وَأَوَّلُ مَنْ نَقَطَ الْمُصْحَفَ التَّابِعِىُّ الْجَلِيلُ يَحْيَى بنُ يَعْمَر كما قَالَ أَبُو بَكْرِ بنُ أَبِى دَاوُدَ فِى كِتَابِهِ الْمَصَاحِف وَأَوَّلُ مَنْ وَضَعَ لَهُ الشَّدَّاتِ الْحَسَنُ الْبِصْرِىُّ. فَالتَّنْقِيطُ فِى الْمُصْحَفِ لَمْ يَفْعَلْهُ الرَّسُولُ وَلا أَمَرَ بِهِ وَلا فَعَلَهُ الصَّحَابَةُ وَكَذَا التَّعْشِيرُ أَىْ وَضْعُ عَلامَةٍ بَعْدَ كُلِّ عَشْرِ ءَايَاتٍ وَجَعْلُ الْقُرْءَانِ أَجْزَاءًا ثَلاثِينَ وَعَلامَاتُ السَّجْدَةِ وَتَرْقِيمُ الآيَاتِ وَوَضْعُ أَسْمَاءِ السُّوَرِ وَمَكِّيَّةٌ أَوْ مَدَنِيَّةٌ، ثُمَّ أَلَيْسَ أَنْتُمْ تَقْرَؤُونَ بِمَصَاحِفَ مَطْبُوعَةٍ وَمُزَيَّنَةٍ وَمُزَخْرَفَةٍ وَكُلُّ هَذَا لَمْ يَفْعَلْهُ الرَّسُولُ وَلا أَمَرَ بِهِ وَلا فَعَلَهُ الصَّحَابَةُ وَأَنْتُمْ تَفْعَلُونَ.
هَلْ قَالَ الرَّسُولُ اعْمَلُوا مِنْبَرًا لِلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنْ عَشْرِ دَرَجَاتٍ يَقِفُ عَلَيْهِ الْخَطِيبُ. الْمِنْبَرُ أَيَّامَ الرَّسُولِ كَانَ مِنْ ثَلاثِ دَرَجَاتٍ، هَلْ قَالَ الرَّسُولُ ضَعُوا مُكَبِّرَاتِ الصَّوْتِ لِلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَهَلْ قَالَ أَنْشِؤُوا هَذِهِ الْمَآذِنَ الضَّخْمَةَ فِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَهَلْ قَالَ أَنْشِؤُوا مِنْبَرًا نَقَّالًا وَانْصِبُوا مِحْرَابًا فِى هَذَا الْمَوْضِعِ مِنَ الْكَعْبَةِ، هَلْ أَمَرَ الرَّسُولُ بِنَقْلِ صَلاةِ الْعِشَاءِ مُبَاشَرَةً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى الْفَضَائِيَّاتِ وَهَلْ قَالَ الرَّسُولُ أَنْشِؤُوا الْمَحَارِيبَ فِى مَسَاجِدِ الْحِجَازِ وَكُلُّ الْمَسَاجِدِ فِى الْحِجَازِ لَهَا مَحَارِيبُ وَمَآذِنُ وَكُلُّ هَذَا لَمْ يَفْعَلْهُ الرَّسُولُ وَلا قَالَ افْعَلُوهُ وَأَنْتُمْ تَفْعَلُونَ.
هَلْ قَالَ الرَّسُولُ أَنْشِؤُوا حَلَقَاتٍ لِخَتْمِ صَحِيحِ الْبُخَارِىِّ وَصَحِيحِ مُسْلِمٍ وَحَلَقَاتٍ لِخَتْمِ مُوَطَّإِ مَالِكٍ وَكُلُّ ذَلِكَ أَنْتُمْ تَفْعَلُونَ. أَلَسْتُمْ فِى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ خَتْمِ الْقُرْءَانِ فِى تَرَاوِيحِ رَمَضَانَ تَقْرَؤُونَ دُعَاءً تُسَمُّونَهُ دُعَاءَ خَتْمِ قِرَاءَةِ الْقُرْءَانِ وَهَذَا لَمْ يَرِدْ فِى حَدِيثٍ صَحِيحٍ أَوْ ضَعِيفٍ أَوْ مَوْضُوعٍ إِنَّمَا هُوَ مِمَّا أَلَّفَهُ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ لا تُوجَدُ بِدْعَةٌ حَسَنَةٌ، إِذًا هُوَ بِدْعَةُ ضَلالَةٍ بِزَعْمِكُمْ أَدْخَلْتُمُوهَا فِى الصَّلاةِ وَوَضَعْتُمُوهَا فِى ءَاخِرِ الْمُصْحَفِ وَنَشَرْتُمُوهَا بَيْنَ الْعِبَادِ.
قَالَ شَيْخُكُمُ ابْنُ بَازٍ هَذَا الدُّعَاءُ لَمْ يَرِدْ فِى الْحَدِيثِ لَكِنْ هَكَذَا تَلَقَّيْنَاهُ عَنْ شُيُوخِنَا، أَمَّا شَيْخُكُمُ الأَلْبَانِىُّ فَقَالَ فِى كِتَابِهِ الْمُسَمَّى سِلْسَلَةَ الأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ وَالْمَوْضُوعَةِ الْتِزَامُ دُعَاءِ خَتْمِ الْقُرْءَانِ بِدْعَةٌ مُحَرَّمَةٌ وَأَنْتُمْ تُدْخِلُونَهُ فِى الصَّلاةِ وَتَطْبَعُونَهُ فِى الْمَصَاحِفِ، وَاحْتَجَّ الأَلْبَانِىُّ عَلَيْكُمْ بِظَاهِرِ حَدِيثِ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ وَكُلُّ ضَلالَةٍ فِى النَّارِ فَضَلَّلَكُمْ لِأَجْلِ ذَلِكَ.
تَقُولُونَ مَا لَمْ يَفْعَلْهُ الرَّسُولُ لا نَفْعَلُهُ فَهَلْ قَالَ الرَّسُولُ تَسَمَّوْا بِشَيْخِ الإِسْلامِ أَوْ بِاسْمِ الْمُجَدِّدِ الإِمَامِ، مِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ بِاسْمِ شَيْخِ الإِسْلامِ لِإِمَامِكُمُ الْمُجَسِّمِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ وَمِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ بِاسْمِ الْمُجَدِّدِ الإِمَامِ لِمُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ. وَهَذَا إِمَامُكُمُ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّة يَقُولُ فِى كِتَابِهِ مَدَارِجِ السَّالِكِينَ وَسَمِعْتُ شَيْخَ الإِسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ، أَلَيْسَتْ تَسْمِيَتُهُ لَهُ بِشَيْخِ الإِسْلامِ بِدْعَةً.
(143) مَا حُكْمُ الصَّلاةِ عَلَى النَّبِىِّ بَعْدَ الأَذَانِ وَكَيْفَ يُرَدُّ عَلَى مَنْ يُحَرِّمُهَا.
الصَّلاةُ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ وَقَوْلِهِ ﷺ مَنْ ذَكَرَنِى فَلْيُصَلِّ عَلَىَّ رَوَاهُ الْحَافِظُ السَّخَاوِىُّ فِى كِتَابِهِ الْقَوْلُ الْبَدِيعُ فِى الصَّلاةِ عَلَى النَّبِىِّ الشَّفِيعِ. فَيُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يُسَنُّ لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يُصَلِّىَ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ لِأَنَّهُ ذَكَرَهُ فِى الأَذَانِ.
فَإِذَا أَذَّنَ الْمُسْلِمُ لِلصَّلاةِ ثُمَّ صَلَّى عَلَى النَّبِىِّ فَهَذِهِ الزِّيَادَةُ لَيْسَتْ مِنَ الأَذَانِ لِأَنَّ الأَذَانَ يَنْتَهِى بِقَوْلِ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِنَّمَا هِىَ بَعْدَ الأَذَانِ فَهِىَ زِيَادَةٌ فِى الْخَيْرِ وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ فَهُوَ كَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ. فَإِذَا قَالَ الْوَهَّابِيَّةُ لِمَاذَا تَجْعَلُونَهَا عَادَةً نَقُولُ لَهُمْ إِذَا جَعَلَ الْمُؤْذِّنُ عَادَتَهُ أَنَّهُ كُلَّمَا أَذَّنَ وَانْتَهَى مِنَ الأَذَانِ الْتَفَتَ إِلَى إِخْوَانِهِ وَقَالَ لَهُمْ بَارَكَ اللَّهُ فِيكُمْ كَانَ جَائِزًا، فَكَيْفَ يَكُونُ الدُّعَاءُ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ جَائِزًا عِنْدَكُمْ وَلِمُحَمَّدٍ مُحَرَّمًا. الصَّلاةُ عَلَى النَّبِىِّ دُعَاءٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
(144) مَا مَعْنَى أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.
مَعْنَى أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ أَعْتَرِفُ بِلِسَانِى وَأَعْتَقِدُ بِقَلْبِى أَنَّ مُحَمَّدَ بنَ عَبْدِ اللَّهِ مُرْسَلٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ مِنْ إِنْسٍ وَجِنٍّ أَىْ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ إِلَى كَافَّةِ الْبَشَرِ مِنْ عَرَبٍ وَغَيْرِهِمْ وَإِلَى كَافَّةِ الْجِنِّ لِيَأْمُرَهُمْ بِالإِيمَانِ بِشَرِيعَتِهِ وَيَتَّبِعُوهُ فِى كُلِّ مَا جَاءَ بِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ وَالإِنْذَارُ هُوَ التَّخْوِيفُ بِالنَّارِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَهَذَا الإِنْذَارُ لِلإِنْسِ وَالْجِنِّ فَقَطْ أَمَّا الْمَلائِكَةُ فَلا يَعْصُونَ اللَّهَ أَبَدًا وَلا يَخْتَارُونَ إِلَّا الطَّاعَةَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ فَلا يَحْتَاجُونَ إِلَى إِنْذَارٍ.
