْقُرْطُبِىُّ وَالإِمَامُ الْحَافِظُ الطَّبَرِىُّ.

وَالْوَهَّابِيَّةُ يُحَرِّمُونَ الِاحْتِفَالَ بِالْمَوْلِدِ بِدَعْوَى أَنَّ هَذَا لَمْ يَفْعَلْهُ الرَّسُولُ وَلا الصَّحَابَةُ وَيَحْتَجُّونَ بِحَدِيثِ مُسْلِمٍ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ وَلا حُجَّةَ لَهُمْ فِى هَذَا الْحَدِيثِ لِأَنَّ الْحَدِيثَ عَامٌّ مَخْصُوصٌ وَالْمُرَادُ بِهِ غَالِبُ الْبِدَعِ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ النَّوَوِىُّ فِى شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ. وَالِاحْتِفَالُ بِمَوْلِدِ النَّبِىِّ ﷺ بِدْعَةٌ حَسَنَةٌ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ الأُمَّةِ مِنْهُمُ الْحَافِظُ السُّيُوطِىُّ لِأَنَّهُ اجْتِمَاعٌ عَلَى الْخَيْرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ سَنَّ فِى الإِسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً (أَىْ مَنْ أَحْدَثَ فِى دِينِ الإِسْلامِ بِدْعَةً حَسَنَةً) فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ لا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَىْءٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِىِّ.

فَبَيَّنَ الرَّسُولُ ﷺ فِى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مِنَ الْبِدَعِ مَا هُوَ حَسَنٌ وَأَذِنَ لِلْعُلَمَاءِ مِنْ أُمَّتِهِ أَنْ يُحْدِثُوا بَعْدَهُ أُمُورًا لا تُخَالِفُ كِتَابًا أَوْ سُنَّةً أَوْ إِجْمَاعًا بِدَلِيلِ حَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ أَحْدَثَ فِى أَمْرِنَا هَذَا (أَىْ فِى دِينِنَا) مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ أَىْ مَرْدُودٌ وَفِى ذَلِكَ إِشْعَارٌ بِأَنَّ مَنْ أَحْدَثَ مَا هُوَ مِنْهُ أَىْ مَا هُوَ مُوَافِقٌ لَهُ فَلَيْسَ مَرْدُودًا وَإِلَّا فَمَا فَائِدَةُ تَقْيِيدِهِ بِقَوْلِ مَا لَيْسَ مِنْهُ. ثُمَّ كَيْفَ تُحَرِّمُونَ عَمَلَ الْمَوْلِدِ بِدَعْوَى أَنَّ الرَّسُولَ مَا فَعَلَهُ وَلا الصَّحَابَةُ وَأَنْتُمْ تَطْبَعُونَ الْمَصَاحِفَ الْمُنَقَّطَةَ وَتَقْرَؤُونَ بِهَا.