(223) بَيِّنْ أَقْسَامَ الرِّدَّةِ.
الرِّدَّةُ هِىَ قَطْعُ الإِسْلامِ وَهِىَ ثَلاثَةُ أَقْسَامٍ اعْتِقَادَاتٌ وَأَفْعَالٌ وَأَقْوَالٌ أَىْ أَنَّ الْكُفْرَ ثَلاثَةُ أَنْوَاعٍ كُفْرٌ اعْتِقَادِىٌّ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ أَىْ لَمْ يَشُكُّوا، وَكُفْرٌ فِعْلِىٌّ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ﴾، وَكُفْرٌ لَفْظِىٌّ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ وَكُلٌّ مِنَ الأَنْوَاعِ الثَّلاثَةِ مُخْرِجٌ مِنَ الإِسْلامِ بِمُفْرَدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْضَمَّ إِلَيْهِ نَوْعٌ ءَاخَرُ.
(224) أَعْطِ بَعْضَ الأَمْثِلَةِ عَنِ اعْتِقَادَاتٍ كُفْرِيَّةٍ.
الِاعْتِقَادَاتُ الْكُفْرِيَّةُ هِىَ كَالشَّكِّ فِى وُجُودِ اللَّهِ أَوْ وَحْدَانِيَّتِهِ أَوْ حِكْمَتِهِ أَوْ عَدْلِهِ أَوِ اعْتِقَادِ أَنَّ اللَّهَ يَسْكُنُ فِى مَكَانٍ أَوْ جِهَةٍ أَوْ أَنَّ لَهُ حَجْمًا أَوْ شَكْلًا أَوْ لَوْنًا أَوِ الشَّكِّ فِى صِدْقِ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَوْ رِسَالَتِهِ أَىْ فِى كَوْنِهِ مُرْسَلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أَوِ الشَّكِّ فِى الْقُرْءَانِ هَلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أَوْ لا أَوِ الشَّكِّ فِى الْيَوْمِ الآخِرِ أَىْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ هَلْ يَكُونُ أَوْ لا أَوِ الشَّكِّ فِى الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ أَوِ الثَّوَابِ أَوِ الْعِقَابِ أَىْ فِى وُجُودِهَا فِى الآخِرَةِ أَوْ تَجْوِيزِ الرَّذَائِلِ عَلَى الأَنْبِيَاءِ أَوِ اعْتِقَادِ أَنَّ نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ جَاءَ بِغَيْرِ دِينِ الإِسْلامِ.
(225) أَعْطِ بَعْضَ الأَمْثِلَةِ عَنْ أَفْعَالٍ كُفْرِيَّةٍ.
الأَفْعَالُ الْكُفْرِيَّةُ هِىَ كَالدَّوْسِ عَلَى الْمُصْحَفِ أَوْ رَمْيِهِ فِى الْقَاذُورَاتِ أَوِ الْبَوْلِ عَلَيْهِ أَوْ كِتَابَةِ الْقُرْءَانِ بِالْبَوْلِ أَوْ بِدَمِ الْحَيْضِ وَلَوْ لِغَرَضِ الِاسْتِشْفَاءِ أَوْ رَمْىِ وَرَقَةٍ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ فِى نَجَاسَةٍ عَمْدًا أَوِ السُّجُودِ لِصَنَمٍ أَوْ شَمْسٍ أَوْ شَيْطَانٍ أَوْ نَارٍ وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْ عِبَادَتَهَا أَوْ تَعْلِيقِ شِعَارِ الْكُفْرِ عَلَى نَفْسِهِ لِاعْتِقَادِ وُجُودِ الْبَرَكَةِ فِيهِ أَوْ عَلَّقَهُ تَعْظِيمًا لَهُ أَوْ جَوَّزَ تَعْلِيقَهُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ. وَشِعَارُ الْكُفْرِ هُوَ مَا اتَّخَذَهُ الْكُفَّارُ عَلامَةً دِينِيَّةً خَاصَّةً بِهِمْ.
(226) أَعْطِ بَعْضَ الأَمْثِلَةِ عَنْ أَقْوَالٍ كُفْرِيَّةٍ.
الأَقْوَالُ الْكُفْرِيَّةُ هِىَ كَسَبِّ اللَّهِ أَوْ نَبِىٍّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ أَوْ مَلَكٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ أَوْ دِينِ الإِسْلامِ أَوِ الِاسْتِخْفَافِ بِالْجَنَّةِ أَوْ بِشَعِيرَةٍ مِنْ شَعَائِرِ الإِسْلامِ كَالصَّلاةِ وَالصِّيَامِ وَالأَذَانِ أَوْ تَجْوِيزِ نُبُوَّةِ أَحَدٍ بَعْدَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ أَوْ إِنْكَارِ نُبُوَّةِ أَحَدٍ مِنَ الأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى نُبُوَّتِهِ بَعْدَ الْعِلْمِ بِذَلِكَ أَوِ الِاسْتِخْفَافِ بِمَنْصِبِ النُّبُوَّةِ كَقَوْلِ الْقَائِلِ لَوْ كَانَ فُلانٌ نَبِيًّا مَا ءَامَنْتُ بِهِ وَالْقَوْلِ بِأَنَّ الْوَلِىَّ أَفْضَلُ مِنَ النَّبِىِّ أَوْ إِنْكَارِ صُحْبَةِ أَبِى بَكْرٍ لِسَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ أَوْ إِنْكَارِ بَعْثِ الأَجْسَادِ وَالأَرْوَاحِ مَعًا أَوْ إِنْكَارِ عَذَابِ الْقَبْرِ أَوِ التَّرَحُّمِ عَلَى الْكَافِرِ بَعْدَ مَوْتِهِ أَوِ الِاسْتِغْفَارِ لَهُ أَوِ الدُّعَاءِ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُجِيرَهُمُ اللَّهُ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ لِمَا فِيهِ تَكْذِيبٌ لِلشَّرْعِ.
(227) اذْكُرِ الدَّلِيلَ عَلَى أَنَّ مَنْ تَلَفَّظَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ عَامِدًا فَهُوَ كَافِرٌ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيـمَانِكُمْ﴾ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِى بِهَا فِى النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ، أَىْ أَنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةٍ لا يَرَى فِيهَا ضَرَرًا وَلا يَعْتَبِرُهَا مَعْصِيَةً يَنْزِلُ بِسَبَبِهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ سَبْعِينَ عَامًا حَتَّى يَصِلَ إِلَى قَعْرِهَا وَلا يَصِلُ إِلَى قَعْرِ النَّارِ إِلَّا الْكَافِرُ.
وَهَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لا يُشْتَرَطُ فِى الْوُقُوعِ فِى الْكُفْرِ مَعْرِفَةُ الْحُكْمِ أَىْ مَعْرِفَةُ أَنَّ مَا قَالَهُ كُفْرٌ لِأَنَّ النَّبِىَّ ﷺ حَكَمَ عَلَى قَائِلِ الْكَلِمَةِ الْكُفْرِيَّةِ بِالْعَذَابِ فِى قَعْرِ النَّارِ مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ عَالِمٍ بِالْحُكْمِ لِأَنَّهُ لا يَظُنُّ فِيهَا ضَرَرًا كَمَا جَاءَ فِى الْحَدِيثِ. وَلا يُشْتَرَطُ فِى الْوُقُوعِ فِى الْكُفْرِ انْشِرَاحُ الصَّدْرِ فَمَنْ قَالَ كَلامًا كُفْرِيًّا كَفَرَ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ رَاضٍ بِالْكُفْرِ وَلا قَاصِدًا الْكُفْرَ، وَلا يُشْتَرَطُ اعْتِقَادُ مَعْنَى اللَّفْظِ فَمَنْ تَلَفَّظَ بِالْكُفْرِ بِإِرَادَتِهِ أَىْ بِغَيْرِ سَبْقِ لِسَانٍ وَهُوَ يَفْهَمُ الْمَعْنَى كَفَرَ وَلَوْ كَانَ لا يَعْتَقِدُ مَعْنَى الْكَلامِ الَّذِى قَالَهُ وَلَيْسَ كَمَا يَقُولُ سَيِّد سَابِق الْمِصْرِىُّ فِى كِتَابِهِ الْمُسَمَّى فِقْهَ السُّنَّةِ إِنَّ الْمُسْلِمَ لا يُعْتَبَرُ خَارِجًا عَنِ الإِسْلامِ وَلا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالرِّدَّةِ إِلَّا إِذَا انْشَرَحَ صَدْرُهُ بِالْكُفْرِ وَاطْمَأَنَّ قَلْبُهُ بِهِ وَدَخَلَ فِى دِينٍ غَيْرِ الإِسْلامِ بِالْفِعْلِ. فَكَلامَهُ هَذَا ضِدُّ الْقُرْءَانِ وَالْحَدِيثِ وَضِدُّ إِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ ضَلالٌ مُبِينٌ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ فَاحْذَرُوهُ وَحَذِّرُوا مِنْهُ.
(228) مَا حُكْمُ مَنْ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ فِى حَالِ الْغَضَبِ.
مَنْ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ كَفَرَ وَإِنْ كَانَ فِى حَالِ الْغَضَبِ لِأَنَّ الْغَضَبَ لَيْسَ عُذْرًا. كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَكْفُرُونَ عِنْدَ الْغَضَبِ يَسُبُّونَ خَالِقَهُمْ أَوْ يَسُبُّونَ دِينَ الإِسْلامِ. فَهَنِيئًا لِمَنْ عَمِلَ بِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِلرَّجُلِ الَّذِى سَأَلَهُ مَا يُنْجِينِى مِنْ غَضَبِ اللَّهِ قَالَ لَهُ لا تَغْضَبْ أَىْ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ النَّجَاةَ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ فَلا تَغْضَبْ أَىِ اتْرُكِ الْغَضَبَ فَإِنَّ الْغَضَبَ مَهْلَكَةٌ كَبِيرَةٌ قَدْ يُوصِلُ الإِنْسَانَ إِلَى الْكُفْرِ أَوْ إِلَى قَتْلِ شَخْصٍ ظُلْمًا أَوْ إِلَى قَطِيعَةِ رَحِمِهِ وَقَدْ يُوصِلُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَفَاسِدِ.
