يَجِبُ الإِيمَانُ بِالْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ الْمُنْزَلَةِ عَلَى رُسُلِ اللَّهِ وَهِىَ مِائَةٌ وَأَرْبَعَةٌ وَأَشْهَرُهَا الْقُرْءَانُ وَالتَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ وَالزَّبُورُ. وَأُنْزِلَ الْقُرْءَانُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ بِالْعَرَبِيَّةِ وَالتَّوْرَاةُ أَىِ الأَصْلِيَّةُ عَلَى سَيِّدِنَا مُوسَى بِالْعِبْرَانِيَّةِ وَالإِنْجِيلُ أَىِ الأَصْلِىُّ عَلَى سَيِّدِنَا عِيسَى بِالسُّرْيَانِيَّةِ وَالزَّبُورُ عَلَى سَيِّدِنَا دَاوُدَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِى صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِى ذَرٍّ أَنَّهُ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَمْ كِتَابًا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالَ مِائَةُ كِتَابٍ وَأَرْبَعَةُ كُتُبٍ أُنْزِلَ عَلَى شِيثٍ خَمْسُونَ صَحِيفَةً وَأُنْزِلَ عَلَى أَخْنُوخَ (أَىْ إِدْرِيسَ) ثَلاثُونَ صَحِيفَةً وَأُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ عَشْرُ صَحَائِفَ وَأُنْزِلَ عَلَى مُوسَى قَبْلَ التَّوْرَاةِ عَشْرُ صَحَائِفَ وَأُنْزِلَ التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ وَالزَّبُورُ وَالْقُرْءَانُ.

وَهَذِهِ الْكُتُبُ تَدُلُّ عَلَى كَلامِ اللَّهِ الأَزَلِىِّ الَّذِى لا يُشْبِهُ كَلامَ الْمَخْلُوقِينَ وَلَيْسَتْ عَيْنَ كَلامِ اللَّهِ الأَزَلِىِّ. وَالتَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ مُزِّقَا وَحُرِّفَا وَلا يُقَالُ رُفِعَا وَيُوجَدُ كُتُبٌ رُفِعَتْ فَقَدْ جَاءَ عَنْ سَيِّدِنَا عَلِىٍّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ إِنَّ الْمَجُوسَ كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ وَعِلْمٌ يَدْرُسُونَهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، أَىْ كَانُوا عَلَى الإِسْلامِ وَكَانَ لَهُمْ كِتَابٌ سَمَاوِىٌّ وَعِلْمٌ يَدْرُسُونَهُ ثُمَّ مَلِكُهُمْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَسَكِرَ فَوَقَعَ عَلَى أُخْتِهِ ثُمَّ لَمَّا صَحَا تَسَامَعَ النَّاسُ بِأَمْرِهِ فَجَمَعَ رُؤَسَاءَ مِنْ رَعِيَّتِهِ فَقَالَ لَهُمْ ءَادَمُ أَيْضًا كَانَ يُزَوِّجُ بَنِيهِ مِنْ بَنَاتِهِ فَلا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نُقَبِّحَ مَا فَعَلَهُ ءَادَمُ فَقَالُوا لَهُ مَا فَعَلَهُ ءَادَمُ كَانَ حَلالًا فِى شَرِيعَتِهِ أَمَّا مَا فَعَلْتَهُ أَنْتَ فَهُوَ حَرَامٌ.

بَعْضُهُمْ خَالَفُوهُ وَأَنْكَرُوا عَلَيْهِ فَقَتَلَ مَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ حَتَّى مَشَى رَأْيُهُ وَبَعْضُهُمْ وَافَقُوهُ فَرَضِىَ عَنْهُمْ. قَالَ سَيِّدُنَا عَلِىٌّ فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ أُسْرِىَ بِكِتَابِهِمْ أَىْ رُفِعَ مِنْ بَيْنِهِمْ وَفَقَدُوهُ وَأُخِذَ مِنْ قُلُوبِهِمْ ذَلِكَ الْعِلْمُ الَّذِى كَانَ فِيهِمْ وَهُوَ عِلْمُ الإِسْلامِ فَعَبَدُوا النَّارَ. أَمَّا الْقُرْءَانُ الْكَرِيمُ فَقَدْ حَفِظَهُ اللَّهُ مِنَ التَّحْرِيفِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ وَفِى ءَاخِرِ الزَّمَانِ يُرْفَعُ الْقُرْءَانُ إِلَى السَّمَاءِ وَلا تَبْقَى مِنْهُ ءَايَةٌ فِى الأَرْضِ.

(204) تَكَلَّمْ عَنِ الإِيمَانِ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ.

يَجِبُ الإِيمَانُ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ أَىْ أَنَّ كُلَّ مَا دَخَلَ فِى الْوُجُودِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ فَهُوَ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ الأَزَلِىِّ أَىْ أَنَّ اللَّهَ أَوْجَدَهُ عَلَى حَسَبِ عِلْمِهِ الأَزَلِىِّ وَمَشِيئَتِهِ الأَزَلِيَّةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَالْقَدَرُ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ صِفَةُ اللَّهِ أَىِ التَّقْدِيرُ وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْمَقْدُورُ أَىْ مَا قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ وَهَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِقَوْلِهِ ﷺ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ.

ذُكِرَ الْقَدَرُ أَوَّلًا بِمَعْنَى تَقْدِيرِ اللَّهِ ثُمَّ أُعِيدَ الضَّمِيرُ إِلَيْهِ بِمَعْنَى الْمَقْدُورِ لِأَنَّ تَقْدِيرَ اللَّهِ حَسَنٌ لَيْسَ شَرًّا قَالَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ فِى الْفِقْهِ الأَكْبَرِ وَالطَّاعَاتُ كُلُّهَا مَا كَانَتْ وَاجِبَةً بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَحَبَّتِهِ وَبِرِضَائِهِ وَعِلْمِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَقَضَائِهِ وَتَقْدِيرِهِ وَالْمَعَاصِى كُلُّهَا بِعِلْمِهِ وَقَضَائِهِ وَتَقْدِيرِهِ وَمَشِيئَتِهِ لا بِمَحَبَّتِهِ وَلا بِرِضَائِهِ وَلا بِأَمْرِهِ.

فَيَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ كُلَّ شَىْءٍ يَحْصُلُ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ أَىْ بِخَلْقِ اللَّهِ وَمَشِيئَتِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَاهُ بقَدَرٍ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلُّ شَىْءٍ بِقَدَرٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَخَالَفَ فِى ذَلِكَ مُحَمَّد رَاتِب النَّابُلُسِى فَقَالَ وَلَكِنْ هَذِهِ الأَعْمَالُ الَّتِى تَقْتَرِفُونَهَا لَيْسَتْ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ بَلْ هِىَ مِنِ اخْتِيَارِكُمْ أَنْتُمْ، فَكَذَّبَ بِذَلِكَ الْقُرْءَانَ وَالْحَدِيثَ وَإِجْمَاعَ الأُمَّةِ وَالْعَقْلَ السَّلِيمَ.

(205) اذْكُرْ حَدِيثًا فِيهِ تَكْفِيرُ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِالْقَدَرِ.