وَأَمَّا مَنْ كَانَ قَبْلَ مُحَمَّدٍ مِنَ الأَنْبِيَاءِ فَلَمْ يَكُنْ مُرْسَلًا إِلَى الإِنْسِ وَالْجِنِّ لِقَوْلِهِ ﷺ كَانَ النَّبِىُّ يُرْسَلُ إِلَى قَوْمِهِ وَأُرْسِلْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّة رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ الأَنْبِيَاءَ السَّابِقِينَ كَانُوا لا يَأْمُرُونَ بِمَعْرُوفٍ وَلا يَنْهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ إِلَّا مَنْ كَانَ مِنْ أُمَمِهِمْ بَلِ الأَنْبِيَاءُ كُلُّهُمْ كَانُوا يُبَلِّغُونَ أَقْوَامَهُمْ وَمَنِ اسْتَطَاعُوا مِنْ غَيْرِهِمْ لِأَنَّ الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْىَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْ أَفْرَادِ الْمُكَلَّفِينَ وَفِى حَقِّ الأَنْبِيَاءِ أَوْكَدُ فَيَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ الأَنْبِيَاءَ مَأْمُورُونَ بِالتَّبْلِيغِ فَقَدْ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَقُولُ لِلنَّاسِ قُولُوا لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تُفْلِحُوا.
أَمَّا الْجِنُّ فَقَدْ أُمِرَ النَّبِىُّ ﷺ بِالْخُرُوجِ إِلَيْهِمْ فَاجْتَمَعَ بِهِمْ لَيْلًا وَأَخْبَرَهُ اللَّهُ بِالْوَحْىِ أَنَّهُ جَاءَ إِلَيْهِ نَفَرٌ أَىْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْجِنِّ فَاسْتَمَعُوا الْقُرْءَانَ فَآمَنُوا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا يَهْدِى إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾.
(145) اذْكُرْ بَعْضَ نَسَبِ النَّبِىِّ ﷺ وَمِنْ أَىِّ قَبِيلَةٍ هُوَ وَأَيْنَ وُلِدَ وَأَيْنَ مَاتَ وَدُفِنَ.
هُوَ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بنِ هَاشِمِ بنِ عَبْدِ مَنَافٍ الْقُرَشِىُّ ﷺ. وَمَعْرِفَةُ نَسَبِهِ إِلَى عَبْدِ مَنَافٍ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ أَمَّا مَعْرِفَةُ أَنَّهُ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ فَهُوَ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ بِعَيْنِهِ. وَيَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّهُ وُلِدَ بِمَكَّةَ وَكَانَتْ وِلادَتُهُ فِى الثَّانِى عَشَرَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ فِى عَامِ الْفِيلِ وَهُوَ الْعَامُ الَّذِى غَزَا فِيهِ أَبْرَهَةُ الْحَبَشِىُّ الْكَعْبَةَ فَأَهْلَكَهُ اللَّهُ وَجَيْشَهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ.
وَبُعِثَ الرَّسُولُ بِمَكَّةَ أَىْ نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْىُ بِالنُّبُوَّةِ وَهُوَ مُسْتَوْطِنٌ فِيهَا وَكَانَ عُمُرُهُ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَهَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ بِأَمْرِ اللَّهِ وَمَاتَ وَدُفِنَ فِيهَا فِى حُجْرَةِ السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا أَىْ دُفِنَ حَيْثُ مَاتَ ﷺ لِأَنَّ الأَنْبِيَاءَ يُدْفَنُونَ حَيْثُ يَمُوتُونَ وَهَذَا مِنْ خَصَائِصِ الأَنْبِيَاءِ الَّتِى خَصَّهُمُ اللَّهُ بِهَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الأَنْبِيَاءُ يُدْفَنُونَ حَيْثُ يَمُوتُونَ.
(146) مَنْ هِىَ عَائِشَةُ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا وَمَا الدَّلِيلُ عَلَى بَرَاءَتِهَا مِمَّا نُسِبَ إِلَيْهَا.
عَائِشَةُ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا الصِّدِّيقَةُ هِىَ بِنْتُ أَبِى بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ وَزَوْجَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلا يَجُوزُ اعْتِقَادُ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ ظَنَّ بِعَائِشَةَ الزِّنَى إِنَّمَا بَعْضُ الْمُنَافِقِينَ نَسَبُوا لِعَائِشَةَ الزِّنَى بُهْتَانًا وَهَؤُلاءِ كَانُوا يَدَّعُونَ الإِسْلامَ ظَاهِرًا وَيُبْطِنُونَ الْكُرْهَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ سُمِّيَتْ تِلْكَ الْحَادِثَةُ بِحَادِثَةِ الإِفْكِ، وَلَمَّا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ تَأَذَّى أَذًى شَدِيدًا وَكَيْفَ لا وَقَدْ رُمِيَتْ أَقْرَبُ زَوْجَاتِهِ إِلَى قَلْبِهِ بِالْفَاحِشَةِ،
وَلَمَّا سَأَلُوا النَّبِىَّ ﷺ وَمَاذَا يَقُولُ فِى ذَلِكَ سَكَتَ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا وَلَيْسَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ شَكَّ أَوْ ظَنَّ بِعَائِشَةَ أَنَّهَا ارْتَكَبَتْ تِلْكَ الْفَعْلَةَ الْخَبِيثَةَ كَمَا يَدَّعِى بَعْضُ الْجَهَلَةِ إِنَّمَا الرَّسُولُ ﷺ مَا أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِدُونِ وَحْىٍ مِنَ اللَّهِ حَتَّى لا يُقَالَ فِيهِ إِنَّهُ يُدَافِعُ عَنْ زَوْجَتِهِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ، وَكَانَ الرَّسُولُ ﷺ يَعْلَمُ أَنَّهَا بَرِيئَةٌ مِمَّا نُسِبَ إِلَيْهَا وَنَزَلَ الْوَحْىُ بِتَبْرِئَتِهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ مَعْنَاهُ الرَّسُولُ طَيِّبٌ وَعَائِشَةُ طَيِّبَةٌ فَهَذِهِ تَبْرِئَةٌ مِنَ اللَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ الَّذِى لا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ فَقَالَ الرَّسُولُ ﷺ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ يَا عَائِشَةُ أَمَّا اللَّهُ فَقَدْ بَرَّأَكِ،
فَالْقَوْلُ بِأَنَّ عَائِشَةَ ارْتَكَبَتِ الْفَاحِشَةَ تَكْذِيبٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَطَعْنٌ فِى عِرْضِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَذًى لَهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى بَرَاءَةِ السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ مَا ذَكَرَهُ النَّيْسَابُورِىُّ فِى مُسْتَدْرَكِهِ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ لِعَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِى زَوْجَتِى فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ قَالَتْ بَلَى وَاللَّهِ قَالَ فَأَنْتِ زَوْجَتِى فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَا عَائِشُ هَذَا جِبْرِيلُ يُقْرِئُكِ السَّلام رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ وَقَالَ ﷺ إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا نَزَلَ عَلَىَّ الْوَحْىُ وَأَنَا فِى لِحَافِ امْرَأَةٍ مِنْكُنَّ غَيْرِهَا، يَعْنِى عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ. فَأَىُّ مَكْرُمَةٍ تَنَالُهَا امْرَأَةٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ كَهَذِهِ الَّتِى خَصَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِى بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
إِنَّهَا أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ الطَّاهِرَةُ الْوَلِيَّةُ أَفْقَهُ النِّسَاءِ وَأَحَبُّ النِّسَاءِ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ عَمْرِو بنِ الْعَاصِ أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَىُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ عَائِشَةُ، قُلْتُ مِنَ الرِّجَالِ قَالَ أَبُوهَا، قُلْتُ ثُمَّ مَنْ قَالَ عُمَرُ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَىْ بُنَيَّةُ (يَقْصِدُ فَاطِمَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا) أَلَسْتِ تُحِبِّينَ مَا أُحِبُّ فَقَالَتْ بَلَى قَالَ فَأَحِبِّى هَذِهِ (يَعْنِى عَائِشَةَ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(147) تَكَلَّمْ عَنْ هِجْرَةِ النَّبِىِّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ.
خَرَجَ النَّبِىُّ ﷺ مِنْ بَيْتِهِ فِى مَكَّةَ فَذَهَبَ إِلَى بَيْتِ أَبِى بَكْرٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَهُ بِالْهِجْرَةِ فَطَلَبَ أَبُو بَكْرٍ مِنَ النَّبِىِّ ﷺ أَنْ يَصْحَبَهُ مَعَهُ فَوَافَقَ النَّبِىُّ ﷺ فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ بِذَلِكَ ثُمَّ رَكِبَا عَلَى نَاقَتَيْنِ أَعَدَّهُمَا أَبُو بَكْرٍ وَانْطَلَقَا حَتَّى وَصَلا إِلَى غَارِ ثَوْرٍ فَدَخَلاهُ. فَأَمَرَ اللَّهُ شَجَرَةً فَنَبَتَتْ عِنْدَ مَدْخَلِ الْغَارِ فَسَتَرَتْهُ وَأَمَرَ حَمَامَتَيْنِ وَحْشِيَّتَيْنِ فَوَقَفَتَا بِفَمِ الْغَارِ وَأَمَرَ الْعَنْكَبُوتَ فَنَسَجَتْ عَلَيْهِ وَكَانَ الْكُفَّارُ يَتْبَعُونَهُمَا فَلَمَّا اقْتَرَبُوا مِنْهُمَا أَرْسَلُوا رَجُلًا لِيَنْظُرَ فِى الْغَارِ فَلَمَّا رَأَى الْحَمَامَتَيْنِ وَالشَّجَرَةَ وَنَسِيجَ الْعَنْكَبُوتِ رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ لا يُوجَدُ أَحَدٌ فِى الْغَارِ.
وَبَعْدَ أَنْ ذَهَبَ الْكُفَّارُ بِمُدَّةٍ أَكْمَلَ النَّبِىُّ ﷺ وَصَاحِبُهُ أَبُو بَكْرٍ طَرِيقَهُمَا إِلَى الْمَدِينَةِ فَلَحِقَهُمَا سُرَاقَةُ بنُ مَالِكٍ بَعْدَ أَنْ عَلِمَ أَنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ وَضَعُوا جَائِزَةً لِمَنْ يَأْتِيهِمْ بِهِمَا فَلَمَّا اقْتَرَبَ مِنْهُمَا دَعَا النَّبِىُّ ﷺ عَلَيْهِ فَسَاخَتْ فَرَسُهُ فِى الأَرْضِ فَطَلَبَ سُرَاقَةُ مِنَ النَّبِىِّ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ وَوَعَدَ النَّبِىَّ أَنَّهُ لَنْ يُخْبِرَ أَحَدًا عَنْهُمَا فَدَعَا لَهُ النَّبِىُّ ﷺ فَرَجَعَتْ فَرَسُهُ إِلَى حَالِهَا وَرَجَعَ هُوَ إِلَى أَصْحَابِهِ.
