ما إن سمِعَ قومُ لوطٍ خبر ضيوف لوط عليه السلام حتى أقبلوا مُسرعين يُهْرَعونَ إلى بيتِ نبيِ الله لوطٍ عليه السلام يريدونَ الاعتداءَ عليهم، فنصهحم سيدنا لوط ولكنّهم أصروا على غرضهم الخبيث، فازدادَ همُ سيدنا لوط وغمُه عليه السلام وتمنى أن لو كان له بهم قوة أو كان له مَنَعَةٌ أو عشيرةٌ في قومِه فينصُروهُ عليهم. ويقال إنّ لوطًا عليه السلام كانَ قد أغلقَ بابَه والملائكةُ معَه في الدار، وأخذَ يناظِرُ ويُجادِلُ قومَه من وراءِ البابِ وهم يعالجون الباب ليفتحوه، فلما رأتِ الملائكةُ ما يلقى نبيُ الله لوطٌ عليه السلام من كربٍ شديد أخبروه بحقيقتِهم وأنهم ليسوا بشرًا وإنما هم ملائكةٌ ورُسُلُ الله قدِموا وجاءوا لإهلاكِ هذه القريةِ بأمرٍ من الله لأنَّ أهلَها كانوا ظالمين بكفرِهم وفسادِهم،

وأمروهُ أن يَخرُجَ من أرضِ قومِه مع أهلِه ليلًا قبل طُلوعِ الصُبح لأنّ موعدَ إهلاكِهم سيكونُ في وقتِ الصبح. ويُروى أنّ نبيَ الله لوطًا عليه الصلاة والسلام لما جعلَ يُمانعُ قومَه أن يدخلوا والبابُ مغلق، وهم يَرومون ويُريدون فتحه، استأذن جبريلُ عليه السلام ربَه في عقوبتِهم فأذن له، فخرج عليه السلام إليهم وضربَ وجوهَهم بطرفِ جَناحِه فطُمِسَت أعينُهم حتى قيل: إنها غارت بالكُلِّية ولم يبقَ لها محلٌ ولا عينٌ ولا أثر. فانصرفوا يتحسسونَ الحيطان ويتوعدونَ ويُهددونَ نبيَ الله لوطًا عليه السلام، عند ذلك قال نبيُ الله لوط للملائكة:

متى موعدُ هلاكِهم؟ قالوا: الصُبح، فقال لهم: لو أهلكتموهم الآن، فقالوا له: أليس الصُبْحُ بقريب. ثم أمرَ الملائكةُ نبيَ الله لوطا أن يخرجَ من أرضِ قومِه معَ أهلِه ليلًا قبلَ طلوعِ الشمس، وأمروه بتركِ الالتفات لِئلا يرى عظيمَ ما سينزلُ بقومِه الكافرين من عذاب، وأنّ امرأتَه ستلتَفِت ويُصيبُها ما أصابَ قومَها، فقد ذُكِرَ أنها لما خرجت مع زوجها لوطٍ عليه السلام وسمعت صيحةَ العذابِ الذي نزل بقومِها التفتت وقالت: واقوماه، فأصابها حجرٌ فأهلكها مع الهالكين.

وجاء قومَ لوطٍ من أمرِ الله ما لا يُردّ، ومن العذابِ الشديدِ ما لا يُصَد، فقد أدخلَ جبريلُ عليه السلام ريشةً واحدةً من أجنحتِه في قُراهم ومُدُنهم وكانت أربعةً أو خمسةً واقتلعَهُن من أصلِهن وقرارِهن بمن فيهن من قومِ لوطٍ الكافرين وكانوا كما قيل أربَعَمائةِ ألفِ شخص، وما معهم من البهائم، فرفع الجميعَ حتى بلغ بهنَّ عَنانَ السماءِ، ثم قلبها عليهم فجعل عالِيَها سافِلَها أي لم يَرُدَها كما كانت وإنما ردَّها مقلوبةً بمشيئةِ الله وقدرته سبحانه، من دون تعبٍ ولا مشقّة، وأرسلَ اللهُ عليهم صيحةً من السماءِ وأمطرَ عليهم حجارةً من سجّيل، يتبَعُ بعضُها بعضًا في نزولِها عليهم من السماء، مُعَلَّمَةً أي مكتوبًا على كلِّ حجرٍ اسمُ صاحبِه الذي يهبِطُ عليه ويقتُلُه، وما إن أشرقتِ الشمسُ حتى كانت القرى بمن فيها خرابًا ودمارًا. والله تبارك وتعالى أعلم وأحكم. موعدُنا مع سيرة سيدِنا شعيب عليه السلام في الحلقة القادمة من سلسلة قصص الأنبياء بإذن الله فتابعونا وإلى اللقاء.