جَاءَ فِى الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِى رَوَاهُ أَحْمَدُ فِى مُسْنَدِهِ وَأَبُو دَاوُدَ فِى سُنَنِهِ وَابْنُ حِبَّانَ فِى صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ الدَّيْلَمِىِّ أَنَّهُ قَالَ أَتَيْتُ أُبَىَّ بنَ كَعْبٍ (أَىْ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ) فَقُلْتُ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ إِنَّهُ حَدَثَ فِى نَفْسِى شَىْءٌ مِنْ هَذَا الْقَدَرِ (أَىْ خَطَرَ لِى خَاطِرٌ خَبِيثٌ يَتَعَلَّقُ بِالْقَدَرِ) فَحَدِّثْنِى لَعَلَّ اللَّهَ يَنْفَعُنِى (أَىْ بِكَلامِكَ) قَالَ أُبَىُّ بنُ

كَعْبٍ إِنَّ اللَّهَ لَوْ عَذَّبَ أَهْلَ أَرْضِهِ وَسَمَوَاتِهِ (أَىْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ فِى الأَزَلِ أَنْ يُعَذِّبَ كُلَّ عِبَادِهِ مِن إِنْسٍ وَجِنٍّ وَمَلائِكَةٍ) لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ وَلَوْ رَحِمَهُمْ (أَىْ مِنَ الْعَذَابِ) كَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ (أَىْ مَنْ يرَحَمُهُ اللَّهُ وَيُنَعِّمُهُ فِى الآخِرَةِ يَكُونُ تَنَعُّمُهُ بِفَضْلِ اللَّهِ وَكَرَمِهِ وَإِحْسَانِهِ وَلا يَكُونُ شَيْئًا وَاجِبًا عَلَى اللَّهِ بِسَبَبِ عَمَلِهِ)

ثُمَّ قَالَ لَهُ أُبَىٌّ وَلَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ جَبَلِ أُحُدٍ ذَهَبًا (أَىْ لِلْجِهَادِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ) مَا قَبِلَهُ اللَّهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ (أَىْ مِنْ رِزْقٍ أَوْ مُصِيبَةٍ) لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ (أَىْ لا يُخْطِئُكَ شَىْءٌ قَدَّرَ اللَّهُ وَشَاءَ أَنْ يُصِيبَكَ) وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ (أَىْ وَمَا لَمْ يُصِبْكَ فَقَدْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ لا يُصِيبَكَ) وَلَوْ مِتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا (الِاعْتِقَادِ) لَكُنْتَ مِنَ الْكُفَّارِ وَدَخَلْتَ النَّارَ. قَالَ ابْنُ الدَّيْلَمِىِّ ثُمَّ أَتَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بنَ مَسْعُودٍ فَحَدَّثَنِى مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ أَتَيْتُ حُذَيْفَةَ بنَ الْيَمَانِ فَحَدَّثَنِى مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ أَتَيْتُ زَيْدَ بنَ ثَابِتٍ فَحَدَّثَنِى مِثْلَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ.

(206) تَكَلَّمْ عَنْ بَعْضِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالإِيمَانِ بِرِسَالَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ.

يَجِبُ الإِيمَانُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَّهُ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ أَىْ ءَاخِرُهُمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَخُتِمَ بِىَ النَّبِيُّونَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَخَالَفَ فِى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ يُقَالُ لَهُمُ الأَحْمَدِيَّةُ وَيُقَالُ لَهُمُ الْقَادْيَانِيَّةُ وَهُمْ أَتْبَاعُ غُلامِ أَحْمَدَ الْقَادْيَانِىّ الَّذِى كَانَ فِى الْهِنْدِ وَتُوُفِّىَ مُنْذُ نَحْوِ قَرْنٍ وَنِصْفٍ. ادَّعَى أَنَّهُ نَبِىٌّ يُوحَى إِلَيْهِ فَقَامَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ لِيَقْتُلُوهُ فَاحْتَمَى بِالِانْكِلِيزِ ثُمَّ قَالَ فِيمَا ادَّعَى أَنَّهُ وَحْىٌ مِنَ اللَّهِ يَجِبُ عَلَيْنَا شُكْرُ الدَّوْلَةِ الْبَرِيطَانِيَّةِ لِأَنَّهُمْ أَحْسَنُوا إِلَيْنَا بِأَنْوَاعِ الإِحْسَانِ وَهَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَان وَحَرَامٌ عَلَيْنَا وَعَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ قِتَالُ الِانْكِلِيزِ.

أَتْبَاعُهُ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ نَبِىٌّ مُجَدِّدٌ وَأَحْيَانًا يَقُولُونَ نُبُوَّتُهُ نُبُوَّةٌ ظِلِّيَّةٌ أَىْ تَحْتَ ظِلِّ مُحَمَّدٍ أَىْ لَيْسَ مُسْتَقِلًّا إِنَّمَا هُوَ مُنْتَسِبٌ إِلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَكُلُّ هَذَا كُفْرٌ فَإِنَّهُ لا يَجُوزُ أَنْ يُنَبَّأَ أَىْ أَنْ يَنْزِلَ الْوَحْىُ عَلَى شَخْصٍ بَعْدَ مُحَمَّدٍ اسْتِقْلالًا وَلا تَجْدِيدًا لِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ. فَهَؤُلاءِ الْقَادْيَانِيَّةُ يُمَوِّهُونَ عَلَى النَّاسِ بِقَوْلِهِمْ إِنَّ مَعْنَى ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ زِينَةُ النَّبِيِّينَ وَيُنْكِرُونَ أَنَّ مَعْنَاهُ ءَاخِرُ الأَنْبِيَاءِ.

وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالآيَةِ ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ أَنَّهُ ءَاخِرُ الأَنْبِيَاءِ أَنَّ الآيَةَ تُقْرَأُ بِالْكَسْرِ ﴿وَخَاتِمَ النَّبِيِّينَ﴾ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا حَدِيثُ مُسْلِمٍ وَخُتِمَ بِىَ النَّبِيُّونَ، لِأَنَّهُ لا يُقَالُ لُغَةً خُتِمَ بِالْخَاتَمِ إِنَّمَا يُقَالُ تَخَتَّمَ بِالْخَاتَمِ فَبَطَلَ تَفْسِيرُهُمْ لِلآيَةِ بِأَنَّهُ زِينَةُ النَّبِيِّينَ وَيُقَالُ لُغَةً خُتِمَ بِهِ الْحُضُورُ أَىْ كَانَ ءَاخِرَ مَنْ حَضَرَ.

فَيَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ هُوَ خَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ أَىْ ءَاخِرُهُمْ وَأَنَّهُ سَيِّدُ الْبَشَرِ لِقَوْلِهِ ﷺ أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ ءَادَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا فَخْرُ رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ، أَىْ لا أَقُولُ ذَلِكَ افْتِخَارًا إِنَّمَا تَحَدُّثًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ.

(207) اذْكُرْ بَعْضَ الصِّفَاتِ الْوَاجِبَةِ لِلأَنْبِيَاءِ.

يَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ كُلَّ نَبِىٍّ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِفًا بِالصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ وَالشَّجَاعَةِ وَالْفَصَاحَةِ وَالْفَطَانَةِ أَىِ الذَّكَاءِ.

(208) تَكَلَّمْ عَنْ صِفَةِ الصِّدْقِ لِلأَنْبِيَاءِ.

