الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الأمين. أما بعد فإنَّ الْمُكَلَّفَ الَّذِى هُوَ غَيْرُ مُسْلِمٍ يَجِبُ عَلَيْهِ فَورًا الدُّخُولُ فِى دين الإِسْلاَمِ ويجب على كلِ مسلمٍ مكلفٍ أن يثبتَ في الإسلامِ على الدوام و أن يؤديَ جميعَ الواجباتِ ويجتنبَ جميعَ المحرمات. وَالْمُكَلَّفُ هُوَ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ الَّذِى بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ الإِسْلاَمِ. والْبُلُوغُ لِلذَّكَرِ يَكُونُ بِأَحَدِ أَمْرَينِ: رُؤْيَةِ الْمَنِىِّ أَو بُلُوغِ سِنِّ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ قَمَرِيَّةً، وَالأُنْثى بِأَحَدِ ثَلاَثَةِ أُمُورٍ:
رُؤْيَةِ الْمَنِىِّ أَوْ بُلُوغِ سِنِّ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ قَمَرِيَّةً أَوْ رُؤْيَةِ دَمِ الْحَيْضِ. أَمَّا الْعَاقِلُ فَمَعْنَاهُ غَيْرُ الْمَجْنُونِ. وَالَّذِى بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ الإِسْلاَمِ هُوَ الَّذِى بَلَغَهُ أَصْلُ الدَّعْوَةِ أَىِ الشَّهَادَتَانِ، وَلَيْسَ شَرْطًا أَنْ تَبْلُغَهُ التَّفَاصِيلُ وَالأَدِلَّةُ. إِنَّمَا إِذَا كَانَ الشَّخْصُ بَالِغًا عَاقِلًا وَبَلَغَتْهُ دَعْوَةُ الإِسْلاَمِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الدُّخُولُ فِى هَذَا الدِّينِ فَورًا.
فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَمَاتَ عَلَى الْكُفْرِ اسْتَحَقَّ الْخُلُودَ الأَبَدِىَّ فِى نَارِ جَهَنَّمَ. أَمَّا مَنْ كان بالغًا عاقلًا و لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ فَإِنَّهُ فِى الآخِرةِ لاَ مَسْئُولِيَّةَ عَلَيْهِ أَىْ لاَ يُعَذَّبُ بِالنَّارِ لأَنَّ رَبَّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا}. كَذَلِكَ الَّذِى مَاتَ قَبْلَ الْبُلُوغِ هُوَ فِى الآخِرَةِ نَاجٍ وَلَوْ كَانَ يَعْبُدُ الْحَجَرَ. وَكَذَلِكَ الْمَجْنُونُ الَّذِى عَاشَ حَيَاتَهُ كُلَّهَا عَلَى الْجُنُونِ، يَعْنِى قَبْلَ الْبُلُوغِ جُنَّ ثُمَّ اسْتَمَرَّ عَلَى الْجُنُونِ بَعْدَ الْبُلُوغِ إِلَى أَنْ مَاتَ،
فهذا يدخل الجنة بلا عذاب. وَالدُّخُولُ فِى الإِسْلاَمِ سَهْلٌ، يَكْفِى الاعْتِقَادُ بِالْقَلْبِ بِمَعْنَى الشَّهَادَتَيْنِ مَعَ النُّطْقِ بِاللِسَانِ بِهِمَا بِالْعَرَبِيَّةِ أَوْ غَيْرِهَا، وَلَوْ كَانَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ. يَقُولُ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَــْــهَ إِلاَّ اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ أَوْ مَا يُعْطِى مَعْنَى ذَلِكَ. أَمَّا لَوْ صَدَّقَ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَنْطِقْ بِلِسَانِهِ فَلاَ يَصِيرُ مُسْلِمًا. وكذلك من نطق الشهادتين بلسانه ولم يصدقْ بقلبه لا يصيرُ مسلمًا عندَ الله. نسألُ الله أن يتوفّانا على كامل الإيمان، والله تعالى أعلم وأحكم.
