الحمد لله مكوّن الأكوان الموجود أزلا وأبدا بلا مكان والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الأنام وبعد نتابع وإياكم أيها الكرام في هذه الحلقة تفاصيل قصة سيدنا عيسى عليه السلام حيث وصلنا إلى اختلاف الناس في أمر عيسى ابن مريـم عليهما السلام وبيانِ أنّ عيسى هو عبد الله ورسولُه. قال الله تعالى: {ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ * مَا كَانَ للهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ} أي أنّ عيسى عليه السلام هو عبدٌ من عبادِ الله مخلوقٌ من امرأة وهـي أمُه مريم، وقال الله تبارك وتعالـى:

{فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ} أي فاختلف أهلُ ذلك الزمان ومَن بعدَهم في أمر عيسى عليه السلام فمِن قائل مِن اليهود إنه ابنُ امرأةٍ زانية واستمروا على كفرهــم، وقابلَهم ءاخرون في الكفر فقالوا: هو الله، وقال ءاخرون: هـو ابنُ الله، وقال ءاخرون: الله ثالثُ ثلاثة. وقال المؤمنون: هو عبد الله ورسوله وابنُ أمته وكلمته ألقاها إلى مريـم وروحٌ منه، وهؤلاء همُ الناجون المنصورون. والآن نتكلم عن ظهور العجائب عليه في صباه وبَدءِ نزول الوحي عليـه، عليه الصلاة والسلام .

لما وُلد عيسى ابنُ مريم عليه السلام ظهرت أمورٌ عجيبة تعظيمًا لشـأن هذا المولود ولما سيكون من أمره في المستقبل مِنْ جعله رسولًا يدعـو الناسَ إلى عبادة الله تعالى وحدَه وإلى الشرعِ القويم الذي أُنزل عليــه. فقد رُوي أنه لما ولد السيدُ الجليل عيسى ابنُ مريم عليه السلام أصبحـت الأصنامُ التي كانت تُعبَدُ من دون الله في زمان ولادته بكلّ أرض مقلوبةً منكوسةً على رءوسها ففزعتِ الشياطين وراعها فلم يدروا ما سببُ ذلك، فساروا عند ذلك مسرعين حتى جاءوا إبليس اللعين فأخبروه بذلك، فطار إبليسُ فمرّ بالمكان الذي وُلد فيه عيسى عليه السلام، فلمّا رأى الملائكة مُحدقين بذلك المكان علم أنّ ذلك الحدث بسبب ولادة ذلك المولود،

فأراد إبليسُ اللعين أن يأتيَه فلم تمكّنْه الملائكةُ من الدنو منه. ولما بلغ ذلك المولودُ الرضيعُ من العمُرِ ثمانيةَ أيام حملته أمه إلى الهيكل فخُتن، وسمَّت مريمُ عليها السلام مولودَها "عيسى" كمــا أمرَها جبريلُ عليه السلام حين بشّرها به بأمرٍ من الله تبارك وتعالــى. كان عيسى ابنُ مريم عليهما السلام يظهرُ عليه العجائبُ بقدرة الله تعالى، فلمّا ترعرعَ عليه السلام وفشا أمرُه بين اليهود أرادوا به سوءًا وأغـروا ملك الروم "هيرودوس" بقتله، فلما علمت أمه مريم عليها السلام بمؤامـرة اليهود خافت عليه وانطلقت به إلى مصر، فترعرعَ هناك ونشأ وعاش بين ربوعها اثنتي عشْرةَ سنة، وقيل:

إنه لما بلغ سبعَ سنين أسلمته أمه إلى "الكُتَّاب" فجعل لا يعلمُه المعلم شيئًا إلا بدره إليه. ويقال إنه بعد موت ملك الروم "هيرودوس" أمر الله تعالى عبده عيسى عليه السلام أن يرجع من بلاد مصر إلى بيت المقدس في فلسطين، وقدِم عليه ابن خالة أمه يوسف النجار فحمله وأمَه على حمار حتى جاء بهما إلـى بيت المقدس، وقيل: نزل هو وأمه بقرية يقال لها "ناصرة" وبها سُميـت "النصارى". ولما بلغ عيسى عليه السلام الثلاثين من العمر أوحـى الله تعالى إليه أن يبرُز للناس ويدعوهم إلى عبادة الله تعالى، فصار عليـه السلام يدعو الناس إلى ذلك ويقول لهم:

