نكمل حديثنا عن سيدنا موسى عليه السلام مُعرِّجين على كثيرٍ من الأمور المهمة. لما كَلَّمَ الله سبحانَه وتعالى عبدَه ونبيَه موسى عليه السلام وجعلَه نبيًا ورسولًا أمرَه أن يذهبَ إلى فرعونَ ليدعوَه إلى عبادةِ الله وحدَه وتوحيدِه تعالى وتركِ الكفرِ والإشراك، فطلبَ موسى عليه السلام من ربِه أن يبعثَ معه أخاه هارون ليكونَ معه في طاعةِ الله ومُعينًا له على تبليغِ الرسالة، فاستجابَ الله تعالى لنبيه موسى طلبَه وأخبرَه بأنه سَيجعلُ معه أخاه هارون مُعينًا له ووزيرًا، وطَمأنَه أنَّ فرعونَ وجُندَه لن يَصلوا إليه وإلى أخيهِ هارون بقتلٍ ولا يَنالونَ منهما، قالَ الله تعالى:

{قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي} أي حتى يَفهموا عنّي بسرعة، وما أصابَه عليه السلام من بُطءٍ خَفيفٍ في كلامِه لم يَمنعْ عنهُ البيان. إنما قالَ المفسرون إنّ فرعونَ كانَ قد وضعَ موسى عليه السلام وهو طِفلٌ صغيرٌ في حِجرِه، فأخذَ موسى بلحيةِ فرعونَ ومدَها بيدِه فهمّ فرعونُ بقتلِه فخافت عليه زوجتُه "ءاسية" وقالت لفرعون: إنه طِفلٌ صغير لا يعقِل وسأريكَ بيانَ ذلك، قدِّم إليه جمرتين ولؤلؤتين فإنِ اجتَنبَ الجمرتين عرفتَ أنه يَعقِل فلما وُضِعَتِ الجمْرتين أمامَ موسى عليه السلام أخذَ موسى جَمرةً من الجمرتين حِكمةً من الله حتى لا يقتله فرعون ووضعَها في فمِه فأحرقَت لسانَه وصارَ فيه عُقدةٌ خفيفةٌ من أثرِ هذهِ الجمرةِ ولكن ما تركت هذه الجمرةُ في لسانِه أن يكونَ كلامُه بعدَ ذلكَ مع الناسِ غيرَ مُفْهِم بل كانَ عليه السلام يتكلمُ على الصواب،

وقد سألَ موسى عليه السلام ربَّه لما نزلَ عليه الوحي أن يُزيلَ هذه العقدةَ من لسانِه فاستجابَ الله له وأذهبَها عنه. سارَ موسى عليه السلام بأهلِه نحوَ مِصر حتى وصلَها ليلًا وكان هارونُ عليه السلام يومئذٍ غائبًا بمصر، فأوحى الله تعالى إليه أن يتلقّى أخاهُ موسى عليه السلام ويُخبِرَه أنه قد جعلَه وزيرًا له ورسولًا معه، وتلقّى هارونُ موسى فلمّا اجتَمعا والتقيا قال موسى لأخيه هارون: إنَّ الله أمرَني أن ءاتِيَ فرعون فسألتُه أن يَجعلَكَ معي فانطلِق معي إليه. والله تبارك وتعالى أعلم وأحكم. نقف هنا الان ليكون كلامنا في الحلقة القادمة عما حصل لموسى وهارون مع فرعون فتابعونا وإلى اللقاء.