المستحق لأقصى غاية التعظيم هو الله تعالى
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله. أما بعد المسلمُ يصدقُ بقلبِه يقينا وينطِقُ بلسانِه معترفًا أن لا معبودَ بحقٍ إلا الله أي لاَ أَحَدَ يَسْتَحِقُ أَنْ يُعْبَدَ إِلاَّ اللهُ وهذا معنى لا إله إلا الله. لا إله إلا الله أي الَّذِى يَسْتَحِقُّ أن يُعبد أي أَنْ يُتَذَلَّلَ لَهُ نِهَايَةَ التَّذَلُلِّ والتعظيم إِنَّمَا هُوَ اللهُ تَعَالَى الْخَالِقُ وَحْدَهُ. وَمَعْنَى الْعِبَادَةِ نِهَايَةُ التَّذَلُّلِ أي أقصى غاية التعظيم، فالمسلم لا يُعظمُ أحدًا كما يُعظمُ الله مع أنَ المسلمَ يُعظمُ الأنبياءَ والملائكةَ والأولياءَ لكن يعظمُهم إلى حدٍ يليقُ بهم ليسَ كتعظيمِ الله لأنَ تعظيمَ الله مُطلق،
هو أقصى غاياتِ التذللِ والتعظيم وهذا لا يَستحقُهُ أحدٌ إلا الله سبحانَه وتعالى فمن صرفَه لغيرِ اللهِ صارَ مُشركًا والعياذُ بالله. ومن فهم معنى العبادةِ كما فسرَها علماءُ الدين وعلماءُ اللغةِ عَلِمَ أنَ التوسلَ والتبركَ بالأنبياءِ والأولياءِ ليسَ عبادةً لهم لأن تعريفَ العبادةِ لا يَنطبِقُ على التوسل والتبرّك. والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم.
نفي النقص عن الله تعالى
الحمد لله أما بعد المسلمُ لما يقولُ أعبُدُ اللهَ الواحدَ يكونُ المعنى أعبدُ الله الَّذِى لا يُشَارِكُهُ أحدٌ فِى الأُلُوهِيَّةِ وليعلم أن الأحد إذا أُطلِقَ على اللهِ يكونُ بمعنى الواحد كما قالَ بعضُ العلماء. وَقَالَ عُلَمَاءُ ءَاخَرُونَ الأَحَدُ مَعْنَاهُ الَّذِى لاَ يَقْبَلُ الانْقِسَامَ والتجزء لأَنَّ الَّذِى يَقْبَلُ الانْقِسَامَ هُوَ الْجِسْمُ، والجسميةُ منفيةٌ عن الله، لأن الجسمَ ما له طولٌ وعرضٌ وسمكٌ وتركيب وهذا لا يكونُ إلا للمخلوق أما الله فهو الخالقُ الذي لا يُشبهُ المخلوق فربُنا سبحانَه لا طولَ ولا عرضَ ولا سمكَ ولا تركيبَ له، ليس جسمًا قصيرًا ولا طويلًا ولا سمينًا ولا نحيلًا ولا يجلسُ على العرشِ ولا يقومُ ولا يقعدُ ولا يسكنُ في السماء ولا يوصفُ بأي صفةٍ من صفاتِ الأجسام فهو موجودٌ بلا مكان، لا يحتاجُ إلى شيءٍ ولا يشبهُ شيئًا. مهما تصورتَ ببالك فالله لا يُشبه ذلك. هذه عقيدةُ التنزيهِ وهي عقيدةُ أهلِ السنة والجماعة. وتنزيهُ الله معناه نفيُ النقصِ عن الله. نسأل الله تعالى أن يُميتَنا على هذه العقيدة السنية والحمد لله أولا وآخرا وأبدا.