قصة سيدنا شُعَيْب عليه السلام

الحمد لله مكوّن الأكوان الموجود أزلا وأبدًا بلا مكان أما بعد فكلامنا اليوم عن سيدنا شعيب عليه السلام وهو من الأنبياءِ العرب. وكان شعيب مشهورًا بالفصاحة وعُلُوِّ العبارة، وببلاغتِه في دعوةِ قومِه إلى الإيمانِ والإسلام العظيم. وذُكِر نبيُ الله شعيبٌ عليه الصلاة والسلام في القرءانِ عشرَ مرات. وقد أرسله الله تعالى إلى أهل مَدْيَن الذين كانوا من العرب يسكنون في بلاد الحجاز مما يلي جهةَ الشام قريبًا من خليجِ العقبة من الجهةِ الشمالية، وكانوا على دين إبراهيم عليه السلام الذي هو الإسلام والذي هو دينُ جميعِ الأنبياء ولكنّه لم يَطُلْ بهمُ العهدُ حتى غيّروا دينَهم الحقّ وكفروا بالله وعبدوا غيرَ الله، وانحرفوا عن الصراطِ المستقيمِ فغرّتهمُ الحياةُ الدنيا ومتاعُها الفاني،

فقد كانوا أصحابَ تجارةٍ وسِلَع وكانوا على الجادةِ التجاريةِ الكبيرة بين اليمنِ والشام وبين العراقِ ومِصر على ساحلِ البحرِ الأحمر ولكنّ حُبَّ المال سيطرَ على قلوبِهم وأعماهُم عن اتّباعِ الحقّ، فقد كانوا يعبدونَ الأيكة وهي شجرةٌ من الأيك حَوْلها أشجارٌ ملتفّةٌ على بعضِها، وزيادةً على كفرهِم وضلالِهم فقد كانوا يُنْقِصونَ المكيالَ والميزان ويُطفّفونَ فيهما، أي يأخذونَ مع الزيادة ويدفعون مع النقصان ويأكلون المالَ الحرام والعياذ بالله تعالى. ولم يكتفوا بهذهِ المعاملةِ السيئةِ بل كانوا يَقطعونَ الطريقَ على المارة، ويتعرضونَ للقوافل فيتوعدونها ويُخيفونَها ويَعيثونَ في الأرضِ فسادًا.

وسطَ هذا المجتمع ِالفاسدِ والكفرِ والضلال الذي كانت تعيشُ فيه قبيلةُ مدين، بعثَ الله تعالى فيهم رجلًا منهم هو رسولُ الله شعيبٌ عليه الصلاة والسلام فدعاهم إلى دينِ الإسلام العظيم وعبادةِ الله وحدَه لا شريكَ له، ونهاهُم عليه السلام عن المفاسِد والأفاعيلِ القبيحةِ التي كانوا واقعين فيها، وأمرَهم بالعدلِ والميزانِ بالقِسطِ وأن لا يَبْخَسوا الناسَ حقوقَهم، وأن لا يقطعوا الطُرُقَ على المارةِ ويأخذوا أموالَ الناسِ بالباطل، ولكن لم يؤمن بدعوتِه إلا العددُ القليلُ من قومِه.