يَجِبُ لِلأَنْبِيَاءِ الصِّدْقُ وَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمُ الْكَذِبُ لِأَنَّ الْكَذِبَ نَقْصٌ لا يَلِيقُ بِمَنْصِبِ النُّبُوَّةِ فَيَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ اللَّهَ عَصَمَ الأَنْبِيَاءَ مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْكَذِبِ الْجَائِزِ وَالْمُحَرَّمِ وَالْوَاجِبِ وَهُوَ كَأَنْ يَكُونَ الْكَذِبُ لِإِنْقَاذِ مُسْلِمٍ مِنَ الْقَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ، أَمَّا إِذَا ظَنَّ الشَّخْصُ أَنَّ الأَمْرَ هَكَذَا فَقَالَهُ ثُمَّ طَلَعَ بِخِلافِ الْوَاقِعِ فَلا يَكُونُ كَذِبًا.

وَكَانَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ مَعْرُوفًا بَيْنَ أَهْلِ مَكَّةَ بِالأَمِينِ لِمَا عُرِفَ بِهِ مِنَ الصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ وَالنَّزَاهَةِ فَلَمْ تَحْصُلْ مِنْهُ كَذْبَةٌ قَطُّ. أَمَّا مَا حَصَلَ مِنْ سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَهُوَ تَوْرِيَةٌ وَلَيْسَ كَذِبًا حَقِيقِيًّا. وَمَعْنَى التَّوْرِيَةِ الإِتْيَانُ بِلَفْظٍ لَهُ مَعْنَيَانِ مَعْنًى قَرِيبٌ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَا يَتَبَادَرُ لِلذِّهْنِ وَلا يَكُونُ هَذَا الْمَعْنَى مُرَادًا

لِلْقَائِلِ وَمَعْنًى بَعِيدٌ هُوَ الْمَقْصُودُ فَقَوْلُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ زَوْجَتِهِ سَارَةَ إِنَّهَا أُخْتِى وَهِىَ لَيْسَتْ أُخْتَهُ فِى النَّسَبِ فَكَانَ لِأَنَّهَا أُخْتُهُ فِى الدِّينِ بِغَرَضِ صِيَانَتِهَا مِنْ أَذَى الْمَلِكِ الْجَبَّارِ الظَّالِمِ فَلَيْسَ هَذَا كَذِبًا مِنْ حَيْثُ الْبَاطِنُ وَالْحَقِيقَةُ إِنَّمَا هُوَ صِدْقٌ هُوَ قَصَدَ أَنَّهَا أُخْتُهُ فِى الدِّينِ فَلَيْسَ كَذِبًا أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ فَلا يَجُوزُ اعْتِقَادُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَذَبَ لِأَنَّ الأَنْبِيَاءَ مُنَزَّهُونَ عَنِ الْكَذِبِ.

إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَالَ عَنْ زوَجْتَهِ سَارَةَ إِنَّهَا أُخْتِى لَمَّا جَاءَ إِلَى أَرْضِ جَبَّارٍ مِنْ جَبَابِرَةِ الْكُفَّارِ فَكَانَ مِنْ عَادَةِ هَذَا الْمَلِكِ أَىُّ امْرَأَةٍ جَمِيلَةٍ تَدْخُلُ أَرْضَهُ تُحْمَلُ إِلَيْهِ لِيَزْنِىَ بِهَا وَسَارَةُ كَانَتْ مِنْ أَجْمَلِ النِّسَاءِ. هَذَا الْمَلِكُ كَانَ مِنْ عَادَتِهِ أَنَّهُ إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ أُخْتَ الرَّجُلِ يَتْرُكُهَا وَإِلَّا يَأْخُذُهَا. بَعْضُ سَمَاسِرَتِهِ قَالَ لَهُ الْيَوْمَ جَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَحْسَنِ الْبَشَرِ إِلَى أَرْضِكَ فَقَالَ ايتُوا بِهَا فَلَمَّا رَءَاهَا مَا تَمَالَكَ نَفْسَهُ مَدَّ يَدَهُ إِلَيْهَا فَيَبِسَتْ يَدُهُ أَىْ مَا كَانَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُحَرِّكَهَا فَقَالَ لَهَا ادْعِى لِى فَدَعَتِ اللَّهَ فَصَحَّتْ يَدُهُ ثُمَّ لَمْ يَتَمَالَكْ نَفْسَهُ مَدَّ يَدَهُ إِلَيْهَا ثَانِيَةً فَيَبِسَتْ يَدُهُ فَقَطَعَ الأَمَلَ جَزَمَ أَنْ لا يُحَاوِلَ بَعْدَ هَذَا. قَالَ لَهَا ادْعِى لِى لا أَعُودُ إِلَيْكِ فَصَحَّتْ يَدُهُ. أَمَّا حَدِيثُ كَذَبَ إِبْرَاهِيمُ ثَلاثَ كَذَبَاتٍ فَلَيْسَ ثَابِتًا وَلَوْ ثَبَتَ يَكُونُ بِمَعْنَى التَّوْرِيَةِ وَلَيْسَ الْكَذِبَ الْحَقِيقِىَّ.

(209) مَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ نَبِىِّ اللَّهِ إِبْرَاهِيمَ ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾.

يَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ الأَنْبِيَاءَ مُنَزَّهُونَ عَنِ الْكَذِبِ أَمَّا مَا وَرَدَ فِى أَمْرِ إِبْرَاهِيمَ فِى هَذِهِ الآيَةِ فَلَيْسَ كَذِبًا بَلْ هُوَ صِدْقٌ مِنْ حَيْثُ الْبَاطِنُ وَالْحَقِيقَةُ فَقَوْمُهُ كَانُوا يَعْبُدُونَ الأَصْنَامَ فَأَرَادَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ أَنْ يَفْعَلَ بِأَصْنَامِهِمْ شَيْئًا يُقِيمُ بِهِ الْحُجَّةَ عَلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يُفِيقُونَ مِنْ غَفْلَتِهِمْ وَكَانَ مِنْ عَادَةِ قَوْمِهِ أَنْ يُقِيمُوا لَهُمْ عِيدًا

خَارِجَ بَلَدِهِمْ فَلَمَّا حَلَّ عِيدُهُمْ خَرَجُوا فَذَهَبَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ إِلَى بَيْتِ الأَصْنَامِ فَوَجَدَ صَنَمًا كَبِيرًا وَأَصْنَامًا أُخْرَى صَغِيرَةً فَأَمْسَكَ بِيَدِهِ فَأْسًا وَأَخَذَ يَهْوِى عَلَى الأَصْنَامِ الصَّغِيرَةِ يُكَسِّرُهَا وَيُحَطِّمُهَا حَتَّى جَعَلَهَا حُطَامًا وَعَلَّقَ الْفَأْسَ عَلَى عُنُقِ الصَّنَمِ الْكَبِيرِ حَتَّى إِذَا رَجَعَ قَوْمُهُ يَظْهَرُ لَهُمْ أَنَّ الأَصْنَامَ لا تَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهَا ضَرَرًا وَبِذَلِكَ يُقِيمُ سَيِّدُنَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ الْحُجَّةَ عَلَى قَوْمِهِ الْكَافِرِينَ.

