الحمد لله على نعمِهِ الوفيرة والصلاةُ والسلام على سيدِنا محمدٍ صاحبِ الخيراتِ الغزيرة وعلى ءاله وأصحابه إلى يوم الحسَراتِ الكثيرة أما بعد فإن مَنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ أَو كانَ يَضُرُّهُ الْمَاءُ تَيَمَّمَ. وقولنا "ومن لم يجد الماء" يُفهِم أَنَّ مَن تيمَّمَ لأجلِ أنَّه ليس معَه ماء من غيرِ بَحثٍ لا يَصِحُ تَيَمُّمُهُ. فَمَن بَحَثَ عَنِ الماءِ وَلَمْ يَجِدْهُ، عِنْدَ ذَلِكَ لَهُ أَنْ يَتَيَمَّمَ فإن كان يعلمُ بوجودِ الماءِ فى ضمن حد القرب وهو نصف فرسخ وجب عليه قصده، وإن لم يَعْلَمْ بذلك وجب عليه أن يطلبَ الماءَ بالنظر فى الجهات الأربعة إن كان فى أرضٍ مستوية، وإلا فبالبحثِ فى ضمنِ حدِ الغوث أى بالتوجه إلى كل جهة مسافة ثلاثمائةِ ذراعٍ تقريبًا فإن لم يجدِ الماءَ فله أن يتيممَ عندئذ.
وكذا لو وَجَدَ الماء لكن كان استعمالُ الماء يَضُرُّهُ، كأنْ كان يُسَبّبُ له الموتَ مثلًا، أو تَلَفَ عُضْوٍ من أعضائِه، أو تَطُولُ بسَبَبِ ذلك مُدّةُ مَرَضِهِ؛ أو يصيرُ عندَهُ عيبٌ ظاهرٌ فى عُضوٍ ظاهر من أعضائِه كالوجه واليدين، فعند ذلك يجوزُ له أَنْ يَتَيَمَّمَ ولو كان مَعَهُ ماء.
ولا بُدَّ أَنْ يكونَ التيَمُّمُ للصلاة بعدَ دخولِ وقتِ هذه الصلاة. فمَن تيمَّمَ مثلًا لصلاةِ الظهرِ قَبْلَ دُخُولِ وقتِ الظهر لا يصحُّ تَيَمُّمُهُ. وكذا لا بُدَّ أَنْ يكونَ التيَمُّمُ للصلاة بعد زَوَالِ النجاسَةِ التى لا يُعْفَى عنها. فإذا كان شخص معَه شىءٌ قليلٌ مِنَ الماء، وعلى بَدَنِهِ نجاسة لا يُعْفَى عنها، وكان هذا الماءُ يكفيه إما لإزالةِ النجاسةِ وإما للوضوءِ ولا يكفيهِ للأمرين، فإنه عند ذلك يُزِيلُ النجاسةَ ثم يتيمَّمُ إِنْ لم يَجِدِ الماء. فإنِ لَم يكن عنده ماءٌ بالمرة ليُزيلَ النجاسة فإنه يُخَفّـِفُهَا إن استطاعَ بشىءٍ ما ثم يتيمم، وإلا تيمَّم وهو على حالِهِ.
و التيمُّمُ لا يَصِحُّ إلا بترابٍ له غبار، فلا يَصِحُّ بالصَّخْرِ لأنه ليس تُرابًا؛ ولا يصح بِرَمْلِ البحر لأنَّ رَمْلَ البحر ليس له غبار. ولا بُدَّ أن يكون هذا الترابُ خالصًا غيرَ مَخْلوطٍ بطاهرٍ ءاخرٍ مثلِ الرَّمَاد. ولا بُدَّ أنْ يكونَ غيرَ مستَعْمَلٍ قبلَ ذلك فى التَيَمُّم؛ فالترابُ المتناثرُ مِنْ مسحِ الوجهِ بالضربةِ الأولى من التيممِ والترابُ الذى يتناثرُ من مسحِ اليدينِ فى الضربةِ الثانيةِ لا يصحُ أن يستَعْمِلَهُ الشخصُ للتيمُّم. وكذلك لا يصحُّ فيه استعمالُ الترابِ المتنجِسِ.