ورغمَ المحاولاتِ العديدةِ والأساليبِ المختلفةِ التي بذَلها نبيُ الله شعيبٌ في دعوةِ قومه إلى الدينِ الحقّ وتركِ المنكرات، تجاهل قومُه الخبثاء دعوتَه واستمروا على جهلِهم وضلالهم وكفرهم وردّوا عليه بالسخريةِ والاستهزاء. ولما رأى نبيُ الله شعيبٌ عليه السلام عنادَ قومِه وتصميمَهم على تكذيبِه وردِ دعوتِه، استنصَرَ ربَه عليهم في تعجيلِ ما يستحقونَه من العذاب، فأنزلَ الله القويُ المتينُ العذابَ الشديدَ على قومِ شعيب وجعلَهم عبرةً لمنِ اعتَبر، قال الله تعالى:

{فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} أي رجفَت بهم أرضُهم وزُلزلت بمشيئةِ اللهِ وقدرتِه زِلزالًا شديدًا أَزهقَت أرواحَهم من أجسادِهم، ولقد جمعَ الله على قومِ شعيبٍ الذين كذّبوا نبيَه وءاذَوْهُ أنواعًا من العقوباتِ وأشكالًا من البَلِيّات، وذلك أنهم أصابَهم حَرٌّ شديد وأسكنَ الله هبوبَ الهواءِ عنهم سبعةَ أيام، فكانَ لا ينفعُهم مع ذلكَ ماءٌ ولا ظِل ، فهربوا من محلَّتِهم إلى البريِة فأظلَتهم سحابةٌ فوجدوا لها بَردًا ولَذّة فنادى بعضُهم بعضًا، فاجتَمعوا تحتَها ليستَظِلوا بظِلِها، فلمّا تكاملوا فيها أرسلَها الله العزيزُ القويُ عليهم ترميهم بشرَرٍ وشُهُبٍ، ورَجَفَتْ بهمُ الأرضُ وجاءتهم صيحةٌ قويةٌ من السماءِ فأزهقت أرواحَهم،

والله تعالى عزيزٌ ذو انتقام. ونجّى اللهُ تبارك وتعالى نبيَه وحبيبَه شُعيبًا عليه السلام ومن معه من المؤمنينَ ونصرَهم على القومِ الكافرين. وقد عاشَ سيدُنا شعيبٌ عليه الصلاة والسلام مدةً من الزمن بعد هلاكِ قومِه وماتَ عليه الصلاة والسلام في الأردن ودُفنَ فيها وقبرُه هناك في وادٍ يُسمّى اليوم بوادي شعيب، وهو مقامٌ معروفٌ ومشهورٌ هناك، ويقالُ إنّه ماتَ بمكة ومن معه من المؤمنين وقبورُهم غَربيَ الكعبةِ بين دارِ الندوة ودارِ بني سهم. والله تبارك وتعالى أعلم وأحكم. في الحلقة القادمة من سلسة قصص الأنبياء سنكلمُكم بإذن الله على نبي الله يعقوب عليه السلام فتابعونا وإلى اللقاء.

قصة سيدنا يعقوب عليه السلام

الحمد لله رب العباد والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير العباد وعلى آله وأصحابه إلى يوم الحشر والْمَعاد، سنكلمُكم اليوم على سيدنا يعقوب عليه السلام. هو يعقوبُ ابنُ نبيِ الله إسحاقَ ابنِ نبيِ الله إبراهيم، وأمُه "رِفقة" بنتُ ابنِ عمه، ويُسمى يعقوب "إسرائيل" الذي ينتسبُ إليه بنو إسرائيل، وقد مدحَهُ الله تعالى في القرءانِ الكريم ومدحَهُ الرسولُ صلى الله عليه وسلم فقال: "إنَّ الكريمَ ابنَ الكريمِ ابنِ الكريمِ ابنِ الكريم يوسفُ بنُ يعقوبَ بنِ إسحاقَ بنِ إبراهيم" رواه البخاري.