وَفِى طَرِيقِهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ كَانَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعَامِرُ بنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِى بَكْرٍ وَابْنُ أُرَيْقِطٍ يَدُلُّهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ وَمَرُّوا بِأُمِّ مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيَّةِ وَكَانَتْ لا تَعْرِفُهُمْ فَقَالَ لَهَا الرَّسُولُ ﷺ يَا أُمَّ مَعْبَدٍ هَلْ عِنْدَكِ مِنْ لَبَنٍ فَقَالَتْ لا وَاللَّهِ فَرَأَى شَاةً فِى الْبَيْتِ فَسَأَلَهَا عَنْهَا فَقَالَتْ شَاةٌ خَلَّفَهَا الْجُهْدُ وَهِىَ لا تُحْلَبُ فَمَسَحَ النَّبِىُّ ﷺ ظَهْرَهَا وَضَرْعَهَا ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ فَحَلَبَ فِيهِ وَمَلَأَهُ فَسَقَى أَصْحَابَهُ ثُمَّ حَلَبَ فِى الإِنَاءِ وَتَرَكَهُ عِنْدَهَا وَارْتَحَلَ.
وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ فِى الْمَدِينَةِ قَدْ سَمِعُوا بِخُرُوجِ النَّبِىِّ ﷺ فَأَخَذُوا يَنْتَظِرُونَ قُدُومَهُ كُلَّ يَوْمٍ وَفِى يَوْمِ قُدُومِهِ انْتَظَرُوا حَتَّى قَوِيَتْ عَلَيْهِمْ حَرَارَةُ الشَّمْسِ فَرَجَعُوا إِلَى بُيُوتِهِمْ. وَبَعْدَ رُجُوعِهِمْ قَدِمَ النَّبِىُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ فَرَءَاهُمَا رَجُلٌ فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ يُخْبِرُ الأَنْصَارَ بِمَجِىءِ النَّبِىِّ ﷺ فَخَرَجُوا لِاسْتِقْبَالِهِ. وَدَخَلَ الرَّسُولُ ﷺ الْمَدِينَةَ وَهُوَ رَاكِبٌ عَلَى نَاقَتِهِ فَتَرَكَهَا حَتَّى بَرَكَتْ عَلَى الْبُقْعَةِ الَّتِى بَنَى عَلَيْهَا مَسْجِدَهُ الشَّرِيفَ وَأَقَامَ عِنْدَ أَبِى أَيُّوبَ الأَنْصَارِىِّ حَتَّى انْتَهَى مِنْ بِنَاءِ مَسْجِدِهِ وَمَسَاكِنِ أَزْوَاجِهِ.
وَكَانَتْ هِجْرَتُهُ ﷺ تَنْفِيذًا لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَيْسَ جُبْنًا وَلا هَرَبًا مِنَ الْكُفَّارِ وَلا طَلَبًا لِلرَّاحَةِ وَالِاسْتِجْمَامِ. وَكَانَتِ الْهِجْرَةُ فَرْضًا عَلَى كُلِّ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لِنُصْرَةِ النَّبِىِّ ﷺ وَتَأْسِيسِ دَوْلَةِ الإِسْلامِ. فَالْهِجْرَةُ دُرُوسٌ وَعِبَرٌ فِيهَا الْحَثُ عَلَى الْبَذْلِ وَالصَّبْرِ وَالثَّبَاتِ وَالتَّمَسُّكِ بِتَعَالِيمِ الإِسْلامِ وَتَغْرِسُ ذِكْرَاهَا فِى الْقُلُوبِ عُلُوَّ الْهِمَّةِ فِى نَشْرِ الإِسْلامِ وَالدِّفَاعِ عَنِ الدِّينِ فِى زَمَانِ غُرْبَةِ الإِسْلامِ.
(148) مَا مَعْنَى الأُمِّىِّ فِى حَقِّ الرَّسُولِ ﷺ.
اعْلَمْ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ كَانَ أُمِّيًّا لا يَكْتُبُ وَلا يَقْرَأُ الْمَكْتُوبَ وَهَذَا مَعْدُودٌ فِى جُمْلَةِ مُعْجِزَاتِهِ ﷺ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىَّ الأُمِّىَّ﴾ وَثَبَتَتْ أُمِّيَّتُهُ بِنَصِّ الْحَدِيثِ عِنْدَ أَوَّلِ نُزُولِ الْوَحْىِ عَلَيْهِ لَمَّا قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ اقْرَأْ فَقَالَ مَا أَنَا بِقَارِئٍ. وَالأُمِّيَّةُ فِى حَقِّ غَيْرِهِ لَيْسَتْ مَدْحًا أَمَّا فِى حَقِّهِ ﷺ فَهِىَ مَدْحٌ لَهُ لِأَنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ أُمِّيًّا أَعْجَزَ بُلَغَاءَ الْعَرَبِ وَتَحَدَّاهُمْ بِلُغَتِهِمْ فَعَجَزُوا عَنِ التَّحَدِّى وَلَجَؤُوا إِلَى الِافْتِرَاءِ وَالْحَرْبِ.
وَقَدْ جَاءَ فِى الْحَدِيثِ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ قَالَ إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نَكْتُبُ وَلا نَحْسُبُ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ مَدْحَ الأُمِّيَّةِ فِى حَقِّ غَيْرِهِ إِنَّمَا الْمُرَادُ حِسَابُ النُّجُومِ لِمَعْرِفَةِ أَوَائِلِ الشُّهُورِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِى الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءَايَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ فَمَعْنَاهُ يُعَلِّمُهُمْ مَا ءَاتَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْقُرْءَانِ وَالْحَدِيثِ وَلَيْسَ فِى الآيَةِ أَنَّهُ يُعَلِّمُهُمُ الْقِرَاءَةَ وَالْكِتَابَةَ.
(149) تَكَلَّمْ عَنْ صِفَةِ النَّبِىِّ الْخِلْقِيَّةِ.
اعْلَمْ أَنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ أَجْمَلُ خَلْقِ اللَّهِ عَلَى الإِطْلاقِ أَبْيَضُ شَدِيدُ الْبَيَاضِ وَبَيَاضُهُ فِيهِ حُمْرَةٌ وَشَعَرُهُ أَسْوَدُ شَدِيدُ السَّوَادِ لَيْسَ بِجَعْدٍ وَلا سَبْطٍ أَىْ لَيْسَ شَدِيدَ الْجُعُودَةِ وَلا مُسْتَرْسِلًا اسْتِرْسَالًا كَامِلًا إِنَّمَا هُوَ شَعَرٌ مُعْتَدِلُ الْخِلْقَةِ مُعْتَدِلُ الشَّكْلِ حَلَقٌ حَلَقٌ أَىْ فِيهِ تَجَعُّدٌ خَفِيفٌ، أَحْيَانًا كَانَ يَصِلُ شَعَرُهُ إِلَى شَحْمَةِ
أُذُنِهِ وَأَحْيَانًا إِلَى كَتِفَيْهِ وَلَمْ يَحْلِقْ بِالْمُوسَى إِلَّا فِى الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ لَمْ يَشِبْ مِنْهُ إِلَّا عِشْرُونَ شَعَرَةً فِى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ مُعْتَدِلَ الْخَلْقِ أَىْ كَانَتْ أَعْضَائُهُ مُتَنَاسِبَةً مَعَ جَسَدِهِ مَرْبُوعَ الْقَامَةِ إِلَى الطُّولِ أَىْ طُولُهُ مُعْتَدِلٌ لَمْ يَكُنْ سَمِينًا وَلا نَحِيفًا وَكَانَ سَوَاءَ الْبَطْنِ وَالصَّدْرِ بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ
أَىْ عَرِيضَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ وَكَانَ وَجْهُهُ أَمْيَلَ إِلَى الِاسْتِدَارَةِ أَىْ كَانَ فِى وَجْهِهِ تَدْوِيرٌ لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُسْتَدِيرًا تَمَامَ الِاسْتِدَارَةِ كَالدَّائِرَةِ التَّامَّةِ كَأَنَّ الشَّمْسَ تَجْرِى فِى وَجْهِهِ دَقِيقُ الْحَاجِبَيْنِ أَىْ حَاجِبَاهُ لَمْ يَكُونَا عَرِيضَيْنِ شَثْنُ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ أَىْ غَلِيظُ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ أَىْ كَفُّهُ لَيْسَتْ نَحِيفَةً وَقَدَمَاهُ كَذَلِكَ لَمْ تَكُونَا
نَحِيفَتَيْنِ أَدْعَجُ الْعَيْنَيْنِ أَىْ شَدِيدُ سَوَادِ الْعَيْنَيْنِ أَهْدَبُ الأَشْفَارِ أَىْ طَوِيلُ الأَشْفَارِ وَالأَشْفَارُ هُوَ الشَّعَرُ النَّابِتُ عَلَى الأَجْفَانِ وَكَانَ عَلَى ذِرَاعَيْهِ وَمَنْكِبَيْهِ وَأَعَالِى صَدْرِهِ شَعَرٌ وَكَانَ لَهُ مَسْرُبَةٌ وَهُوَ شَعَرٌ دَقِيقٌ يَنْزِلُ مِنَ الصَّدْرِ إِلَى السُّرَّةِ كَثُّ اللِّحْيَةِ أَىْ لِحْيَتُهُ كَثِيفَةٌ لا يُرَى الْجِلْدُ مِنْ خِلالِهَا أَقْنَى الأَنْفِ أَىْ أَنْفُهُ فِيهِ ارْتِفَاعٌ مِنْ غَيْرِ إِفْرَاطٍ أَىْ مُرْتَفِعُ الأَعْلَى كَمَا أَنَّ طَرَفَهُ مُرْتَفِعٌ ضَلِيعُ الْفَمِ أَىْ وَاسِعُ الْفَمِ وَهَذَا مِنْ عَلامَاتِ الْفَصَاحَةِ عِنْدَ الْعَرَبِ مُفَلَّجُ الأَسْنَانِ أَىْ مَا بَيْنَ ثَنَايَاهُ انْفِرَاجٌ لَيْسَ السِّنُّ مُلْتَصِقًا بِالسِّنِّ.
