أصبح "طالوتُ" مَلِكًا على بني إسرائيلَ وأيّدَه الله تعالى على الْمُلكِ بعوْدةِ التابوتِ الذي فيه ألواحُ موسى وعَصاهُ إليهم وكانَ هذا علامةً على بركةِ مُلْكِ "طالوتَ" عليهم. واختارَ مَلكُهم "طالوتُ" الجنودَ الأقوياءَ الأشداءَ وخرجَ بهم لقتالِ عدوِّهم، وفي الطريقِ اشتدَ بهمُ الظمأُ في رحلةٍ برِّية طويلةٍ وشاقةٍ وكانوا ثمانينَ ألفًا، ومرّوا في طريقهم بنَهرٍ قيلَ بينَ الأردن وفِلسطينَ، فأرادَ مَلِكُهم أن يَختَبرَهم فأمرَهم ألا يشربوا منه إلا مَن أخذَ جَرعةً من الماء ليَبُلَ بها ظمأَه، وكان ذلك اختبارًا وامتحانًا من "طالوتَ" لجنوده في قوةِ بأسِهم وإرادتِهم، فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلًا ولم يبقَ مع طالوتَ عليه السلام إلا عددٌ قُدِّر بثلاثمائةٍ وبِضعةِ عشرَ رجلًا،
وتابعَ بهم ملكُهم "طالوتُ" لقتالِ أعدائِهمُ الكافرينَ المشركينَ، وأمّا بقيةُ الجنودِ الثمانينَ ألفًا فقد رجعوا حيث إنَّ إرادتَهم كانت ضعيفةً خَوّارة، فلذلك لم يَصحبهم طالوتُ معهُ لقتالِ خُصومِه المشركينَ والذين كان على رأسهِم الملِكُ "جالوتُ" الذي كان جبّارًا طاغيًا يَهابُه الناسُ من بني إسرائيل. ولما جاوزَ طالوتُ عليه السلام والمؤمنونَ الذين بقَوا معه النهرَ استقلَّ أصحابُه هؤلاء أنفسَهم عن لقاءِ عدوِهم لكثرتِهم ولجبروتِ ملِكِهم إلا قليلًا منهم ممن ثبّتَ الله تعالى قلوبَهم وقوّى عزيمتَهم، وكان فيهم العلماءُ العاملون، فأَخذوا يُثَبِّتونَ إخوانَهم المؤمنين ويُقوُّون عزائمَهم ويذكِّرونَهم بنصرِ الله وأنّ النصرَ من عندِ الله ينصرُ من يشاءُ من عباده.
ولَمّا تقدمَ طالوتُ ومن معه من المؤمنينَ من بني إسرائيلَ إلى جالوتَ ومن معه من المشركين وتَصافّوا للقتال، طلبَ ملكُهم جالوتُ قبل بَدءِ المعركةِ المبارزةَ فتَقدّم إليه فتىً شجاعٌ يُسمى داود وهو من سِبْطِ يهوذا بنِ يعقوب، فلمّا أقبل داودُ على جالوتَ احتقرَه جالوتُ وازدراه وقال له: "ارجع فإني أكرهُ قتلَك" فما كان من داودَ إلا أن قالَ له بكلِ شجاعةٍ وجُرأة: ولكني أحبُّ قَتْلَك، ثم حصلت مبارزةٌ بين "جالوتَ" الطاغية وبين داودَ عليه السلام، فقتلَ داودُ جالوتَ ثم التحمَ القتال، وانهزمَ جيشُ جالوتَ من المشركين.
