(793) مَا حُكْمُ الِاسْتِمَاعِ إِلَى كَلامِ قَوْمٍ أَخْفَوْهُ عَنْهُ.

يَحْرُمُ الِاسْتِمَاعُ إِلَى كَلامِ قَوْمٍ يَكْرَهُونَ اطِّلاعَهُ عَلَيْهِ بِأَنْ عَلِمَ أَنَّهُمْ يَكْرَهُونَ ذَلِكَ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ التَّجَسُّسِ الْمُحَرَّمِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنِ اسْتَمَعَ إِلَى حَدِيثِ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ صُبَّ فِى أُذُنَيْهِ الآنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ. وَالآنُكُ هُوَ الرَّصَاصُ الْمُذَابُ.

(794) مَا حُكْمُ الِاسْتِمَاعِ إِلَى الْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَإِلَى سَائِرِ ءَالاتِ اللَّهْوِ الْمُحَرَّمَةِ.

يَحْرُمُ الِاسْتِمَاعُ إِلَى الْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَإِلَى سَائِرِ ءَالاتِ اللَّهْوِ الْمُحَرَّمَةِ كَالْكَمَنْجَةِ وَالْعُودِ وَالطُّنْبُورِ وَالْمِزْمَارِ لِحَدِيثِ لَيَكُونَنَّ فِى أُمَّتِى أُنَاسٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ، أَىْ يَكُونُ فِى أُمَّتِهِ ﷺ أُنَّاسٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَهُوَ الْفَرْجُ أَىْ يَفْعَلُونَ الزِّنَا وَيُكْثِرُونَ مِنْ فِعْلِهِ وَيَلْبَسُ رِجَالُهُمُ الْحَرِيرَ وَهُوَ حَرَامٌ عَلَى الذُّكُورِ وَأَمَّا الْمَعَازِفُ فَهِىَ الآلاتُ الَّتِى يُعْزَفُ عَلَيْهَا.

وَعُبِّرَ بِالِاسْتِمَاعِ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ هُوَ الِاسْتِمَاعُ لا السَّمَاعُ بِلا قَصْدٍ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الْمُوسِيقَى حَدِيثُ صَوْتَانِ مَلْعُونَانِ فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ مِزْمَارٌ عِنْدَ نِعْمَةٍ (أَىْ صَوْتُ الْمِزْمَارِ عِنْدَ حُصُولِ نِعْمَةٍ) وَرَنَّةٌ عِنْدَ مُصِيبَةٍ (أَىِ النِّيَاحَةُ وَهِىَ الصُّرَاخُ عِنْدَ حُصُولِ الْمُصِيبَةِ) رَوَاهُ الْبَزَّارُ وَالْهَيْثَمِىُّ وَصَحَّحَهُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِىُّ. وَلا يَحْرُمُ الِاسْتِمَاعُ إِلَى الطَّبْلِ وَالدُّفِّ وَالصَّنْجِ وَهِىَ قِطْعَتَانِ مِنْ نُحَاسٍ تُضْرَبُ إِحْدَاهُمَا بِالأُخْرَى.

فَصْلٌ فِى مَعَاصِى الْيَدَيْنِ

(795) مَا حُكْمُ التَّطْفِيفِ فِى الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ وَالذَّرْعِ.

يَحْرُمُ التَّطْفِيفُ فِى الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ وَالذَّرْعِ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ وَالتَّطْفِيفُ هُوَ أَنْ يُنْقِصَ الْبَائِعُ مِنْ حَقِّ الْمُشْتَرِى عِنْدَ الْبَيْعِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ أَىْ إِذَا اكْتَالُوا مِنَ النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ حُقُوقَهُمْ مِنْهُمْ أَىْ يَأْخُذُونَهَا كَامِلَةً ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ أَىْ إِذَا كَالُوا لِلنَّاسِ أَوْ وَزَنُوا لَهُمْ يُنْقِصُونَ لَهُمْ فِى الْكَيْلِ أَوِ الْوَزْنِ.

قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِى فَتْحِ الْبَارِى أَخْرَجَ النَّسَائِىُّ وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ لَمَّا قَدِمَ النَّبِىُّ ﷺ الْمَدِينَةَ كَانُوا مِنْ أَخْبَثِ النَّاسِ كَيْلًا فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ فَأَحْسَنُوا الْكَيْلَ بَعْدَ ذَلِكَ.

(796) مَا حُكْمُ السَّرِقَةِ.