فَمَنْ رَءَاهُ فِى الْمَنَامِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ لا بُدَّ أَنْ يَمُوتَ عَلَى الإِيمَانِ وَلا يُعَذَّبُ فِى الْقَبْرِ وَلا فِى الآخِرَةِ. وَمِنَ الصِّيَغِ الْمُجَرَّبَةِ لِرُؤْيَةِ الرَّسُولِ ﷺ فِى الْمَنَامِ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِىِّ وَأَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَذُرِّيَتِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى ءَالِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ وَتُقَالُ مِائَةَ مَرَّةٍ فِى كُلِّ يَوْمٍ فِى اللَّيْلِ أَوِ النَّهَارِ عَلَى حَسَبِ الْهِمَّةِ وَالنَّشَاطِ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَأَكْرِمْنَا بِرُؤْيَتِهِ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
(150) مَا هِىَ الْبُشْرَى الَّتِى يَنَالُهَا الْمُسْلِمُ بِرُؤْيَتِهِ لِلنَّبِىِّ ﷺ فِى الْمَنَامِ.
رَوَى الْبُخَارِىُّ بِالإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ مِنْ حَدِيثِ أَبِى قَتَادَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ رَءَانِى فِى الْمَنَامِ فَقَدْ رَءَانِى حَقًّا فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لا يَتَزَيَّا بِى، أَىْ لا يَسْتَطِيعُ الشَّيْطَانُ أَنْ يَتَمَثَّلَ بِصُورَةِ النَّبِىِّ الْخِلْقِيَّةِ لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لا يُمَكِّنُهُ مِنْ ذَلِكَ. وَرَوَى الْبُخَارِىُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ رَءَانِى فِى الْمَنَامِ فَسَيَرَانِى فِى الْيَقَظَةِ.
فَيُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ رُؤْيَةَ الرَّسُولِ ﷺ فِى الْمَنَامِ فِيهَا بِشَارَةٌ كَبِيرَةٌ وَهِىَ أَنَّهُ مِنْ رَءَاهُ فِى الْمَنَامِ لا بُدَّ أَنْ يَرَاهُ فِى الْيَقَظَةِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ حَتَّى لَوْ كَانَ حِينَ رُؤْيَتِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِى الْمَنَامِ كَافِرًا، فَمَنْ رَءَاهُ فِى الْمَنَامِ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ تَعَالَى لِأَنَّ فِى ذَلِكَ ضَمَانًا لَهُ أَنَّهُ يَمُوتُ عَلَى الإِيمَانِ لَكِنْ مَنْ رَءَاهُ فِى الْمَنَامِ عَلَى صُورَتِهِ الأَصْلِيَّةِ فَهَذَا أَكْمَلُ وَأَعْظَمُ فِى الْبُشْرَى مِنَ الَّذِى رَءَاهُ عَلَى غَيْرِ صُورَتِهِ.
مَنْ رَءَاهُ فِى الْمَنَامِ بِتِلْكَ الصِّفَةِ الَّتِى هِىَ مَذْكُورَةٌ فِى كُتُبِ الْحَدِيثِ فَهُوَ مَضْمُونٌ لَهُ أَنْ يَمُوتَ عَلَى الإِيمَانِ وَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ بِلا عَذَابٍ وَأَنْ يَرَاهُ بِعَيْنِهِ قَبْلَ خُرُوجِ رُوحِهِ مِنْ جَسَدِهِ أَمَّا مَنْ لَمْ يَرَهُ بِتِلْكَ الصِّفَةِ فَالْعُلَمَاءُ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ وَهُمُ الأَكْثَرُونَ هُوَ كَالَّذِى رَءَاهُ بِصِفَتِهِ الأَصْلِيَّةِ وَقَالَ بَعْضٌ لَيْسَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَمَنْ رَءَاهُ بِتِلْكَ الصِّفَةِ فِى الْمَنَامِ فَقَدْ ثَبَتَ حَقًّا وَيَقِينًا أَنَّهُ رَءَاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وَمَنْ رَأَى الرَّسُولَ ﷺ فِى الْمَنَامِ عَلَى هَيْئَةِ شَخْصٍ يَعْرِفُهُ فَلَهُ الْبُشْرَى بِالْمَوْتِ عَلَى الإِيمَانِ وَكَذَلِكَ الْمَرْئِىُّ وَهُوَ مَنْ رُؤِىَ الرَّسُولُ عَلَى هَيْئَتِهِ. وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ يَتَبَرَّكُ بِالشَّعْرَةِ النَّبَوِيَّةِ فِى الرُّؤْيَا لَهُ بُشْرَى خَيْر لَكِنْ لَيْسَ لَهُ بُشْرَى كَالَّذِى يَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَّا إِنْ رَأَى شَعَرَهُ مُتَّصِلًا بِهِ وَلَوْ لَمْ يَرَ جَسَدَهُ الشَّرِيفَ ثَبَتَتْ لَهُ رُؤْيَةُ الرَّسُولِ ﷺ وَكَذَلِكَ إِذَا رَأَى جُزْءًا مِنْ جَسَدِهِ الشَّرِيفِ كَيَدِهِ أَوْ قَدَمِهِ حَتَّى لَوْ رَءَاهُ مُسَجَّى أَىْ مُغَطَّى وَوَقَعَ فِى قَلْبِهِ أَنَّهُ الرَّسُولُ ﷺ وَلَوْ لَمْ يَرَ شَيْئًا مِنْ جَسَدِهِ حَصَلَتْ لَهُ الْبُشْرَى.
أَمَّا مَنْ سَمِعَ صَوْتَهُ فِى الْمَنَامِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرَاهُ فَلا تَثْبُتُ لَهُ رُؤْيَةُ الرَّسُولِ ﷺ. وَأَمَّا مَنْ رَأَى شَعْرَةَ الرَّسُولِ ﷺ فِى الْيَقَظَةِ بَعْدَ وَفَاتِهِ أَوْ سَيْفَهُ أَوْ ظُفْرَهُ أَوْ ثَوْبَهُ وَمَا كَانَ مِنْ ءَاثَارِهِ وَلَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِ مَسٍّ يَمُوتُ عَلَى الإِيمَانِ بِإِذْنِ اللَّهِ. وَمِنَ الصِّيَغِ الْمُجَرَّبَةِ لِرُؤْيَةِ الرَّسُولِ ﷺ فِى الْمَنَامِ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِىِّ وَأَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَذُرِّيَتِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى ءَالِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ وَتُقَالُ مِائَةَ مَرَّةٍ فِى كُلِّ يَوْمٍ.
وَمِنْ أَسْبَابِ رُؤْيَةِ الرَّسُولِ ﷺ فِى الْمَنَامِ أَنْ تَكُونَ دَائِمًا فِى شَوْقٍ لِرُؤْيَتِهِ ﷺ وَأَنْ تُكْثِرَ مِنَ الصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلَيْهِ بِلَفْظٍ صَحِيحٍ مَعَ ضَبْطِ الْعَدَدِ وَالْمُوَاظَبَةِ عَلَى ذَلِكَ وَإِخْلاصِ النِّيَّةِ لِلَّهِ وَالنَّوْمُ عَلَى وُضُوءٍ مُسْتَقْبِلًا الْقِبْلَةَ.
وَقَدْ وَرَدَ بِالإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ أَنَّ رَجُلًا فِى عَصْرِ السَّلَفِ بَعْدَ نَحْوِ مِئَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً مِنْ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُسَمَّى الْحَسَنَ بنَ حَىّ كَانَ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَمِنَ الْعُلَمَاءِ وَلَهُ أَخَوَانِ مِثْلُهُ. هَذَا الْحَسَنُ لَمَّا كَانَ عَلَى فِرَاشِ الْمَوْتِ سَمِعَهُ أَخُوهُ يَقُولُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا قَرَأَ الآيَةَ ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ الَّذِى بِجَانِبِهِ يَا أَخِى تَتْلُوا تِلاوَةً أَمْ مَاذَا فَقَالَ لا، بَلْ أَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَضْحَكُ إِلَىَّ وَيُبَشِّرُنِى بِالْجَنَّةِ وَأَرَى الْحُورَ الْعِين وَأَرَى الْمَلائِكَةَ.
(151) تَكَلَّمْ عَنْ أَخْلاقِ النَّبِىِّ ﷺ.
اعْلَمْ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا كَانَ خُلُقُ نَبِىِّ اللَّهِ ﷺ الْقُرْءَان رَوَاهُ مُسْلِمٌ، أَىْ كُلُّ خَصْلَةِ خَيْرٍ ذُكِرَتْ فِى الْقُرْءَانِ كَانَتْ فِى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَرَوَى الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ عَنِ الْبَرَاءِ بنِ عَازِبٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا وَأَحْسَنَهُمْ خُلُقًا.
فَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحْلَمَ النَّاسِ وَأَعْدَلَ النَّاسِ وَأَعَفَّ النَّاسِ وَكَانَ ﷺ أَسْخَى النَّاسِ لا يَبِيتُ عِنْدَهُ دِينَارٌ وَلا دِرْهَمٌ وَلا يَدَّخِرُ شَيْئًا لِغَدٍ مِنْ شِدَّةِ ثِقَتِهِ بِاللَّهِ وَتَوَكُّلِهِ عَلَى اللَّهِ. لا يَأْخُذُ مِمَّا ءَاتَاهُ اللَّهُ إِلَّا قُوتَ عَامِهِ فَقَطْ مِنْ أَيْسَرِ مَا يَجِدُ مِنَ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ وَيَضَعُ سَائِرَ ذَلِكَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ لا يُسْأَلُ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ، مَنْ سَأَلَهُ حَاجَةً لَمْ يَرُدَّهُ إِلَّا بِهَا أَوْ بِكَلامٍ يُخَفِّفُ عَنْهُ.
