الحمدُ للهِ الذي خَلَقَ الأَشْكالَ والألوانَ ولا شَكْلَ ولا لَوْنَ لَه، والذي خَلَقَ الجِهَةَ والْمكانَ ولا جِهَةَ ولا مَكانَ لَه، سُبحانَهُ الأعلى مِنْ كُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا، والأكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ عَظَمَةً وَعِزَةً وَعِزًّا، سُبْحانَهُ غَنِيٌّ عَنِ العالَمين وَلا يُشْبِهُ الْمَخْلوقين، والصَّلاةُ والسَّلامُ على خاتَمِ وَأَفْضَلِ الأنْبِياءِ وَالْمُرْسَلين، سَيِدِنا مُحَمَّدٍ الصّادِقِ الأَمين، الذي جاءَ بِدينِ الإسْلامِ كَسَائِرِ إِخْوَانِهِ النَّبِيّين.
أما بعد نبدأ الكلام عن قصة سيدنا موسى عليه السلام. هو موسى بنُ عِمران ويرجِعُ نَسبُه ليعقوبَ بنِ إسحاقَ بنِ إبراهيم، واسمُ أمهِ يوحانِذ، أما هارون فهوَ شقيقُ سيدِنا موسى عليهما الصلاة والسلام. ذُكِرَ اسمُ موسى عليه الصلاة والسلامُ في القرءانِ مائةً وَسِتًا وثلاثينَ مرة في كثيرٍ من السُّوَرِ المبارَكة. وُلِدَ سيدُنا موسى عليه السلام في عهدِ الطاغيةِ الوليدِ بنِ مُصْعَب فرعونِ مصرَ عدوِ الله الذي اشْتُهِر بالطغيان والجَبَروتِ وادَّعى الألوهية والعياذ بالله تعالى.
وفرعونُ كان لقبَ كلِّ ملِكٍ من ملوكِ مصرَ كما أن كِسرى لقبٌ لكل ملِكٍ من ملوكِ بلادِ فارس، وكما أن قيصرَ لقبُ كلِّ ملِكٍ من ملوك بلادِ الروم. سُلِّط هذا الملكُ الطاغيةُ المتكبرُ فرعون الذي عمّر مدةً قيل تزيدُ على أربعِمائةِ سنةٍ على بني إسرائيلَ يُذيقُهمُ العذابَ يُذَبِّحُ أبناءهم ويَسْتَبْقِي نساءَهم للخدمةِ ويستخدِمُ الرّجالَ منهم في أخسّ الصنائعَ والحِرَفِ وكان قد صنّفهم أصنافًا، فصِنفٌ يبنونَ وصِنفٌ يَحْرُثُون وصِنفٌ يتوَلَّونَ الأعمال القذِرة، ومن لم يكن منهم أهلًا للعمل كان يأخذُ منه الجزية، فكانت بِعثـةُ موسى عليه السلام رحمةً لبني إسرائيل وإنقاذًا لهم من ظلمِ هذا الملك.
رأى فرعونُ مصرَ في منامِه رؤيا منامية أفزَعَته فاهتمّ لها واغتَمّ، فقد رأى كأنّ نارًا قد أقبلَت من جهةِ بيتِ المقدِس حتى وصلت إلى بلادِ مصرَ وأحاطت بِدُورِها وبُيوتِها فأحرَقتها وأحرقَتِ الأقباطَ وتركت بني إسرائيلَ دونَ أذى، فلمّا استيقظَ جمعَ الكهنةَ والسَّحَرةَ والمنجّمِينَ وسألهم عن تأويلِ هذه الرؤيا وتفسيرِها، فقالوا له: هذا غُلامٌ يولَدُ في بني إسرائيلَ يكونُ سَببُ هلاكِ أهلِ مِصرَ على يديهِ، ويكونُ ذهابُ مُلكِكَ على يديه أيضًا ويُخرِجُك وقومَكَ من بلدِكَ ويبدِّلُ دينَك، وقد أظلَّكَ زمانُه الذي يولَدُ فيه، لذلك أمرَ فرعونُ الطاغيةُ أن يُقتَلَ كلُّ غلامٍ يولدُ في بني إسرائيل، وأمّا الإناثُ فكنَّ لا يُقتَلنَ بل يُبقَيْنَ على قيدِ الحياةِ من أجلِ الخدمةِ.