الله موصوف بكل كمال يليق به
اعلم رحمك الله أَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَوْصُوفٌ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ اللاَّئِقَةِ بِهِ سُبْحَانَهُ. وَإِنَّمَا قُلْنَا "اللاَّئِقَةِ بِهِ" لأَنَّ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ مَا يَلِيقُ بِالْمَخْلُوقِ وَلاَ يَلِيقُ بِالْخَالِقِ، وَذَلِكَ كَشِدَّةِ الذَّكَاءِ، وَقُوَّةِ العَقْلِ، وَقُوَّةِ البَدَنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. فَهَذِهِ صِفَاتٌ هِىَ فِى حَقِّ الْمَخْلُوقِ صِفَاتُ كَمَالٍ وَلاَ يَلِيقُ أَنْ يُوصَفَ الْخَالِقُ بِهَا. فلذلك يا أحبابنا الكرام علماء أهل السنة لا يقولون الله موصوف بكل كمال ويسكتون، إنما يقيدون العبارة فيقولون الله موصوف بكل كمال يليق به.
وَيُفْهَمُ مِنْ هَذَا أَنَّ اللهَ مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ فِى حَقّـِهِ، وَهُوَ كُلُّ مَا كَانَ مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، كَالْجِسْمِ وَاللوْنِ وَالشَّكْلِ وَالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَسَائِرِ صِفَاتِ المخلوقات. لِذَلِكَ قَالَ أَهْلُ الإِسْلاَمِ بِأَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالى مَوْجُودٌ بِلاَ مَكَانٍ، لأَنَّ الْمَوْجُودَ فِى مَكَانٍ لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ حَدٌّ، وَكُلُّ مَا لَهُ حَدٌّ أي حجمٌ مُحْتَاجٌ إِلى مَنْ خَصَّهُ بِذَلِكَ الحجم، وَكُلُّ مَنْ هُوَ مُحْتَاجٌ لاَ يَكُونُ إِلَــهًا، فَلِذَلِكَ اللهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الْمَكَانِ وَعَنِ الْجِهَاتِ، فَلاَ نَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَوْجُودٌ فِى السَّمَاءِ ساكنٌ فيها،
وَلاَ نَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ساكنٌ فِى جِهَةِ فَوْق، وَلاَ نَقُولُ اللهُ تعالى ساكنٌ فِى كُلِّ مَكَانٍ، إِنَّمَا نَقُولُ اللهُ مَوْجُودٌ لاَ يُشْبِهُ الْمَوْجُودَاتِ، مَوْجُودٌ بِلاَ مَكَانٍ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ}. مَعْنَاهُ لاَ شَىْءَ يُشْبِهُ اللهَ بِأَىِّ وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ. كَمَا قَالَ ذُو النُّونِ المِصْرِىُّ: مَهْمَا تَصَوَّرْتَ بِبَالِكَ فَاللهُ بِخِلاَفِ ذَلِكَ إهـ أي لا يُشبه ذلك. فَاللهُ مُنَزَّهٌ عَنْ مُشَابَهَةِ كُلِّ مَا فِى الأَرْضِ وَكُلِّ مَا فِى السَّمَاءِ، كُلِّ الأَجْسَامِ اللطِيفَةِ أي التي لا تضبط باليد كالهواء وَكُلِّ الأَجْسَامِ الْكَثِيفَةِ أي التي تضبط باليد كالإنسان،
اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ مُشَابَهَتِهَا بِأَىِّ وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ. وَذُو النُّونِ الْمِصْرِىُّ هُوَ ثَوْبَانُ بنُ إِبْرَاهِيمَ، شُهِرَ بِذِى النُّونِ. وَهُوَ أَصْلاً نُوبِىٌّ، عَاشَ فِى مِصْرَ مُنْذُ نَحْوِ أَلْفٍ وَمِائَتَىْ سَنَةٍ. كَانَ مِنْ جِلَّةِ الْعُلَمَاءِ وَمِنْ مَشَاهِيرِ أَهْلِ التَّقْوَى. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتوفانا على كامل الإيمان والحمد لله رب العالمين أولا وآخرا وأبدً.