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَشَدَّ النَّاسِ حَيَاءًا لا يُثَبِّتُ بَصَرَهُ فِى وَجْهِ أَحَدٍ وَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ رَحِيمًا فِى تَعَامُلِهِ حَتَّى مَعَ الأَطْفَالِ. وَكَانَ أَشَدَّ النَّاسِ تَوَاضُعًا يُجَالِسُ الْفُقَرَاءَ وَالْمَسَاكِينَ وَيُؤَاكِلُهُمْ وَلا يَسْتَكْبِرُ أَنْ يَمْشِىَ مَعَ الأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ وَالْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ حَتَّى يَقْضِىَ لَهُمْ حَاجَتَهُمْ. وَكَانَ يَرْكَبُ الْبَغْلَةَ وَالْحِمَارَ وَيَمْشِى فِى بَعْضِ الْمَرَّاتِ رَاجِلًا بِلا رِدَاءٍ وَلا عِمَامَةٍ.
مَا كَانَ يَمُدُّ رِجْلَهُ فِى وَجْهِ أَصْحَابِهِ، أَكْثَرُ ضَحِكِهِ التَّبَسُّمُ وَأَكْثَرُ نَظَرِهِ إِلَى الأَرْضِ مِنْ كَثْرَةِ تَفَكُّرِهِ وَتَوَاضُعِهِ وَكَانَ كَثِيرَ الأَحْزَانِ يُفَكِّرُ دَائِمًا فِى أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ يَبْكِى فِى صَلاتِهِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَهُوَ أَفْضَلُ خَلْقِ اللَّهِ. وَكَانَ إِذَا كَلَّمَهُ أَحَدٌ يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ بِكُلِّ جِسْمِهِ مِنْ شِدَّةِ تَوَاضُعِهِ. يُجِيبُ دَعْوَةَ الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَيَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيُكَافِئُ عَلَيْهَا وَيَأْكُلُهَا وَلا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ وَمَا عَابَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَعَامًا قَطُّ إِنْ أَعْجَبَهُ أَكَلَهُ وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ وَكَانَ رُبَّمَا قَامَ فَأَخَذَ مَا يَأْكُلُ بِنَفْسِهِ أَوْ يَشْرَبُ.
يَعُودُ الْمَرْضَى وَيَشْهَدُ الْجَنَائِزَ وَيَتَفَقَّدُ أَصْحَابَهُ وَيُكْرِمُ أَهْلَ الْفَضْلِ وَيَمْشِى وَحْدَهُ بَيْنَ أَعْدَائِهِ بِلا حَارِسٍ وَلا يَنْتَقِمُ لِنَفْسِهِ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ بَلْ كَانَ يَعْفُو وَيَصْفَحُ. يَبْدَأُ مَنْ لَقِىَ بِالسَّلامِ وَلا يَقُومُ وَلا يَجْلِسُ إِلَّا عَلَى ذِكْرٍ، لا يَتَكَلَّمُ إِلَّا فِيمَا يَرْجُو ثَوَابَهُ وَلا يَقْطَعُ عَلَى أَحَدٍ حَدِيثَهُ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الْمُنْصَرِفَ.
(152) لِأَىِّ غَرَضٍ عَدَّدَ النَّبِىُّ ﷺ الزِّوَاجَ.
اعْلَمْ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ عَدَّدَ الزِّوَاجَ بِإِذْنٍ مِنَ اللَّهِ لِمَصْلَحَةٍ دِينِيَّةٍ فَقَدْ أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ فِى ءَانٍ وَاحِدٍ وَحَرَّمَ ذَلِكَ عَلَى أُمَّتِهِ. وَتَزَوَّجَ النَّبِىُّ ﷺ أَرْبَعَ عَشْرَةَ امْرَأَةً وَجَمَعَ بَيْنَ تِسْعٍ مِنَ النِّسَاءِ وَلَمْ يَكُنْ تَعْدِيدُهُ لِلزِّوَاجِ لِأَجْلِ الشَّهْوَةِ فَلَمْ يَكُنِ النَّبِىُّ ﷺ مُتَعَلِّقَ الْقَلْبِ بِالنِّسَاءِ إِنَّمَا كَانَ مُتَعَلِّقَ الْقَلْبِ بِطَاعَةِ رَبِّهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ تَزَوَّجَ خَدِيجَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا وَكَانَ عُمُرُهَا أَرْبَعِينَ سَنَةً وَلَمْ تَكُنْ بِكْرًا وَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ فِى الْخَامِسَةِ وَالْعِشْرِينَ وَلَمْ يُعَدِّدِ الزِّوَاجَ إِلَّا بَعْدَ مَوْتِهَا أَىْ بَعْدَ أَنْ صَارَ عُمُرُهُ ثَلاثًا وَخَمْسِينَ،
فَلَوْ كَانَ مُتَعَلِّقَ الْقَلْبِ بِالنِّسَاءِ لَكَانَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُعَدِّدَ الزِّوَاجَ قَبْلَ ذَلِكَ وَهُوَ ﷺ أَجْمَلُ خَلْقِ اللَّهِ عَلَى الإِطْلاقِ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُعَدِّدِ الزِّوَاجَ لِأَجْلِ الشَّهْوَةِ قَوْلُ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا مَا كَانَتْ تَمُرُّ لَيْلَةٌ مِنْ لَيَالِىَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا وَكَانَ يَذْهَبُ إِلَى الْبَقِيعِ وَالْبَقِيعُ جَبَّانَةُ أَىْ مَقْبَرَةُ الْمُسْلِمِينَ فِى الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ، فَلَوْ كَانَ مُتَعَلِّقَ الْقَلْبِ بِالنِّسَاءِ مَا كَانَ يَتْرُكُ زَوْجَتَهُ الْبِكْرَ الصَّغِيرَةَ وَهِىَ مِنْ أَجْمَلِ نِسَائِهِ وَيَذْهَبُ فِى اللَّيْلِ إِلَى الْمَقْبَرَةِ لِيَدْعُوَ لِأَهْلِهَا الْمُسْلِمِينَ وَيَسْتَغْفِرَ لَهُمْ وَكَانَ دَوْرُ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا لَيْلَةً مِنْ تِسْعِ لَيَالٍ.
وَكَانَ غَرَضُهُ ﷺ مِنْ تَعْدِيدِهِ لِلزِّوَاجِ أَنْ تَنْتَشِرَ أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِأُمُورِ النِّسَاءِ مِنْ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ وَاسْتِحَاضَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ نِسَائِهِ إِلَى النِّسَاءِ لِأَنَّهُ قَدْ يَمْنَعَهُنَّ الِاسْتِحْيَاءُ مِنْ تَعَلُّمِ أُمُورِ الدِّينِ مِنَ الرِّجَالِ. أَمَّا مَنْ يَقُولُ إِنَّ النَّبِىَّ ﷺ عَدَّدَ الزِّوَاجَ لِأَنَّهُ كَانَ نِسْوَنْجِيًّا أَوْ كَانَ مُتَعَلِّقَ الْقَلْبِ بِالنِّسَاءِ فَهُوَ كَافِرٌ لِأَنَّهُ طَعَنَ بِالنَّبِىِّ ﷺ وَنَسَبَ إِلَيْهِ مَا لا يَلِيقُ بِهِ. أَمَّا حَدِيثُ الْحَاكِمِ حُبِّبَ إِلَىَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِى فِى الصَّلاةِ فَمَعْنَاهُ جُعِلَ ذَلِكَ فِىَّ وَلا أَتَتَبَّعُهُ فَأَتَرَقَّى.
(153) مَا الدَّلِيلُ عَلَى صِدْقِ النَّبِىِّ ﷺ.
يَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَادِقٌ فِى كُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ وَبَلَّغَهُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى وَالدَّلِيلُ عَلَى صِدْقِهِ هُوَ الْمُعْجِزَةُ. وَالْمُعْجِزَةُ أَمْرٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ يَأْتِى عَلَى وَفْقِ دَعْوَى مَنِ ادَّعَى النُّبُوَّةَ سَالِمٌ مِنَ الْمُعَارَضَةِ بِالْمِثْلِ. أَمْرٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ أَىْ مُخَالِفٌ لَهَا أَمَّا مَا كَانَ مِنَ الأُمُورِ عَجِيبًا وَلَمْ يَكُنْ خَارِقًا لِلْعَادَةِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزَةٍ كَالْغَوْصِ تَحْتَ الْمَاءِ لِمُدَّةِ خَمْسِ دَقَائِقَ بِنَفَسٍ وَاحِدٍ وَكَذَلِكَ مَا كَانَ خَارِقًا لَكِنَّهُ لَمْ يَقْتَرِنْ بِدَعْوَى النُّبُوَّةِ كَالْخَوَارِقِ الَّتِى تَظْهَرُ عَلَى أَيْدِى الأَوْلِيَاءِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمُعْجِزَةٍ بَلْ يُسَمَّى كَرَامَةً لِأَنَّ الْوَلِىَّ لا يَدَّعِى أَنَّهُ نَبِىٌّ وَإِلَّا لَمَا حَصَلَتْ لَهُ هَذِهِ الْخَوَارِقُ.
وَالأَمْرُ الْخَارِقُ لِلْعَادَةِ الَّذِى هُوَ مُعْجِزَةٌ يَأْتِى عَلَى وَفْقِ دَعْوَى مَنِ ادَّعَى النُّبُوَّةَ أَىْ مُصَدِّقًا لَهُ فِى دَعْوَاهُ النُّبُوَّةَ أَمَّا مَا لَمْ يَكُنْ مُوَافِقًا لِلدَّعْوَى فَلا يُسَمَّى مُعْجِزَةً كَالَّذِى حَصَلَ لِمُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ الَّذِى ادَّعَى النُّبُوَّةَ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى وَجْهِ رَجُلٍ أَعْوَرَ فَعَمِيَتِ الْعَيْنُ الأُخْرَى، سَالِمٌ مِنَ الْمُعَارَضَةِ بِالْمِثْلِ أَىْ لا يَسْتَطِيعُ الْمُكَذِّبُونَ لِلنَّبِىِّ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ مَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْخَوَارِقِ.
فَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ السِّحْرَ لَيْسَ بِمُعْجِزَةٍ لِأَنَّهُ يُعَارَضُ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ أَىْ يَسْتَطِيعُ سَاحِرٌ ءَاخَرُ أَنْ يَعْمَلَ مِثْلَهُ أَمَّا الْعِلْمُ بِالْمُعْجِزَاتِ فَيَحْصُلُ بِالْمُشَاهَدَةِ لِمَنْ شَاهَدُوهَا أَوْ بُلُوغِ خَبَرِهَا بِطَرِيقِ التَّوَاتُرِ فِى حَقِّ مَنْ لَمْ يَشْهَدْهَا. وَالتَّوَاتُرُ مَعْنَاهُ انْتِقَالُ الْخَبَرِ بِوَاسِطَةِ عَدَدٍ كَبِيرٍ يَنْقُلُ عَنْ عَدَدٍ كَبِيرٍ شَهِدَ الْمُعْجِزَةَ وَهَكَذَا إِلَى أَنْ يَصِلَ الْخَبَرُ إِلَيْنَا بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ عَادَةً أَنْ يَتَّفِقُوا عَلَى الْكَذِبِ فِى هَذَا الْخَبَرِ.
(154) تَكَلَّمْ عَنِ انْقِلابِ عَصَا مُوسَى ثُعْبَانًا حَقِيقِيًّا مُعْجِزَةً لِسَيِّدِنَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ.
اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَيَّدَ الأَنْبِيَاءَ بِمُعْجِزَاتٍ بِاهِرَاتٍ مِنْهَا مَا أَيَّدَ بِهِ سَيِّدَنَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ وَهِىَ عَصَاهُ الْعَجِيبَةُ وَقِيلَ إِنَّ هَذِهِ الْعَصَا هَبَطَ بِهَا سَيِّدُنَا ءَادَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الْجَنَّةِ. وَكَانَ سَيِّدُنَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ يَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا أَىْ يَسْتَعِينُ بِهَا فِى الْمَشْىِ وَالْوُقُوفِ وَيَخْبِطُ بِهَا عَلَى أَغْصَانِ الشَّجَرِ لِيَسْقُطَ وَرَقُهَا فَيَسْهُلَ عَلَى غَنَمِهِ أَكْلُهُ وَإِذَا هَجَمَ عَلَيْهِ عَدُوٌّ فَإِنَّهَا كَانَتْ تُقَاتِلُهُ وَتُحَارِبُهُ وَإِذَا ابْتَعَدَتْ بَعْضُ الْغَنَمَاتِ عَنِ الْقَطِيعِ أَعَادَتْهُمْ إِلَيْهِ بِإِذْنِ اللَّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ سَيِّدِنَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿قَالَ هِىَ عَصَاىَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِى وَلِىَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾.
وَمِنْ مَنَافِعِهَا الْعَجِيبَةِ أَنَّهَا كَانَتْ تُمَاشِى وَتُحَادِثُ سَيِّدَنَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ فِى طَرِيقِهِ وَتَجَوُّلِهِ وَكَانَ لَهَا رَأْسَانِ مُتَشَعِّبَانِ مِنْهَا يُعَلِّقُ عَلَيْهَا أَحْمَالَهُ مِنْ قَوْسٍ وَسِهَامٍ وَكَانَ رَأْسَا الْعَصَا يُضِيئَانِ فِى اللَّيْلِ كَالشَّمْعِ. وَكَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ بِئْرٍ تَطُولُ الْعَصَا بِطُولِ الْبِئْرِ وَيَتَحَوَّلُ رَأْسَاهَا إِلَى مَا يُشْبِهُ الدَّلْوَ فَيَمْلَؤُهُ وَيَشْرَبُ مِنْهُ وَإِذَا كَانَ فِى الصَّحْرَاءِ وَلَيْسَ مَعَهُ مَاءٌ غَرَزَهَا فِى الأَرْضِ فَتُنْبِعُ مَاءً بِإِذْنِ اللَّهِ.
وَكَانَ إِذَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحَرُّ يُرَكِّزُهَا فَتَطُولُ شُعْبَتَاهَا ثُمَّ يُلْقِى عَلَيْهَا كِسَاءَهُ وَيَسْتَظِلُّ تَحْتَهُ. وَكَانَ إِذَا اشْتَهَى ثَمَرَةً يُرَكِّزُهَا فِى الأَرْضِ فَتُورِقُ وَتُثْمِرُ بِإِذْنِ اللَّهِ فَيَأْكُلُ مِنْهَا مَا طَابَ وَكَانَتْ تَدْفَعُ عَنْهُ حَشَرَاتِ الأَرْضِ وَهَوَامَّهَا كَالْعَقَارِبِ وَالْحَيَّاتِ. وَمِنْ جُمْلَةِ الْمُعْجِزَاتِ الَّتِى أَيَّدَ اللَّهُ بِهَا نَبِيَّهُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ انْقِلابُ عَصَاهُ ثُعْبَانًا حَقِيقِيًّا ثُمَّ عَوْدُهَا إِلَى حَالَتِهَا فَاعْتَرَفَ السَّحَرَةُ الَّذِينَ أَحْضَرَهُمْ فِرْعَوْنُ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ لا يَسْتَطِيعُونَ مُعَارَضَتَهُ بِالْمِثْلِ أَىْ لا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ مَا جَاءَ بِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ السِّحْرِ فَآمَنُوا بِاللَّهِ رَبًّا وَاعْتَرَفُوا لِمُوسَى بِأَنَّهُ صَادِقٌ فِيمَا جَاءَ بِهِ.
قَالَ تَعَالَى ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُّوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُّلْقُونَ﴾ أَىْ مِنْ حِبَالِكُمْ وَعِصِيِّكُمْ، وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ التَّحَدِّى وَالْوَعِيدِ وَلَيْسَ عَلَى سَبِيلِ طَلَبِ الْفِعْلِ أَىْ قَوْلُهُ أَلْقُوا لَيْسَ لِطَلَبِ الْفِعْلِ، هُوَ لَمْ يَطْلُبْ مِنْهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا السِّحْرَ لِأَنَّ الأَنْبِيَاءَ لا يَأْمُرُونَ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ أَىْ كَأَنَّهُ قَالَ أَتَحَدَّاكُمْ وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَأْتُوا بِمِثْلِ مَا أَتَيْتُ بِهِ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ بَلِ الَّذِى تَفْعَلُونَهُ سِحْرًا وَإِنْ بَقِيتُمْ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ وَالْعِصْيَانِ وَأَلْقَيْتُمْ مَا فِى أَيْدِيكُمْ مِنَ الْحِبَالِ وَالْعِصِىِّ نُصْرَةً لِلشَّرِّ فَسَيَحُلُّ بِكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَسْتَأْصِلُكُمْ.
فَلَمَّا أَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ فَخُيِّلَ لَهُمْ أَنَّهَا حَيَّاتٌ تَسْعَى فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ الَّتِى كَانَتْ فِى يَدِهِ فَانْقَلَبَتْ إِلَى حَيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ ابْتَلَعَتْ حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ فَأَيْقَنَ السَّحَرَةُ أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ مُوسَى لَيْسَ بِسِحْرٍ إِنَّمَا هُوَ مُعْجِزَةٌ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ فَقَالُوا ءَامَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ.
(155) اذْكُرْ بَعْضَ مُعْجِزَاتِ الرَّسُولِ ﷺ.
مِنْ مُعْجِزَاتِهِ ﷺ حَنِينُ الْجِذْعِ فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِىُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَسْتَنِدُ حِينَ يَخْطُبُ إِلَى جِذْعِ نَخْلٍ فِى مَسْجِدِهِ قَبْلَ أَنْ يُعْمَلَ لَهُ الْمِنْبَرُ ثُمَّ قِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ عَمِلْنَا لَكَ مِنْبَرًا فَقَالَ افْعَلُوا إِنْ شِئْتُمْ فَلَمَّا عُمِلَ لَهُ الْمِنْبَرُ صَعِدَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ فَبَدَأَ بِالْخُطْبَةِ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ فَحَنَّ الْجِذْعُ أَىْ بَكَى كَبُكَاءِ الطِّفْلِ الصَّغِيرِ شَوْقًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَىْ خَلَقَ اللَّهُ فِيهِ حَيَاةً بِلا رُوحٍ وَخَلَقَ فِيهِ شُعُورًا وَإِحْسَاسًا فَحَنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى سَمِعَ حَنِينَهُ مَنْ فِى الْمَسْجِدِ فَنَزَلَ الرَّسُولُ ﷺ فَالْتَزَمَهُ أَىْ ضَمَّهُ وَاعْتَنَقَهُ فَسَكَتَ.
وَمِنْ مُعْجِزَاتِهِ ﷺ إِنْطَاقُ الْعَجْمَاءِ أَىِ الْبَهِيمَةِ فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِى مُسْنَدِهِ وَالْبَيْهَقِىُّ فِى دَلائِلِ النُّبُوَّةِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ يَعْلَى بنِ مُرَّةَ الثَّقَفِىِّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ بَيْنَمَا كُنَّا نَسِيرُ مَعَ النَّبِىِّ ﷺ إِذْ مَرَّ بِنَا بَعِيرٌ يُسْنَى عَلَيْهِ أَىْ يُحْمَلُ عَلَيْهِ الْمَاءُ فَلَمَّا رَءَاهُ الْبَعِيرُ أَىْ لَمَّا رَأَى النَّبِىَّ ﷺ جَرْجَرَ أَىْ أَصْدَرَ صَوْتًا مِنْ حَلْقِهِ فَوَضَعَ جِرَانَهُ أَىْ خَفَضَ مُقَدَّمَ عُنُقِهِ فَوَقَفَ عِنْدَهُ النَّبِىُّ ﷺ ثُمَّ قَالَ أَيْنَ صَاحِبُ هَذَا الْبَعِيرِ فَجَاءَهُ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ بِعْنِيهِ فَقَالَ بَلْ نَهَبُهُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّهُ لِأَهْلِ بَيْتٍ مَا لَهُمْ مَعِيشَةٌ غَيْرُهُ أَىْ يُحَصِّلُونَ مَعِيشَتَهُمْ مِنَ الأُجْرَةِ الَّتِى يَأْخُذُونَهَا لِلنَّقْلِ عَلَيْهِ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَمْرِهِ فَإِنَّهُ شَكَا إِلَىَّ كَثْرَةَ الْعَمَلِ وَقِلَّةَ الْعَلَفِ فَأَحْسِنُوا إِلَيْهِ.