قَالَ الْحَافِظُ النَّوَوِىُّ لَوْ غَضِبَ رَجُلٌ عَلَى وَلَدِهِ أَوْ غُلامِهِ (أَىْ عَبْدِهِ) فَضَرَبَهُ ضَرْبًا شَدِيدًا فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ أَلَسْتَ مُسْلِمًا (أَىْ كَيْفَ تَضْرِبُ وَلَدَكَ أَوْ غُلامَكَ هَذَا الضَّرْبَ الشَّدِيدَ أَلَسْتَ مُسْلِمًا) فَقَالَ لا مُتَعَمِّدًا كَفَرَ (لأَنَّهُ تَلَفَّظَ بِهِ بِإِرَادَتِهِ).
(229) بَيِّنْ أَقْسَامَ اللَّفْظِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ.
قَسَّمَ الْعُلَمَاءُ اللَّفْظَ إِلَى صَرِيحٍ وَظَاهِرٍ وَالصَّرِيحُ هُوَ الَّذِى لَيْسَ لَهُ إِلَّا مَعْنًى وَاحِدٌ يَقْتَضِى التَّكْفِيرَ فَيُحْكَمُ عَلَى قَائِلِهِ بِالْكُفْرِ كَقَوْلِ إِنْسَانٍ أَنَا اللَّهُ. أَمَّا مَنْ قَالَ كَلِمَةً كُفْرِيَّةً لا تَحْتَمِلُ إِلَّا مَعْنًى وَاحِدًا بِحَسَبِ وَضْعِ اللُّغَةِ لَكِنَّهُ ظَنَّ أَنَّ لَهَا مَعْنًى ءَاخَرَ غَيْرَ كُفْرِىٍّ فَقَالَهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الَّذِى ظَنَّهُ مَعْنًى لَهَا فَلا يَكْفُرُ كَقَوْلِ بَعْضِ الْعَوَامِّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَا فِى غَيْرَك يَا اللَّه ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ مَعْنَاهُ لا إِلَهَ غَيْرُكَ يَا اللَّهُ أَوْ لا مُعِينَ عَلَى الْحَقِيقَةِ غَيْرُكَ يَا اللَّه.
أَمَّا الظَّاهِرُ فَيَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ فَأَكْثَرَ بَعْضُهَا كُفْرٌ وَبَعْضُهَا غَيْرُ كُفْرٍ وكَانَ الْمَعْنَى الْمُتَبَادِرُ لِلَّفْظِ الأَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا فِيهِ كُفْرٌ فَلا يُكَفَّرُ قَائِلُهُ أَىْ لا يَجُوزُ تَكْفِيرُهُ حَتَّى يُعْرَفَ مِنْهُ الْمَعْنَى الَّذِى أَرَادَ فَإِنْ قَالَ أَرَدْتُ الْمَعْنَى الْكُفْرِىَّ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالْكُفْرِ أَمَّا إِنْ لَمْ يُرِدِ الْمَعْنَى الْكُفْرِىَّ فَلا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْكُفْرِ فَعَنْ مُحَمَّدِ بنِ الْحَسَنِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ الرَّجُلَ لَوْ قِيلَ لَهُ صَلِّ فَقَالَ لا أُصَلِّى فَإِنْ أَرَادَ لا أُصَلِّى لِأَنِّى صَلَّيْتُ لا يَكْفُرُ وَإِنْ أَرَادَ لا أُصَلِّى لِقَوْلِكَ لا يَكْفُرُ وَكَذَا إِنْ أَرَادَ لا أُصَلِّى أَنَا مُتَكَاسِلٌ وَأَمَّا إِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لا يُصَلِّى لِأَنَّهُ مُسْتَخِفٌّ بِالصَّلاةِ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ.
(230) أَعْطِ مِثَالًا ءَاخَرَ عَنْ لَفْظٍ ظَاهِرٍ فِى الْكُفْرِ.
اللَّفْظُ الظَّاهِرُ فِى الْكُفْرِ هُوَ كَقَوْلِ الْقَائِلِ الصَّلاةُ عَلَى النَّبِىِّ مَكْرُوهَةٌ، فَإِنْ أَرَادَ أَنَّ الصَّلاةَ عَلَى النَّبِىِّ مُحَمَّدٍ مَكْرُوهَةٌ فَهُوَ كُفْرٌ لِأَنَّهُ تَكْذِيبٌ لِلشَّرِيعَةِ قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. أَمَّا إِنْ أَرَادَ أَنَّ الصَّلاةَ عَلَى الأَرْضِ الْمُحْدَوْدِبَةِ مَكْرُوهَةٌ لِأَنَّ الشَّخْصَ لا يَخْشَعُ فِى صَلاتِهِ عَلَيْهَا فَلا يَكْفُرُ لِأَنَّ كَلِمَةَ النَّبِىِّ تَأْتِى فِى اللُّغَةِ بِمَعْنَى الأَرْضِ الْمُحْدَوْدِبَةِ وَتَأْتِى بِمَعْنَى مَنْ أُوحِىَ إِلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ.
(231) مَا حُكْمُ مَنْ يَقُولُ إِذَا كَانَ فِى الْكَلِمَةِ الْكُفْرِيَّةِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ قَوْلًا بِالتَّكْفِيرِ وَقَوْلٌ وَاحِدٌ بِتَرْكِ التَّكْفِيرِ يُأْخَذُ بِتَرْكِ التَّكْفِيرِ.
مَا يَقُولُهُ الْبَعْضُ مِنْ أَنَّهُ إِذَا اخْتَلَفَ النَّاسُ عَلَى تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ قَوْلًا بِالتَّكْفِيرِ وَقَوْلٍ وَاحِدٍ بِتَرْكِ التَّكْفِيرِ يُؤْخَذُ بِهَذَا الْقَوْلِ الْوَاحِدِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَلا يَصِحُّ نِسْبَةُ ذَلِكَ إِلَى مِالِكٍ وَلا إِلَى أَبِى حَنِيفَةَ كَمَا نَسَبَ سَيِّدُ سَابِق فِى كِتَابِهِ الْمُسَمَّى فِقْهَ السُّنَّةِ شِبْهَ ذَلِكَ إِلَى الإِمَامِ مَالِكٍ وَهُوَ شَائِعٌ عَلَى أَلْسِنَةِ بَعْضِ الْعَصْرِيِّينَ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ.
فَيُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَا كَانَ مِنَ الْكَلامِ فِيهِ اسْتِخْفَافٌ بِالدِّينِ أَوْ إِنْكَارُ مَا عُلِمَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ أَىْ مَا كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُكَفَّرُ قَائِلُهُ وَلَوْ خَالَفَ فِى ذَلِكَ أَلْفُ إِنْسَانٍ وَلا يُنْظَرُ إِلَى كَثْرَةِ الْمُخَالِفِينَ إِنَّمَا يُنْظَرُ إِلَى مُوَافَقَةِ الْحَقِّ.
(232) مَا حُكْمُ مَنِ اسْتَخَفَّ بِاللَّهِ أَوْ كُتُبِهِ أَوْ رُسُلِهِ أَوْ مَلائِكَتِهِ أَوْ مَعَالِمِ دِينِهِ أَوْ أَحْكَامِهِ أَوْ وَعْدِهِ أَوْ وَعِيدِهِ.
اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ اعْتِقَادٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ يَدُلُّ عَلَى اسْتِخْفَافٍ بِاللَّهِ أَوْ كُتُبِهِ أَوْ رُسُلِهِ أَوْ مَلائِكَتِهِ أَوْ شَعَائِرِهِ أَىْ مَعَالِمِ دِينِهِ أَوْ أَحْكَامِهِ أَوْ وَعْدِهِ أَوْ وَعِيدِهِ كُفْرٌ فَلْيَحْذَرِ الإِنْسَانُ مِنْ ذَلِكَ جَهْدَهُ عَلَى أَىِّ حَالٍ أَىْ لِيَعْمَلِ الإِنْسَانُ عَلَى تَجَنُّبِ الْكُفْرِ غَايَةَ مُسْتَطَاعِهِ فَإِنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيـمَانِكُمْ﴾ وَرَوَى الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا يَهْوِى بِهَا فِى النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ،
أَىْ أَنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةٍ لا يَرَى فِيهَا ضَرَرًا وَلا يَعْتَبِرُهَا مَعْصِيَةً يَنْزِلُ بِسَبَبِهَا فِى النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ حَتَّى يَصِلَ إِلَى قَعْرِهَا وَلا يَصِلُ إِلَى قَعْرِ النَّارِ إِلَّا الْكَافِرُ.
(233) مَا حُكْمُ الِاسْتِخْفَافِ بِاللَّهِ تَعَالَى.
مَنِ اسْتَخَفَّ بِاللَّهِ تَعَالَى بِأَنْ نَسَبَ لِلَّهِ نَقْصًا كَفَرَ كَأَنْ قَالَ اللَّهُ جِسْمٌ قَاعِدٌ فَوْقَ الْعَرْشِ أَوْ قَالَ اللَّهُ يَسْكُنُ السَّمَاءَ أَوْ نَسَبَ الظُّلْمَ إِلَى اللَّهِ كَأَنْ قَالَ اللَّهُ يَظْلِمُكَ أَوْ قَالَ أَنَا بَرِىءٌ مِنَ اللَّهِ أَوْ قَالَ أَنَا عَايِفِ اللَّه أَىْ كَرِهْتُ اللَّهَ أَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنَ اللَّهِ أَوْ قَالَ بِالْعَامِيَّةِ أَنَا قَدْ اللَّه يَقْصِدُ الْمُمَاثَلَةَ
فِى الْحَجْمِ أَوِ الْمَنْزِلَةِ أَوْ سَمَّى اللَّهَ مَاكِرًا أَوْ نَاسِيًا أَوْ مُسْتَهْزِئًا أَوْ قَالَ هَرَبَ اللَّهُ أَوْ قَالَ فُلان زَاح رَبِّى أَوْ جَنَّن رَبِّى أَوْ هَلَك رَبِّى وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ أَوْ قَالَ بِالْعَامِيَّةِ فُلانٌ خَوَتْ رَبِّى أَىْ جَنَّنَهُ أَوْ قَالَ يلْعَنْ سَمَاءَ رَبِّكَ فَإِنَّ هَذَا اسْتِخْفَافٌ بِاللَّهِ لِأَنَّ مَنْ يَتَلَفَّظُ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ يُرِيدُ بِهَا لَعْنَ الْخَالِقِ وَكَذَا يَكْفُرُ إِنْ قَصَدَ سَبَّ السَّمَاءِ الَّتِى هِىَ مَسْكَنُ الْمَلائِكَةِ لِأَنَّ اللَّهَ عَظَّمَ شَأْنَها وَجَعَلَهَا قِبْلَةَ الدُّعَاءِ وَمَهْبِطَ الرَّحَمَاتِ وَالْبَرَكَاتِ.