قَالَ تَعَالَى ﴿قَالُوا﴾ أَىْ قَوْمُهُ الْكُفَّارُ ﴿ءَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ فَقَالُوا ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ﴾. أَقَامَ الْحُجَّةَ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ الأَصْنَامَ لا يَنْطِقُونَ وَلا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَدْفَعُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ ضَرَرًا فَهُمْ عَاجِزُونَ وَالْعَاجِزُ لا يَكُونُ إِلَهًا فَلا يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ.

وَإِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ الْمَعْنَى الْمَجَازِىَّ أَىْ أَنَّ قَوْمَهُ كَانُوا يُبَالِغُونَ فِى تَعْظِيمِ الصَّنَمِ الْكَبِيرِ فَحَمَلَهُ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يُكَسِّرَ الأَصْنَامَ الصَّغِيرَةَ وَيُهِينَ الْكَبِيرَ أَىْ مِنْ شِدَّةِ اغْتِيَاظِهِ مِنْهُ كَمَا لَوْ قُلْتَ قَتَلَ الْمَلِكُ فُلانًا مَعَ أَنَّ الْمَلِكَ لَمْ يَقْتُلْهُ بِنَفْسِهِ وَهَذَا لَيْسَ كَذِبًا فِى الْحَقِيقَةِ فَقَدْ أُسْنِدَ الْفِعْلُ إِلَيْهِ إِسْنَادًا مَجَازِيًّا أَىْ قُتِلَ بِأَمْرِهِ وَلَمْ يُرِدْ سَيِّدُنَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ أَنَّ الصَّنَمَ الْكَبِيرَ هُوَ حَقِيقَةً كَسَّرَ الأَصْنَامَ الصَّغِيرَةَ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الصَّنَمَ الْكَبِيرَ لَيْسَ لَهُ الْقُدْرَةُ عَلَى فِعْلِ شَىْءٍ. فَلَمَّا غَلَبَهُمْ بِالْحُجَّةِ قَرَّرُوا أَنْ يُحْرِقُوهُ بِالنَّارِ لَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَجَّاهُ فَلَمْ تُحْرِقْهُ النَّارُ وَلا ثِيَابَهُ إِنَّمَا أَحْرَقَتِ الْقَيْدَ الَّذِى قَيَّدُوهُ بِهِ.

(210) تَكَلَّمْ عَنْ صِفَةِ الشَّجَاعَةِ لِلأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ.

يَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ الأَنْبِيَاءَ هُمْ أَشْجَعُ خَلْقِ اللَّهِ فَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ جَبَانٌ ضَعِيفُ الْقَلْبِ وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ كُنَّا إِذَا حَمِىَ الْوَطِيسُ فِى الْمَعْرَكَةِ نَحْتَمِى بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَىْ كُنَّا نَحْتَمِى بِهِ إِذَا اشْتَدَّتِ الْمَعْرَكَةُ فَقَدْ أَعْطَى اللَّهُ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا ﷺ قُوَّةَ أَرْبَعِينَ رَجُلًا مِنَ الأَشِدَّاءِ. أَمَّا الْخَوْفُ الطَّبِيعِىُّ فَلا يَسْتَحِيلُ عَلَى النَّبِىِّ كَالتَّخَوُّفِ مِنْ تَكَالُبِ الْكُفَّارِ عَلَيْهِ حَتَّى يَقْتُلُوهُ كَمَا جَاءَ فِى الْقُرْءَانِ عَنْ سَيِّدِنَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ أَنَّهُ قَالَ ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ وَالْفِرَارُ لا يُشْعِرُ بِالْجُبْنِ وَهُوَ غَيْرُ الْهَرَبِ الْمُشْعِرِ بِالْجُبْنِ. وَالأَنْبِيَاءُ يَخَافُونَ اللَّهَ خَوْفَ الإِجْلالِ وَالتَّعْظِيمِ وَلا يَخَافُونَ أَنْ يُصِيبَهُمْ أَذًى يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِأَنَّهُمْ مَحْفُوظُونَ مِنَ الأَذَى.

(211) تَكَلَّمْ عَنْ فَصَاحَةِ الأَنْبِيَاءِ.

يَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ الأَنْبِيَاءَ كُلَّهُمْ فُصَحَاءُ يَتَكَلَّمُونَ بِكَلامٍ وَاضِحٍ مَفْهُومٍ وَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ لا يُحْسِنُ النُّطْقَ أَوْ مَنْ يَعْجَلُ فِى كَلامِهِ فَلا يُطَاوِعُهُ لِسَانُهُ وَلَيْسَ فِى أَلْسِنَتِهِمْ عِلَّةٌ تَجْعَلُ كَلامَهُمْ غَيْرَ مَفْهُومٍ لِلسَّامِعِينَ. وَقَدْ كَانَ ءَادَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَصِيحَ اللِّسَانِ وَيَتَكَلَّمُ كُلَّ اللُّغَاتِ وَكَانَ يَتَفَاهَمُ مَعَ أَوْلادِهِ بِالْكَلامِ الْوَاضِحِ وَلَيْسَ بِالإِشَارَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَعَلَّمَ ءادَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ أَىْ عَلَّمَهُ أَسْمَاءَ الأَشْيَاءِ وَقَوْلِهِ ﷺ إِنَّ اللَّهَ عَلَّمَ ءَادَمَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَىْءٍ رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِى الْمُسْتَدْرَكِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾.

وَكَانَ ءَادَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ حَسَنَ الصَّوْتِ كَسَائِرِ الأَنْبِيَاءِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا حَسَنَ الْوَجْهِ حَسَنَ الصَّوْتِ وَإِنَّ نَبِيَّكُمْ (يَعْنِى نَفْسَهُ ﷺ) أَحْسَنُهُمْ وَجْهًا وَأَحْسَنُهُمْ صَوْتًا رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ. وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ ﴿وَالطُّورِ﴾ فَكَادَ قَلْبِى يَطِيرُ أَىْ مِنْ حُسْنِ صَوْتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ.

أَمَّا سَيِّدُنَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَدْ تَأَثَّرَ لِسَانُهُ بِالْجَمْرَةِ الَّتِى تَنَاوَلَهَا وَوَضَعَهَا فِى فَمِهِ حِينَ كَانَ طِفْلًا أَمَامَ فِرْعَوْنَ أَىْ أَثَّرَتْ تِلْكَ الْجَمْرَةُ شَيْئًا قَلِيلًا فِى اللَّحْمِ وَلَمْ تُؤَثِّرْ عَلَى فَصَاحَتِهِ وَلا عَلَى بَلاغَتِهِ ولا عَلَى حُسْنِ نُطْقِهِ وَلا عَلَى مَخَارِجِ حُرُوفِهِ بَلْ كَانَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الصَّوَابِ وَكَانَ كَلامُهُ وَاضِحًا مُفْهِمًا لا يُبْدِلُ حَرْفًا بِحَرْفٍ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ شَىْءٌ بِحَيْثُ يَكُونُ مَعِيبًا عِنْدَ النَّاسِ فَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْىُ فَقَالَ ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّنْ لِّسَانِى﴾ فَذَهَبَ ذَلِكَ الأَثَرُ مِنْ لِسَانِهِ.