وَمِنْ مُعْجِزَاتِهِ ﷺ تَفَجُّرُ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ حَيْثُ إِنَّ الْمَاءَ نَبَعَ مِنْ عَظْمِهِ وَعَصَبِهِ وَلَحْمِهِ وَدَمِهِ وَهُوَ أَعْجَبُ مِنْ تَفَجُّرِ الْمِيَاهِ مِنَ الْحَجَرِ الَّذِى ضَرَبَهُ مُوسَى بِعَصَاهُ لِأَنَّ خُرُوجَ الْمَاءِ مِنَ الْحِجَارَةِ مَعْهُودٌ بِخِلافِهِ مِنْ بَيْنِ اللَّحْمِ وَالدَّمِ. وَخَبَرُ تَفَجُّرِ الْمَاءِ مِنْ يَدِهِ الشَّرِيفَةِ ﷺ رَوَاهُ جَابِرٌ وَأَنَسٌ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو لَيْلَى الأَنْصَارِىُّ وَأَبُو رَافِعٍ.
وَمِنْ مُعْجِزَاتِهِ ﷺ رَدُّ عَيْنِ قَتَادَةَ بَعْدَ انْقِلاعِهَا فَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِىُّ فِى دَلائِلِ النُّبُوَّةِ عَنْ قَتَادَةَ بنِ النُّعْمَانِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ أُصِيبَتْ عَيْنُهُ يَوْمَ بَدْرٍ أَىْ فِى مَعْرَكَةِ بَدْرٍ فَسَالَتْ حَدَقَتُهُ عَلَى وَجْنَتِهِ أَىْ سَالَتْ عَيْنُهُ عَلَى خَدِّهِ فَأَرَادُوا أَنْ يَقْطَعُوهَا فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لا أَىْ لا تَقْطَعُوهَا فَدَعَا بِهِ فَغَمَزَ حَدَقَتَهُ بِرَاحَتِهِ أَىْ رَدَّهَا بِرَاحَةِ يَدِهِ فَتَعَافَى فَكَانَ لا يَدْرِى أَىَّ عَيْنَيْهِ أُصِيبَتْ.
وَمِنْ مُعْجِزَاتِهِ ﷺ تَسْبِيحُ الطَّعَامِ فِى يَدِهِ كَمَا رَوَى ذَلِكَ الْبُخَارِىُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَانْشِقَاقُ الْقَمَرِ فَإِنَّ الْكُفَّارَ طَلَبُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُرِيَهُمْ ءَايَةً فَأَشَارَ إِلَى الْقَمَرِ فَانْشَقَّ فِلْقَتَيْنِ وَشَاهَدَ ذَلِكَ مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ وَخَارِجَهَا.
(156) تَكَلَّمْ عَنْ مُعْجِزَةِ الإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ.
مُعْجِزَةُ الإِسْرَاءِ ثَابِتَةٌ بِنَصِّ الْقُرْءَانِ وَالْحَدِيثِ فَيَجِبُ الإِيمَانُ بِأَنَّ اللَّهَ أَسْرَى بِعَبْدِهِ مُحَمَّدٍ لَيْلًا بِرُوحِهِ وَجَسَدِهِ يَقَظَةً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِى مَكَّةَ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى فِى فِلَسْطِينَ. جَاءَ إِلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وَأَرْكَبَهُ عَلَى الْبُرَاقِ وَهُوَ دَابَّةٌ مِنْ دَوَابِّ الْجَنَّةِ أَبْيَضُ طَوِيلٌ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ يَضَعُ رِجْلَهُ حَيْثُ يَصِلُ نَظَرُهُ فَانْطَلَقَا حَتَّى وَصَلا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ دَخَلَ الرَّسُولُ ﷺ الْمَسْجِدَ الأَقْصَى وَصَلَّى بِجَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ إِمَامًا.
اللَّهُ تَعَالَى جَمَعَ لَهُ جَمِيعَ الأَنْبِيَاءِ إِكْرَامًا لَهُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى عَظِيمِ قَدْرِهِ عِنْدَ اللَّهِ فَهُوَ أَفْضَلُ خَلْقِ اللَّهِ عَلَى الإِطْلاقِ. وَرَأَى الرَّسُولُ ﷺ وَهُوَ فِى طَرِيقِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ عَجَائِبَ مِنْهَا أَنَّهُ رَأَى الدُّنْيَا بِصُورَةِ عَجُوزٍ وَرَأَى شَيْئًا مُتَنَحِّيًا عَنِ الطَّرِيقِ يَدْعُوهُ وَهُوَ إِبْلِيسُ وَشَمَّ رَائِحَةً طَيِّبَةً مِنْ قَبْرِ مَاشِطَةِ بِنْتِ فِرْعَوْنَ وَكَانَتْ مُؤْمِنَةً صَالِحَةً وَرَأَى قَوْمًا يَزْرَعُونَ وَيَحْصُدُونَ فِى يَوْمَيْنِ فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ هَؤُلاءِ الْمُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَرَأَى أُنَاسًا تُقْرَضُ أَلْسِنَتُهُمْ وَشِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ هَؤُلاءِ خُطَبَاءُ الْفِتْنَةِ أَىِ الَّذِينَ يَدْعُونَ النَّاسَ إِلَى الضَّلالِ وَالْفَسَادِ وَرَأَى قَوْمًا تَرْضَخُ رُءُوسُهُمْ أَىْ تُكَسَّرُ ثُمَّ تَعُودُ كَمَا كَانَتْ فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ تَتَثَاقَلُ رُءُوسُهُمْ عَنْ تَأْدِيَةِ الصَّلاةِ وَرَأَى قَوْمًا يَخْمِشونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ بِأَظْفَارٍ نُحَاسِيَّةٍ فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَانُوا يَغْتَابُونَ النَّاسَ.
وَأَمَّا الْمِعْرَاجُ فَمَعْنَاهُ صُعُودُ الرَّسُولِ ﷺ إِلَى السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَإِلَى مَا فَوْقَهَا فَقَدْ وَرَدَ فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ أَىْ رَأَى مُحَمَّدٌ جِبْرِيلَ مَرَّةً ثَانِيَةً عَلَى هَيْئَتِهِ الأَصْلِيَّةِ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَهِىَ شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ أَصْلُهَا فِى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ وَتَصِلُ إِلَى السَّابِعَةِ. وَالْقَصْدُ مِنَ الْمِعْرَاجِ هُوَ تَشْرِيفُ الرَّسُولِ ﷺ بِإِطْلاعِهِ عَلَى عَجَائِبَ فِى الْعَالَمِ الْعُلْوِىِّ وَتَعْظِيمُ مَكَانَتِهِ.
وَعَرَجَ النَّبِىُّ ﷺ بِالْمِرْقَاةِ وَهُوَ شِبْهُ السُّلَّمِ إِلَى السَّمَاءِ الأُولَى فَرَأَى فِيهَا ءَادَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَرَأَى فِيهَا عِيسَى وَيَحْيَى عَلَيْهِمَا السَّلامُ ثُمَّ إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ فَرَأَى فِيهَا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ إِلَى الرَّابِعَةِ فَرَأَى فِيهَا إِدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ إِلَى الْخَامِسَةِ فَرَأَى فِيهَا هَارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ إِلَى السَّادِسَةِ فَرَأَى فِيهَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ إِلَى السَّابِعَةِ فَرَأَى فِيهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وَرَأَى الرَّسُولُ ﷺ فِى الْمِعْرَاجِ مَالِكًا خَازِنَ النَّارِ وَرَأَى الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ وَهُوَ بَيْتٌ مُشَرَّفٌ هُوَ لِأَهْلِ السَّمَاءِ كَالْكَعْبَةِ لِأَهْلِ الأَرْضِ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ فِيهِ ثُمَّ يَخْرُجُونَ وَلا يَعُودُونَ أَبَدًا وَرَأَى ﷺ فِى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى وَهِىَ شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ بِهَا مِنَ الْحُسْنِ مَا لا يَصِفُهُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ يَغْشَاهَا فَرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ.
وَدَخَلَ الرَّسُولُ ﷺ الْجَنَّةَ وَرَأَى فِيهَا الْحُورَ الْعِين فَقُلْنَ لَهُ نَحْنُ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ أَزْوَاجُ قَوْمٍ كِرَامٍ وَرَأَى فِيهَا الْوِلْدَانَ الْمُخَلَّدِينَ وَهُمْ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ لَيْسُوا مِنَ الْبَشَرِ وَلا مِنَ الْمَلائِكَةِ وَلا مِنَ الْجِنِّ وَرَأَى الْعَرْشَ وَهُوَ أَعْظَمُ الْمَخْلُوقَاتِ حَجْمًا وَحَوْلَهُ مَلائِكَةٌ لا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّهُ وَلَهُ قَوَائِمُ كَقَوَائِمِ السَّرِيرِ يَحْمِلُهُ أَرْبَعَةٌ مِنْ أَعْظَمِ الْمَلائِكَةِ.
خَلَقَهُ اللَّهُ إِظْهَارًا لِقُدْرَتِهِ لا لِيَتَّخِذَهُ مَكَانًا لِذَاتِهِ لِأَنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنِ الْحَجْمِ وَالْمَكَانِ وَالْجِهَةِ وَسَائِرِ صِفَاتِ الْخَلْقِ. ثُمَّ وَصَلَ الرَّسُولُ ﷺ إِلَى مُسْتَوًى يَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الأَقْلامِ الَّتِى تَنْسَخُ بِهَا الْمَلائِكَةُ فِى صُحُفِهَا مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ. وَفِى الْمِعْرَاجِ سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَلامَ اللَّهِ تَعَالَى الأَزَلِىَّ الأَبَدِىَّ الَّذِى لَيْسَ حَرْفًا وَلا صَوْتًا وَلا لُغَةً وَرَأَى رَبَّهُ بِقَلْبِهِ أَىْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ قُوَّةَ الْبَصَرِ بِالْقَلْبِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ فِى جِهَةٍ أَوْ مَكَانٍ. رَأَى اللَّهَ الَّذِى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ.
(157) تَكَلَّمْ عَنْ عَذَابِ الْقَبْرِ.