8\24 قصة سيدنا موسى وهارون عليهما السلام

انطلَق موسى عليه السلام وهارونُ عليه السلام إلى قَصرِ فرعونَ ليلًا، وطلبَ موسى من البَوّابِ أن يأذنَ له بالدخولِ على فرعون، وعندَما سألَه البوابُ بقولِه: وماذا أقولُ لفرعون؟ أجابه موسى: قل له جاءَك رسولُ ربِّ العالمين، فَفَزِعَ البوابُ من كلامِ موسى ودخلَ على فرعونَ مَرعوبًا وقالَ له: إنَّ بالبابِ إنسانًا يَزعُمُ أنه رسولُ ربِّ العالمين، فأخذَت فرعونَ رَعدةٌ وهيبةٌ وأمرَ بوابَه بإدخالِه مع أخيه هارون عليهما السلام، فلما دخلَ موسى ومعَه أخوه هارون على فرعونَ في قصرِه دَعَواه إلى عبادةِ الله وحدَه لا شريكَ له في الألوهيةِ والدخولِ في دينِ الإسلام العظيم وبلّغاهُ ما أُرسِلا به، وأن يَفُكَ أُسارى بني إسرائيل من قبضتِه وقهرِه وسطوتِه ويترُكَهم يعبدونَ الله تعالى وحدَه ويتفَرغونَ لعبادتِه،

وهنا تكبّرَ فرعونُ في نفسِه وعتا وطغى وأخذته العِزةُ بالإثم ونظرَ إلى موسى وهارونَ بعينِ الازدِراء، وقالَ لهما: وهل يوجدُ إلهٌ غيري؟ ولما تحققَ فرعونُ من موسى وعلِم أنه الذي تربى في بيتِه وقَصرِه ثم كانَ من أمرِه ما كان، قال لموسى: ألم نُرَبِكَ فينا وليدًا ولبِثتَ فينا من عُمُرِكَ سنين؟ أي أما أنت الذي ربيناه في منزلِنا وأحسنّا إليه وأنعمنا عليه مدةً من الدهر؟ وأظهرَ فرعونُ كلَ عنادٍ وتَكبرٍ بالذي جاءَه وبلّغَه إياه موسى عليه السلام مع الحُجَجِ القويةِ الباهرة، ومع هذا كلِه لم يستَفِق من رَقدَتِه ولم يَتراجَع عن ضَلاله بل استمرَ على طُغيانِه وعِنادِه وكُفرانِه مع ما في كلامِ موسى عليه السلام من الحججِ والبراهين الساطعة النيّرة.

وبعد أن قامتِ الحجج على فرعونَ وانقطعت شبَهُه الواهية ولم يبقَ له إلا العنادُ والتكبر عدلَ إلى استعمالِ سلطانِه وجاهِه وسطوتِه وجَبروتِه وهدد موسى بالسجن، فألقى موسى عليه السلام عَصاهُ أمامَ فرعون فإذا هي ثُعبانٌ مبين أي عظيمُ الشكلِ في الضَخامةِ والهولِ والمنظرِ الفظيعِ الباهر، حتى قيل إنّ فرعونَ لما شاهدَ معجزةَ العصا وعاينَها أخذَه خوفٌ عظيمٌ وانعكسَ أثرُ ذلك على صحتِه وحالتِه، وهكذا لما أدخلَ موسى عليه السلام يدَه في جَيبِه واستخرَجَها فإذا هي كفَلقَةِ القمرِ تتلألأ نورًا يُبهِرُ الأبصار، فلما أعادَها إلى جيبِه واستخرَجَها رجَعت إلى صِفَتِها الأولى، ومعَ هذا كلِه لم يقتنِع فرعونُ بشيءٍ من ذلك بلِ استمرَ على كفرِه وطُغيانِه وادّعى أنّ هذا كلَه سحر، وأرادَ معارضتَه بالسحرةِ فأرسلَ يجمعُهم من سائرِ مملكتِه ومَن هم في رعيتِه وتحتَ سلطتِه ودولتِه كما سيأتي بيانُه إن شاء الله تعالى في الحلقة القادمة من سلسلةِ قصص الأنبياء فتابعونا وإلى اللقاء.

