نبدأ كلامَنا في هذه الحلْقة إن شاء الله عن خَلقِ حواءَ عليها السلام. خلقَ اللهُ سبحانه وتعالى سيدَتَنا حواءَ من ضِلَعِ ءادمَ الأيسرَ الأقصرَ كما جاءَ في الحديثِ الذي رواهُ الشيخانِ: "ولأَمَ مكانَه لحمًا"، قيل لذلكَ سُميت حواءُ بهذا الاسمِ لأنها خُلقت من شيءٍ حيّ، ولم يخلقِ اللهُ تبارك وتعالى حواءَ طِفلةً صغيرةً ثم طوّرَها إلى الكِبَرِ، بل خلَقها على هيئتِها التي عاشت عليها كبيرةً طويلةً مُناسبةً لطولِ ءادمَ عليه السلام، قالَ الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً}.

وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} وقد زوَّج الله تعالى ءادمَ حواءَ وجعلَها له حلالًا في الجنة ثم كانا كذلك في الأرض. وأمرَ الله تبارك وتعالى الملائكة بالسجودِ لآدم عليه السلام فامتثَل الملائكةُ لأمرِ الله وسجدوا كلُّهم لأنّ الملائكةَ كما وصفَهم الله تعالى: {لا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}.

وأما إبليسُ فقد استَكبرَ واعترضَ على الله ولم يمتثلْ لأمرِه وقال أنا خيرٌ منهُ خلقتني من نارٍ وخلقتَهُ من طينٍ فكفرَ وظهرَ منه ما قد سبقَ في علمِ الله تعالى ومشيئتِهِ من كفرِه واعتراضِه باختيارِه، وقد وردَ في الأثرِ أنه قبلَ كفرِه كان يُسمّى عزازيل. ثم بعد أن عرفَ إبليسُ اللعينُ أنه ملعونٌ طلبَ من الله تعالى أن يؤخِرَه إلى يومِ البعثِ أي يومِ الخروجِ من القبورِ ولكنَّ الله لم يجبه إلى ذلكَ بل أخرَّه إلى النفخةِ الأولى ليذوقَ الموتَ الذي حكمَ الله به على خلقِه أي إلى زمنِ نفخةِ الإهلاكِ وهي نفخةُ إسرافيلَ في البوقِ فيموتُ كلُ حيٍ من الإنس والجن من هولِ ذلك الصوت.

وقد كان إبليسُ قبلَ ذلكَ الوقتِ مسلمًا مؤمنًا من الجنِ يعبُد الله معَ الملائكة، وذلك قبلَ أن يكفرَ ويعترضَ على الله، وليسَ صحيحًا أنّه كانَ طاووسَ الملائكةِ ولا رئيسًا لهم كما يزعُمُ بعضُ الجهال، قالَ الحسنُ البِصريُ: لم يكنْ إبليسُ منَ الملائكةِ طرفةَ عينٍ قطّ، وقال شهرُ بنُ حَوْشب: كانَ منَ الجنِ، ويدلُ على ذلك قولُه تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} ثم لو كانَ مِنَ الملائكةِ لم يعصِ ربَه لأنّ الله تعالى وصفهم في القرءان بقولِه:

{لا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}. ومما يدلُ أيضًا على أنّ إبليسَ ليس من الملائكةِ بل هو من الجنِ قولُه تعالى: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} ففي هذه الآيةِ دليلٌ على أنّ إبليسَ مخلوقٌ من نار، بخلافِ الملائكةِ فإنهم خُلِقوا من نور كما جاءَ في صحيحِ مسلم وغيرِه عن عائشةَ رضي الله عنها وعن أبيها عن سيدنا رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قال: "خُلِقَتِ الملائكةُ من نورٍ، وخُلِقَ الجانُّ من مارِجٍ من نار، وخُلِقَ ءادمُ مما وُصِفَ لكم". والله تعالى أعلم وأحكم.