السَّرِقَةُ حَرَامٌ مِنَ الْكَبَائِرِ وَهِىَ أَخْذُ مَالِ الْغَيْرِ خُفْيَةً بِغَيْرِ حَقٍّ. وَيُحَدُّ السَّارِقُ إِنْ سَرَقَ مَا يُسَاوِى رُبْعَ دِينَارٍ مِنَ الذَّهَبِ الْخَالِصِ مِنْ حِرْزِهِ أَىْ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِى يُحْفَظُ فِيهِ عَادَةً بِقَطْعِ يَدِهِ الْيُمْنَى مِنَ الْكُوعِ ثُمَّ إِنْ عَادَ بَعْدَ قَطْعِ الْيُمْنَى إِلَى السَّرِقَةِ ثَانِيًا فَبِقَطْعِ رِجْلِهِ الْيُسْرَى مِنَ الْكَعْبِ ثُمَّ إِنْ عَادَ ثَالِثًا فَبِقَطْعِ يَدِهِ الْيُسْرَى ثُمَّ إِنْ عَادَ رَابِعًا فَبِقَطْعِ رِجْلِهِ الْيُمْنَى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا تُقْطَعُ يَدُ سَارِقٍ إِلَّا فِى رُبْعِ دِينَارِ ذَهَبٍ فَصَاعِدًا رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَأَمَّا مَا سُرِقَ مِنْ غَيْرِ حِرْزِهِ فَلا تُقْطَعُ بِهِ يَدُ السَّارِقِ مَعَ كَوْنِهِ حَرَامًا. وَيَخْتَلِفُ الْحِرْزُ بِاخْتِلافِ الْمَالِ فَحِرْزُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ غَيْرُ حِرْزِ أَثَاثِ الْبَيْتِ وَغَيْرُ حِرْزِ الْمَاشِيَةِ.

(797) مَا حُكْمُ النَّهْبِ وَالْغَصْبِ وَالْغُلُولِ.

النَّهْبُ هُوَ أَخْذُ مَالِ الْغَيْرِ جِهَارًا أَىْ فِى الْعَلَنِ بِغَيْرِ حَقٍّ أَمَّا الْغَصْبُ فَهُوَ الِاسْتِيلاءُ عَلَى حَقِّ الْغَيْرِ ظُلْمًا اعْتِمَادًا عَلَى الْقُوَّةِ وَهُمَا مِنَ الْكَبَائِرِ لِقَوْلِهِ ﷺ مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنْ أَرْضٍ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ، مَعْنَاهُ مَنْ ظَلَمَ بِغَصْبِهِ وَلَوْ قَدْرَ شِبْرٍ مِنْ أَرْضِ غَيْرِهِ تُخْسَفُ بِهِ الأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَتَكُونُ تِلْكَ الْبُقْعَةُ فِى عُنُقِهِ كَالطَّوْقِ أَىْ يُعَلَّقُ فِى عُنُقِهِ قَدْرُ شِبْرٍ مِنَ الأَرْضِ وَيَكُونُ مُتَّصِلًا إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ أَىْ بِطُولِ سَبْعِ أَرَضِينَ مُجَازَاةً لَهُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ وَفَضِيحَةً لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

أَمَّا مَا يُؤْخَذُ مِنَ النَّاسِ بِحَقٍّ كَالَّذِى يَأْخُذُهُ الْحَاكِمُ لِسَدِّ الضَّرُورَاتِ مِنْ أَمْوَالِ الأَغْنِيَاءِ إِنْ لَمْ يُوجَدْ فِى بَيْتِ الْمَالِ مَا يَكْفِى لِذَلِكَ فَلَيْسَ غَصْبًا بَلْ هُوَ جَائِزٌ. وَأَمَّا الْغُلُولُ فَهُوَ الأَخْذُ مِنَ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ فَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِىُّ عَنْ أَبِى أُمَامَةَ أَنَّهُمْ تَذَاكَرُوا الْكَبَائِرَ فَقَالُوا الشِّرْكُ وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ وَالسِّحْرُ وَالْعُقُوقُ وَقَوْلُ الزُّورِ وَالْغُلُولُ وَالزِّنَى وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِى رَجُلٍ مَاتَ فِى غَزْوَةٍ وَقَدْ غَلَّ إِنَّهُ فِى النَّارِ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا تَغُلُّوا فَإِنَّ الْغُلُولَ نَارٌ وَعَارٌ عَلَى أَصْحَابِهِ فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.

(798) مَا حُكْمُ الْمَكْسِ.