أيها الناس اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا وءامنوا بأني رسول الله إليكم، فآمن به اثنا عشَر شخصًا يُسمَون "الحواريين" فأخذ عيسى عليه السلام يُوزعهم في نواحي الأرض يدعون إلى عبادة الله تعالى وحده ونشرِ دينِ الإسلام العظيم الذي هو دينُ جميع الأنبياء والملائكة، وقد أيده الله تعالى بالمعجزات الباهرات فكان عليــه السلام يشفي المرضى والزمنى والأكمهَ والأبرص وغيرَهم من المرضى حتى أحبَه الناس وكثُر أتباعُه وعلا ذكرُه وشأنُه بين الناس، وكان عليـه السلام يقضي أيامه في التَجوالِ والسياحة في الأرض لدعوة الناس إلـى دين الإسلام العظيم. وبهذا نصل إلى نهاية حلقتنا اليوم ونعود إن شاء الله في حلقة قادمة من سلسلة قصص الأنبياء لنحدثكم عن بعض معجزات سيدنا عيسى الباهرات المتواليات فتابعونا وإلى اللقاء.

5\12 قصة سيدنا عيسى عليه السلام

لَمَّا بَلَغَ سَيِّدُنَا عِيسَى الْمَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلامُ الثَّلاثِينَ مِنْ عُمرِهِ، أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ أَنْ يَدْعُوَ النَّاسَ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَخَرَجَ عليه السلام يَجُوبُ الْبِلادَ وَيَجُولُ فِي الْقُرَى، يَدْعُو إِلَى دين الإِسْلامِ العظيم قَائِلًا لِلنَّاسِ: "اعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَءَامِنُوا بِأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ"، فَآمَنَ بِهِ أَوَّلَ مَنْ ءَامَنَ اثْنَا عَشَرَ شَخْصًا يُسَمَّوْنَ "الْحَوَارِيِّينَ".

ويُرْوَى أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَوَّلِ مُعْجِزَاتِ سَيِّدِنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ، أَنَّ وَالِدَتَهُ السَّيِّدَةَ مَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلامُ دَفَعَتْهُ مَرَّاتٍ عَدِيدَةٍ لِلْقِيَامِ بِأَعْمَالٍ شَتَّى، وَءَاخِرُ مَنْ دَفَعَتْهُ إِلَيْهِمْ كَانُوا جَمَاعَةَ صَابِغِي الثِّيَابِ يُبَيِّضُونَهَا وَيُلَوِّنُونَهَا، فَأَرَادَ صَاحِبُ الْعَمَلِ السَّفَرَ، فَقَالَ لِسَيِّدِنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدِي ثِيَابٌ كَثِيرَةٌ مُخْتَلِفَةُ الأَلْوَانِ، وَقَدْ عَلَّمْتُكَ الصِّبْغَةَ فَاصْبِغْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا بِاللَّوْنِ الَّذِي حَدَّدْتُهُ لَكَ وَوَضَعْتُ خَيْطًا مِنَ اللَّوْنِ الْمَطْلُوبِ عَلَيْهَا،