وَكَذَا يَكْفُرُ مَنِ اسْتَخَفَّ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ عِلْمِهِ أَنَّ الِاسْمَ الَّذِى يَسْتَخِفُّ بِهِ هُوَ اسْمٌ لِلَّهِ أَوِ اسْتَخَفَّ بِأَمْرِ اللَّهِ كَأَنْ قَالَ مُسْتَخِفًّا بِأَمْرِ اللَّهِ لَوْ أَمَرَنِى اللَّهُ بِكَذَا لَمْ أَفْعَلْهُ.
(234) مَا حُكْمُ سَابِّ اللَّهِ تَعَالَى.
قَالَ الْقَاضِى عِيَاضٌ الْيَحْصَبِىُّ فِى كِتَابِ الشِّفَا لا خِلافَ أَنَّ سَابَّ اللَّهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَافِرٌ، أَىْ أَنَّ مَنْ سَبَّ اللَّهَ تَعَالَى فَهُوَ كَافِرٌ بِالإِجْمَاعِ كَمَنْ يَقُولُ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ مِنَ الْكُفْرِ ابْنَ اللَّهِ وَيَقَعُ الْكُفْرُ هُنَا وَلَوْ لَمْ يَعْتَقِدْ أَنَّ لِلَّهِ ابْنًا وَلَوْ ادَّعَى أَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ ابْنَ اللَّهِ الْمَحْبُوبَ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنَّ هَذَا لا يُنْجِيهِ مِنَ الْكُفْرِ لِأَنَّهُ كَذَّبَ الْقُرْءَانَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ﴾ وَقَدْ ثَبَتَ فِى الْحَدِيثِ الْقُدْسِىِّ أَنَّ نِسْبَةَ الْوَلَدِ إِلَى اللَّهِ شَتْمٌ لِلَّهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى شَتَمَنِى ابْنُ ءَادَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، أَىْ لا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ وَفَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّاىَ فَقَوْلُهُ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ.
(235) مَا حُكْمُ مَنْ نَفَى صِفَةً مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ الثَّلاثَ عَشْرَةَ الْوَاجِبَةِ لَهُ إِجْمَاعًا.
مَنْ أَنْكَرَ صِفَةً مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ الثَّلاثَ عَشْرَةَ الْوَاجِبَةِ لَهُ إِجْمَاعًا كَكَوْنِهِ عَالِمًا أَوْ قَادِرًا أَوْ سَمِيعًا أَوْ بَصِيرًا كَفَرَ وَلا يُعْذَرُ الْجَاهِلُ فِى ذَلِكَ لِأَنَّ الْعَقْلَ يَدُلُّ عَلَيْهَا قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِىِّ مَنْ نَفَى قُدْرَةَ اللَّهِ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ كَافِرٌ بِالِاتِّفَاقِ أَىْ بِلا خِلافٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ. فَمَنْ حَدَّثَ حَدِيثًا كَذِبًا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ كَذِبٌ فَقَالَ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا أَقُولُ بِقَصْدِ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّ الأَمْرَ كَمَا قُلْتُ كَفَرَ لِأَنَّهُ نَسَبَ الْجَهْلَ إِلَى اللَّهِ.
وَكَذَا يَكْفُرُ مَنْ يَقُولُ اللَّهُ لا يَتَحَمَّلُ فُلانًا لِأَنَّ فِيهِ نِسْبَةَ الْعَجْزِ إِلَى اللَّهِ أَوْ أَنَّ اللَّهَ يَنْزَعِجُ مِنْهُ أَمَّا إِذَا كَانَ يَفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّهُ بَلْ يَكْرَهُهُ لِفِسْقِهِ فَلا يَكْفُرُ لَكِنْ يَجِبُ نَهْيُهُ عَنْهَا.
(236) مَا حُكْمُ مَنْ نَسَبَ إِلَى اللَّهِ صِفَةً مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ.
مَنْ نَسَبَ إِلَى اللَّهِ صِفَةً مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ كَفَرَ قَالَ الإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِىُّ أَحْمَدُ بنُ سَلامَةَ الْمِصْرِىُّ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ ثَلاثِمِائَةٍ وَوَاحِدٍ وَعِشْرِينَ فِى عَقِيدَتِهِ وَمَنْ وَصَفَ اللَّهَ بِمَعْنًى مِنْ مَعَانِى الْبَشَرِ (أَىْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الْبَشَرِ) فَقَدْ كَفَرَ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ أَىْ لا تُشَبِّهُوهُ بِخَلْقِهِ وَقَالَ الإِمَامُ الْجُنَيْدُ الْبَغْدَادِىُّ التَّوْحِيدُ إِفْرَادُ الْقَدِيمِ مِنَ الْمُحْدَثِ أَىْ أَنَّ صِفَاتِ اللَّهِ لا تُشْبِهُ صِفَاتِ خَلْقِهِ.
وَخَالَفَ فِى ذَلِكَ عَمْرُو خَالِد فَنَسَبَ إِلَى اللَّهِ الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ وَاللَّذَةَ وَالسَّهَرَ وَهَذَا تَشْبِيهٌ لِلَّهِ بِخَلْقِهِ فَيَقُولُ فِى كِتَابِهِ الْمُسَمَّى أَخْلاقَ الْمُؤْمِنِ وَاعْرِضْ ظُرُوفَكَ جَمِيعَهَا دُونَ كَذِبٍ وَلا تَسْتَحِ وَاللَّهُ سَيَقِفُ بِجَانِبِكَ. وَهَذَا فِيهِ نِسْبَةُ التَّجْسِيمِ وَالتَّشْبِيهِ لِلَّهِ بِخَلْقِهِ. وَيَقُولُ اللَّهُ قَاعِدٌ يَنْتَظِرُكَ حَتَّى تَتُوبَ وَيَقُولُ إِنَّ اللَّهَ يَتَلَذَّذُ بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ وَيَقُولُ اللَّهُ يَسْهَرُ اللَّيْلَ يَنْتَظِرُ عَبْدَهُ حَتَّى يَتُوبَ وَكُلُّ هَذَا كُفْرٌ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ.
وَيَقُولُ أَيْضًا إِنَّ الرَّسُولَ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ لِيُقَابِلَ اللَّهَ وَهَذَا لا يَجُوزُ عَلَى اللَّهِ لِأَنَّ الْمُقَابَلَةَ لا تَكُونُ إِلَّا بَيْنَ جِسْمٍ وَجِسْمٍ وَاللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ جِسْمًا وَلا يُوصَفُ بِصِفَاتِ الأَجْسَامِ فَمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ الرَّسُولَ عَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ لِيُقَابِلَ اللَّهَ فَقَدْ شَبَّهَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ وَجَعَلَهُ مِثْلَ الْمَلِكِ الْقَاعِدِ فِى مَكَانٍ وَيَأْتِى النَّاسُ لِمُقَابَلَتِهِ فَلا يَكُونُ مُسْلِمًا.
(237) مَا حُكْمُ مَنْ نَسَبَ إِلَى اللَّهِ الظُّلْمَ.
اعْلَمْ أَنَّ الظُّلْمَ مُسْتَحِيلٌ عَلَى اللَّهِ شَرْعًا وَعَقْلًا لِأَنَّ الظُّلْمَ مُخَالَفَةُ أَمْرِ وَنَهْىِ مَنْ لَهُ الأَمْرُ وَالنَّهْىُ وَاللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ لَهُ ءَامِرٌ وَلا نَاهٍ فَهُوَ يَتَصَرَّفُ فِى مِلْكِهِ كَمَا يَشَاءُ لِأَنَّهُ الْمَالِكُ الْحَقِيقِىُّ لِكُلِّ شَىْءٍ فَلا يَجُوزُ عَلَيْهِ الظُّلْمُ، لا يَكُونُ ظَالِمًا إِنِ انْتَقَمَ مِنْ عِبَادِهِ الظَّالِمِينَ بِمَا شَاءَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾.
فَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ يَقُولُ اللَّهُ يَظْلِمُكَ فَقَدِ اسْتَخَفَّ بِاللَّهِ وَكَذَّبَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾. وَكَذَا يَكْفُرُ مَنْ يَقُولُ اللَّهُ يَظْلِمُكَ كَمَا ظَلَمْتَنِى إِلَّا إِذَا كَانَ يَفْهَمُ أَىْ يَعْتَقِدُ أَنَّ مَعْنَى يَظْلِمُكَ فِى هَذَا السِّيَاقِ يَنْتَقِمُ مِنْكَ فَلا نُكَفِّرُهُ بَلْ نَنْهَاهُ وُجُوبًا. وَكَذَلِكَ يَكْفُرُ مَنْ يَقُولُ فِى حَالِ مَرَضِهِ لَوْ ءَاخَذَنِى اللَّهُ بِتَرْكِ الصَّلاةِ (أَىْ لَوْ عَاقَبَنِى عَلَى تَرْكِهَا) مَعَ مَا أَنَا فِيهِ مِنَ الْمَرَضِ ظَلَمَنِى لِأَنَّهُ نَسَبَ الظُّلْمَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.
(238) مَا حُكْمُ الِاعْتِرَاضِ عَلَى اللَّهِ وَالِاعْتِرَاضِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
اعْلَمْ أَنَّ الِاعْتِرَاضَ عَلَى اللَّهِ مَعْنَاهُ نِسْبَةُ الظُّلْمِ أَوِ السَّفَهِ أَىْ عَدَمِ الْحِكْمَةِ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ كُفْرٌ. أَمَّا الظُّلْمُ فَهُوَ مُخَالَفَةُ أَمْرِ وَنَهْىِ مَنْ لَهُ الأَمْرُ وَالنَّهْىُ وَاللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ لَهُ ءَامِرٌ وَلا نَاهٍ فَلا يَجُوزُ عَلَيْهِ الظُّلْمُ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾. وَاللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ السَّفَهِ لِأَنَّهُ حَكِيمٌ فِى فِعْلِهِ، خَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ بِحِكْمَةٍ فَلا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
فَالسَّلامَةُ فِى التَّسْلِيمِ لِلَّهِ أَىِ الرِّضَى بِمَا جَاءَ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالِانْقِيَادِ لِلشَّرْعِ أَىْ قَبُولِ مَا جَاءَ فِيهِ مِنَ الْعَقَائِدِ وَالأَحْكَامِ فَلا يَصِحُّ الثَّبَاتُ عَلَى الإِسْلامِ إِلَّا لِمَنْ سَلَّمَ لِلَّهِ تَعَالَى وَلَمْ يَعْتَرِضْ عَلَيْهِ وَلَمْ يَصِفْهُ بِمَا لا يَلِيقُ بِهِ. بَعْضُ النَّاسِ لَمَّا يَعْلَمُونَ بِحُكْمِ الشَّرْعِ أَنَّ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ مِنَ التَّرِكَةِ يَعْتَرِضُونَ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ الَّذِى أَنْزَلَهُ فِى الْقُرْءَانِ وَيَقُولُونَ هَذَا ظُلْمٌ، هَؤُلاءِ كَفَرُوا وَإِنْ لَمْ يَشْعُرُوا.
