كنّا ذكرنا في الحلقة الماضية ما حصل مع سيدنا إبراهيمَ مع من كانوا يعبدون النجوم والكواكب من قومه. نواصل كلامنا إن شاء الله بذكر ما لاقاه مع من يعبدون الأصنام منهم. لما رأى إبراهيمُ عليه الصلاة والسلام أنهم ما زالوا متعلقينَ بأوهامهم متمسكين بعبادة أصنامهم عَقَد النيةَ على أن يَكيدَ أصنامَهم ويفعلَ بها أمرًا يُقيمُ الحجةَ به عليهم لعلَهم يَفيقونَ من غَفلتِهم ويَصحُونَ من كَبْوَتِهِم، وكان من عادةِ قومِه أن يُقيموا لهم عيدًا، فلمَّا حلَّ عليهم عيدُهم وهمّوا بالخروجِ إلى خارج بلدِهم دعَوْهُ لِيَخْرُجَ معهم قال لهم {إِنِّي سَقِيمٌ} أي سيلحَقُني المرض وليس هذا كذِبا منه عليه السلام.
فلمّا مضى قومُه ليحتفِلوا بعيدهم ذهب إبراهيمُ إلى بيت الأصنام الذي كان فيه قومُه يعبدون هذه الأصنام، فإذا هو في بَهْوٍ عظيمٍ واسع وفيه صنمٌ كبيرٌ وإلى جانبه أصنامٌ صغيرة بعضُها إلى جنب بعض، وإذا هُم قد صَنعوا لها طعامًا وضعوهُ أمامَ هذه الأصنام، فلما نظرَ إبراهيمُ عليه الصلاة والسلام إلى ما بينَ أيدي هذه الأصنام من الطعام الذي وضَعه قومُه قُربانًا لها ورأى سخافةَ عقولِهم، خاطبَ هذه الأصنام وقال لها على سبيل التَهَكُّمِ والازدراء: {أَلا تَأْكُلُونَ}، فلما لم تجبه قال لها أيضا على سبيل الاحتقار:
{مَا لَكُمْ لا تَنطِقُونَ}. ثم أمسكَ بيده اليُمنى فأسًا وأخذَ يهوي على الأصنام يُكَسِّرُها ويُحَطِّمُ حِجارتَها وما زال كذلك حتى جعلَها كُلَها حُطامًا إلا كبيرَ هذه الأصنام فقد أبقى عليه وعَلَّقَ الفأسَ في عنُقِهِ ليرجِعوا إليه فيُظهِرَ لهم أنها لا تنطِق ولا تعقِل ولا تدفَعُ عن نفسِها ضررًا، وبذلك يُقيمُ سيدُنا إبراهيمُ عليه السلام الحجةَ على قومِهِ الكافرين الذين يعبُدونها على غيرِ بُرهانٍ ولا هُدى تقليدًا لآباءهم. ولما رجَعَ قومُه من عيدهم ووَجدوا ما حلَّ بأصنامِهم بُهِتوا واندهشوا وراعَهم ما رأَوا في أصنامهم، وبلغ ذلك الخبرُ الملكَ نُمرودَ الجبار ملكَ البلاد وحاكمَها وأشرافَ قومه، وأجمعوا على أن يُحضروا إبراهيمَ ويَجمعوا الناسَ ليشهدوا عليه ويَسمعوا كلامَه وكان اجتماعُ الناسِ في هذا المكانِ الواحدِ مقصِدَ إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام ليُقيمَ على قومِهِ الحجةَ على بُطلان ما هم عليه من عبادةِ الأصنام التي لا تَضُرّ ولا تنفع،
وتقاطَرَتِ الوفودُ وتكاثرت جمُوعُ الكافرين كلٌّ يريدُ الاقتِصاصَ من إبراهيمَ نبيِ الله الذي أهانَ أصنامَهم واحتقَرَها، ثم جاءوا بإبراهيمَ عليه الصلاة والسلام إلى هذا الجمعِ الزاخِرِ منَ الكافرين أمامَ ملِكِهِمُ الظالم نمرود فقالوا له ءأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم؟ وهنا وجد نبي الله إبراهيمُ الفرصةَ سانِحة ليُقيمَ الحجةَ عليهم وليُظهرَ لهم سُخْفَ معتَقَدِهِم وبُطلان دينهم {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ} والمعنى بل فعله كبيرهم هذا إن كانوا ينطقون فاسألوهم.