الْمَكْسُ مِنَ الْكَبَائِرِ وَهُوَ الضَّرَائِبُ الَّتِى تُؤْخَذُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ حَقٍّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِى الْمَرْأَةِ الزَّانِيَةِ الَّتِى رُجِمَتْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِى هَذَا إِشْعَارٌ بِعُظْمِ مَعْصِيَةِ الْمَكْسِ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَكْسَ أَشَدُّ ذَنْبًا مِنَ الزِّنَى بَلِ الزِّنَى أَشَدُّ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ صَاحِبُ مَكْسٍ، أَىْ لا يَدْخُلُهَا مَعَ الأَوَّلِينَ إِنَّمَا يَدْخُلُهَا بَعْدَ سَبْقِ عَذَابٍ إِنْ لَمْ يَعْفُ اللَّهُ عَنْهُ.

قَالَ الْمُنْذِرِىُّ الآنَ يَأْخُذُونَ مَكْسًا ءَاخَرَ لَيْسَ بِاسْمِهِ وَلَكِنَّهُ حَرَامٌ سُحْتٌ. وَبَعْضُ النَّاسِ لا يَرَوْنَ الْمَكْسَ مَعْصِيَةً فَقَالَ بَعْضُ الْجَهَلَةِ إِنَّهُ حَقُّ السُّلْطَانِ. قَالَ النَّوَوِىُّ فِى بَعْضِ تَآلِيفِهِ إِنَّ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ رِدَّةٌ أَىْ كُفْرٌ. وَيَنْبَغِى حَمْلُ كَلامِ النَّوَوِىِّ عَلَى غَيْرِ قَرِيبِ عَهْدٍ بِإِسْلامٍ وَنَحْوِهِ وَغَيْرِ مُتَأَوِّلٍ بِأَنَّهُ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ لِخِدْمَةِ الْبِلادِ الضَّرُورِيَّةِ فَهَؤُلاءِ لا يُكَفَّرُونَ إِنْ سَمَّوْهَا هَذِهِ التَّسْمِيَةَ. وَلْيُعْلَمْ أَنَّ الْحَاكِمَ إِذَا لَمْ يَجِدْ فِى أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ الشَّرْعِىِّ مَا يُنْفِقُهُ لِخِدْمَةِ الْبِلادِ وَحِفْظِهَا يَأْخُذُ مِنَ الأَغْنِيَاءِ لِسَدِّ الضَّرُورَاتِ بِقَدْرِ مَا يَكْفِى لَهَا وَلَوْ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ.

(799) مَا حُكْمُ قَتْلِ الْمُسْلِمِ عَمْدًا.

قَتْلُ الْمُسْلِمِ عَمْدًا بِغَيْرِ حَقٍّ ذَنْبٌ كَبِيرٌ وَهُوَ أَعْظَمُ الذُّنُوبِ بَعْدَ الْكُفْرِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ أَنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَىُّ الذَّنْبِ أَشَدُّ قَالَ أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ (أَىْ أَنْ تُشْرِكَ بِاللَّهِ) قِيلَ ثُمَّ أَىُّ قَالَ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ الْفَقْرِ قِيلَ ثُمَّ أَىُّ قَالَ أَنْ تُزَانِىَ حَلِيلَةَ جَارِكَ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِى الْحَدِيثِ الَّذِى فِيهِ بَيَانُ السَّبْعِ الْمُوبِقَاتِ أَىِ الْمُهْلِكَاتِ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ.

وَفِيهِ الْقِصَاصُ أَىِ الْقَتْلُ إِلَّا إِذَا عَفَا عَنْهُ الْوَرَثَةُ لِلْقَتِيلِ عَلَى أَنْ يَدْفَعَ الدِّيَةَ أَوْ مَجَّانًا فَلا يُقْتَلُ حِينَئِذٍ. وَالدِّيَةُ هِىَ مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ فِى الذَّكَرِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ وَنِصْفُهَا فِى الأُنْثَى الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ.

(800) مَا حُكْمُ الِانْتِحَارِ.

اعْلَمْ أَنَّ الِانْتِحَارَ ذَنْبٌ كَبِيرٌ فَلا يَجُوزُ لِلإِنْسَانِ أَنْ يَقْتُلَ نَفْسَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ وَقَوْلِهِ ﷺ مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَىْءٍ عُذِّبَ بِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ. فَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمُسْلِمَ الَّذِى قَتَلَ نَفْسَهُ وَلَمْ يَعْفُ اللَّهُ عَنْهُ يُعَذَّبُ فِى نَارِ جَهَنَّمَ مُدَّةً بِمَا قَتَلَ بِهِ نَفْسَهُ ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَلا يَكُونُ كَافِرًا لِمُجَرَّدِ ذَلِكَ لِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَنَّ رَجُلًا مُهَاجِرًا مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا فَلَمْ يَصْبِرْ فَقَطَعَ بَرَاجِمَهُ أَىْ مَفَاصِلَ أَصَابِعِهِ بِحَدِيدَةٍ فَصَارَ الدَّمُ يَسِيلُ فَمَاتَ،