وَكَذَا يَكْفُرُ مَنْ يَعْتَرِضُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأَنْ عَلِمَ أَنَّ الرَّسُولَ قَالَ قَوْلًا أَوْ فَعَلَ فِعْلًا ثُمَّ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ كَأَنْ عَلِمَ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ عَقَدَ النِّكَاحَ عَلَى عَائِشَةَ وَعُمْرُهَا سِتُّ سَنَوَاتٍ وَأُدْخِلَتْ عَلَيْهِ وَهِىَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ ثُمَّ سَمِعَ أَنَّ رَجُلًا زَوَّجَ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ لِرَجُلٍ كَبِيرِ السِّنِّ فَقَالَ عَنْهُ مَجْنُونٌ. وَلْيُعْلَمْ أَنَّ مَا فَعَلَهُ الرَّسُولُ ﷺ لَمْ يَكُنْ مَعِيبًا، لَوْ كَانَ عَيْبًا لَعَابَهُ بِهِ الْمُشْرِكُونَ وَهُمْ حَرِيصُونَ عَلَى تَنْقِيصِ الرَّسُولِ ﷺ وَالِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ لَكِنَّهُمْ لَمْ يَعِيبُوهُ بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا فِى الْعَرَبِ وَمَعْرُوفًا بَيْنَهُمْ، وَكَذَا يَكْفُرُ إِنْ عَلِمَ أَنَّ هَذَا شَىْءٌ حَسَنٌ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ قَبَّحَهُ أَوِ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الرَّسُولَ فَعَلَ ذَلِكَ.
(239) مَا حُكْمُ الِاسْتِخْفَافِ بِالْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ.
يَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ كُتُبًا عَلَى بَعْضِ أَنْبِيَائِهِ أَشْهَرُهَا الْقُرْءَانُ وَالإِنْجِيلُ أَىِ الأَصْلِىُّ وَالتَّوْرَاةُ أَىِ الأَصْلِيَّةُ وَالزَّبُورُ. وَهَذِهِ الْكُتُبُ عِبَارَةٌ عَنْ كَلامِ اللَّهِ الأَزَلِىِّ الَّذِى لا يُشْبِهُ كَلامَ الْمَخْلُوقِينَ وَكُلُّ مَا فِيهَا حَقٌّ وَصِدْقٌ فَهِىَ مُعَظَّمَةٌ عِنْدَ اللَّهِ فَلا يَجُوزُ تَحْقِيرُهَا فَإِنَّ مَنْ حَقَّرَهَا وَاسْتَخَفَّ بِهَا أَىِ اعْتَبَرَهَا شَيْئًا حَقِيرًا لا شَأْنَ لَهُ كَفَرَ سَوَاءٌ اسْتَخَفَّ بِهَا بِالْفِعْلِ أَوِ الْقَوْلِ أَوِ الِاعْتِقَادِ كَأَنْ أَلْقَى الْمُصْحَفَ أَوْ وَرَقَةً مَكْتُوبًا فِيهَا شَىْءٌ مِنَ الْقُرْءَانِ فِى الْقَاذُورَاتِ وَلَوْ لَمْ يَقْصِدِ الِاسْتِخْفَافَ لِأَنَّ فِعْلَهُ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِخْفَافِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ الْحَنَفِىُّ،
أَوْ دَاسَ عَلَى الْمُصْحَفِ بِقَدَمِهِ أَوْ كَتَبَ الْقُرْءَانَ بِالْبَوْلِ أَوْ شَكَّ فِى حَقِّيَّةِ وَصِحَّةِ مَا فِى الْقُرْءَانِ أَوِ اعْتَقَدَ أَنَّ مَا فِيهِ كَذِبٌ أَوِ اسْتَخَفَّ بِآيَةٍ مِنَ الْقُرْءَانِ كأَنْ قَالَ وَقَدْ مَلَأَ وِعَاءً ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ بِقَصْدِ الِاسْتِخْفَافِ بِمَا وَعَدَ اللَّهُ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ فِى الْجَنَّةِ مِنَ الْكَأْسِ الْمُمْتَلِئَةِ شَرَابًا هَنِيئًا فَإِنَّ أَعْظَمَ نَعِيمٍ خَلَقَهُ اللَّهُ هُوَ نَعِيمُ الْجَنَّةِ فَمَنْ جَعَلَ نَعِيمَ الْجَنَّةِ شَيْئًا لا قَدْرَ لَهُ فَهُوَ كَافِرٌ لِأَنَّهُ كَذَّبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﷺ.
(240) مَا حُكْمُ سَبِّ لُغَةٍ مِنَ اللُّغَاتِ أَوِ الِاسْتِهْزَاءِ بِهَا.
اعْلَمْ أَنَّ تَعَلُّمَ اللُّغَةِ الَّتِى يُحْتَاجُ إِلَيْهَا لِدَعْوَةِ أَهْلِهَا إِلَى الإِسْلامِ أَوْ لِتَعْلِيمِ أَهْلِهَا دِينَ الإِسْلامِ هُوَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ فَيَنْبَغِى الِاهْتِمَامُ بِتَعَلُّمِ اللُّغَاتِ وَلا يَجُوزُ مَسَبَّتُهَا أَوِ الِاسْتِهْزَاءُ بِهَا. وَيَنْبَغِى الِاعْتِنَاءُ بِتَعَلُّمِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ لِفَهْمِ الْقُرْءَانِ وَالْحَدِيثِ وَأَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ. وَاللُّغَةُ الْعَرَبِيَّةُ هِىَ أَفْضَلُ لُغَةٍ وَأَسْهَلُ لُغَةٍ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُّدَّكِرٍ﴾ لَكِنْ بِسَبَبِ اخْتِلاطِ الْعَجَمِ بِالْعَرَبِ صَارَ بَعْضُ مَنْ لا عِلْمَ لَهُ يَقُولُ اللُّغَةُ الْعَرَبِيَّةُ صَعْبَةٌ وَهَذَا الْقَوْلُ لا يَجُوزُ،
بَلِ اللُّغَةُ الْعَرَبِيَّةُ هِىَ أَسْهَلُ اللُّغَاتِ وَقَدْ مَدَحَ الرَّسُولُ ﷺ اللُّغَةَ الْعَرَبِيَّةَ وَأَمَرَ بِمَحَبَّتِهَا فَهِىَ لُغَةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَلُغَةُ أَفْضَلِ الْخَلْقِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ. وَأَوَّلُ لُغَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا ءَادَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ هِىَ اللُّغَةُ الْعَرَبِيَّةُ وَهِىَ اللُّغَةُ الَّتِى أُنْزِلَ بِهَا الْقُرْءَانُ الْكَرِيمُ أَفْضَلُ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ أَحِبُّوا الْعَرَبَ لِثَلاثٍ لِأَنِّى عَرَبِىٌّ وَالْقُرْءَانَ عَرَبِىٌّ وَكَلامَ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَرَبِىٌّ رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِىُّ.
فَيُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لا يَجُوزُ سَبُّ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَلا تَنْقِيصُهَا وَلا ذَمُّهَا وَلا سَبُّ حَرْفٍ وَاحِدٍ مِنْهَا كَالأَلِفِ وَالْعَيْنِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَلا يَجُوزُ سَبُّ الْعُلُومِ الْعَرَبِيَّةِ النَّافِعَةِ كَالنَّحْوِ وَالصَّرْفِ لِأَنَّهُمَا يُسَاعِدَانِ عَلَى فَهْمِ الْقُرْءَانِ وَالْحَدِيثِ. فَمَنْ سَبَّ اللُّغَةَ الْعَرَبِيَّةَ وَحَقَّرَهَا أَوْ سَبَّ حَرْفًا وَاحِدًا مِنْهَا فَقَدْ كَفَرَ لِأَنَّهُ سَبَّ لُغَةَ الْقُرْءَانِ وَحَرْفًا مَوْجُودًا فِى الْقُرْءَانِ الْكَرِيمِ وَكَذَلِكَ مَنْ سَبَّ اللُّغَةَ الْعِبْرِيَّةَ أَوِ اسْتَهْزَءَ بِهَا لِأَنَّهَا لُغَةُ التَّوْرَاةِ الأَصْلِيَّةِ وَلُغَةُ مُوسَى وَيُحْتَاجُ إِلَيْهَا لِتَعْلِيمِ أَهْلِهَا الدِّينَ بِلُغَتِهِمْ إِلَّا إِذَا غَابَ عَنْ بَالِهِ أَنَّ الْعِبْرِيَّةَ هِىَ لُغَةُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ وَأَنَّ التَّوْرَاةَ أُنْزِلَتْ عَلَى مُوسَى بِاللُّغَةِ الْعِبْرِيَّةِ وَأَنَّهُ يُحْتَاجُ إِلَيْهَا لِتَعْلِيمِ أَهْلِهَا الدِّينَ بِلُغَتِهِمْ فَلا يَكْفُرُ. فَيَنْبَغِى حِفْظُ اللِّسَانِ عَنْ كُلِّ كَلامٍ لا خَيْرَ فِيهِ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مَّا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾.
(241) مَا حُكْمُ مَنْ جَحَدَ حَرْفًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ مِنَ الْقُرْءَانِ أَوْ زَادَ حَرْفًا فِيهِ مُجْمَعًا عَلَى نَفْيِهِ.