وأمرَ فرعونُ كذلك بقتلِ كلِّ الأطفالِ الذين هم في زمانِه وبقتلِ من بعدَهم، وأخذَ جنودُه الأشرارُ يُعذِّبونَ الحَبالى من بني إسرائيلَ حتى كانتِ المرأةُ منهم تُسقِطُ حملَها خوفًا من التعذيبِ والتَنكيلِ على أيدي جُنودِ فرعون، ولما كثُرَ الموتُ في الشيوخِ الكبارِ من بني إسرائيلَ دخلَ وُجهاءُ الأقباطِ ورؤساؤهم على فرعونَ وقالوا له: إنَّ الموتَ قد وَقَعَ في مشْـيَخةِ بني إسرائيل – أي الكِبارِ منهم- وأنت تأمرُ بقتلِ صغارِهم، لهذا يوشِكُ أن يقعَ العمَلُ والخِدمَةُ علينا ولا يبقى أحدٌ للخدمةِ غيرُنا، فلذلكَ أمرَ فرعونُ أن يُقتَل غِلمانُ بني إسرائيلَ سنةً ويُتركوا سنةً حتى لا يَهلِكَ جميعُ أبناءِ بني إسرائيلَ الذين كان فرعونُ يستَخدِمُهم في أعمالِه. نتوقَّفُ هنا لنبدأَ في الحلقةِ القادمَةِ إن شاء الله قِصّةَ ولادة موسى وهارون عليهما السلام، فتابِعونا وإلى اللقاء.
2\24 قصة سيدنا موسى وهارون عليهما السلام
الحمد لله مكوّن الأكوان الموجود أزلا وأبدًا بلا مكان أما بعد وُلِدَ نبيُّ الله هارونُ عليه السلامُ بعدَ ولادةِ موسى بثلاثِ سنوات، وفي السنةِ التي لا يُذبَح فيها الأطفال أي عامَ المسامحةِ عن قتلِ الأبناء فتُرِكَ ولم يُذبح، وولدَ نبي الله موسى عليه السلام في السنةِ التي يُذبحُ فيها الأطفال، فضاقت أمُّه به ذَرْعًا خوفًا من قتلِه وأخذت تأخُذُ حِذْرَها وحيطتَها من أوّلِ ما حبَلت به، ولم يكُن يظهرُ عليها مَخايِلُ الحمل، ولما قرُبَ وقتُ وضعِ الحمل حزِنت حزنًا شديدًا واشتدَّ غمُّها وكربُها، فألهمها الله تعالى ألا تَخافَ ولا تحزَن لأنَّ هذا المولودَ سيكونُ له شأنٌ عظيم وأنه سيحفَظُه من كَيْدِ فِرعون ثم يجعلُه منَ المرسلين،
وأن تُرضِعَه، حتى إذا خافت عليه تَصنعُ له تابوتًا وصُندوقًا من خَشبٍ ولا تخافُ من الهلاكِ ولا تحزَن لأنه سيكونُ في حِفظِ الله ورعايتِه. وَلَدَت أمُّ موسى نبيَ الله موسى عليه السلام خُفيَة، وجَعلت ترضِعُه برأفةٍ وحنانٍ وهي واثقةٌ من حفظِ الله تبارك وتعالى له، ولما خشيت عليه من كَيْدِ فرعونَ وجنودِه السفاحينَ اتّخذَت صُندوقًا وجعلَت فيه قُطنًا ثم وضَعت فيه وليدَها الصغيرَ موسى عليه السلام، ورَبطتِ الصُندوقَ في حبلٍ وكانت دارُها مُتاخِمَةً لنهرِ النيل، فكانت تُرضِعُ وليدَها موسى كلَ يومٍ فإذا خَشيت عليه من أحدٍ وضعَته في ذلك التابوتِ والصُندوقِ وأرسلته في البحرِ وأمسكت طرَفَ الحبلِ عندها، فإذا ذهبَ هؤلاء الذينَ تَخشى عليه منهم استرجعته إليها.
وذات يوم أرسلته ونسيت أن تربِط طرَف الحبلِ عندَها فانطلقَ الصُندوق وفيه موسى الرضيعُ عليه السلام معَ نَهرِ النيل، وانطلقَ الماءُ به يَرفعُه الموجُ تارةً ويخفِضُه أُخرى حتى وصلَ إلى قَصرِ فرعون، وبينما كانت الجواري في قصرِ فرعونَ يغتَسلن على ضِفاف نهرِ النيل أبصرْنَ هذا الصندوقَ فأخذْنَه وظننَّ أنّ فيه مالًا وأشياءَ ثمينةً فحَملْنَه على حالتِه إلى زوجةِ فرعونَ ءاسية بنتِ مُزاحِم وكانت من بني إسرائيل، فلما فَتحَت الصُندوق رأت فيه طفلًا جميلًا وسيمًا فألقى الله تعالى مَحبتَه في قلبِها وأحبَّتْه حبًّا شديدًا، فلما جاء فرعونُ ورءاهُ أرادَ قتلَه وأمرَ بذبحِه فما كان من زوجتِه ءاسية إلا أن دافعت عنه وطلبَت منه أن لا يقتُلَه لأنها كانت لا تلِد، فما كانَ من فرعونَ إلا أن أجابها بقولِه: يكونُ لكِ وأمَّا أنا فلا حاجةَ لي فيه. نتوقَّفُ هنا لنبدأَ في الحلقةِ القادمَةِ إن شاء الله قِصّةَ رِضاعَةِ موسى عليه السلام، فتابِعونا وإلى اللقاء.