ثُمَّ رَءَاهُ رَفِيقُهُ الَّذِى هَاجَرَ مَعَهُ فِى الْمَنَامِ بِهَيْأَةٍ حَسَنَةٍ وَرَءَاهُ مُغَطِيًّا يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُ مَا فَعَلَ بِكَ رَبُّكَ قَالَ غَفَرَ لِى بِهِجْرتِى إِلَى نَبِيِّهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُ فَمَا لِيَدَيْكَ قَالَ قِيلَ لِى إِنَّا لا نُصْلِحُ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ. ثُمَّ قَصَّ الرَّجُلُ عَلَى النَّبِىِّ الرُّؤْيَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ. وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ الَّذِى قَتَلَ نَفْسَهُ وَلَمْ يَعْتَقِدْ أَنَّ مَا فَعَلَهُ حَلالٌ لا يَكْفُرُ إِنَّمَا عَلَيْهِ ذَنْبٌ كَبِيرٌ أَمَّا إِنِ اعْتَقَدَ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ نَفْسَهُ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ وَهَذَا مَا عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ قَالَ الإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِىُّ أَحْمَدُ بنُ سَلامَةَ الْمِصْرِىُّ فِى عَقِيدَتِهِ وَلا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبٍ مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ. وَالْمُرَادُ بِأَهْلِ الْقِبْلَةِ الْمُؤْمِنُونَ. وَلْيُعْلَمْ أَنَّهُ لا يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى مَنْ أَحْرَقَ نَفْسَهُ شَهِيدًا وَلا يَجُوزُ اسْتِحْسَانُ فِعْلِهِ.

(801) مَا حُكْمُ ضَرْبِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ.

يَحْرُمُ ضَرْبُ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ لِقَوْلِهِ ﷺ إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِى الدُّنْيَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَيَحْرُمُ ضَرْبُهُ عَلَى وَجْهِهِ وَتَرْوِيعُهُ وَالإِشَارَةُ إِلَيْهِ بِنَحْوِ سِلاحٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ فَإِنَّ الْمَلائِكَةَ تَلْعَنُهُ وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ.

(802) مَا حُكْمُ أَخْذِ الرِّشْوَةِ وَإِعْطَائِهَا.

أَخْذُ الرِّشْوَةِ وَإِعْطَاؤُهَا مِنَ الْكَبَائِرِ فَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّاشِىَ وَالْمُرْتَشِىَ فِى الْحُكْمِ. وَالرِّشْوَةُ هِىَ مَا يُعْطَى لِإِبْطَالِ حَقٍّ أَىْ لِمَنْعِ صَاحِبِ الْحَقِّ مِنْ تَحْصِيلِ حَقِّهِ أَوْ لِإِحْقَاقِ بَاطِلٍ أَىْ لِلتَّوَصُّلِ إِلَى كَسْبِ وَتَحْصِيلِ مَا لا يَسْتَحِقُّهُ فَمَنْ أَعْطَى حَاكِمًا أَوْ قَاضِيًا رِشْوَةً أَوْ أَهْدَى إِلَيْهِ هَدِيَّةً لِيَحْكُمَ لَهُ بِبَاطِلٍ أَوْ يَتَوَصَّلَ بِهَا لِنَيْلِ مَا لا يَسْتَحِقُّهُ أَوْ لِأَذِيَّةِ مُسْلِمٍ وَقَعَ الِاثْنَانِ فِى ذَنْبٍ كَبِيرٍ. وَيَجُوزُ دَفْعُ الرِّشْوَةِ لِلضَّرُورَةِ كَدَفْعِ الظُّلْمِ أَوْ لِتَحْصِيلِ حَقِّهِ فَمَنْ دَفَعَ رِشْوَةً لِيَحْكُمَ لَهُ الْحَاكِمُ بِحَقٍّ أَوْ لِيَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ ظُلْمًا أَوْ لِيَنَالَ مَا يَسْتَحِقُّهُ فَلا مَعْصِيَةَ عَلَيْهِ.

(803) مَا حُكْمُ إِحْرَاقِ الْحَيَوَانِ بِالنَّارِ.

إِحْرَاقُ الْحَيَوَانِ بِالنَّارِ وَهُوَ حَىٌّ مِنَ الْكَبَائِرِ أَمَّا إِذَا ءَاذَى وَلا يَسْتَطِيعُ الإِنْسَانُ التَّخَلُّصَ مِنْ أَذَاهُ إِلَّا بِالْحَرْقِ فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّهَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

(804) مَا حُكْمُ الْمُثْلَةِ بِالْحَيَوَانِ.