وهذا إلزامٌ للحجة عليهم بأنّ الأصنام جمادٌ لا تقدِر على النُطق، وأنَّ هذه الأصنام لا تستحقُ العبادة فهي لا تَضُرُّ ولا تنفع، ولا تملِكُ لهم نَفعًا ولا ضُرًا ولا تُغني عنهم شيئًا. فعادوا على أنفسهم فيما بينهم بالملامة لأنهم تركوها من غير حافظ لها ولا حارس عندها، ثم عادوا فقالوا لإبراهيمَ عليه السلام لقد علمتَ يا إبراهيمَ أنّ هذه الأصنامَ التي نعبدُها لا تنطِق. فلما أَقروا على أنفسهم بأنّ أصنامَهُمُ التي اتخذوها ءالهةً من دون الله عاجزةٌ عن الإصغاءِ والنُطق واعترفوا أنها عاجزة لا تُدرِك ولا تقدِر ولا حياةَ لها، عند ذلك أقامَ إبراهيمُ عليه السلام الحجةَ عليهم وأفحَمهم.
قالَ لهم أفتعبدونَ مِن دونِ الله ما لا يَنْفَعُكُم شيئًا ولا يَضُرُّكُم؟! أُفٍّ لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون، عند ذلك غُلِبوا على أمرِهم وألزمهم نبيُ الله إبراهيمُ الحجةَ عليهم فلم يَجدوا حُجَةً يحتجون بها عليه. والله أعلم وأحكم. الموعد القابل قريب بإذن الله فانتظرونا لنكملَ حديثَنا عن سيدنا إبراهيمَ عليه السلام ونذكرَ مناظرتَه مع النُمرود الذي ادّعى الألوهية ومعجزةَ إبراهيمَ عليه السلام في عدم احتراقه بالنار.
4\7 قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام
لقد أقامَ إبراهيمُ عليه الصلاة والسلام الحجةَ على قومِه بعد أن حطّم أصنامَهم، فاغتاظوا منه وأحضروه أمام ملِكهم النمرود وأشرافِ قومِه، فأخذ النمرود يُنكر على إبراهيمَ عليه السلام دعوتَه إلى دين الإسلام وأنّ الله تعالى هو ربُّ العالمين لا ربَّ سواه، وأخذ يدَّعي عنادًا وتكبرًا أنه هو الإله وقال لإبراهيم: أخبِرني الذي تعبُده وتدعو إلى عبادتِه ما هو، فقال له إبراهيمُ عليه السلام: {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} فقال النمرودُ الجبارُ المستكبر: أنا أحيي وأميت أي أنا أُحيي من أشاءُ بالعفوِ عنه بعد أن يكونَ صدرَ الحكمُ عليه بالقتل فيَنعَمَ بالحياة، وأنا أميت من أشاءُ بأمري وأقضي عليه بِحُكمي، وقال:
ءاخُذُ رجلين قد استوجبا القتلَ فأقتُل أحدَهما فأكونُ قد أمتُه وأعفو عن الآخر فأكونُ قد أحييتُه. ظَن نُمرودُ بمقالتِه هذه البعيدةِ عن الحقيقةِ أنه على صوابٍ وأرادَ الْمُراوغَة والاستكبارَ والعناد، فأرادَ إبراهيمُ عليه السلام أن يُفحِمَهُ بالحجةِ القويةِ ويُضَيِّقَ عليه الخِناق ويُظهرَ له جَهلَهُ وسُخْفَ عقلِهِ أمامَ قومِه، فأعطاهُ دليلًا قويًا على أنّ الله تعالى هو الخالقُ المدبّرُ لهذا العالم، وأنّ ما ادعاهُ عنادًا واستِكبارًا باطل فقال له: {فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} أي أنّ هذه الشمسَ مسخرةٌ كلَ يومِ تَطْلُعُ من المشرق كما سَخَّرَها الله الذي هو خالقُها وخالقُ كل شيء،
فإن كنت كما زعمتَ باطلًا أنك تُحيي وتُميت فأت بهذه الشمسِ من المغرب، فإنّ الذي يُحيي ويُميت هو الذي يفعل ما يشاء ولا يُمانَع ولا يُغالَب، وأمامَ هذه الحجةِ الساطعة وقف نُمرودُ مبهوتًا مبغوتًا أمام قومه. وأرادَ قومُ إبراهيمَ عليه السلام أن ينتقموا من إبراهيمَ عليه السلام لما كسَّرَ أصنامَهم وحطمَها وأهانها، فلمَّا غلبَهم بحجتِه القويةِ الساطعةِ أرادوا مع ملِكِهم هذا أن ينتقِموا منه فيَحرِقوهُ في نارٍ عظيمةٍ فيتخَلصوا منه قال تعالى مُخْبِرًا عن قولهم: {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا ءالِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ} فشرَعوا يَجمعونَ الحطبَ من جميع ما يمكنُهم من الأماكن ليُلقوه بها، وهذا يدلُ على عُظمِ الحقدِ المتأججِ في صدورِهم ضِدَ إبراهيمَ عليه السلام.