أَمَّا مَنْ يَطْعَنُ فِى سَيِّدِنَا مُوسَى فَيَقُولُ كَانَ فِى لِسَانِهِ عِلَّةٌ وَلَمْ يَكُنْ يَتَكَلَّمُ عَلَى الصَّوَابِ أَوْ يَطْعَنُ فِى سَيِّدِنَا ءَادَمَ فَيَقُولُ كَانَ أَخْرَسَ وَلا يَتَكَلَّمُ إِلَّا بِالإِشَارَةِ أَوْ كَانَ يَعِيشُ كَالْبَهَائِمِ عَارِيًا بَيْنَ النَّاسِ فِى الأَرْضِ فَهُوَ كَافِرٌ لِأَنَّ هَذَا فِيهِ نِسْبَةُ النَّقْصِ إِلَى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى.

(212) تَكَلَّمْ عَنْ صِفَةِ الْفَطَانَةِ لِلأَنْبِيَاءِ.

يَجِبُ لِلأَنْبِيَاءِ الْفَطَانَةُ أَىِ الذَّكَاءُ وَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمُ الْبَلادَةُ أَىِ الْغَبَاوَةُ فَلا يَلِيقُ بِهِمْ أَنْ يَكُونُوا أَغْبِيَاءَ لِأَنَ اللَّهَ أَرْسَلَهُمْ لِيُبَلِّغُوا الرِّسَالَةَ وَيُبَيِّنُوا الْحَقَّ وَيُقِيمُوا الْحُجَّةَ عَلَى الْكُفَّارِ الْمُعَانِدِينَ فَلَوْ كَانُوا أَغْبِيَاءَ لَنَفَرَ النَّاسُ مِنْهُمْ لِغَبَاوَتِهِمْ وَاللَّهُ حَكِيمٌ لا يَجْعَلُ النُّبُوَّةَ وَالرِّسَالَةَ فِى الأَغْبِيَاءِ.

(213) تَكَلَّمْ عَنْ بَعْضِ مَا لا يَجُوزُ عَلَى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ مِنَ الصِّفَاتِ.

يَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَفِظَ الأَنْبِيَاءَ مِنَ الْكَذِبِ وَالْخِيَانَةِ وَالرَّذَالَةِ وَالسَّفَاهَةِ وَالْجُبْنِ وَالْبَلادَةِ أَىِ الْغَبَاوَةِ وَحَفِظَهُمْ مِنَ الْكُفْرِ وَالْكَبَائِرِ وَصَغَائِرِ الْخِسَّةِ أَىِ الذُّنُوبِ الصَّغِيرَةِ الَّتِى فِيهَا خِسَّةٌ وَدَنَاءَةُ نَفْسٍ كَسَرِقَةِ حَبَّةِ عِنَبٍ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا خِلافًا لِقَوْلِ حِزْبِ التَّحْرِيرِ بِجَوَازِ ذَلِكَ عَلَى الأَنْبِيَاءِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ فَإِنَّ مِنْ جُمْلَةِ كُفْرِهِمْ وَضَلالِهِمْ ما ذَكَرَهُ زَعِيمُهُمْ تَقِىُّ الدِّينِ النَّبَهَانِىُّ فِى كِتَابِهِ الْمُسَمَّى الشَّخْصِيَّةَ الإِسْلامِيَّةَ وَنَصُّ كَلامِهِ إِلَّا أَنَّ هَذِهِ الْعِصْمَةَ لِلأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ وَإِنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ أَنْ يُصْبِحَ نَبِيًّا أَوْ رَسُولًا بِالْوَحْىِ إِلَيْهِ أَمَّا قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ عَلَيْهِمْ مَا يَجُوزُ عَلَى سَائِرِ الْبَشَرِ لِأَنَّ الْعِصْمَةَ هِىَ لِلنُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ.

فَعَلَى قَوْلِهِ تَصِحُّ النُّبُوَّةُ لِمَنْ كَانَ لِصًّا سَرَّاقًا أَوْ لائِطًا وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ. فَمَنْ كَانَتْ لَهُ سَوَابِقُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ لا يَصْلُحُ لِلنُّبُوَّةِ وَلَوْ تَخَلَّى عَنْهَا فِيمَا بَعْدُ فَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لا يَخْتَارُ لِهَذَا الْمَنْصِبِ إِلَّا مَنْ هُوَ سَالِمٌ مِنَ الرَّذَالَةِ وَالسَّفَاهَةِ وَالْخِيَانَةِ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لا يُرْسِلُ إِنْسَانًا مَطْعُونًا فِيهِ بِسَفَاهَةٍ أَوْ خِيَانَةٍ أَوْ رَذَالَةٍ أَوْ كَذِبٍ لِهِدَايَةِ عِبَادِهِ بَلْ يُرْسِلُ إِنْسَانًا نَشَأَ عَلَى الصِّدْقِ وَالْعِفَّةِ وَالنَّزَاهَةِ فِى الْعِرْضِ وَالْخُلُقِ وَحُسْنِ مُعَامَلَةِ النَّاسِ.

(214) مَا مَعْنَى الْخِيَانَةِ وَالرَّذَالَةِ وَالسَّفَاهَةِ وَالْجُبْنِ.

الْخِيَانَةُ ضِدُّ النَّصِيحَةِ وَقَدْ تَكُونُ بِالْفِعْلِ كَأَكْلِ الأَمَانَةِ أَوْ بِالْقَوْلِ كَجَحْدِ الأَمَانَةِ أَىْ إِنْكَارِهَا أَوْ بِالْحَالِ كَمَنْ يُوهِمُ النَّاسَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الأَمَانَةِ وَهُوَ لَيْسَ كَذَلِكَ. وَالرَّذَالَةُ هِىَ صِفَاتُ الأَسَافِلِ الدُّونِ مِنَ النَّاسِ كَاخْتِلاسِ النَّظَرِ إِلَى الْمَرْأَةِ الأَجْنَبِيَّةِ بِشَهْوَةٍ. أَمَّا السَّفَاهَةُ فَهِىَ التَّصَرُّفُ بِخِلافِ الْحِكْمَةِ أَوِ التَّلَفُّظُ بِأَلْفَاظٍ شَنِيعَةٍ تَسْتَقْبِحُهَا النَّفْسُ. وَأَمَّا الْجُبْنُ فَهُوَ ضَعْفُ الْقَلْبِ.

(215) مَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ قَضِيَّةِ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ مَعَ سَيِّدِنَا يُوسُفَ ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾.

قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ أَىْ هَمَّتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ بِدَفْعِهِ لِيَزْنِىَ بِهَا ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ أَىْ هَمَّ يُوسُفُ بِدَفْعِهَا لِيَخْلُصَ مِنْهَا ﴿لَوْلا أَنْ رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ أَىْ أَنَّ اللَّهَ أَعْلَمَهُ أَنَّكَ يَا يُوسُفُ لَوْ دَفَعْتَهَا لَقَالَتْ لِزَوْجِهَا دَفَعَنِى لِيُجْبِرَنِى عَلَى الْفَاحِشَةِ فَلَمْ يَدْفَعْهَا بَلْ أَدَارَ لَهَا ظَهْرَهُ ذَاهِبًا فَشَقَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ خَلْفٍ فَكَانَ الدَّلِيلَ عَلَيْهَا.

فَيَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ الأَنْبِيَاءَ مَعْصُومُونَ مِنَ الْكَبَائِرِ وَمِنَ الْهَمِّ بِهَا أَىِ التَّرَدُّدِ فِى فِعْلِهَا فَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يَقَعُ فِى الزِّنَى أَوْ يَهُمُّ بِهِ أَمَّا مَا يُرْوَى كَذِبًا مِنْ أَنَّ يُوسُفَ هَمَّ بِالزِّنَى وَأَنَّهُ حَلَّ إِزَارَهُ وَجَلَسَ مِنِ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ مَجْلِسَ الرَّجُلِ مِنْ زَوْجَتِهِ أَىْ كَمَا يَجْلِسُ الرَّجُلُ مَعَ زَوْجَتِهِ وَكَذَلِكَ مَا قَالَهُ سَيِّد قُطُب فِى كِتَابِهِ الْمُسَمَّى التَّصْوِيرَ الْفَنِّىَّ فِى الْقُرْءَانِ إِنَّ يُوسُفَ كَادَ يَضْعُفُ أَمَامَ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ فَإِنَّ هَذَا بَاطِلٌ لا يَلِيقُ بِنَبِىٍّ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ.

(216) مَا الدَّلِيلُ عَلَى بَرَاءَةِ سَيِّدِنَا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِمَّا نُسِبَ إِلَيْهِ.

يَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَسَائِرِ الأَنْبِيَاءِ عَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَىْ حَفِظَهُ مِنَ الْفَوَاحِشِ وَالرَّذَائِلِ وَهُوَ عَلَيْهِ السَّلامُ أَقَامَ فِى بَيْتِ الْعَزِيزِ وَزِيرِ مِصْرَ وَكَانَ فَائِقَ الْحُسْنِ وَالْجَمَالِ فَلَمَّا شَبَّ وَكَبِرَ أَحَبَّتْهُ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ زَلِيخَةُ حُبًّا جَمًّا وَعَشِقَتْهُ. وَذَاتَ يَوْمٍ وَقِيلَ كَانَ عُمُرُهُ سَبْعَةَ عَشَرَ عَامًا أَرَادَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ أَنْ تَحْمِلَهُ

عَلَى مُوَاقَعَتِهَا وَهِىَ فِى غَايَةِ الْحُسْنِ وَالْجَمَالِ وَالشَّبَابِ فَتَهَيَّأَتْ لَهُ وَتَصَنَّعَتْ وَلَبِسَتْ أَحْسَنَ ثِيَابِهَا وَدَعَتْهُ صَرَاحَةً إِلَى نَفْسِهَا مِنْ غَيْرِ حَيَاءٍ وَطَلَبَتْ مِنْهُ مَا لا يَلِيقُ بِحَالِهِ وَمَقَامِهِ فَأَبَى وَامْتَنَعَ وَقَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَىْ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ فَأَمْسَكَتْ بِهِ تُرِيدُ أَنْ تُجْبِرَهُ عَلَى مُوَاقَعَتِهَا وَارْتِكَابِ الْفَاحِشَةِ مَعَهَا فَصَارَ يُحَاوِلُ

أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْهَا فَأَفْلَتَ مِنْ يَدِهَا فَأَمْسَكَتْ ثَوْبَهُ مِنْ خَلْفٍ فَتَمَزَّقَ قَمِيصُهُ وَظَلَّتْ تُلاحِقُهُ وَهُمَا يَتَرَاكَضَانِ إِلَى الْبَابِ هُوَ يُرِيدُ الْوُصُولَ إِلَيْهِ لِيَفْتَحَهُ لِيَتَخَلَّصَ مِنْهَا وَهِىَ تُرِيدُ أَنْ تَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَابِ وَفِى تِلْكَ اللَّحَظَاتِ وَصَلَ زَوْجُهَا الْعَزِيزُ فَوَجَدَهُمَا فِى هَذِهِ الْحَالَةِ فَبَادَرَتْهُ بِالْكَلامِ وَحَرَّضَتْهُ عَلَيْهِ وَاتَّهَمَتْهُ بِأَنَّهُ

حَاوَلَ الِاعْتِدَاءَ عَلَيْهَا بِالْفَاحِشَةِ فَرَدَّ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذِهِ التُّهَمَةَ عَنْ نَفْسِهِ وَفِى هَذَا الْمَوْقِفِ أَنْطَقَ اللَّهُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَاهِدًا مِنْ أَهْلِهَا وَهُوَ طِفْلٌ صَغِيرٌ فِى الْمَهْدِ لِتَنْدَفِعَ التُّهَمَةُ عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وَتَظْهَرَ بَرَاءَتُهُ وَاضِحَةً أَمَامَ الْعَزِيزِ فَقَالَ الشَّاهِدُ ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ﴾ أَىْ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ رَاوَدَهَا فَدَفَعَتْهُ حَتَّى شَقَّتْ مُقَدَّمَ قَمِيصِهِ ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ أَىْ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَرَكَهَا وَذَهَبَ فَتَبِعَتْهُ وَتَعَلَّقَتْ بِهِ مِنْ خَلْفٍ فَشَقَّتْ قَمِيصَهُ،

فَلَمَّا وَجَدَ الْعَزِيزُ أَنَّ قَمِيصَ يُوسُفَ قَدِ انْشَقَّ مِنْ خَلْفٍ قَالَ ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ أَىْ لا تَذْكُرْهُ لِأَحَدٍ وَأَمَرَ زَوْجَتَهُ بِالِاسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ إِلَى اللَّهِ قَائِلًا ﴿وَاسْتَغْفِرِى لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ فَمَعْنَاهُ هِىَ أَرَادَتْ مِنْهُ أَنْ يَقَعَ فِى الْفَاحِشَةِ ﴿وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ مَعْنَاهُ مَا حَصَلَ مِنْهُ الْهَمُّ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَاهُ الْبُرْهَانَ وَهُوَ أَنَّ النَّبِىَّ يَكُونُ مَعْصُومًا مِنَ الْفَوَاحِشِ وَالرَّذَائِلِ فَحَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ هَمٌّ بِالْمَرَّةِ.

(217) تَكَلَّمْ عَنْ تَنْزِيهِ الأَنْبِيَاءِ عَنْ كُلِّ مَا يُنَفِّرُ عَنْ قَبُولِ الدَّعْوَةِ مِنْهُمْ.

يَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ الأَنْبِيَاءَ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمْ كُلُّ مَا يُنَفِّرُ النَّاسَ عَنْ قَبُولِ الدَّعْوَةِ مِنْهُمْ كَالأَمْرَاضِ الْمُنَفِّرَةِ وَمِنْهَا الْجَرَبُ وَالْجُذَامُ وَالْبَرَصُ وَخُرُوجُ الدُّودِ مِنَ الْجِسْمِ فَاللَّهُ تَعَالَى جَعَلَ الأَنْبِيَاءَ قُدْوَةً لِلنَّاسِ وَأَرْسَلَهُمْ لِلدَّعْوَةِ إِلَى دِينِ الإِسْلامِ فَلا يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الْمَرَضُ الَّذِى يُنَفِّرُ النَّاسَ مِنْهُمْ فَلَوْ كَانَتْ تُصِيبُهُمُ الأَمْرَاضُ الْمُنَفِّرَةُ لَنَفَرَ النَّاسُ مِنْهُمْ وَاللَّهُ حَكِيمٌ لا يُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الأَمْرَاضَ أَمَّا الْمَرَضُ الْمُؤْلِمُ الشَّدِيدُ حَتَّى لَوْ كَانَ يَحْصُلُ مِنْهُ إِغْمَاءٌ فَيَجُوزُ عَلَيْهِمْ.

فَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَا يَقُولُهُ بَعْضُ الْجُهَّالِ عَنْ نَبِىِّ اللَّهِ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأَنَّ الدُّودَ أَكَلَ جِسْمَهُ فَكَانَ الدُّودُ يَتَسَاقَطُ ثُمَّ يَأْخُذُ الدُّودَةَ وَيُعِيدُهَا إِلَى مَكَانِهَا مِنْ جِسْمِهِ وَيَقُولُ يَا مَخْلُوقَةَ رَبِّى كُلِى مِنْ رِزْقِكِ الَّذِى رَزَقَكِ فَهُوَ كَذِبٌ وَافْتِرَاءٌ وَفِيهِ نِسْبَةُ الْمَعْصِيَةِ الْكَبِيرَةِ إِلَى نَبِىٍّ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ لِأَنَّ الإِضْرَارَ بِالنَّفْسِ حَرَامٌ وَتَحْرِيمُ ذَلِكَ يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ فَأَيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ الدُّودُ إِنَّمَا ابْتَلاهُ اللَّهُ بَلاءً شَدِيدًا اسْتَمَرَّ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ عَامًا وَفَقَدَ مَالَهُ وَأَوْلادَهُ ثُمَّ عَافَاهُ اللَّهُ وَأَغْنَاهُ وَرَزَقَهُ الْكَثِيرَ مِنَ الأَوْلادِ.

(218) تَكَلَّمْ عَنْ عِصْمَةِ الأَنْبِيَاءِ مِنَ الْكُفْرِ.

اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَصَمَ الأَنْبِيَاءَ أَىْ حَفِظَهُمْ مِنَ الْكُفْرِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا وَالنَّبِىُّ قَبْلَ نُزُولِ الْوَحْىِ عَلَيْهِ يَكُونُ مُؤْمِنًا بِرَبِّهِ مُنَزِّهًا لَهُ عَنْ مُشَابَهَةِ خَلْقِهِ يَعْرِفُ مَا يَلِيقُ بِهِ وَمَا لا يَلِيقُ. اللَّهُ تَعَالَى يُلْهِمُهُ الإِيمَانَ فِى قَلْبِهِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْىُ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِى مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾ فَمَعْنَاهُ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْىُ مَا كَانَ يَعْرِفُ الْقُرْءَانَ وَلا تَفَاصِيلَ الإِيمَانِ أَمَّا أَصْلُ الإِيمَانِ فَمَوْجُودٌ فِى قَلْبِ النَّبِىِّ ﷺ كَسَائِرِ النَّبِيِّينَ.

وَكَذَلِكَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ الْكَوْكَبِ حِينَ رَءَاهُ ﴿هَذَا رَبِّى﴾ هُوَ عَلَى تَقْدِيرِ الِاسْتِفْهَامِ الإِنْكَارِىِّ فَكَأَنَّهُ قَالَ أَهَذَا رَبِّى كَمَا تَزْعُمُونَ أَمَّا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَكَانَ يَعْلَمُ قَبْلَ ذَلِكَ أَنَّ الرُّبُوبِيَّةَ لا تَكُونُ إِلَّا لِلَّهِ قَالَ تَعَالَى ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.

وَخَالَفَ فِى ذَلِكَ سَيِّد قُطُب فَنَسَبَ الشِّرْكَ إِلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإِنَّهُ قَالَ فِى كِتَابِهِ الْمُسَمَّى التَّصْوِيرَ الْفَنِّىَّ فِى الْقُرْءَانِ وَإِبْرَاهِيمُ تَبْدَأُ قِصَّتُهُ فَتًى يَنْظُرُ فِى السَّمَاءِ فَيَرَى نَجْمًا فَيَظُنُّهُ إِلَهَهُ. وَكَلامُهُ هَذَا مُنَاقِضٌ لِعَقِيدَةِ الإِسْلامِ الَّتِى تَنُصُّ عَلَى أَنَّ الأَنْبِيَاءَ تَجِبُ لَهُمُ الْعِصْمَةُ مِنَ الْكُفْرِ وَالْكَبَائِرِ وَصَغَائِرِ الْخِسَّةِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا.

أَمَّا مَا وَرَدَ فِى الْقُرْءَانِ فِى شَأْنِ نَبِىِّ اللَّهِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَّنْ نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِى الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّى كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِى الْمُؤْمِنِينَ﴾ فَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ ذَهَبَ مُغَاضِبًا لِرَبِّهِ بَلْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا لِقَوْمِهِ لِكُفْرِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ لَهُ لَكِنَّهُ تَرَكَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لَهُ.

وَالنُّونُ أَىِ الْحُوتُ وَأُضِيفَ إِلَيْهِ لِابْتِلاعِهِ لَهُ وَمَعْنَى ذِى النُّونِ صَاحِبُ الْحُوتِ، ﴿فَظَنَّ أَنْ لَّنْ نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أَىْ ظَنَّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَنْ يُضَيِّقَ عَلَيْهِ بِتَرْكِهِ لِقَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ أَمَّا مَنْ نَسَبَ إِلَى نَبِىِّ اللَّهِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَقَدْ نَسَبَ إِلَيْهِ الْكُفْرَ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ. سَيِّدُنَا يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلامُ نَبِىٌّ مُرْسَلٌ اللَّهُ تَعَالَى أَرْسَلَهُ إِلَى قَوْمٍ كُفَّارٍ لِيَدْعُوَهُمْ إِلَى الإِسْلامِ فَأَقَامَ فِيهِمْ مُدَّةً طَوِيلَةً يَدْعُوهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ وَتَرْكِ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِهِ إِلَّا الْقَلِيلُ فَأَيِسَ مِنْهُمْ وَتَرَكَهُمْ.

وَعِنْدَمَا أَلْقَى يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِنَفْسِهِ فِى الْبَحْرِ ابْتَلَعَهُ الْحُوتُ ابْتِلاءً لَهُ عَلَى تَرْكِهِ قَوْمَهُ الَّذِينَ أَغْضَبُوهُ لَكِنَّهُ لَمْ يَخْدِشْ لَهُ لَحْمًا وَلَمْ يَكْسِرْ لَهُ عَظْمًا وَلَمْ يَكُنْ قَصْدُهُ الِانْتِحَارَ.

أَمَّا مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ سَيِّدَنَا يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ أَلْقَى بِنَفْسِهِ فِى الْبَحْرِ لِيَنْتَحِرَ أَىْ لِيَقْتُلَ نَفْسَهُ فَهُوَ كَافِرٌ لِأَنَّ الِانْتِحَارَ ذَنْبٌ كَبِيرٌ وَهُوَ أَكْبَرُ الذُّنُوبِ بَعْدَ الْكُفْرِ فَلا يُتَصَوَّرُ حُصُولُهُ مِنَ الأَنْبِيَاءِ. مَكَثَ سَيِّدُنَا يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلامُ فِى بَطْنِ الْحُوتِ أَيَّامًا فِى ظُلُمَاتِ الْبَحْرِ يَدْعُو اللَّهَ وَيَسْتَغْفِرُهُ وَيُسَبِّحُهُ فَاسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ وَنَجَّاهُ مِنَ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ لِأَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَهُ فِى بَطْنِ الْحُوتِ فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْحُوتَ أَنْ يُلْقِيَهُ فِى الْبَرِّ.