وكان طالوتُ قد وعدَ داودَ إن قتلَ جالوتَ أن يُزوّجَه ابنتَه ويشاطرَه نعمتَه ويُشرِكَه في أمره، فوفّى له وعدَه. ثم ءالَ الملكُ إلى داودَ عليه السلام مع ما منحَه الله تعالى من النبوّةِ العظيمةِ والعلمِ الوافر، ومنذ ذلكَ الحين لَمَعَ اسمُ داودَ بينَ شعب بني إسرائيلَ وتتابعتِ الانتصاراتُ على يديه، وأعزّ الله تعالى بني إسرائيلَ بعد أن كانوا في ذُلٍّ وهوان، وكان بنو إسرائيلَ قد اجتَمعوا بعد وفاةِ مَلِكِهم طالوتَ على مُبايَعةِ داودَ عليه السلام على الْمُلكِ فأصبحَ مَلِكًا عليهم وكان عمُرُه لا يزيدُ على ثلاثينَ سنةٍ وقد حكمَ شعبَه بالعدل عليه السلام، وطبّقَ عليهم أحكامَ شريعةِ التوراة. نقف هنا ونتابع بإذن الله في الحلقة المقبلة كلامَنا عن سيدنا داودَ عليه السلام. فتابعونا وإلى اللقاء.
3\4 قصة سيدنا داود عليه السلام
بلغَ داودُ عليه الصلاةُ والسلامُ من العُمُرِ أربعينَ سنة فآتاهُ الله تعالى النبوةَ مع الملكِ وجعلَهُ رسولًا إلى بني إسرائيل، فدعا داودُ عليه الصلاةُ والسلامُ قومَه بني إسرائيلَ إلى تطبيقِ شريعةِ التوراة المبنيةِ على الإسلام، والذي أساسُه إفرادُ الله تبارك وتعالى بالعبادةِ وأن لا يُشرَكَ به شيءٌ والإيمانُ بأنهُ ربُّ هذا العالمِ كلِه وأنه الذي خلقَه وأبدعَه وأنه لا أحدَ يستَحقُ العبادةَ إلا اللهُ تبارك وتعالى وحدَه، وأنزلَ الله تبارك وتعالى على نبيِه داودَ عليه الصلاةُ والسلامُ الزبورَ وفيه مَواعظُ وعِبرٌ ورَقائِقُ وأذكار، وءاتاهُ الحكمةَ وفصلَ الخِطابِ، وأعطى الله تباركَ وتعالى عبدَه داودَ عليه السلامُ فَضلًا كبيرًا وخيرًا عظيمًا،
فقد كانَ داودُ عليه الصلاةُ والسلامُ حَسَنَ الصوتِ وكان عندما يَصدَحُ بِصوتِه الجميلِ فيُسبّحُ الله تبارك وتعالى ويَحمَدُهُ تُسَبِّحُ معهُ الجبالُ والطيرُ. وكان داودُ عليه الصلاةُ والسلامُ إذا قرأ الزبورَ وما فيهِ من رقائِقَ وأذكارٍ تَكُفُّ الطيرُ عنِ الطيران وتقِفُ على الأغصانِ والأشجارِ لتَسمَعَ صوتَهُ النديَّ العذبَ وتُسَبِّحُ بتسبيحِه، وكذلكَ الجبالُ تُرَدِدُ معَه في العَشيِ والإبكار تُجيبُه وتُسبِحُ الله معه كلّما سبّحَ بُكرةً وعَشيا وتَعكِفُ الجنُ والإنسُ والطيرُ والدوابُ على صوتِه، وكانَ مع ذلكَ الصوتِ الرخيمِ سريعَ القراءةِ مع التَدَبُرِ والتَخَشُّع فكان صلواتُ الله وسلامه عليه يأمرُ أن تُسرَجَ دابَتُه فيقرأُ الزبورَ كلَّه قبل أن تُسرَج.
ولقد وردَ أنّ سيدَنا مُحمدًا صلى الله عليه وسلم وقَفَ يومًا يَستَمِعُ إلى صوتِ الصحابيِ الجليلِ أبي موسى الأشعريِ وكانَ يقرأُ القرءانَ بصوتِه العذبِ الحنون، فقالَ عليه الصلاةُ والسلام: "لقد أُعطيتَ مِزمارًا مِن مزاميرِ ءالِ داود". وهنا تنبيه: معنى مزمارِ داود صوتُه الجميلُ الذي كانَ يقرأُ بهِ التوراة والزبور، وليسَ المزمارَ المحرّم المعروفَ، لا. وكان نبيُ الله داودُ عليه الصلاةُ والسلامُ معَ هذهِ العظمةِ والْمُلكِ والجاهِ الذي تَفَضَّلَ الله بهِ عليهِ، كثيرَ العِبادةِ للهِ سبحانَه وتعالى ليلًا ونَهارًا، فقد كانَ صلواتُ اللهِ وسلامُهُ عليه يَقومُ الليلَ ويَصومُ في النهارِ ويَقضي جُزءًا كبيرًا من يَومِه في عبادةِ الله عزّ وجلّ.
