الحمد لله وصلى الله وسلّم على سيدِنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد ليعلم أنّ الجماعةَ فى الصلواتِ الخمس فرضُ كفايةٍ، وفى صلاةِ الجُمُعَةِ هى فرضُ عين. وقد جعل الله عزّ وجلّ فى صلاةِ الجماعةِ ثوابًا عظيمًا، ويكفى فى ذلك حديثُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلَّى العشاءَ فِى جماعةٍ كان كمَن قامَ نِصْفَ الليل ومَنْ صلَّى الصُبْحَ فى جماعةٍ فكأنما صلى الليلَ كله" رواه مسلم. وقولُه عليه الصلاة والسلام: "صلاةُ الجماعةِ تَعْدِلُ صلاةَ الفَذِّ بخمسٍ وعشرينَ درجة".

رواه البخارى. وإنما تكون الجماعةُ فرضَ كفايةٍ فى الصلوات الخمسِ على الذكورِ الأحرارِ المقيمينَ البالغينَ غيرِ المعذورين. وبقولنا الذكور أخرجنا الإناث فلا تُفترَضُ الجماعةُ فى حَقّـِهِنَّ. وبقولِنا الأحرارَ أَخرجنا العبيد فلا تُفْتَرَضُ فى حقهم. وبالمقيمينَ أَخْرَجْنَا المسافرين، فلا تُفترضُ الجماعةُ على المسافرِ. وبالبالغينَ أخرجنا الصغارَ غيرَ البالغين فلا تفترض فى حقهم، لكن على ولىِّ الصبىِّ المميزِ أنْ يأمرَهُ بالجمعة والجماعة -يعنى بعد سبع سنين إن ميّز-. وبغير المعذورينَ أخرجنا المعذور بعذرٍ يُسْقِطُ عنه الجمعةَ أو الجماعة، كالخوفِ من العدوِ بذهابِه إلى موضعِ الجماعة، أو خوفِ ضياعِ مالِهِ بذهابِهِ إلى هناك أو نحوِ ذلك. وغيرُ العاقلِ لا تُفْتَرَضُ الجماعة فى حقه.

والجمعة فرضُ عينٍ على الذِين ذكرناهم (يعنِى الذكور الأحرار البالغين المقيمين غير المعذورين) إذا كانوا أربعينَ، فإن كانوا أقلَّ من ذلك لا تجبُ عليهم الجمعة، بل لا تصحُ منهم لو صَلَّوْهَا، وإنما يُصَلُّونَ الظهرَ فى هذه الحال. فإن اجتمعَ أربعونَ من هؤلاء وكانوا مستوطنينَ فى المكانِ الذى تقام فيه الجمعة أى مستوطنين فى خِطَّةِ أبنيةٍ لا فى الخيام فإنها عند ذلك تكون فرضَ عينٍ عليهم. أما أهلُ الخيامِ فلا تجبُ عليهِمُ الجمعةُ.

و مَنْ كان غيرَ مستوطنٍ فى بلدِ الجمعة لكن دَخَلَ البلدَ ونَوَى أنْ يمكُثَ فيها أربعةَ أيامٍ أو أكثر غيرَ يَوْمَىِ الدخولِ والخروجِ، يجبُ أَنْ يُصَلّـِىَ مع أهل البلد الجمعة. فإنه وإن كان حضُورُه لا يؤثر فى أمر انعقادها، لكن إذا انعقدت وجب عليه حضورها. وينتهى يوم الخروج بغروب الشمس ويوم الدخول بالفجر.

فلو دَخَل إنسانٌ بلدًا ما بعد فجر الاثنين يَستَمِرُّ يومُ الدخول إلى فَجْرِ الثلاثاء، ثم إذا نوى أن يمكثَ فى هذه البلد الثلاثاء والأربعاء والخميسَ والجمعة ثم يخرجَ السبت وجبَ عليه أن يصلّـِىَ معهم يومَ الجمعة. وهذا يَشْمَلُ فيما لو نوى أن يخرُجَ بعدَ غروبِ شمسِ الجمعة أى فى الليل. أما لو نوى أن يتركَ البلد فى خلال نهارِ الجمعةِ فهنا لا يجبُ عليه أن يصلى معهم الجمعة لأنه دخل الاثنين وهو ينوى الخروج قبل غروب شمس الجمعة فبقِىَ الثلاثاء والأربعاء والخميس وهى أقل من أربعة أيام كوامل فيكون له حكم المسافر بذلك.