يَحْرُمُ الْمُثْلَةُ بِالْحَيَوَانِ أَىْ تَقْطِيعُ أَجْزَائهِ كَأَنْفِهِ أَوْ أُذُنِهِ وَهُوَ حَىٌّ لِأَنَّ فِى ذَلِكَ تَعْذِيبًا لَهُ وَأَمَّا تَشْرِيحُ الْبَهَائِمِ لِلدِّرَاسَةِ وَهِىَ حَيَّةٌ بَعْدَ تَخْدِيرِهَا فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَأْكُولَةٍ مِمَّا يَجُوزُ قَتْلُهُ وَلا تَتَعَذَّبُ بِذَلِكَ فَيَجُوزُ. وَيَحْرُمُ غَرْزُ الدُّودَةِ وَهِىَ حَيَّةٌ بِنَحْوِ إِبْرَةٍ لِيُصَادَ بِهَا السَّمَكُ وَصَعْقُ الدَّجَاجِ بِالْكَهْربَاءِ قَبْلَ ذَبْحِهِ لِأَنَّ فِى ذَلِكَ تَعْذِيبًا لَهَا.

(805) مَا حُكْمُ اللَّعِبِ بِالنَّرْدِ وَالشِّطْرَنْجِ.

يَحْرُمُ اللَّعِبُ بِالنَّرْدِ لِقَوْلِهِ ﷺ مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ فَكَأَنَّمَا غَمَسَ يَدَهُ فِى لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَيَجُوزُ اللَّعِبُ بِالشِّطْرَنْجِ لِأَنَّ الْعُمْدَةَ فِيهِ عَلَى الْفِكْرِ وَالْحِسَابِ قَبْلَ نَقْلِ الأَدَوَاتِ. أَمَّا اللَّعِبُ بِالأَوْرَاقِ الْمُزَوَّقَةِ الْمَعْرُوفَةِ فِى بَعْضِ الْبِلادِ بِوَرَقِ الشَّدَّةِ فَحَرَامٌ وَكَذَا كُلُّ لُعْبَةٍ كَانَ الِاعْتِمَادُ فِى لَعِبِهَا عَلَى الْحَزْرِ وَالتَّخْمِينِ لا عَلَى الْفِكْرِ وَالْحِسَابِ.

(806) مَا حُكْمُ اللَّعِبِ بِمَا فِيهِ قِمَارٌ.

يَحْرُمُ اللَّعِبُ بِكُلِّ مَا فِيهِ قِمَارٌ وَهُوَ كَأَنْ يَتَّفِقَ اثْنَانِ عَلَى أَنْ يُخْرِجَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَبْلَغًا مِنَ الْمَالِ يَأْخُذُهُ الرَّابِحُ مِنْهُمَا. وَالْقِمَارُ مِنَ الْكَبَائِرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ وَالْمَيْسِرُ هُوَ الْقِمَارُ.

(807) مَا حُكْمُ اللَّعِبِ بِآلاتِ اللَّهْوِ الْمُحَرَّمَةِ.

يَحْرُمُ اللَّعِبُ بِآلاتِ اللَّهْوِ الْمُحَرَّمَةِ كَالْكَمَنْجَةِ وَالطُّنْبُورِ وَالْمِزْمَارِ لِحَدِيثِ لَيَكُونَنَّ فِى أُمَّتِى أُنَاسٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ (أَىِ الْفَرْجَ) وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ. وَالْمَعَازِفُ هِىَ ءَالاتُ اللَّهْوِ الَّتِى يُعْزَفُ عَلَيْهَا.

(808) مَا حُكْمُ لَمْسِ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ الأَجْنَبِيَّةِ.

يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ لَمْسُ الْمَرْأَةِ الأَجْنَبِيَّةِ عَمْدًا بِغَيْرِ حَائِلٍ بِشَهْوَةٍ أَوْ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ وَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ كُلِّ أَئِمَّةِ الِاجْتِهَادِ لِقَوْلِهِ ﷺ لَأَنْ يُطْعَنَ أَحَدُكُمْ بِحَدِيدَةٍ فِى رَأْسِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمَسَّ امْرَأَةً لا تَحِلُّ لَهُ رَوَاهُ الطَّبَرَانِىُّ فِى الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ. وَمِمَّا يَدُلُ عَلَى حُرْمَةِ مُصَافَحَةِ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ الأَجْنَبِيَّةَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ إِنِّى لا أُصَافِحُ النِّسَاءَ رَوَاهُ الْبَيْهَقِىُّ فِى السُّنَنِ الْكُبْرَى وَقَوْلُهُ وَزِنَا الْيَدِ الْبَطْشُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْبَطْشُ الأَخْذُ بِالْيَدِ وَالْمُرَادُ اللَّمْسُ.