وقد ثَبتَ في الصحيحينِ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلّم قالَ: "أَحَبُّ الصلاةِ إلى اللهِ صلاةُ داود، وأحبُّ الصِيامِ إلى اللهِ صيامُ داود، كانَ ينامُ نِصفَ الليل ويقومُ ثُلُثَه وينامُ سُدُسَه، وكانَ يصومُ يومًا ويُفطِر يومًا". ومما أنعمَ الله تبارَك وتعالى على داودَ عليه الصلاةُ والسلامُ أن علَّمَهُ مَنطِقَ الطَيرِ وألانَ له الحديدَ فكانَ بين يديهِ بإذنِ الله كالعَجينِ، حتى كانَ يَفتُلُهُ بيدِهِ ولا يحتاجُ إلى نارٍ ولا مِطرقةٍ فكانَ يَصنَعُ منه الدروعَ ليُحَصّنَ بها جنودَهُ من الأعداءِ ولِدَرْءِ خَطرِ الحربِ والمعارك.
ومِن فضلِ الله تباركَ وتعالى على عبدِهِ داودَ أن قَوّى مُلكَهُ وجَعَلَهُ مَنصورًا على أعدائِهِ مُهابًا في قَومِهِ، والله يُعِزُّ من يشاء ويُذِلُّ من يشاء والله تعالى أعلم وأحكم. نقف هنا ونتابع في الحلقة القادمة عن قصة الخَصْمَيْنِ إن شاء الله فتابعونا وإلى اللقاء.
4\4 قصة سيدنا داود عليه السلام
في هذهِ الحلقةِ إن شاء الله نحدثكم عن قِصَةِ الخَصمَين معَ داودَ عليهِ السلام وَرَدِّ الفِريةِ العظيمةِ على داودَ في هذه القِصة. ليُعلم أنَّ بعضَ المفسرينَ أوردَ في تَفسيرِ الآياتِ في قِصةِ الخَصمَينِ مع نبيِ الله داودَ عليه السلام قَصصًا إسرائيليات لا تَليقُ بني الله داودَ الذي خَصَّهُ الله تعالى بالنبوة وأكرمَهُ بالرسالة، لأنّ الأنبياءَ جميعَهم تَجبُ لهمُ العِصمةُ من الكفرِ والرذائلِ وكبائرِ الذُنوبِ وصغائرِ الخِسّة ، لذلك لا يَجوزُ الاعتمادُ على مثلِ هذه القَصصِ المنسوبةِ كذبًا للأنبياءِ ولا يجوزُ اعتِقادُها لأنها تُنافي العِصمَةَ الواجبةَ لهم، لذلكَ يَنبَغي الاقتِصارُ في فَهمِ قصةِ الخَصمينِ مع داودَ عليه السلام على ظاهِرِ ما أوردَها الله تبارك وتعالى في القرءان،
فقد جاءَ في تفسيرِها أنَّ الخصمينِ كانا في الحقيقةِ من البَشرِ من بني ءادمَ بلا شكٍ وأنهما كانا مُشتَرِكَينِ في نِعاجٍ من الغَنم ِعلى الحقيقةِ، وأنه بغى أحدُهما على الآخرِ وظلَمَه، وقد تَسوَّر هذانِ الخَصمانِ مِحرابَ داودَ عليه السلام وهو أشرفُ مكانٍ في دارِه، وكانَ داودُ عليه السلام مُستَغرقًا في عبادةِ ربِه في ذلكَ المحراب فلم يشعر بالشخصينِ إلا وهما أمامَه فسألاهُ أن يَحْكُمَ في شأنِهِما وقَضِيَتِهما.