فَسَخَّنَ سَيِّدُنَا عِيسَى وِعَاءً وَاحِدًا كَبِيرًا وَوَضَعَ فِيهِ أَلْوَانًا عَدِيدَةً، ثُمَّ وَضَعَ الثِّيَابَ كُلَّهَا فِي هَذَا الْوِعَاءِ وَقَالَ كُونِي بِإِذْنِ اللَّهِ عَلَى مَا أُرِيدُهُ مِنْكِ، فَعَادَ صَاحِبُ الْعَمَلِ مِنَ السَّفَرِ وَالثِّيَابُ كُلُّهَا فِي الْوِعَاءِ، فَلَمَّا رَءَاهَا دُهِشَ وَقَالَ لَقَدْ أَفْسَدْتَهَا، فَأَخْرَجَ سَيِّدُنَا عِيسَى عليه السلام ثَوْبًا أَحْمَرَ وَثَوْبًا أَصْفَرَ وَءَاخَرَ أَخْضَرَ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا كَانَ عَلَى كُلِّ ثَوْبٍ مَكْتُوبٍ عَلَيْهِ صِبْغَتُهُ، فَعَجِبَ صَاحِبُ الْعَمَلِ وَعَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ فَآمَنَ بِسَيِّدِنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ وَدَعَا النَّاسَ إِلَيْهِ فَآمَنُوا بِهِ، وَكَانَ هَذَا الرَّجُلُ مِنْ جُمْلَةِ الْحَوَارِيِّينَ الَّذِينَ كَانُوا يَشُدُّونَ أَزْرَ سَيِّدِنَا عِيسَى فِي دَعْوَتِهِ إِلَى دِينِ اللَّهِ تَعَالَى.

وَتَوَالَتِ الْمُعْجِزَاتُ، فَمَرَّ يَوْمًا بِجَمَاعَةٍ يَصْطَادُونَ السَّمَكَ وَرَئِيسُهُمْ يُدْعَى "شَمْعُونَ"، فَقَالَ لَهُمْ سَيِّدُنَا عِيسَى عليه السلام: "مَا تَصْنَعُونَ؟" قَالُوا: "نَصِيدُ السَّمَكَ"، قَالَ: "أَفَلا تَمْشُونَ حَتَّى نَصِيدَ النَّاسَ؟" أَيْ لِنَهْدِيَهُمْ إِلَى الإِسْلامِ العظيم، قَالُوا: "وَمَنْ أَنْتَ؟" فَأَجَابَ: "أَنَا عِيسَى بنُ مَرْيَمَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ"، فَسَأَلُوهُ دَلِيلًا يَدُلُّهُمْ عَلَى صِدْقِهِ فِي مَا قَالَ، وَكَانَ شَمْعُونُ قَدْ رَمَى بِشَبَكَتِهِ فِي الْمَاءِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَمَا اصْطَادَ شَيْئًا، فَأَمَرَهُ سَيِّدُنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ بِإِلْقَاءِ شَبَكَتِهِ مَرَّةً أُخْرَى وَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى مُتَضَرِّعًا إِلَيْهِ،

فَمَا هِيَ إِلاَّ لَحَظَاتٌ يَسِيرَةٌ حَتَّى اجْتَمَعَ فِي تِلْكَ الشَّبَكَةِ مِنَ السَّمَكِ مَا كَادَتْ تَتَمَزَّقُ مِنْ كَثْرَتِهِ، فَاسْتَعَانُوا بِأَهْلِ سَفِينَةٍ أُخْرَى وَمَلَئُوا السَّفِينَتَيْنِ مِنَ السَّمَكِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ ءَامَنُوا بِهِ وَانْطَلَقُوا مَعَهُ، فَصَارُوا مِنْ جُمْلَةِ الْحَوَارِيِّينَ، الَّذِينَ كَانُوا يَصْطَادُونَ السَّمَكَ، فَلَمَّا ءَامَنُوا بِسَيِّدِنَا المسيح عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ صَارُوا يَصْطَادُونَ النَّاسَ لِيَهْدُوهُمْ إِلَى دِينِ الإِسْلامِ العظيم، وَسُمُّوا بِالْحَوَارِيِّينَ لِبَيَاضِ ثِيَابِهِمْ وَقِيلَ بَلْ لأِنَّهُمْ كَانُوا أَنْصَارَ سَيِّدِنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ وَأَعْوَانَهُ الْمُخْلِصِينَ فِي مَحَبَّتِهِ وَطَاعَتِهِ وَخِدْمَتِهِ.