9\24 قصة سيدنا موسى وهارون عليهما السلام

وصلنا معكم إلى قصةِ نبيِ الله موسى عليه السلام مع سحرةِ فرعون. استمرَ فرعونُ على كفرِه رغمَ رؤيتِه المعجزات من سيدِنا موسى عليه السلام وأخذَ يهدِدُ نبيَ الله موسى عليه السلام ويتوعَدُه ُبالسجنِ والتعذيبِ والأذى، ثم دعا وزيرَه هامان واستشارَه في أمرِ موسى وما دعاه إليه وما رأى منه فقالَ له هامان: إنِ اتبعتَه فيما دعاكَ تصيرُ تَعبدُ بعد أن كنت تُعبَد، وزيّنَ له باطلَه وما هو عليه من طغيانٍ وتكبّر، فخرجَ فرعونُ إلى قومِه وقالَ يصِفُ موسى عليه السلام:

إنَّ هذا لساحِرٌ عليمٌ، ثم دعا جماعتَه واستشارَهم في أمرِ موسى عليه السلام وما رأى منه، فأشاروا عليه أن يَجمعَ السحرةَ ليُبطِلوا على زعمِهم ما جاءَ به موسى لأنهم ظنوا أنَّ ما جاءَ به من الآياتِ هو من قَبيلِ السِحر، ففعلَ فرعونُ ما طلبوا منه وذهبَ يَجمعُ من كان ببلادِه من السحرةِ وكانت بلادُ مصرَ في ذلك الزمانِ مملوءةً بالسحرة الْمُتَمَكِنينَ في سِحرِهم حتى اجتَمعَ له خلقٌ كثيرٌ من السَحرةِ وجَمٌّ غفيرٌ منهم فكانوا سبعينَ ساحرًا وقيلَ أكثرَ من هذا بكثير، ولما اجتمعوا عند فرعون طلبَ منهم فرعون أن يجمعوا قِواهم ويُوحِدوا هدفَهم وجُهودَهم ليُبطِلوا على زعمِه سِحرَ موسى، وأخذ فرعون يُغريهم بالمالِ والمنصبِ وأنّه سيجعلُهم من خاصتِه فيما إذا تمكنوا من موسى وغَلبوه بسحرِهم،

وكانَ موعدُ اللقاءِ يومَ عيدٍ لفرعون يجتمعُ فيه معَ الرعِيَةِ في وضَح النهارِ من الضحى، وجاءَ موسى عليه السلام حامِلا عصاهُ في يدِه ومعَه أخوهُ هارون في الموعدِ المحدد، وكان فرعونُ جالسًا مُستَشرِقًا في مجلسِه معَ أشرافِ قومِه من الأمراءِ والوُزراءِ ومعهمُ السحرةُ الذين جلبَهم من كلِ أنحاءِ بلادِ مصر التي كان يحكمُها، فأقبلَ موسى عليه السلام نحوَ السحرة وزجرَهم عن تعاطي السحرِ الباطل الذي فيه معارضةٌ لآياتِ الله وحُجَجِهِ وقال لهم: {وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ} أي يَستأصِلَكُم ويُهلِكَكُم بِعذاب، وارتَعدَ السحرةُ من مقالتِه هذه وفَزِعوا وقالَ بعضُهم لبعضٍ:

ما هذا بقولِ ساحر، ولما اصطفَّ السحرةُ ووقفَ موسى وهارونُ عليهما السلام تُجاهَهُم سحَروا أعيُنَ الناسِ واستَرهَبوهم وألقَوا حبالَهم وعِصِيَّهُم التي كانت معَهم وهم يقولون: بعزةِ فرعون إنّا لنحنُ الغالِبون، وإذا بهذه الحبالِ والعِصِيّ يُخَيَّلُ للناسِ الحاضرين أنها حياتٌ وثَعابين تتحركُ وتَسعى، وأمامَ هذا الموقفِ الْمُثيرِ المستغرَبِ نظرَ نبيُ الله موسى عليه السلام فإذا بهذه الحبالِ والعِصيِ يُخَيَّلُ للناسِ أنها حياتٌ تسعى، فخافَ على الناسِ أن يُفتَنوا بسحرِ السَحَرَةِ قبلَ أن يُلْقِيَ ما في يدِه، ولكنَّ الله تبارك وتعالى ثبّتَهُ أمامَ هذا الجمعِ الزاخِرِ من السحرةِ وأوحى إليه أن لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأَعْلَى أيِ الغالبُ المنتصرُ عليهم. نقف هنا الآن ونتابع ما بدأناه من قصة موسى وهارون عليهما السلام مع سحرة فرعون في الحلقة القادمة من سلسلة قصص الأنبياء فتابعونا وإلى اللقاء.