مَنْ أَنْكَرَ حَرْفًا اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْقُرْءَانِ أَوْ زَادَ حَرْفًا فِيهِ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ وَكَانَ ذَلِكَ الْحَرْفُ الَّذِى زَادَهُ زِيَادَتُهُ لَهُ عِنَادًا لا ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ مِنَ الْقُرْءَانِ كَأَنْ زَادَهُ بِنِيَّةِ أَنْ يُوهِمَ النَّاسَ أَنَّهُ مِنَ الْقُرْءَانِ وَهُوَ لَيْسَ مِنَ الْقُرْءَانِ إِجْمَاعًا فَإِنَّهُ يَكْفُرُ بِخِلافِ مَنْ زَادَهُ فِى الْقِرَاءَةِ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ مِنْهُ جَهْلًا أَوْ زَادَهُ مِنْ دُونِ تَعَمُّدٍ إِنَّمَا جَهْلًا مِنْهُ بِالتِّلاوَةِ الَّتِى أُنْزِلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ زَادَهُ عَمْدًا مِنْ أَجْلِ تَحْسِينِ الصَّوْتِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ مِنَ الْقُرْءَانِ فَلا يَكْفُرُ لَكِنَّهُ عَصَى اللَّهَ بِذَلِكَ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِىُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ سِتَّةٌ لَعَنْتُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَكُلُّ نَبِىٍّ مُجَابٍ (أَىْ مُجَابِ الدَّعْوَةِ وَكُلُّ الأَنْبِيَاءِ دَعَوَاتُهُمْ مُجَابَةٌ) وَعَدَّ مِنْهُمُ الزَّائِدَ فِى كِتَابِ اللَّهِ. قَالَ الْعُلَمَاءُ الْقِرَاءَةُ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ فَلا يَجُوزُ لِلْمَرْءِ أَنْ يَتَفَنَّنَ فِيهَا بِزِيَادَةِ حَرْفٍ أَوْ تَغْيِيرِ حَرْفٍ وَلَوْ أَتَى بِالْمَعْنَى الَّذِى يُوَافِقُ مَعْنَى الآيَةِ.
(242) مَا حُكْمُ الِاسْتِخْفَافِ بِرُسُلِ اللَّهِ.
مَنِ اسْتَخَفَّ بِرُسُلِ اللَّهِ أَىْ أَنْبِيَائِهِ بِأَنْ نَسَبَ إِلَيْهِمُ الْقَبَائِحَ وَالرَّذَائِلَ كَفَرَ كَـأَنْ قَالَ عَنْ نَبِىٍّ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ إِنَّهُ كَافِرٌ أَوْ فَاسِقٌ أَو كَاذِبٌ أَوْ خائِنٌ أَوْ جَبَانٌ أَوْ خَسِيسٌ أَوْ سَفِيهٌ أَوْ رَذِيلٌ أَوْ زَانٍ أَوْ مُتَعَلِّقُ القَلْبِ بِالنِّسَاءِ أَوْ شَبِيهٌ بِالْقِرْدِ أَوْ لا يُحْسِنُ النُّطْقَ. فَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ يَقُولُ إِنَّ سَيِّدَنَا ءَادَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَانَ شَبِيهًا بِالْقِرْدِ أَوْ كَانَ يَمْشِى بَيْنَ النَّاسِ عُرْيَانًا أَوْ كَانَ أَخْرَسَ وَلا يَتَكَلَّمُ إِلَّا بِالإِشَارَةِ فَهُوَ كَافِرٌ وَكَذَلِكَ مَنْ يَقُولُ إِنَّ سَيِّدَنَا يُوسُفَ هَمَّ بِالزِّنَى بِامْرَأَةِ الْعَزِيزِ أَوْ إِنَّ سَيِّدَنَا مُوسَى كَانَ سَيِّئَ الْخُلُقِ أَوْ إِنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا كَانَ شَهْوَانِيًّا مُتَعَلِّقَ الْقَلْبِ بِالنِّسَاءِ وَكَذَا يَكْفُرُ مَنْ يُصَغِّرُ اسْمَ نَبِىٍّ بِقَصْدِ تَحْقِيرِهِ كَأَنْ يَقُولَ عَنْ مُوسَى مُوَيْسَى أَوْ عَنْ عِيسَى عُوَيْسَى.
(243) مَا حُكْمُ الِاسْتِهْزَاءِ بِفِعْلٍ مِنْ أَفْعَالِ الرَّسُولِ ﷺ أَوْ بِأَمْرٍ مِنْ أَوَامِرِهِ.
يَكْفُرُ مَنْ يَسْتَهْزِئُ بِفِعْلٍ مِنْ أَفْعَالِ الرَّسُولِ ﷺ أَوْ بِأَمْرٍ مِنْ أَوَامِرِهِ كَالَّذِى يَسْتَهْزِئُ بِلُبْسِ الْعِمَامَةِ أَوِ الْقَمِيصِ الطَّوِيلِ الَّذِى يُعْرَفُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ الْيَوْمَ بِالْجَلَّابِيَّةِ أَوِ الدِّشْدَاشَةِ أَوْ يَسْتَهْزِئُ بِالأَكْلِ بِالأَصَابِعِ الثَّلاثَةِ الإِبْهَامِ وَالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى لِأَنَّ الرَّسُولَ ﷺ كَانَ يَأْكُلُ بِثَلاثِ أَصَابِعَ وَيَلْعَقُ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَمْسَحَهَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَكَذَا يَكْفُرُ مَنْ يَسْتَهْزِئُ بِاسْتِعْمَالِ السِّوَاكِ أَوْ إِعْفَاءِ اللِّحْيَةِ أَوْ نَتْفِ الإِبْطِ أَوِ الِاسْتِحْدَادِ أَىْ حَلْقِ الْعَانَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ أَوْ مَدَحَهُ.
(244) مَا حُكْمُ مَنْ يَقُولُ نَحْنُ نَأْخُذُ بِالْقُرْءَانِ وَلا نَأْخُذُ بِالْحَدِيثِ.
اعْلَمْ أَنَّ الْقُرْءَانَ وَالْحَدِيثَ كِلاهُمَا بِوَحْىٍ مِنَ اللَّهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ جِبْرِيلَ يَنْزِلُ عَلَىَّ بِالسُّنَّةِ كَمَا يَنْزِلُ عَلَىَّ بِالْقُرْءَانِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ وَطَاعَةُ الرَّسُولِ ﷺ إِنَّمَا تَكُونُ بِاتِّبَاعِ مَا أَمَرَ بِهِ وَالِانْتِهَاءِ عَمَّا نَهَى عَنْهُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِى الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ أَىْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
فَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَدَّعُونَ الإِسْلامَ وَيُسَمُّونَ أَنْفُسَهُمْ بِالْقُرْءَانِيِّينَ أَوْ جَمَاعَةَ الْقُرْءَانِ هُمْ مُكَذِّبُونَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، لَوْ كَانُوا يُصَدِّقُونَ بِالْقُرْءَانِ لَصَدَّقُوا بِحَدِيثِ الرَّسُولِ ﷺ فَكَثِيرٌ مِنَ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ إِنَّمَا عُرِفَتْ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَعَدَدِ رَكَعَاتِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، كَيْفَ عَرَفْنَا أَنَّ صَلاةَ الصُّبْحِ رَكْعَتَانِ وَصَلاةَ الظُّهْرِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، لا يُوجَدُ هَذَا فِى الْقُرْءَانِ إِنَّمَا عَرَفْنَا ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
وَالْحَدِيثُ الْمُتَوَاتِرُ أَىِ الَّذِى ثَبَتَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ بِالتَّوَاتُرِ حُجَّةٌ مِثْلُ الْقُرْءَانِ. فَيُقَالُ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يُصَدِّقُونَ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ عَرَفْتُمْ أَنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ هُوَ الَّذِى أُنْزِلَ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ. أَلَيْسَ الصَّحَابَةُ هُمُ الَّذِينَ نَقَلُوا الْقُرْءَانَ عَنِ الرَّسُولِ. فَكَمَا أَنَّهُمْ نَقَلُوا عَنْهُ الْقُرْءَانَ نَقَلُوا أَيْضًا عَنْهُ الْحَدِيثَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ أَىِ الْقُرْءَانَ وَالْحَدِيثَ.
(245) مَاحُكْمُ الِاسْتِهْزَاءِ بِالسُّنَّةِ.
اعْلَمْ أَنَّ مَنِ اسْتَهْزَأَ بِالسُّنَّةِ كَأَنْ قَالَ بَعْدَ أَنْ أَمَرَهُ شَخْصٌ بِفِعْلِ سُنَّةٍ لا أَفْعَلُ كَذَا وَإِنْ كَانَ سُنَّةً بِقَصْدِ الِاسْتِهْزَاءِ بِسُنَّةِ النَّبِىِّ ﷺ كَفَرَ أَمَّا مَنْ قَالَ ذَلِكَ وَلَمْ يَقْصِدِ الِاسْتِهْزَاءَ بِالسُّنَّةِ فَلا يَكْفُرُ. وَالسُّنَّةُ هِىَ مَا يُثَابُ الْعَبْدُ عَلَى فِعْلِهِ وَلا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ. وَكَذَلِكَ يَكْفُرُ مَنْ نَفَى مَشْرُوعِيَّةَ أَمْرٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ أَىْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ هَذَا الأَمْرُ مَشْرُوعًا فِى الدِّينِ أَىْ حَثَّ الشَّرْعُ عَلَى فِعْلِهِ وَاشْتَهَرَتْ مَشْرُوعِيَّتُهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ كَصَلاةِ الْوِتْرِ وَرَوَاتِبِ الْفَرَائِضِ الْخَمْسِ أَىِ السُّنَنِ.
(246) مَا حُكْمُ مَنْ ذَمَّ اسْمًا مَدَحَهُ اللَّهُ أَوِ اسْتَحْسَنَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ اسْمٍ مَدَحَهُ اللَّهُ أَوِ اسْتَحْسَنَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَضِىَ بِهِ لا يَجُوزُ ذَمُّهُ وَالتَّشَاؤُمُ بِهِ كَاسْمِ مَرْيَمَ أَوْ خَدِيجَةَ أَوْ عَائِشَةَ أَوْ فَاطِمَةَ أَوْ زَيْنَبَ أَوْ رُقَيَّةَ أَوْ عَلِىٍّ أَوْ حَسَنٍ أَوْ حُسَيْنٍ أَوْ أَىِّ اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ الأَنْبِيَاءِ كَآدَمَ وَعِيسَى وَمُوسَى وَلُوطٍ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ. وَأَفْضَلُ الأَسْمَاءِ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمٰنِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحَبُّ الأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمٰنِ رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ وَأَبُو دَاوُدَ أَمَّا قَوْلُ بَعْضِ عَوَامِّ النَّاسِ أَفْضَلُ الأَسْمَاءِ مَا عُبِّدَ وَحُمِّدَ فَلَيْسَ حَدِيثًا لِلرَّسُولِ ﷺ. فَمَنْ ذَمَّ اسْمًا أَوْ تَشَاءَمَ بِهِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّ الرَّسُولَ اسْتَحْسَنَهُ أَوْ كَانَ رَاضِيًا بِهِ كَفَرَ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ.