لكن لَمْ يَكُنِ الْيَهُودُ بَعِيدِينَ عَنْ أَخْبَارِ تِلْكَ الْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَاتِ الَّتِي كَانَتْ تَظْهَرُ عَلَى سَيِّدِنَا عِيسَى الْمَسِيحِ، وَشَعَرُوا وَكَأَنَّ الْبِسَاطَ يُسْحَبُ مِنْ تَحْتِهِمْ وَأَنَّهُ يُهَدِّدُ كَرَاسِيَهُمْ وَمَنَاصِبَهُمْ، وَهَا هُوَ سَيِّدُنَا عِيسَى الثَّابِتُ الْقَوِيُّ بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ، يَفْضَحُ أَسْرَارَهُمْ، وَيَنْشُرُ بَيْنَ النَّاسِ مَخَازِيَهُمْ، فَأَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ عَلَى مُحَارَبَتِهِ أَيْنَمَا حَلَّ، وَتَكْذِيبِهِ حَيْثُمَا ذَهَبَ.

وَيَوْمًا قَالُوا لَهُ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فِي قَوْلِكَ وَدَعْوَتِكَ فَصَوِّرْ لَنَا خُفَّاشًا مِنْ الطِّينٍ وَاجْعَلْهُ يَطِيرُ، فَقَامَ سَيِّدُنَا عِيسَى مُتَوَكِّلًا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَأَخَذَ طِينًا وَجَعَلَ مِنْهُ خُفَّاشًا ثُمَّ نَفَخَ فِيهِ فَقَامَ يَطِيرُ بِإِذْنِ اللَّهِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَسَطَ دَهْشَةِ النَّاظِرِينَ، وَلَكِنَّهُ مَا إِنْ غَابَ عَنْ أَعْيُنِهِمْ حَتَّى سَقَطَ مَيِّتًا، فَاغْتَاظَ الْيَهُودُ إِذْ طَلَبُوا الْخُفَّاشَ لأِنَّهُ مِنْ أَعْجَبِ وَأَغْرَبِ الْخَلْقِ، وَمِنْ أَكْمَلِ الطُّيُورِ خَلْقًا، لأِنَّ لأُنْثَاهُ ثَدِيَيْنِ وَأَسْنَانًا وَأُذُنَيْنِ وَمِنْ عَجَائِبِهِ أَنَّهُ مِنْ لَحْمٍ وَدَمٍ يَطِيرُ بِغَيْرِ رِيشٍ،

وَيَلِدُ كَمَا يَلِدُ الْحَيَوَانُ، وَلا يَبِيضُ كَمَا تَبِيضُ سَائِرُ الطُّيُورِ، فَيَكُونُ لَهُ الضَّرْعُ يَخْرُجُ مِنْهُ اللَّبَنُ وَلا يُبْصِرُ فِي ضَوْءِ النَّهَارِ وَلا فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وَإِنَّمَا يَرَى فِي سَاعَتَيْنِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ سَاعَةً، وَبَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ سَاعَةً، وَيَضْحَكُ كَمَا يَضْحَكُ الإِنْسَانُ، وَتَحِيضُ أُنْثَاهُ كَمَا تَحِيضُ الْمَرْأَةُ فسبحان الله تعالى الخالق العظيم وَكَانَ تَسْوِيَةُ الطِّينِ وَالنَّفْخُ مِنْ سَيِّدِنَا عِيسَى وَالْخَلْقُ بلا شكّ مِنَ اللَّهِ تبارك وتعالى. فسبحان الله العظيم والصلاة والسلام على سيدنا عيسى المسيح الكريم والله تعالى أعلم وأحكم. نقف هنا الآن لنكمل الكلام في الحلقة القادمة من سلسلة قصص الأنبياء في ما بدأناه عن ذكر معجزات سيدنا عيسى المسيح عليه السلام فتابعونا وإلى اللقاء.