ثم عَمدوا إلى حُفرَةٍ عظيمةٍ فوضعوا فيها ذلك الحطب وأضرموا النارَ فيها فتأجَجَت والتَهَبَت وعلا لها شرَرٌ عظيم لم يُرَ مثلُه، وكانوا لا يستطيعون لقوةِ لهيبِها أن يتَقدموا منها، ثم لما كانوا لا يَستطيعونَ أن يُمسكوا إبراهيمَ عليه السلام بأيديهم ويرموهُ في هذه النارِ العظيمةِ لشدةِ وهْجِها، صنعوا الْمنجنيق ليرموهُ من مكانٍ بعيد، فأخذوا يُقَيِدون إبراهيمَ عليه السلام وهو عليه الصلاةُ والسلام مُتَوَكِّلٌ على الله تعالى حقَّ توكُلِه، فلما وضعوه عليه السلام في كَفةِ هذا الْمنجنيق مقيدًا مكتوفًا وألقُوه منه إلى وسط النار قال:
"حسبنا الله ونعم الوكيل" كما روى ذلك البخاري عن ابن عباس. فلما أُلقِيَ إبراهيمُ لم تَحْرِقْهُ النار ولم تُصِبْهُ بأذًى ولا ثيابَه، لأنَّ النارَ لا تُحرِقُ بذاتِها وطبعِها وإنما الله يخلُقُ الإحراقَ فيها، قال الله تعالى: {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ}. فكانت هذه النارُ الهائلةُ العظيمةُ بردًا وسلامًا على إبراهيمَ فلم تَحرِقْهُ ولم تَحْرِقْ ثِيابَه، وقيل: لم تَحرِق سوى وِثاقِه الذي وَثّقوا وربطوا به إبراهيمَ عليه السلام.
ولما خبا سعيرُ هذه النارِ العظيمةِ وانقَشعَ دُخانُها وجدوا إبراهيمَ سليمًا مُعافى لم يُصبه أيُ أذى فتَعجبوا لأمره ونجاته، ومع أنهم رأوا هذه المعجزةَ الباهرةَ ظلوا على كفرِهم وعنادِهم ولم يُؤمنوا بنبيِ الله إبراهيمَ عليه السلام، ولقد أرادوا أن ينتَصِروا لكُفْرِهم فخُذِلوا، يقولُ الله تعالى في القرءان الكريم: {وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ}. وأصرَّ قومُ إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام على الكفرِ والضلالِ ولم يؤمن بهِ إلا نَفَرٌ قليلٌ منهم، ولما لم يَجد إبراهيمُ عليه السلام منهم إقبالًا إلى الهدى والايمان أرادَ أن يُهاجر إلى بلدٍ يتمكنُ فيه من عبادةِ الله ودعوةِ الناسِ فيه إلى الايمانِ والإسلام العظيم، علَّهُ يجدُ هناك ءاذانًا صاغيةً وقلوبًأ واعية تَقبلُ الحقَ والإيمان وتُقِرّ بوَحدانيةِ الله الملكِ الديّان مالكِ السمواتِ والأرض.
قال الله تعالى حكاية عن نبيِه إبراهيمَ عليه السلام: {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ} وذلك حين أرادَ هجرةَ قومِه بعد هذا الإصرارِ والعنادِ منهم على كفرِهم وضلالهِم، أي إني ذاهبٌ إلى حيث أمرني ربي عزّ وجلّ وهو الشام، أو المعنى إلى حيث أتمكن فيه من عبادة ربي عزّ وجلّ. وهاجر سيدُنا إبراهيمُ عليه السلام مع زوجته سارة وابنِ أخيه لوط إلى أرضِ الشام، وبعثَ الله تعالى سيدَنا لوطًا رسولا إلى أهلِ سَدوم في أطرافِ الأردن، وكان في هجرةِ إبراهيمَ عليه السلام إلى برِ الشام بأمرِ الله خيرٌ وبركة، فلقد وهبَه الله تبارك وتعالى بهجرته هذه في سبيل الله الأولادَ الصالحين وجعلَ في ذريتِه النبوةَ والكتاب. والحمد لله على نعمه أولا وءاخرا. في الحلقة القادمة سنتكلم بإذن الله عن رحلةِ إبراهيمَ عليه السلام إلى مصر ومولدِ إسماعيل عليه السلام وقصة ماء زمزم.