يَجِبُ الإِيمَانُ بِعَذَابِ الْقَبْرِ كَعَرْضِ النَّارِ عَلَى الْكَافِرِ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً أَوَّلَ النَّهَارِ وَمَرَّةً ءَاخِرَ النَّهَارِ يَتَعَذَّبُ بِنَظَرِهِ وَرُؤْيَتِهِ لِمَقْعَدِهِ الَّذِى يَقْعُدُهُ فِى الآخِرَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ أَىْ ءَالُ فِرْعَوْنَ وَهُمْ أَتْبَاعُهُ يُعْرَضُونَ عَلَى النَّارِ فِى الْبَرْزَخِ أَىْ فِى مُدَّةِ الْقَبْرِ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ حَتَّى يَمْتَلِئُوا رُعْبًا ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ يُقَالُ لِلْمَلائِكَةِ ﴿أَدْخِلُوا ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِى﴾ أَىْ مَنْ أَعْرَضَ عَنِ الإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ أَىْ مَعِيشَةً ضَيِّقَةً فِى الْقَبْرِ،
فَسَّرَهَا النَّبِىُّ ﷺ بِعَذَابِ الْقَبْرِ كَمَا رَوَى ذَلِكَ ابْنُ حِبَّانَ وَالطَّبَرَانِىُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ. وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ضَغْطَةُ الْقَبْرِ فَيَقْتَرِبُ حَائِطَا الْقَبْرِ مِنْ جَانِبَيْهِ حَتَّى تَتَدَاخَلَ أَضْلاعُهُ وَتُسَلَّطُ عَلَيْهِ الأَفَاعِى وَالْعَقَارِبُ وَحَشَرَاتُ الأَرْضِ فَتَنْهَشُ وَتَأْكُلُ مِنْ جَسَدِهِ وَتَدْخُلُ الأَفْعَى فِى فَمِهِ وَلا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْفَعَهَا عَنْهُ لِأَنَّ أَعْصَابَهُ مِنْ شِدَّةِ الْهَوْلِ تَسْتَرْخِى وَمَفَاصِلُهُ تَنْحَلُّ فَتَأْكُلُ مِنْ فَمِهِ وَأَمْعَائِهِ وَتَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَيُسَلَّطُ عَلَيْهِ عَقَارِبُ وَثَعَابِينُ لَوْ نَفَخَ أَحَدُهُمْ فِى الدُّنْيَا مَا أَنْبَتَتْ شَيْئًا تَنْهَشُهُ فَتُؤْمَرُ الأَرْضُ فَتُضَمُّ حَتَّى تَخْتَلِفَ أَضْلاعُهُ رَوَاهُ الطَّبَرَانِىُّ.
وَأَمَّا عُصَاةُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ الَّذِينَ مَاتُوا قَبْلَ التَّوْبَةِ فَهُمْ صِنْفَانِ صِنْفٌ يُعْفِيهِمُ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ فَلا يُصِيبُهُمْ وَصِنْفٌ يُعَذِّبُهُمْ اللَّهُ فِى الْقَبْرِ فَيُصِيبُهُمْ مَثَلًا ضَغْطَةُ الْقَبْرِ وَالِانْزِعَاجُ مِنْ ظُلْمَةِ الْقَبْرِ وَوَحْشَتِهِ ثُمَّ يَنْقَطِعُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَيُؤَخَّرُ لَهُمْ بَقِيَّةُ عَذَابِهِمْ إِلَى الآخِرَةِ. فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِىُّ
وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِىُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِى كَبِيرِ إِثْمٍ أَىْ بِحَسَبِ مَا يَتَوَهَّمُ بَعْضُ النَّاسِ لَيْسَ ذَنْبُهُمَا شَيْئًا كَبِيرًا لَكِنَّهُ فِى الْحَقِيقَةِ ذَنْبٌ كَبِيرٌ لِذَلِكَ قَالَ بَلَى أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِى بِالنَّمِيمَةِ وَهِىَ نَقْلُ الْكَلامِ بَيْنَ اثْنَيْنِ مُسْلِمَيْنِ لِلإِفْسَادِ بَيْنَهُمَا وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ أَىْ لا يَتَنَّزَهُ مِنْهُ بَلْ يُلَوِّثُ جَسَدَهُ بِهِ ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ بِعَسِيبٍ رَطْبٍ أَىْ غُصْنِ نَخْلٍ أَخْضَرَ فَشَقَّهُ اثْنَيْنِ فَغَرَسَ عَلَى هَذَا وَاحِدًا وَعَلَى هَذَا وَاحِدًا ثُمَّ قَالَ لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا أَىْ لَعَلَّ عَذَابَ الْقَبْرِ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا دَامَ هَذَانِ الشِّقَانِ رَطْبَيْنِ،
فَقَدْ وَرَدَ فِى الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبَاتَ الأَخْضَرَ يُسَبِّحُ اللَّهَ فَإِذَا وُضِعَ عَلَى الْقَبْرِ يُخَفَّفُ عَنْ صَاحِبِ الْقَبْرِ بِتَسْبِيحِهِ إِنْ كَانَ فِى نَكَدٍ فَيَنْبَغِى وَضْعُ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ عَلَى الْقَبْرِ لِأَنَّهُ يُسَبِّحُ اللَّهَ لَكِنْ نَحْنُ لا نَسْمَعُهُ. كَانَ فِى أَيَّامِ الصَّحَابَةِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ يُقَالُ لَهُ أَبُو مُسْلِمٍ الْخَوْلانِىُّ هُوَ مِنَ الأَوْلِيَاءِ الْكِبَارِ لَقِىَ الصَّحَابَةَ وَلَمْ يَلْقَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، مَرَّةً كَانَ يُسَبِّحُ اللَّهَ بِسُبْحَةٍ فَنَامَ فَصَارَتِ السُّبْحَةُ تَدُورُ فِى يَدِهِ وَتَقُولُ سُبْحَانَكَ يَا مُنْبِتَ النَّبَاتِ وَيَا دَائِمَ الثَّبَاتِ أَىْ يَا دَائِمَ الْوُجُودِ أَىِ الَّذِى وُجُودُهُ لا نِهَايَةَ لَهُ وَلا يَتَغَيَّرُ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ سَاكِنٌ بِلا حَرَكَةٍ. ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَوَجَدَهَا تُسَبِّحُ وَتَدُورُ عَلَى ذِرَاعِهِ فَنَادَى زَوْجَتَهُ أُمَّ مُسْلِمٍ قَالَ يَا أُمَّ مُسْلِمٍ تَعَالَىْ وَانْظُرِى إِلَى أَعْجَبِ الأَعَاجِيبِ فَلَمَّا جَاءَتْ سَكَتَتِ السُّبْحَةُ.
(158) مَا حُكْمُ مَنْ أَنْكَرَ عَذَابَ الْقَبْرِ.
اعْلَمْ أَنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ ثَابِتٌ بِالْقُرْءَانِ وَالْحَدِيثِ وَإِجْمَاعِ الأُمَّةِ مَنْ أَنْكَرَهُ فَهُوَ كَافِرٌ مُكَذِّبٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَمِمَّنْ نَقَلَ الإِجْمَاعَ عَلَى وُجُودِ عَذَابِ الْقَبْرِ الإِمَامُ الْكَبِيرُ أَبُو الْحَسَنِ الأَشْعَرِىُّ فِى الإِبَانَةِ وَالإِمَامُ الْحَافِظُ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِىُّ فِى عَقِيدَتِهِ وَابْنُ الْقَطَّانِ فِى كِتَابِهِ الإِجْمَاعُ وَقَالَ الإِمَامُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِىُّ
الْمُتَوَفَّى سَنَةَ أَرْبَعِمِائَةٍ وَتِسْعٍ وَعِشْرِينَ فِى كِتَابِهِ الْفَرْقُ بَيْنَ الْفِرَقِ وَقَطَعُوا أَىْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ بِأَنَّ الْمُنْكِرِينَ لِعَذَابِ الْقَبْرِ يُعَذَّبُونَ فِى الْقَبْرِ أَىْ لِكُفْرِهِمْ وَقَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ الشَّافِعِىُّ فِى الْعُدَّةِ فِى شَرْحِ الْعُمْدَةِ فِى أَحَادِيثِ الأَحْكَامِ مَا نَصُّهُ فَقَوْلُهُ ﷺ عِنْدَ مُرُورِهِ بِالْقَبْرَيْنِ (أَىْ قَبْرَىِ اثْنَيْنِ مُسْلِمَيْنِ) إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ دَلِيلٌ عَلَى إِثْبَاتِ عَذَابِ الْقَبْرِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَهُوَ مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُ حَقِيقَتِهِ وَهُوَ مِمَّا نَقَلَتْهُ الأُمَّةُ مُتَوَاتِرًا فَمَنْ أَنْكَرَ عَذَابَ الْقَبْرِ أَوْ نَعِيمَهُ فَهُوَ كَافِرٌ لِأَنَّهُ كَذَّبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﷺ فِى خَبَرِهِمَا.
وَالْكَافِرُ الْمُكَلَّفُ الَّذِى مَاتَ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ مِنْ كُفْرِهِ يُعَذَّبُ فِى قَبْرِهِ وَيَكُونُ عَذَابُهُ بِالرُّوحِ وَالْجَسَدِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ أَىْ مَنْ أَعْرَضَ عَنِ الإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ يُعَذَّبُ فِى قَبْرِهِ وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالآيَةِ ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ أَىْ مَعِيشَةً ضَيِّقَةً فِى الْقَبْرِ كَمَا فَسَّرَهَا النَّبِىُّ ﷺ وَرَوَى ذَلِكَ ابْنُ حِبَّانَ وَالطَّبَرَانِىُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَرَوَى الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يَدْعُو فِى الصَّلاةِ اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُدِ الآخِرِ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ.
فَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ عَدْنَان إِبْرَاهِيم الَّذِى يَدَّعِى الإِسْلامَ وَيُنْكِرُ عَذَابَ الْقَبْرِ هُوَ مُكَذِّبٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ لا يَسْتَحِى مِنَ اللَّهِ وَلا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ يَدْعُو إِلَى الخُرُوجِ عَلَى الْقُرْءَانِ وَالْحَدِيثِ وَالإِجْمَاعِ وَهَلْ بَعْدَ الإِجْمَاعِ إِلَّا الضَّلالُ.