فَعَنْ سَعْدِ بنِ أَبِى وَقَّاصٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَعْوَةُ ذِى النُّونِ إِذْ دَعَا رَبَّهُ وَهُوَ فِى بَطْنِ الْحُوتِ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّى كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِى شَىْءٍ إِلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِىُّ.

(219) تَكَلَّمْ عَنْ عِصْمَةِ الأَنْبِيَاءِ مِنَ الْكَبَائِرِ.

تَجِبُ لِلأَنْبِيَاءِ الْعِصْمَةُ مِنَ الْكَبَائِرِ أَىْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالزِّنَا وَالِانْتِحَارِ فَلا يَجُوزُ اعْتِقَادُ أَنَّ سَيِّدَنَا لُوطًا شَرِبَ الْخَمْرَ وَزَنَى بِابْنَتَيْهِ وَلا يَجُوزُ اعْتِقَادُ أَنَّ سَيِّدَنَا يُونُسَ أَلْقَى بِنَفْسِهِ فِى الْبَحْرِ لِيَنْتَحِرَ أَوْ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا ﷺ هَمَّ أَنْ يُلْقِىَ بِنَفْسِهِ مِنْ رَأْسِ الْجَبَلِ لِيَقْتُلَ نَفْسَهُ فَمَنِ اعْتَقَدَ ذَلِكَ فَهُوَ كَافِرٌ لِأَنَّ الِانْتِحَارَ ذَنْبٌ كَبِيرٌ وَهُوَ أَكْبَرُ الذُّنُوبِ بَعْدَ الْكُفْرِ فَلا يُتَصَوَّرُ حُصُولُهُ مِنَ الأَنْبِيَاءِ وَتَحْرِيمُ ذَلِكَ يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾.

بَعْضُ النَّاسِ قَرَأَ فِى بَعْضِ كُتُبِ الْحَدِيثِ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ حِينَ انْقَطَعَ عَنْهُ الْوَحْىُ بُرْهَةً مِنَ الزَّمَنِ صَارَ فِى قَلْبِهِ شِدَّةُ شَوْقٍ لِلْوَحِى فَذَهَبَ إِلَى بَعْضِ ذُرَى جِبَالِ مَكَّةَ وَأَرَادَ أَنْ يُلْقِىَ بِنَفْسِهِ مِنْ رَأْسِ الْجَبَلِ لِتَخْفِيفِ الشَّوْقِ الْحَاصِلِ فِى قَلْبِهِ مِنْ أَثَرِ انْقِطَاعِ الْوَحِى فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وَقَالَ لَهُ يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ حَقًا فَذَهَبَ عَنْهُ مَا كَانَ بِهِ، فَظَنَّ الْجَاهِلُ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ أَرَادَ أَنْ يَنْتَحِرَ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ.

الرَّسُولُ ﷺ ذَهَبَ إِلَى هُنَاكَ وَهُوَ يَعْتَقِدُ اعْتِقَادًا جَازِمًا أَنَّهُ إِنْ أَلْقَى بِنَفْسِهِ مِنْ رَأْسِ الْجَبَلِ لا يُصِيبُهُ أَدْنَى ضَرَرٍ. فَلا يَجُوزُ اعْتِقَادُ أَنَّ الرَّسُولَ ذَهَبَ لِيَنْتَحِرَ أَوْ أَنَّهُ نَوَى الِانْتِحَارَ أَوْ هَمَّ بِهِ لِأَنَّ هَذَا لا يَجُوزُ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ.

(220) مَا الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ حُصُولِ الْمَعْصِيَةِ الصَّغِيرَةِ الَّتِى لَيْسَ فِيهَا خِسَّةٌ وَلا دَنَاءَةٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ.

مِمَّا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ حُصُولِ ذَلِكَ مِنْهُمْ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَعَصَى ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ أَىْ أَخْطَأَ بِأَكْلِهِ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِى نَهَاهُ اللَّهُ عَنِ الأَكْلِ مِنْهَا لَمَّا كَانَ فِى الْجَنَّةِ وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ. وَلَمْ تَكُنْ مَعْصِيَةُ ءَادَمَ ذَنْبًا كَبِيرًا كَمَا تَدَّعِى النَّصَارَى بَلْ هِىَ مَعْصِيَةٌ صَغِيرَةٌ لَيْسَ فِيهَا خِسَّةٌ وَلا دَنَاءَةٌ. وَسْوَسَ لَهُ الشَّيْطَانُ بِالأَكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدْخُلَ فِى جَسَدِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا ءَادَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى﴾ فَوَقَعَ فِى مَعْصِيَةِ صَغِيرَةٍ لَيْسَ فِيهَا خِسَّةٌ َوَلا دَنَاءَةٌ ثُمَّ تَابَ مِنْهَا.

(221) مَا حُكْمُ مَنْ نَسَبَ إِلَى الأَنْبِيَاءِ اسْمًا شَنِيعًا.

اعْلَمْ أَنَّ أَسْمَاءَ الأَنْبِيَاءِ لَيْسَتْ مِنَ الأَسْمَاءِ الْقَبِيحَةِ الشَّنِيعَةِ فَهِىَ لَيْسَتْ خَبِيثَةً وَلَيْسَتْ مُشْتَقَّةً مِنْ شَىْءٍ خَبِيثٍ وَلا يُشْتَقُّ مِنْهَا شَىْءٌ خَبِيثٌ فَمَنْ نَسَبَ إِلَيْهِمُ اسْمًا شَنِيعًا بَشِعًا فَقَدِ انْتَقَصَهُمْ. فَيُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ لُوطًا الَّذِى هُوَ اسْمُ نَبِىٍّ مُشْتَقٌّ مِنَ اللِّوَاطِ لِأَنَّ اللِّوَاطَ لَفْظٌ عَرَبِىٌّ وَهُوَ مَصْدَرُ لاطَ أَمَّا لُوطٌ فَهُوَ اسْمٌ أَعْجَمِىٌّ فَكَيْفَ يَدَّعِى مُدَّعٍ أَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ اللِّوَاطِ وَكَذَلِكَ لا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِأَنَّ فِعْلَ اللِّوَاطِ مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمِ نَبِىِّ اللَّهِ لُوطٍ أَىْ مَأْخُوذٌ مِنْهُ.

(222) اذْكُرْ بَعْضَ مَا يَسْتَحِيلُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ.

يَسْتَحِيلُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ الْجُنُونُ وَالْخَرَفُ وَتَأْثِيرُ السِّحْرِ فِى عُقُولِهِمْ وَتَصَرُّفَاتِهِمْ ولا تَحْصُلُ فِى أَبْدَانِهِمْ وَلا فِى أَفْوَاهِهِمْ وَلا فِى ثِيَابِهِمُ الرَّوَائِحُ الْكَرِيهَةُ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ ذُو عَاهَةٍ فِى خِلْقَتِهِ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَعْرَجُ وَلا أَعْمَى خِلْقَةً.