(247) مَا حُكْمُ الِاسْتِخْفَافِ بِالْمَلائِكَةِ.
مَنِ استخَفَّ بِمَلائِكَةِ اللَّهِ كَأَنْ قَالَ لَوْ شَهِدَ عِنْدِى الْمَلائِكَةُ بِكَذَا مَا قَبِلْتُهُمْ أَىْ مَا صَدَّقْتُهُمْ كَفَرَ لِأَنَّهُ يَكُونُ استَخَفَّ بِهِمْ وَطَعَنَ فِى صِدْقِهِمْ وَأَمَانَتِهِمْ أَوْ قَالَ أَنَا بَرِىءٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَىْ لا أُعَظِّمُ الْمْلَائِكَةَ الَّذِينَ كَرَّمَهُمُ اللَّهُ وَعَظَّمَهُمْ أَوِ اعْتَقَدَ أَنَّ بَعْضَ الْمَلائِكَةِ شَرِبَ الْخَمْرَ وَزَنَى وَقَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ حَقٍّ أَوْ نَسَبَ الْخِيَانَةَ إِلَى الْمَلَكِ جِبْرِيلَ عَلَيهِ السَّلامُ كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ تَاهَ الأَمِينُ وَمُرَادُهُ أَنْ جِبرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أُمِرَ بِالنُّزُولِ بِالْوَحْىِ عَلَى عَلِىٍّ لَكِنَّهُ أَخْطَأَ فَـنَـزَلَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ أَوْ سَبَّ مَلَكَ الْمَوْتِ سَيِّدَنَا عَزْرَائِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أَىْ ذَمَّهُ وَحَقَّـرَهُ كَأَنْ قَالَ لِشَخْصٍ أَكْرَهُكَ كَمَا أَكْرَهُ عَزْرَائِيلَ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ لِأَنَّ عَزْرَائِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَلَكٌ يَجِبُ تَعْظِيمُهُ وَلا يَجُوزُ الِاسْتِخْفَافُ بِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ﴾ وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ الْمَالِكِىُّ فِى تَبْصِرَةِ الْحُكَّامِ وَيَكْفُرُ مَنْ يَشْتِمُ عَزْرَائِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
(248) مَا حُكْمُ الِاسْتِخْفَافِ بِشَعَائِرِ اللَّهِ.
شَعَائِرُ اللَّهِ أَىْ مَعَالِمُ دِينِهِ أَىْ مَا كَانَ مَشْهُورًا مِنْ أُمُورِ الدِّينِ كَالصَّلاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَالزَّكَاةِ وَالأَذَانِ وَالْكَعْبَةِ وَالْمَسَاجِدِ وَعِيدِ الأَضْحَى وَعِيدِ الْفِطْرِ وَالطَّوَافِ وَرَمْىِ الْجِمَارِ. فَمَنِ اسْتَخَفَّ بِشَعَائِرِ اللَّهِ كَفَرَ كَالَّذِى يَقُولُ لَيْسَ الشَّأْنُ بِالصَّلاةِ إِنَّمَا الشَّأْنُ فِى حُسْنِ الْمُعَامَلَةِ مَعَ النَّاسِ أَوْ يَقُولُ الصِّيَامُ لَيْسَ لَهُ مَعْنًى. وَمِنَ الِاسْتِخْفَافِ بِشَعَائِرِ اللَّهِ الِاسْتِهْزَاءُ بِالسُّنَّةِ أَوْ ذَمُّ الْعُلُومِ الدِّينِيَّةِ كَقَوْلِ سَيِّد قُطُب زَعِيمِ حِزْبِ الإِخْوَانِ إِنَّ تَعَلُّمَ الْفِقْهِ مَضْيَعَةٌ لِلْعُمْرِ وَالأَجْرِ ذَكَرَ ذَلِكَ فِى كِتَابِهِ الْمُسَمَّى فِى ظِلالِ الْقُرْءَانِ وَهُوَ مُعَارِضٌ لِلْقُرْءَانِ وَالْحَدِيثِ وَإِجْمَاعِ الأُمَّةِ وَيُعَدُّ تَصْغِيرًا لِمَا عَظَّمَ اللَّهُ وَكَذَلِكَ مَا يَقُولُهُ بَعْضُ الْجَهَلَةِ إِنَّ التَّعَمُّقَ فِى الدِّينِ يُعَقِّدُ الإِنْسَانَ أَوْ يُجَنِّنُهُ.
وَمِنْ شَعَائِرِ الدِّينِ حِجَابُ الْمَرْأَةِ فَمَنِ اسْتَخَفَّ بِسَتْرِ الْمَرْأَةِ لِرَأْسِهَا كَفَرَ، وَكَذَا مَنِ اسْتَخَفَّ بِسَتْرِ الْمَرْأَةِ لِوَجْهِهَا وَكَانَ عَالِمًا بِاسْتِحْبَابِ ذَلِكَ فِى الشَّرْعِ كَأَنْ جَعَلَ هَذَا تَخَلُّفًا كَفَرَ لِأَنَّهُ ذَمَّ مَا هُوَ مَمْدُوحٌ فِعْلُهُ فِى الشَّرْعِ.
(249) مَا حُكْمُ مَنِ اسْتَخَفَّ بِالصَّلاةِ أَوْ أَنْكَرَ وُجُوبَهَا.
اعْلَمْ أَنَّ الصَّلاةَ عِبَادَةٌ عَظِيمَةٌ فَمَنِ اسْتَخَفَّ بِهَا كَفَرَ كَأَنْ قَالَ الصَّلاةُ لَيْسَ لَهَا أَهَمِيَّةٌ أَوْ قَالَ مَا أَصَبْتُ خَيْرًا مُنْذُ صَلَّيْتُ وَكَذَا إِنْ قَالَ صُمْ وَصَلِّ تَرْكَبُكَ الْقِلَّةُ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ لِأَنَّ التَّشَاؤُمَ بِالصَّلاةِ يُعَدُّ اسْتِخْفَافًا بِهَا فَهَؤُلاءِ الَّذِينَ يَتَشَاءَمُونَ بِالصَّلاةِ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ هَذِهِ الْعِبَادَةَ الْعَظِيمَةَ مَصْدَرٌ لِلشُّؤْمِ وَالْخُسْرَانِ فَيَعْتَبِرُونَهَا ضَارَّةً لَهُمْ.
وَكَذَا يَكْفُرُ مَنْ يَقُولُ أَكُونُ قَوَّادًا إِنْ صَلَّيْتُ لِأَنَّهُ اسْتَهْزَأَ بِالصَّلاةِ وَاسْتَخَفَّ بِهَا وَالْقَوَّادُ هُوَ الَّذِى يَجْلِبُ الزَّبَائِنَ لِلزَّانِيَاتِ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَمَرَهُ شَخْصٌ بِالصَّلاةِ فَقَالَ لا أُصَلِّى مُسْتَخِفًّا بِالصَّلاةِ أَوِ قَالَ الصَّلاةُ لا تَصْلُحُ لِى بِقَصْدِ الِاسْتِهْزَاءِ كَفَرَ بِخِلافِ مَا لَوْ قَالَتْ ذَلِكَ امْرَأَةٌ حَائِضٌ بِقَصْدِ أَنَّ الصَّلاةَ لا تَصِحُّ مِنْهَا وَهِىَ حَائِضٌ فَلا تَكْفُرُ.
وَمَنْ أَنْكَرَ وُجُوبَ الصَّلاةِ الْمَفْرُوضَةِ كَفَرَ لِتَكْذِيبِهِ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ وَهَذَا بِخِلافِ مَنْ يَعْتَقِدُ بِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ لَكِنَّهُ لا يُصَلِّى فَإِنَّهُ لا يَكْفُرُ لَكِنْ عَلَيْهِ ذَنْبٌ كَبِيرٌ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ مَنْ أَتَى بِهِنَّ بِتَمَامِهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ.
وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّ مُرْتَكِبَ الْمَعْصِيَةِ الْكَبِيرَةِ لا يَكْفُرُ إِذَا لَمْ يَسْتَحِلَّهَا كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِىُّ أَحْمَدُ بنُ سَلامَةَ الْمِصْرِىُّ فِى عَقِيدَتِهِ وَهِىَ عَقِيدَةٌ مَشْهُورَةٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِى الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ الْعُلَمَاءُ يُدَرِّسُونَهَا.
(250) مَا حُكْمُ الِاسْتِخْفَافِ بِحُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ اللَّهِ.
مَنِ اسْتَخَفَّ بِحُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ شَرْعِ اللَّهِ كَفَرَ كَأَنْ عَلِمَ بِحُكْمِ الشَّرْعِ أَنَّ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ مِنَ التَّرِكَةِ فَاسْتَخَفَّ بِهِ أَوْ أَعْطَاهُ عَالِمٌ فَتْوًى فَقَالَ أَيْشٍ أَىْ أَىُّ شَىْءٍ هَذَا الشَّرْعُ مُرِيدًا بِهَذَا الْقَوْلِ الِاسْتِخْفَافَ بِحُكْمِ الشَّرْعِ وَالِاعْتِرَاضَ عَلَيْهِ أَوْ قَالَ لَهُ شَخْصٌ لِمَ فَعَلْتَ هَذَا الْحَرَامَ أَلا تَعْرِفُ الْحُكْمَ فَقَالَ لا أَعْرِفُ الْحُكْمَ مُسْتَهْزِئًا بِحُكْمِ اللَّهِ.
(251) مَا حُكْمُ مَنْ أَنْكَرَ حُكْمًا مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ.
اعْلَمْ أَنَّ الأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ تُعْلَمُ بِالشَّرْعِ لا بِالْعَقْلِ فَمَنْ أَنْكَرَ حُكْمًا مِنْهَا بَعْدَ عِلْمِهِ بِهِ كَفَرَ كَأَنْ أَنْكَرَ وُجُوبَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ أَوِ الصِّيَامِ فِى رَمَضَانَ أَوْ أَنْكَرَ وُجُوبَ تَغْطِيَةِ الْمَرْأَةِ لِرَأْسِهَا أَوْ أَنْكَرَ حُرْمَةَ شُرْبِ الْخَمْرِ أَوِ الزِّنَى أَوِ اللِّوَاطِ أَوْ سِحَاقِ النِّسَاءِ فِيمَا بَيْنَهُنَّ أَوْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ الشَّرْعُ حَثَّ عَلَى فِعْلِ شَىْءٍ كَصَلاةِ الْوِتْرِ لِأَنَّ هَذَا مَشْهُورٌ فِى الشَّرْعِ وَمَنْ كَذَّبَ الشَّرْعَ كَفَرَ.