ومن شروطِ صحةِ الجمعةِ، وقتُ الظهرِ. فلا يصحُ إقامةُ الجمعةِ قبلَ دخولِ وقتِ الظهرِ، ولا بعدَ خروجِ وقتِ الظهرِ، بل إذا فاتَتِ الجمعةُ تُقْضَى ظُهرًا ولا تُقْضَى جمعةً.

و يُشترَطُ أيضًا لصحةِ الجمعة أن تُخْطَبَ خُطْبَتَان قبلَ صلاةِ الجمعةِ. ولا بد أن تكون الخُطبتانِ فى وقتِ الظهرِ، وأن يَسْمَعَ الأربعونَ الخُطبتين، أى أن يسمعَ الخطبتين أربعون على الأقل من الذين تنعقدُ بهم الجمعة.

وليعلم أَنَّ صلاةَ الجمعةِ لا تصحُ أن تُصَلَّى فِى غيرِ جَمَاعة، فلو صلاَّها شخصٌ منفردًا لم تَصِحَّ.

و من شروطِ صحةِ الجمعة أن لا تُقارِنَ الجمعةَ جمعةٌ أخرى فى بلدٍ واحد، أى إن لم يكن عذرٌ لذلك كأن يَشُقَّ اجتماعُ المصلينَ فِى مكانٍ واحد. فإنْ شَقَّ ذلك صحت الجمعتانِ السابقةُ والمسبوقةُ. أما إن لَم يشُقَّ ذلك فأُقِيمَت جمُعتَانِ فى وقتٍ واحد فى بلدٍ واحد لم تَصِحَّ أىٌّ منهُمَا. أى إذا أتَى كُلٌّ مِنَ الإمامين بالرَّاء من تكبيرةِ الإحرام فى وقتٍ واحد، هنا كلتا الجمعتينِ غيرُ صحيحتين. وكذلك لو جُهِلَت أيتهما السابقةُ وأيتهما المسبوقة لا تصحُّ أىٌّ منهما.

أما لو عُلِمَتِ السابقةُ والمسبوقةُ فالسابقةُ هى الصحيحةُ والمسبوقةُ فاسدةٌ. وقال قسمٌ من الشافعيةِ لا تقامُ جمعتانِ فى بلدٍ بأىِّ حالٍ مِنَ الأحوال (وهو ظاهر نص الشافعىّ)، فعندَهُم حتى لو شقَّ اجتماعُ الناس فى مكانٍ واحدٍ لا تقامُ إلا جمعةٌ واحدةٌ فقط، فإذا أقيمتْ أكثرُ من جمعة فالسابقةُ هى الصحيحة عندهم والمسبوقةُ فاسدة.

وأركانُ الخطبتينِ: حَمْدُ اللهِ تعالى، والصلاةُ على النبىّ صلى الله عليه وسلم، والوصيةُ بالتقوى فيهِما، وءَايَةٌ مُفْهِمَةٌ فِى إِحْدَاهُمَا، والدعاءُ للمؤمنين فى الثانية.

وشرح ذلك أنّ الخطبتين قبلَ صلاةِ الجمعةِ لا تكونانِ صحيحتينِ إلا بهذه الأركانِ الخمسةِ المذكورة. الركن الأول حمدُ الله فى كلٍّ من الخطبتين، ولا بُدَّ من الإتيان بلفظِ الحمْدِ وبلفظِ الجلالَةِ "الله" فلا يكفى لو قال: الشُكْرُ للهِ، ولا يكفِى أيضًا لو قال: الحمدُ للرحمن. والركن الثانى: الصلاةُ على النبىّ صلى الله عليه وسلم ، أَى فِى كُلٍّ من الخطبتين، فيقولُ صلى اللهُ على محمد، أو الصلاة على محمّد، أو ما شَابه ذلك، كأن يقولَ الصلاةُ على النبىِّ.