4\5 قصة سيدنا ءادم عليه السلام

أمرَ الله سيدَنا ءادم وزوجتَه حواء أن يسكُنا الجنة، وهي جنةُ الخلدِ التي سيدخلُها المؤمنونَ يومَ القيامة. وقد أباحَ الله لآدم وحواء سُكنى الجنةِ والأكلَ من ثمارِها والشربَ من مياهها والتنعمَ بنعيمها من غيرِ مشقةٍ ولا تعبٍ يلحَقُهما في الحصولِ على ما يُريدان من طعامٍ وشراب، إلا شجرةً واحدة حرّمها عليهما ونهاهما عن الأكلِ منها، وحذّرَهما من عداوةِ إبليسَ وإغوائِه لهما، ولم يَرِد في القرءانِ الكريم ولا في الحديثِ الثابتِ الصحيحِ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ما هي هذه الشجرة، لذلك اختلفَ العلماءُ في تعيينها فقيلَ هي التفاح، وقيل هي النخلة، وقيل التين، وقيلَ غيرُ ذلك، فقد تكونُ والله أعلم واحدةً من هذه وقد تكونُ مِن غيرِها،

وقال بعضُهم: هذا الخلافُ لا طائلَ تحتَه لأنه لا يتعلق بتعيينها حكمٌ شرعي ولا فائدةٌ تاريخية وإلا لَعَيَّنَها لنا القرءان. وسكنَ ءادم وحواءُ الجنة وصارا يتنعمانِ بما فيها من نعيم وما فيها من كل ما تشتهي الأنفسُ وتَلَذُ الأعين، فكان يتنقلُ بين أشجارِها ويقطِفُ من ثمارِها ويتنعمُ بفاكهتها ويشربُ من عَذْبِ أنهارِها ومياهِها. والسببُ في خروجِ ءادمَ من الجنةِ أن ءادم خالفَ النهيَ الذي نهاه الله لأنه أعلمَه بالمنعِ من أكلِ شجرةٍ واحدةٍ من أشجارِ الجنة وأباح له ما سواها فوسوس الشيطانُ له ولحواء أن يأكلا منها، فأكلا منها فأخرجهما الله تعالى من الجنة، وكان ذلك قبلَ أن تنزِلَ عليه النبوةُ والرسالةُ لأنّه إنما نُبئ بعد أن خرجَ من الجنة ثم تابا من تلك المعصية،

ولا تُعدُ تلك المعصيةُ معصيةً كبيرةً كما يقول بعض الكفار. ثم بعدَ خروجِهما من الجنةِ تناسلا فعلّمَ ءادمُ أولادَه أمورَ الإسلام فكلُ ذريتِه كانوا على الإسلام، ثم نُبئَ بعدَ ءادمَ ابنُهُ شيث، ثم بعدَ وفاةِ شيثٍ نُبئ إدريسُ ثم كفرَ بعضُ البشرِ بعبادةِ الأصنامِ فبعثَ الله الأنبياءَ بالتبشيرِ لمن أطاعَهم بالجنةِ والإنذارِ بالنارِ لمن خالفهم بعبادةِ غيرِه وتكذيبهم. ثم بعد أن نزلا إلى الأرض علمَه الله تعالى أسبابَ المعيشة وعلّمَه كيف يَبْذُرُ وكيفَ يحصُدُ وكيفَ يعمَلُ للأكل.

فآدمُ عليه السلامُ له فضلٌ كبيرٌ على البشرِ لما له عليهم من حقِ الأبوّةِ وتعليمِ أصولِ المعيشةِ فلا يجوزُ تنقيصُه، فمن نقصَّه فهو كافر. وهنا فائدةٌ مهمة: قال الله تعالى: {فَتَلَقَّى ءادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}، ورُويَ عن مجاهدٍ قال: "الكلماتُ: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، ربِّ إني ظلمتُ نفسي فاغفر لي إنك خيرُ الراحمين، لا إله إلا أنتَ سبحانك وبحمدِك، ربِّ إني ظلمتُ نفسي فتُب عليَّ إنك أنت التوابُ الرحيم"، وروى البيهقيُ بإسناده عن عمرَ بنِ الخطابِ رضي الله عنه قال:

قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لما اقترفَ ءادمُ الخطيئةَ قال: "يا ربّ أسألك بحقِ محمدٍ إلا ما غفرتَ لي، فقالَ الله: كيف عرفت محمدًا ولم أخلقْه بعد؟ فقال: يا رب لأنك لما خلقتني بيدك (أي بعنايتك) ونفخت فيَّ من روحِك (أي الروحِ المشرفةِ عندك)، رفعتُ رأسي فرأيتُ على قوائِمِ العرش مكتوبًا لا إله إلا الله محمدٌ رسولُ الله، فعلمتُ أنك لم تُضِف إلى اسمِك إلا أحبَّ الخلقِ إليك". واعلموا رحمكم الله أنه لا يقالُ طردَ اللهُ ءادمَ من الجنةِ لأنَّ هذا اللفظَ فيهِ تحقيرٌ لسيدِنا ءادم بل يقالُ أُهبِطَ من الجنة كما يُفيد نصُ القرءان. وهَكذا نصلُ إلى نهايةِ حلْقتنا على أَمَلِ أن نحدثَكم في الحلقة القادمة عن مدة إقامة ءادم عليه السلام في الجنة واليومِ الذي خرجَ فيه منها وقصة قابيل وهابيل.

5\5 قصة سيدنا ءادم عليه السلام

اختلفَ العلماءُ في مقدار مُقام ءادم عليه السلام في الجنة فروى الحاكم في مستدركه أنّ ءادم لم يمكث في الجنةِ إلا ما بين العصرِ إلى الغروب، والأقوى أنّه مكث مائةً وثلاثينَ سنةً في الجنةِ ثم أكملَ الألفَ في الأرض كما يُفهمُ ذلك من بعضِ الآثار. وقد وردَ أنّ اليومَ الذي أُخرجَ فيه ءادمُ عليه السلام من الجنةِ وهَبطَ فيه إلى الأرضِ كان يومَ الجمعة، فعن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "خيرُ يومٍ طلَعت فيه الشمسُ يومُ الجمُعة فيه خُلِق ءادم وفيه أُدخلَ الجنة وفيه أُخرج منها" رواه مسلم.

وأمَرَ الله سيدَنا ءادمَ وحواءَ بالهبوطِ من الجنة إلى الأرض، وأمرَ إبليسَ بالهبوطِ إليها أيضًا، وأخبرَهما أنَّ العداوةَ بينهما وبين إبليسَ اللعين ستظلُ قائمةً وبالتالي ستكونُ بينَ إبليسَ وبني ءادم. ويروى أنّ ءادمَ عليه السلام نزلَ في أرضِ الهندِ في أرضٍ تُسمى سرنديب على أشهرِ الأقوال، ونزلت حواءُ عليها السلام في أرضٍ أُخرى قيل إنها جُدة،

وأما إبليسُ اللعينُ فقيل إنه نزل بالأبُلَّةِ بأرضٍ في العراق. ثم أمر الله ءادم عليه السلام أن يبنيَ البيتَ الحرام فقدِم مكة وبنى البيتَ فلما فرغَ من بنائِه أرسلَ الله لهُ ملكًا علمَه المناسكَ، ثم بقيَ البيتُ كذلك حتى أَغرقَ الله قومَ نوحٍ عليه السلام فرُفِع البيتُ وقيل هُدِم وبقيَ أساسُه فجاءَ سيدُنا إبراهيمُ عليه السلام فبناه. ويَحسُنُ الآن أن نذكرَ لكم قصة َهابيل وقابيل التي ذُكرت في سورةِ المائدة وخُلاصةُ هذه القصةِ أنّ حواءَ عليها السلام وَلدت أربعينَ بطنًا وكانت تلِد في كلِ بطن ذكرًا وأنثى، وكان سيدُنا ءادم عليه السلام يُزوجُ ذكر كلِ بطنٍ بأنثى من بطنٍ ءاخر، ويقال إنّ هابيل الطيب أراد أن يتزوج بأخت قابيل التي كانت أجملَ من أخت هابيل لكنَّ قابيلَ أراد أن يستأثرَ بها،