وَخَالَفَتْ فِى ذَلِكَ طَائِفَةٌ تُسَمَّى حِزْبَ التَّحْرِيرِ فَأَحَلُّوا مُصَافَحَةَ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ الأَجْنَبِيَّةِ وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى نِسَاءِ الأَنْصَارِ فَقَالَ أَنَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ فَقُلْنَ مَرْحَبًا بِرَسُولِ رَسُولِ اللَّهِ فَمَدَدْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَمَدَّ يَدَهُ. وَهَذَا لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ صَافَحَهُنَّ كَمَا تَدَّعِى جَمَاعَةُ حِزْبِ التَّحْرِيرِ الْمُنْحَرِفَةُ بَلْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الإِشَارَةِ فَقَطْ.

(809) مَا حُكْمُ مُصَافَحَةِ الرَّجُلِ الأَجْنَبِىِّ لِلْمُرَاهِقَةِ وَالصَّبِيَّةِ بِلا حَائِلٍ.

يَحْرُمُ عَلَى الأَجْنَبِىِّ مُصَافَحَةُ الْمُرَاهِقَةِ بِلا حَائِلٍ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ مُصَافَحَةُ الصَّبِيَّةِ إِنْ كَانَتْ تُشْتَهَى. وَالْمُرَاهِقَةُ هِىَ الَّتِى قَارَبَتِ الْبُلُوغَ.

(810) مَا حُكْمُ مُصَافَحَةِ الْمَرْأَةِ الأَجْنَبِيَّةِ لِلْمُرَاهِقِ وَالصَّبِىِّ بِلا حَائِلٍ.

يَحْرُمُ عَلَى الأَجْنَبِيَّةِ مُصَافَحَةُ الْمُرَاهِقِ أَىْ مَنْ قَارَبَ الْبُلُوغَ كَابْنِ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً وَيَحْرُمُ عَلَيْهَا مُصَافَحَةُ الصَّبِىِّ الَّذِى بَلَغَ حَدًّا يُشْتَهَى فِيهِ بِالنِّسْبَةِ لِأَهْلِ الطِّبَاعِ السَّلِيمَةِ.

(811) مَا حُكْمُ تَصْوِيرِ ذِى رُوحٍ.

يَحْرُمُ تَصْوِيرُ ذِى رُوحٍ وَلَوْ بِهَيْئَةٍ لا يَعِيشُ بِهَا الْحَيَوَانُ كَصُنْعِ تِمْثَالٍ لِإِنْسَانٍ أَوْ بَهِيمَةٍ فَقَدْ وَرَدَ فِى الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَعَنَ الْمُصَوِّرِينَ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ. فَمَنْ صَنَعَ تِمْثَالًا لِإِنْسَانٍ أَوْ بَهِيمَةٍ لِيَتَّخِذَهُ النَّاسُ صَنَمًا يَعْبُدُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَهُوَ كَافِرٌ لِأَنَّ الإِعَانَةَ عَلَى الْكُفْرِ كُفْرٌ فَقَدْ وَرَدَ فِى الْحَدِيثِ الْمُصَوِّرُونَ أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَمَّا لَوْ صَنَعَ تِمْثَالًا لا لِلْعِبَادَةِ فَعَلَيْهِ ذَنْبٌ كَبِيرٌ.

وَتَصْوِيرُ ذِى رُوحٍ كَانَ جَائِزًا فِى شَرِيعَةِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾. وَيَحْرُمُ اسْتِبْقَاءُ صُورَةِ الْحَيَوَانِ إِنْ كَانَتْ بِهَيْئَةٍ يَعِيشُ بِهَا الْحَيَوَانُ وَوُجُودُهَا فِى الْبَيْتِ يَمْنَعُ دُخُولَ مَلائِكَةِ الرَّحْمَةِ الَّذِينَ يَأْتُونَ بِالنَّفَحَاتِ لِعِبَادِ اللَّهِ لِيَنْفَعُوهُمْ بِأَشْيَاءَ بِإِذْنِ اللَّهِ فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لا تَدْخُلُ الْمَلائِكَةُ (أَىْ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ) بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ أَوْ صُورَةٌ (أَىْ مُجَسَّمَةٌ).

