هَاجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ، وَكَانَتْ تُسَمَّى يَثْرِبَ وَصَحِبَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي هِجْرَتِهِ، وَاسْتَقَرَّا هُنَاكَ وَلَحِقَ بِهِ سَائِرُ أَصْحَابِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَاسْتَقْبَلَهُمْ مَنْ ءَامَنَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِالتَّرْحَابِ وَنَصَرُوا دَعْوَتَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسُمُّوا الأَنْصَارَ. وَسُمِّيَ الَّذِينَ هَاجَرُوا الْمُهَاجِرِينَ.
وَقَوِيَتِ الدَّعْوَةُ فِي الْمَدِينَةِ المنوّرة. وَءَاخَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ فَصَارُوا إِخْوَانًا مُتَحَابِّينَ مُتَعَاوِنِينَ. وَأَذِنَ اللَّهُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالْقِتَالِ فَقَاتَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُشْرِكِينَ فِي غَزَوَاتٍ كَثِيرَةٍ، وَجَاهَدَ بِمَنْ مَعَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فجزاهم الله عنا خيرا. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشْجَعَ النَّاسِ وَأَقْوَاهُمْ، وَلَمْ تَكُنْ هِجْرَتُهُ هَرَبًا وَلا جُبْنًا وَلَكِنْ طَاعَةً لِأَمْرِ اللَّهِ لإِقَامَةِ دَوْلَةِ الإِسْلامِ فِي الْمَدِينَة المنورةِ.
وَمِنْ غَزَوَاتِهِ الْمَشْهُورَةِ: غَزْوَةُ بَدْرٍ، وَغَزْوَةُ أُحُدٍ، وَغَزْوَةُ الْخَنْدَقِ، وَفَتْحُ مَكَّةَ، وَغَزْوَةُ حُنَيْنٍ. وَفِي السَّنَةِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ لِلْهِجْرَةِ تُوُفِّيَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ وَدُفِنَ بِهَا فِي بَيْتِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وعن أبيها وَقَبْرُهُ الشَّرِيفُ مَعْرُوفٌ هُنَاكَ يُزَارُ إِلَى زَمَانِنَا هَذَا. وَزِيَارَةُ قَبْرِ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُنَّةٌ بِالإِجْمَاعِ أَيْ إِجْمَاعِ أَئِمَّةِ الِاجْتِهَادِ الأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ لِلْمُقِيمِ بِالْمَدِينَةِ المنورة وَلِمَنْ يَسْكُنُ بَعِيدًا عَنْهَا. قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَافِظُ السُّبْكِيُّ.
11\25 مختصر السيرة النبوية الطاهرة - ذكرُ بعضٍ من معجزاتِهِ (1) صلى الله عليه وسلم
إنّ معجزاتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرةٌ حتى قال الإمامُ الشافعيُ إنّ الله لم يعط نبيًّا معجزةً إلا وأعطى محمدًا مثلَها أو أكبرَ منها. ومن هذه المعجزات: القرءانُ الكريمُ: وهو أكبرُ معجزاته صلى الله عليه وسلم الدالّةِ على صِدقه الذي لو اجتمعت الإنسنُ والجنُّ على أن يأتوا بمثله لم يقدِروا. ومن معجزاته صلى الله عليه وسلم انشقاق القمر: طلبَ الكفارُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُرِيَهم ءايةً فأشارَ إلى القمرِ فانشقَّ فَلقَتَين، وشاهدَ ذلك مَن كانَ بمكةَ وخارجِها.
ومن معجزاته صلى الله عليه وسلم خروج الماء من بين أصابعه: أُتِيَ مرةً بإناءٍ فيه ماءٌ لا يَغمُرُ أصابعَ النبي صلى الله عليه وسلم، فوضعَ كفَّهُ الشريفةَ في الماء فجعلَ الماءُ ينبُعُ من بين أصابعه حتى تَوضأَ القومُ كلُّهم وشربوا. وروى البخاريُّ ومسلمٌ من حديث جابر: "عَطِشَ الناسُ يومَ الحديبيةِ وكان الرسولُ صلى الله عليه وسلم بينَ يديه ركَوةٌ يتوضأ منها فَجَهَشَ الناس (أي أقبلوا إليه) فقال: "ما لكم"؟ فقالوا: يا رسول الله ليس عندنا ما نتوضأُ به ولا ما نشربُه إلا ما بين يديك، فوضعَ يده صلى الله عليه وسلم في الرَكوة فجعل الماءُ يفور من بين أصابعه كأمثالِ العيون، فشرِبنا وتوضأنا، فقيل:
كم كنتم؟ قال: "لو كنّا مائةَ ألفٍ لكفانا، كنا خمسَ عشرةَ مائة". ومن معجزاته صلى الله عليه وسلم ردُّ عينِ قتادة بعد انقلاعها: فقد روى البيهقيُّ عن قتادةَ بنِ النُّعمان أنه أُصيبَت عينُه يومَ بدرٍ فسالت حدقَتُهُ على وجنته فأرادوا أن يقطعوها، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "لا". فدعا به فَغَمَزَ حدقتَه بِراحتِه الشريفة فَبَرِئَت، فكان لا يدري أيَّ عينيه أصيبت. ومن معجزاته صلى الله عليه وسلم تسبيح الطعام في يده: أخرج البخاريُّ من حديث ابن مسعودٍ قال:
"كنا نأكل مع النبي صلى الله عليه وسلم الطعام ونحن نسمع تسبيحَ الطعام". وهذه المعجزات أعجبُ مِن إحياءِ الموتى الذي هو إحدى معجزات المسيح صلى الله عليه وسلم. ومن معجزاته صلى الله عليه وسلم ما جَاءَ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ: «إِنَّ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلا أَجْعَلُ لَكَ مِنْبَرًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ فَإِنَّ لِي غُلامًا نَجَّارًا، قَالَ: إِنْ شِئْتِ، قَالَ فَعَمِلَتْ لَهُ مِنْبَرًا فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ قَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ الَّذِي صُنِعَ لَهُ، فَصَاحَتِ النَّخْلَةُ الَّتِي كَانَ يَخْطُبُ عِنْدَهَا حَتَّى كَادَتْ تَنْشَقُّ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَخَذَهَا، فَضَمَّهَا إِلَيْهِ فَجَعَلَتْ تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبِيِّ الَّذِي يُسَكَّتُ،
حَتَّى اسْتَقَرَّتْ، وَكَانَ الْحَسَنُ لَمَّا يَرْوِي هَذِهِ الْحَادِثَةَ يَبْكِي وَيَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، الْخَشَبَةُ تَحِنُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَوْقًا إِلَيْهِ، أَفَلَيْسَ الرِّجَالُ الَّذِينَ يَرْجُونَ لِقَاءَهُ أَحَقَّ أَنْ يَشْتَاقُوا إِلَيْهِ». وَمِنْ مُعْجِزَاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ أَنَّهُ أَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَامَةِ بِغُلامٍ يَوْمَ وُلِدَ وَقَدْ لَفَّهُ فِي خِرْقَةٍ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا غُلامُ مَنْ أَنَا فَأَنْطَقَ اللَّهُ تَعَالَى الْغُلامَ فَقَالَ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ» فَكَانَ هَذَا الْغُلامُ يُسَمَّى مُبَارَكَ الْيَمَامَةِ.
12\25 مختصر السيرة النبوية الطاهرة - ذكرُ بعضٍ من معجزاتِهِ (2) الإسراء
الحمد لله مكوّن الأكوان الموجود أزلا وأبدا بلا مكان أما بعد لما بلغ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إحدى وخمسين سنةً أي قبل الهجرة بحوالَي سنتين، أُسري بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلًا مِنْ مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى. وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْحَقِّ مِنْ سَلَفٍ وَخَلَفٍ وَمُحَدِّثِينَ وَمُتَكَلِّمِينَ وَمُفَسِّرِينَ وَفُقَهَاءَ عَلَى أَنَّ الإِسْرَاءَ كَانَ بِالْجَسَدِ وَالرُّوحِ وَفِي الْيَقَظَةِ، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ.
أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الإِسْرَاءِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ على متن البراق وهو دابةٌ من دواب الجنة فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ خَطْوُهَا عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهَا فَرَكِبَ عليها وَمَعَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَسار إلى طيبة حيث صلّى ثم أكمل إلى طُورِ سينَاءَ وصلى هناك ثم أكمل إلى بَيْتِ لَحْمٍ حَيْثُ وُلِدَ رسول الله عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ وصلى هناك ثُمَّ دَخَلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَجُمِعَ له الأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَقَدَّمَه جِبْرِيلُ حَتَّى صلى بهم إماما.
ومِنْ عَجَائِبِ مَا رَأَى الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ فِي الإِسْرَاءِ وَهُوَ فِي طَرِيقِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ الدُّنْيَا بِصُورَةِ عَجُوزٍ. ورَأَى شَيْئًا مُتَنَحِّيًا عَنِ الطَّرِيقِ وَهُوَ إِبْلِيسُ وَكَانَ مِنَ الْجِنِّ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ، ثُمَّ كَفَرَ لِاعْتِرَاضِهِ عَلَى اللَّهِ. قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ وَلا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ إِبْلِيسَ كَانَ طَاوُوسَ الْمَلائِكَةِ أي رئيسَهم، فَهُوَ لَمْ يَكُنْ مَلَكًا.