وأما استِغفارُ داود عليه السلامُ فلأجلِ الذَنبِ الصغيرِ الذي وقعَ فيهِ وهو أنه تَعَجَّلَ بالحكمِ على الخصمِ الآخرِ قبلَ التَثَبُتِ في الدعوى، وكان يَجِبُ عليه لما سَمِعَ الدعوى مِن أحدِ الخصمينِ أن يسألَ الآخرَ عما عِندَه فيها ولا يَقضي عليهِ بالحُكمِ قبلَ سؤالِه، وقد تابَ داودُ عليه السلامُ من ذلكَ الذَنبِ الذي ليسَ فيه خِسةٌ ولا دَناءةٌ وغفرَ الله تعالى له هذا الذَنبَ. ومِن القَصَصِ المفتراةِ على نبيِ الله داود عليه السلام زورًا وبُهتانًا وهي منَ الإسرائيلياتِ المدسوسةِ على الأنبياءِ ولا يجوز اعتقادُها أنَّ داودَ عليه السلام كانَ يومًا في مِحرابِه إذ وقعت عليهِ حمامةٌ من ذَهب، فأرادَ أن يأخذَها فطارت فذهبَ ليأخذَها فرأى امرأةً تغتسلُ فوقعَ في حبِها وعِشقها على زعمهم وأُعجِبَ بها وأُغْرِمَ،
وعلى زعمهم كانت زوجةَ أحدِ قُوادِه ويُسمى "أوريا" فأرادَ أن يتَخلَّصَ منه ليتزوجَ بها فأرسلَه إلى أحدِ الحروبِ وحمّلَهُ الراية وأمرَه بالتَقدمِ وكان قد أوعَزَ إلى جنودِه أن يتأخروا عنه إذا تَقدمَ نحوَ الأعداءِ حتى قُتِلَ هذا القائد وبهذهِ الوسيلة – كما تقولُ هذه القصةُ المفتراة- قُتِل القائدُ "أوريا" وتَزوجَ داودُ عليه السلام زوجتَه من بعدِه، ويَزيدُ بعضُهم فيقول: إنَّ داودَ زنى بهذهِ المرأةِ قبلَ تدبيرِ هذهِ المكيدة، وهذا افتراءٌ وكذبٌ على سيدنا داود وليعلم أنه يستحيل على الأنبياء فعلُ الزنا أو إرادتُهُ، ومن اعتقد أن نبيا من الأنبياء خان أو وقع في الزنا أو أراد الزنا فقد كفر والعياذ بالله تعالى ويلزمه تصحيح عقيدته ويلزمه النطق بالشهادتين ليعود إلى دين الإسلام.
وقد قالَ العلماءُ المعتبرون: إنّ هذهِ الرواياتِ لا تَصحُ لا من طريقِ النقلِ ولا تَجوزُ من حيثُ المعنى لأنَّ الأنبياءَ مُنزّهونَ عن مثلِ هذهِ الأمورِ كلِّها، وقالوا: لا يُلتَفَتُ إلى ما سطّرَهُ بعضُ المفسرينَ والقَصَصِيينَ عن أهلِ الكتابِ الذينَ بَدّلوا وغَيّروا ، وهذا الذي حكاهُ بعضُهم عن سيِدنا "داودَ" وهو أنهُ عَشِقَ امرأةَ "أوريا" فاحتالَ حتى قتلَ زوجَها فتزوجَها لا يَليقُ بالأنبياءِ بل لو وُصِفَ به أفسقُ الملوكِ لكانَ مُنكرًا، فافهم ذلكَ أخي المسلم رحِمكَ الله بتوفيقِه.
وقد كانَ نبيُ الله داودُ صلى الله عليه وسلم معَ ما ءاتاهُ الله تبارك وتعالى من الْمُلكِ والنِعمِ الكثيرةِ يأكلُ مِن كَسبِ يدِه، ويقومُ الليلَ والنهارَ في طاعةِ الله سبحانَه وتعالى وقيلَ إنَّ عُمُرَ داودَ عليه السلام لما ماتَ كانَ مائةَ سنة، والله تعالى أعلمُ وأحكمُ وفي الحلقةِ القادِمةِ بإذنِ الله سيكونُ الكلامُ عن سيدِنا نبيِ الله سليمانَ بنِ داودَ عليهِما السلام فتابعونا وإلى اللقاء.