أَمَّا اقْتِنَاءُ الصُّورَةِ الَّتِى لَيْسَتْ بِهَيْئَةٍ يَعِيشُ بِهَا الْحَيَوَانُ فَيَجُوزُ. وَمَعَ كَوْنِ اتِّخَاذِهَا جَائِزًا لا يَجُوزُ لِلشَّخْصِ أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِىَ الصُّوَرَ أَىْ صُوَرَ بَنِى ءَادَمَ وَالْبَهَائِمِ وَلَوْ كَانَتْ بِهَيْئَةٍ لا يَعِيشُ عَلَيْهَا الْحَيَوَانُ.

(812) مَا حُكْمُ مَنْعِ الزَّكَاةِ بَعْدَ وُجُوبِهَا.

مَنْعُ الزَّكَاةِ بَعْدَ وُجُوبِهَا أَىْ تَرْكُ دَفْعِهَا مِنَ الْكَبَائِرِ وَكَذَا تَأْخِيرُ دَفْعِهَا بَعْدَ وَقْتِ الْوُجُوبِ وَالتَّمَكُّنِ أَوْ إِعْطَاؤُهَا مَنْ لا يَسْتَحِقُّهَا. رَوَى الطَّبَرَانِىُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَعَنَ ءَاكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَمَانِعَ الزَّكَاةِ. فَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ وَتَمَكَّنَ مِنْ إِخْرَاجِهَا لا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ دَفْعَ الزَّكَاةِ إِلَّا لِعُذْرٍ كَأَنْ كَانَ يَنْتَظِرُ الأَقْرَبَ نَسَبًا أَوِ الأَشَدَّ فَقْرًا أَوِ الأَتْقَى فَيَجُوزُ تَأْخِيرُهَا حِينَئِذٍ.

وَلا يَجُوزُ إِعْطَاءُ الزَّكَاةِ مَنْ لا يَسْتَحِقُّهَا فَلا يَصِحُّ إِعْطَاءُ مَالِ الزَّكَاةِ لِغَنِىٍّ أَوْ مَنْسُوبٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَلا يَجُوزُ دَفْعُ مَالِ الزَّكَاةِ لِلْجَمْعِيَاتِ الَّتِى لَيْسَتْ أَهْلًا لِاسْتِلامِ مَالِ الزَّكَاةِ وَتَوْزِيعِهِ عَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ ثِقَةً. مَنْ أَرَادَ دَفْعَ الزَّكَاةِ يُوَكِّلُ ثِقَةً أَوْ جَمْعِيَّةً يُوثَقُ بِهَا كَأَنْ يَقُولَ لَهُمْ هَذِهِ زَكَاةُ مَالِى أَعْطُوهَا لِمَنْ يَسْتَحِقُّ أَوْ يَدْفَعُ هُوَ بِنَفْسِهِ.

الْمَنْسُوبُ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الصَّدَقَةَ أَىْ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ وَلا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ الزَّكَاةِ وَلَوْ كَانَ فَقِيرًا. التَّصَدُّقُ عَلَى الْمَنْسُوبِ وَالْغَنِىِّ وَالْفَاسِقِ وَالْكَافِرِ جَائِزٌ وَفِيهِ ثَوَابٌ لَكِنِ التَّصَدُّقُ عَلَى الْمُسْلِمِ وَالْفَقِيرِ وَالتَّقِىِّ أَثْوَبُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ أَىْ يُطْعِمُونَ الأَسِيرَ وَهُوَ الْكَافِرُ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ وَوَرَدَ فِى صَحِيحِ الْبُخَارِىِّ تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ وَتُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى غَنِىٍّ أَىْ فِى حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.

(813) مَا حُكْمُ مَنْعِ الأَجِيرِ أُجْرَتَهُ.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَعْطُوا الأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فَمَنِ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَمَنَعَهُ أُجْرَتَهُ وَقَعَ فِى ذَنْبٍ كَبِيرٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِى الْحَدِيثِ الْقُدْسِىِّ ثَلاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَدَّ مِنْهُمْ رَجُلًا اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

(814) بَيِّنْ مَا يَحْرُمُ كِتَابَتُهُ.

يَحْرُمُ كِتَابَةُ مَا يَحْرُمُ النُّطْقُ بِهِ مِنْ غِيبَةٍ وَغَيْرِهَا قَالَ الْغَزَالِىُّ فِى بِدَايَةِ الْهِدَايَةِ لِأَنَّ الْقَلَمَ أَحَدُ اللِّسَانَيْنِ فَاحْفَظْهُ عَمَّا يَجِبُ حِفْظُ اللِّسَانِ مِنْهُ مِنْ غِيبَةٍ وَغَيْرِهَا فَلا يُكْتَبُ بِهِ مَا يَحْرُمُ النُّطْقُ بِهِ. وَمِثْلُ الْقَلَمِ فِى ذَلِكَ سَائِرُ أَدَوَاتِ الْكِتَابَةِ مِنْ ءَالاتِ طِبَاعَةٍ وَحَاسُوبٍ وَنَحْوِهَا.