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ «إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ». ثُمَّ شَمَّ رَائِحَةً طَيِّبَةً مِنْ قَبْرِ مَاشِطَةِ بِنْتِ فِرْعَوْنَ وَكَانَتْ مُؤْمِنَةً صَالِحَةً وَجَاءَ فِي قِصَّتِهَا أَنَّهَا بَيْنَمَا كَانَتْ تَمْشُطُ رَأْسَ بِنْتِ فِرْعَوْنَ سَقَطَ الْمُشْطُ مِنْ يَدِهَا فَقَالَتْ بِسْمِ اللَّهِ، فَسَأَلَتْهَا بِنْتُ فِرْعَوْنَ أَوَ لَكِ رَبٌّ إِلَهٌ غَيْرُ أَبِي؟ فَقَالَتِ الْمَاشِطَةُ نَعَمْ رَبِّي وَرَبُّ أَبِيكِ هُوَ اللَّهُ، فَأَخْبَرَتْ أَبَاهَا فَطَلَبَ مِنْهَا الرُّجُوعَ عَنْ دِينِهَا فَأَبَتْ فَحَمَّى لَهَا مَاءً فَأَلْقَى فِيهِ أَوْلادَهَا ثُمَّ كَلَّمَهَا طِفْلٌ لَهَا رَضِيعٌ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَهُ:
«يَا أُمَّاهُ اصْبِرِي فَإِنَّ عَذَابَ الآخِرَةِ أَشَدُّ مِنْ عَذَابِ الدُّنْيَا فَلا تَتَقَاعَسِي فَإِنَّكِ عَلَى حَقٍّ» فَقَالَتْ لِفِرْعَوْنَ: «لِي عِنْدَكَ طَلَبٌ، أَنْ تَجْمَعَ الْعِظَامَ وَتَدْفِنَهَا» فَقَالَ: «لَكِ ذَلِكَ»، فَأَلْقَاهَا فِيهِ. وَقَدْ مَاتَتْ شَهِيدَةً هِيَ وَأَوْلادُهَا. ورَأَى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الإسراء قَوْمًا يَزْرَعُونَ وَيَحْصُدُونَ فِي يَوْمَيْنِ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: هَؤُلاءِ الْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ نَوْعَانِ: جِهَادٌ بِالسِّنَانِ أَيْ بِالسِّلاحِ، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِالْبَيَانِ، وَثَوَابُ هَذَا كَثَوَابِ مَنْ جَاهَدَ بِالسِّلاحِ، فَالْيَوْمَ مَنْ أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ بِجِدٍّ فَهُوَ مُجَاهِدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْمُجَاهِدُونَ لَهُمْ دَرَجَةٌ عَالِيَةٌ فِي الآخِرَةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «مَنْ أَحْيَا سُنَّتِي عِنْدَ فَسَادِ أُمَّتِي فَلَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ» وَالْمَقْصُودُ بِالسُّنَّةِ هُنَا الشَّرِيعَةُ الَّتِي جَاءَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ورَأَى أُنَاسًا تُقْرَضُ أَلْسِنَتُهُمْ وَشِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ، قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: هَؤُلاءِ خُطَبَاءُ الْفِتْنَةِ، يَعْنِي الَّذِينَ يَخْطُبُونَ لِلشَّرِّ وَالْفِتْنَةِ، أَيْ يَدْعُونَ النَّاسَ إِلَى الضَّلالِ وَالْفَسَادِ وَالْغَشِّ وَالْخِيَانَةِ. وَرَأَى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَوْرًا يَخْرُجُ مِنْ مَنْفَذٍ ضَيِّقٍ ثُمَّ يُرِيدُ أَنْ يَعُودَ فَلا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَعُودَ إِلَى هَذَا الْمَنْفَذِ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ:
هَذَا الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ الْفَاسِدَةِ الَّتِي فِيهَا ضَرَرٌ عَلَى النَّاسِ وَفِتْنَةٌ، ثُمَّ يُرِيدُ أَنْ يَرُدَّهَا فَلا يَسْتَطِيعُ. وَرَأَى أُنَاسًا يَسْرَحُونَ كَالأَنْعَامِ عَلَى عَوْرَاتِهِمْ رِقَاعٌ أي سُتَرٌ صَغِيرَةٌ قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يُؤَدُّونَ الزَّكَاةَ. وَرَأَى قَوْمًا تَرْضَخُ رُءُوسُهُمْ أي تُكسَرُ رُءُوسُهُمْ ثُمَّ تَعُودُ كَمَا كَانَتْ فَقَالَ جِبْرِيلُ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ تَتَثَاقَلُ رُءُوسُهُمْ عَنْ تَأْدِيَةِ الصَّلاةِ.
وَرَأَى قَوْمًا يَتَنَافَسُونَ عَلَى اللَّحْمِ الْمُنْتِنِ وَيَتْرُكُونَ اللَّحْمَ الْجَيِّدَ الْمُشَرَّحَ فَقَالَ جِبْرِيلُ: هَؤُلاءِ أُنَاسٌ مِنْ أُمَّتِكَ يَتْرُكُونَ الْحَلالَ فَلا يَطْعَمُونَهُ وَيَأْتُونَ الْحَرَامَ الْخَبِيثَ فَيَأْكُلُونَهُ وَهُمُ الزُّنَاة. ورَأَى أُنَاسًا يَشْرَبُونَ مِنَ الصَّدِيدِ الْخَارِجِ مِنَ الزُّنَاةِ، قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ، هَؤُلاءِ شَارِبُو الْخَمْرِ الْمُحَرَّمِ فِي الدُّنْيَا. ورَأَى قَوْمًا يَخْمِشونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ بِأَظْفَارٍ نُحَاسِيَّةٍ، قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَانُوا يَغْتَابُونَ النَّاسَ.