فأمره ءادمُ عليه السلام أن يزوجَهُ إياها فأبى، فأمرَهما أن يُقرّبا قربانًا وهو ما يُتقربُ به إلى الله تعالى ثم ذهبَ ءادمُ إلى مكةَ ليحُجَّ، وقرّبَ كلُ واحدٍ منهما قربانَه بعد ذهابِ أبيهم ءادمَ عليه السلام ، فقرَّبَ هابيلُ جَذَعَةً سمينةً وكان صاحبَ غنم،

وأما قابيلُ فقرّبَ حُزمةً من زرعٍ رديءٍ وكان صاحبَ زرع، فنزلت نارٌ فأكلت قربانَ هابيل وتركت قربانَ قابيل، فغضِب قابيلُ غضبًا شديدًا وقالَ لأخيه هابيل لأقتُلنَّك حتى لا تنكِحَ أختي. وذات ليلة أبطأ هابيلُ في المرعى فبعثَ سيدنا ءادمُ عليه السلام – وكان قد رجعَ من الحج- أخاهُ قابيل لينظُر ما أبطأ به، فلما ذهب إذ هو به، فقال له: تُقُبِّل منك ولم يُتَقَبَلْ مني، فقال له هابيل: إنما يتقبلُ الله من المتقين، فغضِب عندئذ قابيل، ثم أتاه وهو نائمٌ فرفَع صخرةً فشَدَخَ بها رأسه، وقيل خنقَه خنقًا شديدًا.

وليعلم أنّ ابنَ ءادمَ قابيل الذي قتلَ أخاه هابيل كان مسلمًا مؤمنًا ولم يكن كافرًا، وإنما ارتكب معصيةً كبيرةً بقتله أخاه هابيل ظلمًا وعُدوانًا. وروى أحمد في مسنده عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تُقتَلُ نفسٌ ظلمًا إلا كان على ابنِ ءادمَ الأولِ كِفلٌ من دمِها لأنّه أولُ من سنَّ القتل" أي ظلمًا، فعُلم من ذلك أنّ قابيلَ ما تابَ من قتلِه لهابيل. وبجبلِ قاسيونَ شمالي دمشقَ مغارةٌ يقال لها مغارةُ الدم، ذُكِر بأنها المكانُ الذي قتل قابيلُ أخاه هابيلَ عندها،

والله أعلم بصحة ذلك. وعاش سيدُنا ءادمُ عليه السلامُ ألفَ سنة قيل: قضى منها مائةً وثلاثين سنةً في الجنةِ وبقيةَ الألف عاشها على هذه الأرضِ التي نزل إليها، ولما مات عليه السلام بقيت ذريتُه على دينِ الإسلامِ يعبدون الله تعالى وحدَه ولم يُشركوا به شيئًا، فعاش البشرُ ألفَ سنة أُخرى على دينِ الإسلام ولم يكن فيهم كفرٌ ولا شركٌ وإنما حصلَ الكفرُ والشركُ بعد نبيِ الله إدريسَ عليه الصلاة والسلام فكان سيدُنا نوحٌ عليه السلام أولَ نبيٍ بُعِثَ إلى الكفار. وقد ورد في الأثرِ أنّ ءادم عليه السلام دُفنَ في مكةَ أو في منى قربَ مسجدِ الخيفِ حيثُ دفن سبعون نبيًا، وقبورُهم مُخفاةٌ ولا يوجد علاماتٌ تدلُ عليها، وقيل دُفن ءادم عليه السلام عند الجبلِ الذي أُهبطَ عنده في الهند،

وقيل بجبل أبي قبيس. والله تعالى أعلم وأحكم. ويروى أنّ حواء عليها السلام عاشت بعد سيدِنا ءادم عليه السلام سنةً ثم ماتت ويقال إنها دُفنت في جُدة. والله أعلم وأحكم وبهذا نكونُ انتهينا من حديثنا المختصرِ عن نبي الله ءادم عليه السلام وسيكونُ حديثُنا في الحلْقةِ الْمُقبلةِ إن شاء الله تعالى عن نبيِ الله شيث.