(815) مَا هِىَ الْخِيَانَةُ.

الْخِيَانَةُ قَدْ تَكُونُ بِالْفِعْلِ كَأَكْلِ الأَمَانَةِ أَوْ بِالْقَوْلِ كَجَحْدِ الأَمَانَةِ أَوْ بِالْحَالِ كَمَنْ يُوهِمُ النَّاسَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الأَمَانَةِ وَهُوَ لَيْسَ كَذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ وَرَوَى أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لا إِيمَانَ لِمَنْ لا أَمَانَةَ لَهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ نَفْىَ الإِيمَانِ عَنْهُ بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا كَامِلًا إِنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَى الأَمَانَةِ.

وَالأَمَانَةُ فِى الْعِلْمِ أَىْ عِلْمِ الدِّينِ أَهَمُّ مِنَ الأَمَانَةِ فِى الْمَالِ لِأَنَّ الْعِلْمَ أَهَمُّ مِنَ الْمَالِ وَضَرَرَ الْخِيَانَةِ فِى الْعِلْمِ أَعْظَمُ مِنْ ضَرَرِ الْخِيَانَةِ فِى الْمَالِ فَيَنْبَغِى لِلإِنْسَانِ أَنْ لا يَتَسَرَّعَ فِى الإِجَابَةِ وَأَنْ لا يُفْتِىَ بِغَيْرِ عِلْمٍ.

(816) مَا حُكْمُ مَنْعِ الْمُضْطَرِّ مَا يَسُدُّهُ.

يَحْرُمُ مَنْعُ الْمُضْطَرِّ مَا يَسُدُّ حَاجَتَهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ وَالْمُرَادُ بِالْمُضْطَرِّ مَنِ اضْطُرَّ لِطَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ أَوْ كِسْوَةٍ يَدْفَعُ بِهَا الْهَلاكَ عَنْ نَفْسِهِ. رَوَى ابْنُ رَجَبٍ فِى كِتَابِ أَهْوَالِ الْقُبُورِ عَنْ سَالِمِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ وَءَاوَانِىَ اللَّيْلُ إِلَى مَنْزِلِ عَجُوزٍ (أَىْ حَلَّ اللَّيْلُ وَأَنَا عِنْدَ بَيْتِ عَجُوزٍ) إِلَى جَانِبِ بَيْتِهَا

قَبْرٌ فَسَمِعْتُ هَاتِفًا يَهْتِفُ بِاللَّيْلِ (أَىْ سَمِعْتُ صَوْتًا يَخْرُجُ مِنَ الْقَبْرِ وَلا أَرَى شَخْصًا) يَقُولُ بَوْلٌ وَمَا بَوْلٌ شَنٌّ وَمَا شَنٌّ (وَالشَّنُّ هُوَ الْقِرْبَةُ الَّتِى يُوضَعُ فِيهَا الْمَاءُ) فَقُلْتُ لِلْعَجُوزِ وَيْحَكِ (أَىْ رَحِمَكِ اللَّهُ) مَا هَذَا فَقَالَتْ زَوْجٌ لِى وَكَانَ لا يَتَنَزَّهُ مِنَ الْبَوْلِ (أَىْ يُلَوِّثُ جِسْمَهُ بِالْبَوْلِ) فَأَقُولُ لَهُ وَيْحَكَ (وَهُنَا لِلتَّوْبِيخِ أَىْ تَلُومُهُ عَلَى تَصَرُّفِهِ بُغْيَةَ رَدْعِهِ) إِنَّ الْبَعِيرَ إِذَا بَالَ تَفَاجَّ (أَىْ بَاعَدَ مَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ) فَكَانَ لا يُبَالِى (أَىْ لا يَهْتَمُّ) قَالَتْ وَبَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ اسْقِنِى فَإِنِّى عَطْشَانُ قَالَ عِنْدَكَ الشَّنُّ وَشَنٌّ لَنَا مُعَلَّقٌ فَقَالَ يَا هَذَا اسْقِنِى فَإِنِّى عَطْشَانُ السَّاعَةَ أَمُوتُ قَالَ عِنْدَكَ الشَّنُّ قَالَتْ وَوَقَعَ الرَّجُلُ مَيِّتًا قَالَتْ فَهُوَ يُنَادِى (أَىْ زَوْجُهَا) مِنْ يَوْمِ مَاتَ بَوْلٌ وَمَا بَوْلٌ شَنٌّ وَمَا شَنٌّ.