(252) مَا حُكْمُ مَنْ كَانَ قَرِيبَ عَهْدٍ بِإِسْلامٍ فَأَنْكَرَ حُكْمًا مِنَ الأَحْكَامِ الَّتِى لا تُعْرَفُ إِلَّا بِالنَّقْلِ.
مَنْ كَانَ قَرِيبَ عَهْدٍ بِإِسْلامٍ أَىْ أَسْلَمَ مِنْ وَقْتٍ قَرِيبٍ أَوْ نَحْوَهُ فَأَنْكَرَ حُكْمًا مِنَ الأَحْكَامِ الَّتِى لا تُعْرَفُ إِلَّا بِالنَّقْلِ كَأَنْ أَنْكَرَ فَرْضِيَّةَ الصَّلاةِ أَوْ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ لا يُكَفَّرُ إِنْ لَمْ يَكُنْ سَمِعَ أَنَّ هَذَا مِنْ دِينِ الإِسْلامِ إِنَّمَا يُعَلَّمُ فَإِنْ أَنْكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالرِّدَّةِ وَيُطَالَبُ بِالْعَوْدَةِ إِلَى الإِسْلامِ بِالنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ.
(253) مَا حُكْمُ مَنْ قَبَّحَ مَا حَسَّنَهُ الشَّرْعُ أَوْ حَسَّنَ مَا قَبَّحَهُ الشَّرْعُ.
اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ خَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ لِحِكْمَةٍ وَأَمَرَ عِبَادَهُ بِفِعْلِ الْوَاجِبَاتِ وَفِعْلِ الْمُسْتَحَبَّاتِ وَنَهَاهُمْ عَنْ فِعْلِ الْمُحَرَّمَاتِ وَفِعْلِ الْمَكْرُوهَاتِ وَكُلُّ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ فَهُوَ لِحِكْمَةٍ لِأَنَّ فِعْلَ اللَّهِ لا يَخْلُو مِنْ حِكْمَةٍ سَوَاءٌ عَرَفْنَا الْحِكْمَةَ مِنْهُ أَوْ لَمْ نَعْرِفْ. وَكُلُّ مَا أَمَرَنَا اللَّهُ بِهِ فَهُوَ حَسَنٌ لِأَنَّ اللَّهَ حَكِيمٌ لا يَأْمُرُ إِلَّا بِالْخَيْرِ.
فَالْحَسَنُ هُوَ مَا حَسَّنَهُ الشَّرْعُ وَالْقَبِيحُ هُوَ مَا قَبَّحَهُ الشَّرْعُ. وَالْحَسَنُ هُوَ مَا أَمَرَ الشَّرْعُ بِفِعْلِهِ سَوَاءٌ كَانَ وَاجِبًا كَالصَّلاةِ أَوْ مُسْتَحَبًّا كَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ أَىْ أَنْ يُقَالَ لِمَنْ عَطَسَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ فَمَنْ فَعَلَهُ بِنِيَّةٍ حَسَنَةٍ فَلَهُ ثَوَابٌ وَأَمَّا الْقَبِيحُ فَهُوَ مَا نَهَى الشَّرْعُ عَنْ فِعْلِهِ أَىْ أَمَرَ الشَّرْعُ بِتَرْكِهِ سَوَاءٌ كَانَ مَكْرُوهًا كَالأَكْلِ بِالْيَدِ الْيُسْرَى أَوْ مُحَرَّمًا كَالْكَذِبِ فَمَنْ تَرَكَهُ بِنِيَّةٍ حَسَنَةٍ فَلَهُ ثَوَابٌ، فَلا يَجُوزُ تَقْبِيحُ الْحَسَنِ أَوْ تَحْسِينُ الْقَبِيحِ لِأَنَّهُ يُؤَدِّى إِلَى تَكْذِيبِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ فَمَنْ قَبَّحَ مَا حَسَّنَهُ الشَّرْعُ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ حَسَنٌ كَأَنْ ذَمَّ لُبْسَ الْحِجَابِ لِلْمَرْأَةِ أَوْ حَسَّنَ مَا قَبَّحَهُ الشَّرْعُ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ قَبِيحٌ كَأَنِ اسْتَحْسَنَ الْكَذِبَ كَفَرَ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ تَعَالَى.
(254) مَا حُكْمُ مَنْ أَنْكَرَ أَصْلًا مِنْ أُصُولِ الدِّينِ.
اعْلَمْ أَنَّ أُصُولَ الدِّينِ أَىِ الْعَقَائِدَ عَلَى قِسْمَيْنِ قِسْمٌ يَتَعَلَّقُ بِأَصْلِ مَعْنَى الشَّهَادَتَيْنِ مَنْ خَالَفَهُ أَوْ شَكَّ فِيهِ وَلَوْ مَعَ الْجَهْلِ بِوُرُودِهِ فِى الشَّرْعِ لا يَصِحُّ إِيمَانُهُ بِاللَّهِ أَوْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَاعْتِقَادِ وُجُودِ اللَّهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ وَقِدَمِهِ وَبَقَائِهِ وَقِيَامِهِ بِنَفْسِهِ وَقُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ وَعِلْمِهِ وَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَحَيَاتِهِ وَكَلامِهِ وَتَنَزُّهِهِ عَنِ الشَّبِيهِ وَالْمَثِيلِ وَاعْتِقَادِ نُبُوَّةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَتَنَزُّهِ الأَنْبِيَاءِ عَنِ الْكُفْرِ وَالْكَبَائِرِ وَعَنِ الصِّفَاتِ الذَّمِيمَةِ كَالْكَذِبِ وَالسَّفَاهَةِ وَالدَّنَاءَةِ وَالرَّذَالَةِ فَمَنْ أَنْكَرَ بِقَلْبِهِ أَوْ بِلِسَانِهِ أَصْلًا مِنْ أُصُولِ هَذَا الْقِسْمِ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ وَإِنْ كَانَ قَرِيبَ عَهْدٍ بِإِسْلامٍ أَىْ أَسْلَمَ مِنْ وَقْتٍ قَرِيبٍ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِى مِنْ أُصُولِ الِاعْتِقَادِ فَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ أَيْضًا الْقِسْمُ الأَوَّلُ مَا كَانَ مِنَ الأُصُولِ مَعْلُومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةٍ أَىْ يَشْتَرِكُ فِى مَعْرِفَتِهِ الْعُلَمَاءُ وَالْعَامَّةُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَالإِيمَانِ بِعَذَابِ الْقَبْرِ فَيُكَفَّرُ مُنْكِرُهُ وَالشَّاكُّ فِيهِ وَالثَّانِى لَيْسَ مَعْلُومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ أَىْ لا يَشْتَرِكُ فِى مَعْرِفَتِهِ الْعُلَمَاءُ وَالْعَامَّةُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بَلْ يَخْفَى عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْعَوَامِّ وَإِنْ كَانَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ كَالإِيمَانِ بِالْحَوْضِ الَّذِى يَشْرَبُ مِنْهُ الْمُؤْمِنُونَ قَبْلَ دُخُولِهِمُ الْجَنَّةَ فَلا يُكَفَّرُ مُنْكِرُهُ وَالشَّاكُّ فِيهِ مَا لَمْ يَكُنْ إِنْكَارُهُ عَلَى وَجْهِ الْعِنَادِ.
(255) مَا حُكْمُ الِاسْتِخْفَافِ بِوَعْدِ اللَّهِ أَوْ وَعِيدِهِ.
مَنْ سَخِرَ بِوَعْدِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالْجَنَّةِ وَمَا أَعَدَّ فِيهَا مِنَ النَّعِيمِ الْعَظِيمِ كَفَرَ كَالَّذِى يَقُولُ الْجَنَّةُ لُعْبَةُ الصِّبْيَانِ أَوْ إِنَّ نَعِيمَ الدُّنْيَا أَفْضَلُ مِنْ نَعِيمِ الْجَنَّةِ أَوْ يَقُولُ أَنَا لا أُرِيدُ الْجَنَّةَ أَتْرُكُهَا لَكُمْ وَكَذَا لَوْ سَخِرَ بِوَعِيدِ اللَّهِ لِلْكَافِرِينَ وَالْعُصَاةِ بِالنَّارِ وَمَا أَعَدَّ فِيهَا مِنَ الْعَذَابِ الأَلِيمِ كَقَوْلِ بَعْضِ السُّفَهَاءِ غَدًا نَتَدَفَّأُ بِنَارِ جَهَنَّمَ فَإِنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ لِمَا فِيهِ مِنَ الِاسْتِهْزَاءِ بِالدِّينِ وَتَكْذِيبِ الْقُرْءَانِ أَمَّا سَبُّ جَهَنَّمَ أَىْ ذَمُّهَا كَقَوْلِ جَهَنَّمُ خَبِيثَةٌ أَوْ أَنَا أَكْرَهُ جَهَنَّمَ فَلَيْسَ مِنَ الِاسْتِخْفَافِ بِوَعِيدِ اللَّهِ بَلْ هُوَ جَائِزٌ لِأَنَّ جَهَنَّمَ لَيْسَتْ مُعَظَّمَةً كَالْجَنَّةِ إِنَّمَا هِىَ شَىْءٌ شَدِيدٌ،
لَوْ كَانَتْ مُعَظَّمَةً مَا كُنَّا نَقُولُ اللَّهُمَّ أَجِرْنَا مِنَ النَّارِ إِنَّمَا الْكُفْرُ أَنْ يُقَالَ عَنْهَا لَيْسَتْ بِشَىْءٍ أَوْ هِىَ شَىْءٌ خَفِيفٌ. جَهَنَّمُ يُسْتَعَاذُ بِاللَّهِ مِنْهَا فَإِنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَا عَلَّمَهُ الرَّسُولُ ﷺ لِأُمَّتِهِ أَنْ يَقُولُوهُ فِى الصَّلاةِ اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَقَالَ تَعَالَى فِى ذَمِّ جَهَنَّمَ ﴿وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
(256) مَا حُكْمُ مَنْ يَقُولُ الْجَنَّةُ بِلا نَاسٍ لا تُدَاس.