3\24 قصة سيدنا موسى وهارون عليهما السلام
نكمل معكم قصةَ رَضاعَةِ ونشأَةِ موسى عليه السلام. عاشَ المولودُ موسى في دارِ فرعونَ عند زوجتِه ءاسية التي أحبَّتْه حبًا شديدًا وأخذَت تعطِفُ عليه معَ فرعون لما شاهدا فيه من جَمالٍ وهَيبَة، وأخذَت تبحَثُ لَهُ عن مُرضِعٍ تُرضِعُه وتُربِّيْه، وكانت كُلّما أحضرت مُرضعةً لترضعَه وتغذيَه من لبنها يَمتَنِعُ عن قَبول ثَديِها، وحاروا في أمرِه حتّى اشتَدَّ به الجوعُ وكَثُرَ منه البكاءُ وخشِيَت عليه من الهلاك، فأخذت تبحَثُ بنفسِها عن مُرضِعٍ له عَسى أن تَجدَ مُرضِعًا يَقْبَلُ ثديَها ويتغذى بلبنها، وفي هذهِ الأثناءِ كان حنينُ أمِّ موسى عليه السلام يَشتدُّ نحوَ موسى الذي صارَ في قَصرِ فرعون، وكانتِ الأشواقُ تتأجَّجُ داخِلَها شوقًا إلى طِفلِها الصَغيرِ موسى عليه السلام حتى طلبت من أختِه أن تَتْبَعَهُ وتَتَقَصَّ ءاثارَه عسى أن تأتيَها بأخبارِ موسى عليه السلام في قَصرِ فرعونَ فيُشْفَى غَليلُها،
وكانت قد سمعت أنَّ فرعونَ قد أصابَ صبيًّا في تابوتٍ ووضعَه في قصره. واستجابَت أختُ موسى لطلبِ أمِّها وصارت تَتَقصّى أخبارَ أخيها موسى عليه السلام في قصرِ وَدارِ فرعونَ حتّى علِمَت أنه مُمتَنِعٌ عن قَبولِ ثَديِ أيِّ مُرضِعةٍ تأتي لتُرضِعَه وأنه كثيرُ البُكاءِ من الجوع. عند ذلك دخلت أختُ موسى القصرَ وتقدمت من ءاسيةَ زوجةِ فرعون تَعرِضُ عليها أن تأتيَ لها بامرأةٍ مُرضعةٍ أمينَةٍ تكفَلُ وتتعهدُ هذا الرضيعَ الصغيرَ في مقابلِ أجرٍ لها فوافقت ءاسيةُ على طلبِها، وانطلقَت أختُ موسى بفَرحٍ وسرورٍ إلى أمِّها تُخبِرُها الخبر، وما إن سَمِعت هذا الخبر حتى عَمَّها الفرحُ والسرورُ وانطلقت إلى قصرِ فرعون، فلما دخلت ووَضعت وليدَها الصغيرَ موسى في حِجرها التقطَ موسى عليه السلام ثَديَها وأخذَ يرضَعُ منه حتى ارتَوى،
فَفرِحَت ءاسيةُ بذلك فَرحًا عظيمًا وطلَبت منها أن تَمْكُثَ في القصرِ لِتُرْضِعَ هذا الغلام، ووعدتها بأن تُعطيَها أنواعَ الهدايا وتُكرمَها بأنواعِ الإكرام، لكنَّ أمَّ موسى طلبَت من ءاسيةَ أن تسمَحَ لها بأخذِ الغلامِ إلى بيتِها لتَتَعَهَّدَهُ هناك بالعنايةِ والرِعايةِ لأنها لا تَستطيعُ أن تترُكَ بيتَها وأولادَها، وأمامَ هذا الأمرِ الواقعِ رَضيت ءاسيةُ بذلك على أن تأتيَ بهِ إليها في القصرِ كلَّ فترةٍ لتراهُ ثم تُعيدَه لها، وهكذا أعطى الله تبارك وتعالى أمَّ موسى ما وَعَدَها به ورَدَّ لها ولدَها موسى وكانَ وَعدُ اللهِ تعالى حقًّا.
ومَكَثَ موسى عليه السلام عند أمِّه تُرضِعُه حتى فطَمَتْه ثم رَدَّته إليهم، فنَشأ وشَبَّ عليه السلامُ في قَصرِ فرعونَ وعاشَ فيه مُعزَّزًا مُكرَّمًا وكانَ يَعيشُ عيشةَ أبناءِ الملوك فيركَبُ مَراكِبَ فرعونَ ويَلْبَسُ ما يَلبَسُ فرعون. نتوقَّفُ هنا لنكلمكم في الحلقةِ القادمَةِ إن شاء الله عن قصة موسى مع القُبطي والإسرائيلي، فتابِعونا وإلى اللقاء.