والركن الثالث: الوصيةُ بالتقوَى فى كلٍّ من الخطبتين، وهى المقصود الأعظم من الخطبة، فلا يكفِى التحذيرُ من الدنيا، بل لا بد من الأمر بالطاعة والنهِى عن المعصية أو مِنْ أحَدِهِمَا، ولو قال: أَطِيعُوا الله، هذا يكفى. فهذه الأركان الثلاثة تُشترط فى كلٍّ من الخطبتين. ويشترط كذلك قراءةُ ءايةٍ مُفهِمَةٍ فى إحداهُمَا أى الأولى أو الثانيةِ، أما إن لم تكن الآيةُ مفهمةً كقولِهِ تعالى: {ثُمَّ نَظَر} فلا تُجْزِئ. والركن الخامسُ: الدعاءُ للمؤمنينَ فى الخطبةِ الثانِية، فإن قال اللهم اغفر للمؤمنين يكون شمل المؤمنات أيضًا فلا يُشْتَرَطُ أن يذكر المؤمنات، لكنه يُسَنُّ.

والآن نذكر شروطَ صحةِ الخطبتين بعد أنْ ذكَرنا أركانَهُمَا. من شروط صحة الخطبتين الطهارةُ عن الحدث الأكبرِ والأصغرِ، فلا بد أن يكون الخطيبُ طاهرًا عنهما.

وعَنِ النجاسةِ فِى البَدَنِ والمكانِ والمحمُولِ. يعني أنّ الخطيبَ لا بد أن يكون طاهرًا عن النجاسةِ غيِر المعفو عنها فى بدنه وفى المكان الذى يقِفُ عليه وفيما يحمِلُهُ. فلو كان على ثوبِهِ نجاسةٌ غيرُ معفوٍ عنها أو يحمِلُ فى جيبه نجاسةً غيرَ معفوٍ عنها أو يقِفُ علَى نَجَاسَةٍ غيرِ معفوٍ عنها فإنَّ خطبَتَهُ لا تَصِحُّ.

ومن شروط صحة الخطبتين سَتْرُ العَوْرَةِ فالخطيبُ إذا خَطَبَ مَكْشُوفَ العورةِ أو بعضِهَا لا تصِحُّ خُطْـبَـتُـهُ.

ومن شروط صحة الخطبتين أنّ الخطيب لا بد أن يخطُبَ الجمعةَ وهو قائم فى الخطبتين كِلَيْهِمَا، إلا إذا كان معذورًا والأَوْلَى له فى هذه الحال أن يَسْتَخْلِفَ غيرَهُ، فإن لم يَسْتَخْلِفْ غيرَه وخَطَبَ جالسًا صحَّ ذلك للعذر. ولا بدَّ أن يجلِسَ الخطيب بينَ الخطبتين، فإن لم يفعَل لم تصحَّ الخطبة.

كذلك لا بُدَّ لصحةِ الخُطبة أن يُوَالِىَ بين أركانِهِما. ومعنى ذلك أن لا يقطَعَ بين أركانِهِمَا بفاصلٍ طويلٍ ليس له تَعَلُّقٌ بالخُطْبَة. فلو بَدَأَ بالخُطْبَةِ فَأَتَى بقِسْمٍ منَ الأركان ثم ذهب إلى دكانٍ بعيدٍ مثلًا فاشترى أغراضًا ثم رَجَع فأكمَلَ الخطبةلم يَصِحَّ ذلك. أما لو بَدَأَ بِحَمْدِ اللهِ وَصَلَّى علَى الرسُول عليه الصلاة والسلام ثمَّ تكلَّمَ فِى تحذير الناس من الركون إلى الدنيا فأطالَ الكلام ثم أوصى بالتقوى فإن الخطبةَ صحيحة لأنّ هذا الفاصل بين الأركان مُتَعَلّـِقٌ بالخُطْبَة. ولا بُدَّ أَنْ يُوَالِىَ بين الخُطْبتينِ وبين الصلاةِ أى أن لا يفصِلَ بين الخطبتينِ وبين الصلاة بفاصلٍ طويلٍ ليس مُتعلقًا بِهِمَا.

ويُشترطُ لصحةِ الخطبتين أن تكونَ أركانُهما بالعربية، ولو كان كلُّ الحاضرينَ أعاجِم. ويَحْرُمُ التَشَاغُلُ عن الجمعةِ ببيعٍ ونحوِ ذلك بعد الأَذَانِ الثانِى إِنْ لَمْ يَكُن معذورًا. ومثال العذرِ أن يكونَ هُوَ مسافرًا فيبيع مسافِرًا مثلَه فإنَّه عندَ ذلك لا إثمَ عليه. والله تعالى أعلم وأحكم والحمد لله رب العالمين أولا وآخرا وأبدا.