اعْلَمْ أَنَّ الْجَنَّةَ دَارُ فَرَحٍ وَسُرُورٍ لا يَشْكُو فِيهَا الْمُؤْمِنُ وَحْشَةً وَلا مَلَلًا وَلا هَمًّا وَلا غَمًّا بَلْ يَكُونُ فَرِحًا مَسْرُورًا مُسْتَأْنِسًا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ غَيْرُهُ مِنَ الْبَشَرِ أَلَيْسَ ءَادَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَانَ فِى بَادِئِ الأَمْرِ وَحْدَهُ فِى الْجَنَّةِ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ غَيْرُهُ مِنَ الْبَشَرِ لِأَنَّهُ خُلِقَ فِيهَا وَهُوَ أَبُو الْبَشَرِ. أَمَّا مَا يَقُولُهُ بَعْضُ النَّاسِ الْجَنَّةُ بِلا نَاسٍ لا تُدَاسُ فَإِنَّهُ بَاطِلٌ مُعَارِضٌ لِلنُّصُوصِ الْقُرْءَانِيَّةِ وَالْحَدِيثِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى عَظِيمِ نَعِيمِ الْجَنَّةِ وَفِيهِ تَكْذِيبٌ لِلدِّينِ فَهُوَ كُفْرٌ مُخْرِجٌ مِنَ الإِسْلامِ. أَمَّا مَنْ كَانَ يَفْهَمُ مِنَ الْعِبَارَةِ أَنَّهُ بِوُجُودِ النَّاسِ يَكُونُ أَكْثَرَ استِئْناسًا فَلا يَكْفُرُ لَكِنَّهُ حَرَامٌ يَجِبُ النَّهْىُ عَنْهُ.
(257) اذْكُرْ بَعْضَ الْقَوَاعِدِ الَّتِى يُعْرَفُ بِهَا الْكُفْرُ.
مَنْ رَضِىَ بِكُفْرِ غَيْرِهِ كَأَنْ ضَحِكَ لِقَوْلِ شَخْصٍ كَلِمَةَ الْكُفْرِ عَلَى وَجْهِ الْمُوَافَقَةِ لَهُ عَلَى قَوْلِهِ كَفَرَ وَكَذَا مَنِ اسْتَحْسَنَ الْكُفْرَ أَىِ أَعْتَقَدَهُ شَيْئًا حَسَنًا كَأَنْ قَالَ لا بَأْسَ بِهِ أَوْ أَمَرَ غَيْرَهُ بِهِ كَأَنْ قَالَ لِطِفْلٍ سُبَّ لَهُ رَبَّهُ أَوْ أَكْرَهَهُ عَلَيْهِ كَأَنْ قَالَ لَهُ اكْفُرْ بِاللَّهِ وَإِلَّا قَتَلْتُكَ أَوْ أَعَانَ غَيْرَهُ عَلَيْهِ كَأَنْ أَعْطَى كَافِرًا مَا يَسْتَعِينُ بِهِ
لِفِعْلِ الْكُفْرِ مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ أَوْ فَرِحَ بِهِ كَأَنْ سَمِعَ كُفْرًا مِنْ غَيْرِهِ فَفَرِحَ بِهِ أَوْ تَمَنَّاهُ لِنَفْسِهِ كَأَنْ قَالَ لَيْتَنِى كُنْتُ كَافِرًا أَوْ سَمَّى الْكُفْرَ إِيمَانًا كَأَنْ قَالَ عَنْ رَجُلٍ يَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ جَالِسٌ عَلَى الْعَرْشِ إِنَّهُ مُؤْمِنٌ بِاللَّهِ أَوْ أَشَارَ عَلَى كَافِرٍ أَنْ يَبْقَى عَلَى الْكُفْرِ مُدَّةً كَأَنْ عَلِمَ أَنَّ كَافِرًا يُرِيدُ أَنْ يُسْلِمَ فَقَالَ لَهُ فَكِّرْ فِى الأَمْرِ أَوَّلًا أَوْ نَوَى أَنْ يَكْفُرَ فِى الْمُسْتَقْبَلِ كَأَنْ عَزَمَ عَلَى تَرْكِ الإِسْلامِ فِى الْمُسْتَقْبَلِ أَوْ عَلَّقَ كُفْرَهُ بِحُصُولِ أَمْرٍ كَأَنْ قَالَ إِنْ حَصَلَ كَذَا أَكْفُرُ أَوْ تَرَدَّدَ هَلْ يَكْفُرُ أَوْ لا كَفَرَ فِى الْحَالِ.
وَكَذَا يَكْفُرُ إِنْ مَنَعَ غَيْرَهُ مِنَ الدُّخُولِ فِى الإِسْلامِ أَوْ سَمَّى الإِسْلامَ كُفْرًا كَأَنْ قَالَ لِمُسْلِمٍ يَا كَافِرُ وَأَرَادَ أَنَّ مَا عَلَيْهِ هَذَا الْمُسْلِمُ مِنَ الدِّينِ كُفْرٌ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ مُسْلِمٌ وَلا يَعْلَمُ عَنْهُ شَيْئًا يَعْتَقِدُهُ كُفْرًا وَكَذَا يَكْفُرُ مَنِ اسْتَحْسَنَ الْمَعْصِيَةَ كَأَنْ قَالَ عَنْ مَعْصِيَةٍ لا بَأْسَ بِهَا أَوِ اسْتَحَلَّهَا مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهَا مَعْصِيَةٌ كَأَنِ اسْتَحَلَّ السَّرِقَةَ أَوْ قَتْلَ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ أَوْ قَبَّحَ مَا حَسَّنَهُ الشَّرْعُ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ حَسَنٌ كَأَنْ جَعَلَ سَتْرَ الْمَرْأَةِ لِوَجْهِهَا أَمْرًا قَبِيحًا أَوْ حَسَّنَ مَا قَبَّحَهُ الشَّرْعُ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ قَبِيحٌ كَأَنِ اسْتَحْسَنَ الْكَذِبَ،
أَوْ حَرَّمَ حَلالًا مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ حَلالٌ كَأَنْ حَرَّمَ الْبَيْعَ أَوِ النِّكَاحَ أَوْ أَنْكَرَ فَرْضًا مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ فَرْضٌ كَأَنْ أَنْكَرَ فَرْضِيَّةَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ أَوْ أَنْكَرَ حُكْمًا مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِ كَأَنْ أَنْكَرَ حُرْمَةَ شُرْبِ الْخَمْرِ أَوْ أَوْجَبَ مَا لَيْسَ وَاجِبًا مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ كَمَنْ أَوْجَبَ سُنَنَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ. وَكَذَا يَكْفُرُ مَنْ سَمَّى الْكُتُبَ الْمُحَرَّفَةَ كَالتَّوْرَاةِ الْمُحَرَّفَةِ كُتُبًا مُقَدَّسَةً أَوْ سَمَّى الْمَعَابِدَ الدِّينِيَّةَ لِلْكُفَّارِ بُيُوتَ اللَّهِ أَوْ قَالَ بِوُجُودِ دِينٍ صَحِيحٍ غَيْرِ الإِسْلامِ أَوْ قَالَ أَنَا أَحْتَرِمُ كُلَّ الأَدْيَانِ الإِسْلامَ وَغَيْرَهُ أَوِ اعْتَقَدَ أَنَّ نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ دَعَا إِلَى غَيْرِ الإِسْلامِ أَوْ عَلَّمَ دِينًا غَيْرَ دِينِ الإِسْلامِ وَكَذَا يَكْفُرُ مَنْ شَكَّ فِى كُفْرِ مَنْ دَانَ بِغَيْرِ الإِسْلامِ أَوْ تَوَقَّفَ فِى كُفْرِهِ كَأَنْ قَالَ أَنَا لا أَقُولُ إِنَّهُ كَافِرٌ وَلا أَقُولُ إِنَّهُ غَيْرُ كَافِرٍ لِتَكْذِيبِهِ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
(258) مَا هِىَ أَبْوَابُ الْكُفْرِ.
الْكُفْرُ ثَلاثَةُ أَبْوَابٍ إِمَّا تَشْبِيهٌ لِلَّهِ بِخَلْقِهِ أَوْ تَكْذِيبٌ لِشَرْعِهِ أَوْ تَعْطِيلٌ أَىْ نَفْىُ وُجُودِهِ.
(259) مَا هُوَ كُفْرُ التَّشْبِيهِ.
كُفْرُ التَّشْبِيهِ هُوَ كَمَنْ يَصِفُ اللَّهَ بِالْحُدُوثِ أَىِ الْوُجُودِ بَعْدَ عَدَمٍ لِذَاتِهِ أَوْ لِصِفَاتِهِ الثَّابِتَةِ لَهُ أَوْ يُجَوِّزُ الْفَنَاءَ عَلَيْهِ أَوْ يَصِفُهُ بِصِفَاتِ الْجِسْمِ كَالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَاللَّوْنِ وَالشَّكْلِ وَالْكَمِيَّةِ أَىْ مِقْدَارِ الْحَجْمِ فَمَنْ شَبَّهَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ كَأَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ قَاعِدٌ فَوْقَ الْعَرْشِ فَهُوَ كَافِرٌ مُكَذِّبٌ لِـلا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مَعْنًى وَلَوْ قَالَهَا لَفْظًا لِأَنَّهُ نَسَبَ الأُلُوهِيَّةَ إِلَى هَذَا الْجِسْمِ الَّذِى تَصَوَّرَهُ وَهُوَ لَيْسَ اللَّه فَلا يَكُونُ أَقَرَّ بِأُلُوهِيَّةِ اللَّهِ وَلا عَبَدَهُ بَلْ عَبَدَ شَيْئًا تَخَيَّلَهُ وَتَوَهَّمَهُ.
أَمَّا مَا وَرَدَ فِى الْحَدِيثِ الَّذِى رَوَاهُ مُسْلِمٌ إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ فَلَيْسَ مَعْنَاهُ جَمِيلَ الشَّكْلِ إِنَّمَا مَعْنَاهُ جَمِيلُ الصِّفَاتِ أَىْ صِفَاتُهُ كَامِلَةٌ أَوْ مُحْسِنٌ أَىْ مُنْعِمٌ عَلَى الْعِبَادِ. وَمَعْنَى يُحِبُّ الْجَمَالَ يُحِبُّ مِنْ عَبْدِهِ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَالٍ حَسَنٍ أَىْ أَنْ يَكُونَ نَظِيفًا مِنَ الرَّذَالاتِ مُتَّصِفًا بِالصِّفَاتِ الَّتِى يَنْبَغِى أَنْ يَتَخَلَّقَ بِهَا الْمُؤْمِنُ كَالتَّقْوَى وَحُسْنِ الْخُلُقِ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ يُحِبُّ جَمَالَ الشَّكْلِ لِأَنَّ جَمَالَ الشَّكْلِ يَتَّصِفُ بِهِ الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ وَاللَّهُ تَعَالَى لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ قَالَ تَعَالَى ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾.