فهؤلاء الأنبياءُ الأربعةُ متناسلونَ عليهم الصلاة والسلام وهم يوسفُ ويعقوب وإسحاقُ وإبراهيم. قال أهلُ التواريخ إنّ يعقوبَ عليه الصلاة والسلام ولِد في "فِلسطين" أرضِ الكَنعانيين وشَبَّ في كنَفِ أبيه إسحاق، وقد أمرته أمه "رِفقة" أن يسافرَ إلى خالِه "لابان" الذي بأرضِ حرّان ليُقيمَ عندَه لأنها خافَت عليه من أخيه العيص الذي توعدَه وهددَه، فسافَر يعقوبُ عليه السلام إلى خالِه ووجدَ عندَه ابنتين: الكبرى اسمها "لَيّا" والصغرى "راحيل" وكانت أجملُهما، ويروي أهل التاريخ أنه جمعَ بين الأختين، وكانَ ذلك جائزًا في شريعتِهم ثم نُسخ في شريعة التوراة.

وقيل وهبَ خالُه "لابان" لكلِ واحدةٍ من ابنتيه جارية ثم وهبت كلٌّ منهما جاريتَها ليعقوبَ عليه السلام فصارَ عندَه أربعُ نسوة اثنتانِ منهما زوجتان واثنتان ملكُ اليمين لا تُسميان زوجتين بل تُسميان سُرّيَتين، وقد وَلدنَ له أولادَه الاثني عشر، وكان من ذريتِهم الأسباط.

أما "ليّا" فقد وَلدت له ستةَ أولاد وهم: روبيل وهو أكبرُهم وشمعون ولاوى ويهوذا وياسَخِر وزابْلون، وأما راحيلُ فقد وَلدت له ولدين وهما: نبيُ الله يوسف عليه السلام وشقيقُه بنيامين، وأما جارية راحيل فقد ولدت له ولدين وهما دان ونَفتالي، وأما جاريةُ ليّا فقد ولدت له ولدين أيضًا وهما: جاد وأشير،

والله أعلم بصحة ذلك. دعا نبي الله يعقوبُ عليه السلام إلى دينِ الإسلام وإلى عبادةِ الله وحده وتركِ عبادةِ غيرِ الله، وقد ابتلى الله نبيَه يعقوب بالبلايا الكثيرة فصبرَ ونالَ الدرجاتِ العالية، ومن جملةِ البلاءِ الذي ابتُلي به عليه السلام أنّه فقد بصرَه حزنًا على ولدِه يوسف الذي مَكَرَ به إخوتُه العشَرة وهم من سوى بنيامين، ثم ردّ الله تعالى له بصرَه بعد أن جاءَ البشيرُ بقميصِ يوسف ووضعَه على وجهه فعاد بصيرًا بعد طولِ غيابٍ وشِدةِ حزنٍ وألم على فقد ابنه وحبيبه يوسف عليه السلام قال تعالى:

{فَلَمَّا أَن جَاء الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا}. وقد اجتمَع يعقوب بابنِه يوسف عليهما السلام في مِصرَ بعدَ طولِ غياب حيثُ مكث يوسف بعيدًا عن أبيه يعقوب ما يُقاربُ الأربعينَ سنة. تُوفي يعقوبُ عليه السلام وله من العمُرِ ما يزيدُ على المائة، وكان ذلك بعد سبعَ عشرة سنة من اجتماعه بيوسف، وقد أوصى نبيُّ الله يعقوب ابنَه يوسفَ عليه السلام أن يدفنَه مع أبيه إسحاق وجدِه إبراهيم عليهم الصلاة والسلام ففعَل ذلك، وسارَ به إلى فلسطين ودفنَه في المغارةِ بحَبرون وهي مدينةُ الخليل في فلسطين.

وجاءَ في القرءان الكريم أنّ سيدَنا يعقوبَ عليه السلام أوصى أولادَه وبنيه بما وصّى به إبراهيمُ عليه السلام من اتِّباعِ دينِ الإسلام والثباتِ عليه حتى الممات قال الله تعالى: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} وفي هذه الآية الكريمة دليلٌ أنّ إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ ويوسفَ كانوا على دين الإسلام وهو دينُ جميع الأنبياء من أولهم ءادم إلى آخرهم وأفضلهم محمد صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين. موضوع حلقتنا المقبلة بإذن الله عن سيدنا يوسف عليه السلام فتابعونا وإلى اللقاء.