ثم إن المتيممَ يَضْرِبُ بيدَيهِ على التراب ثم يَرْفَعُ يديهِ ليمسحَ وجهَه. وفى خلال هذا النقلِ ومعَ أولِ ابتداءِ مسحِ الوجهِ يكونُ مُستحضرًا بقلبِه أنه هو الآن يتيمم. فلا بد أَنْ تُستدامَ هذه النيةُ مع مسحِ أولِ جُزْءٍ مِنَ الوجه، فلو انقطعت ما بين النقلِ ومسحِ أولِ الوجه لا يُجْزِئ. وقال مالك: لو انقطعت النية ما بين النقل ومسح أول الوجه فلا يُؤثر.
ولا بُد فى التيمم من ضَرْبَتَينِ على الأقل، فلا تكفِى ضربةٌ واحدةٌ يَمسحُ بها الوجه واليدين. إنما يضربُ ضربةً يمسَحُ بها وجهَهُ، ولا يُشترَطُ فى ذلك إيصالُ الترابِ إلى باطنِ لحيةِ الرجلِ ولو كانت خفيفةً (لأن هذا فيه صعوبة)، ثم يضربُ ضربةً ثانيةً يمسحُ بها يديهِ ويُشبِّكُ أصابعَه لإيصالِ الغبارِ إلى ما بينَ الأصابع. ولا يُجْزِئُ تَيَمُّمٌ واحدٌ لِفَرِيضَتَينِ بل لا بُدَ أن يتيمَّمَ لكلِّ فَريضة، فإذا تيمَّمَ صَلَّى فرضًا واحدًا بهذا التيمُّمِ، ثم إذا أراد أن يُصلّـِىَ فرضًا ءاخر لا بدَ له من تيممٍ ءاخر، ولو كان هذا الفرضُ قضاءً. وأما بالنسبة للنوافلِ فإنه يُصلى ما شاءَ منها بتيممٍ واحد. أسأل الله العظيم ربَ العرش الكريم أن يعلمنا ما ينفعنا وأن يبارك لنا في علمنا وأن يُعينَنا على العمل بما علِمنا والله وليُ الأمر والتدبير والحمدُ لله رب العالمين أولا وآخرا وأبدا.
ما يحرم على المحدث
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي العربي الأميّ الأمين وعلى آله وأصحابه إلى يوم الدين. أما بعد نتكلم الآن إن شاء الله تعالى عما يَحْرُمُ على الْمُحْدِثِ حدثًا أصغر أي على من انتقض وضوءه . مَنِ انتَقَضَ وضوءُه حَرُمَ عليه أَنْ يُصَلّـِىَ إلاَّ بعد أَنْ يتوضأَ. وكذلك حَرُمَ عليه الطوافُ لأنّ الطوافَ مثلُ الصلاة لا يَصِحُّ فِعْلُهُ بغيرِ طهارة. فَمَنْ انتقَضَ وضوءُه لم يَجُزْ لهُ أن يطوفَ بالكعبة حتى يتوضأَ. مَنِ انتَقَضَ وضوءُه حَرُمَ عليه حَمْلُ المصحفِ، وَمَسُّهُ. يعني أنّ مَن انتقض وضوءُه لا يجوزُ له أن يحمِلَ المصحفَ ولو بحائل، ولا يجوز له أن يمسَّه، أى لا يجوز له مَسُّ الكلام ولا الحاشيةِ ولا الجلدِ الْمُتَّصِل به، إلا لضرورة.
أما الصَبِىُّ والصبيةُ اللَّذَيْنِ مَـيَّزَا إذا كانا يَدْرُسَانِ فى المصحف يجوز لنا أن نُمَكّـِنَهُمَا من حَمْلِ المصحَفِ ومَسّـِهِ إذا كانا يريدان ذلك لأجل الدراسة. فإذا كان الصبى يريد أن يأخذَهُ إلى عند الأستاذ الذى يُدَرّسُهُ أو إذا كان يَحْمِلُهُ ليدرس فيه وهو على غيرِ وضوء يُمَكَّنُ من ذلك، لأن الصبىَّ إذا شَرَطتَ عليه كلّما انتقض وضوءُه أن يجددَه لأجل الدراسة فى المصحف قد يتركُ الدراسةَ. فبسبب ذلك خُفّـِفَ فى أمرِهِ. ولا يجوزُ الطلبُ من الصبىّ الْمُمَيّـِز المحدثِ أن يحمِلَ المصحفَ ليأتِىَ به إلى والده أو سيده أو نحوِهما. وبها نكون انتهينا من الكلام عما يحرم على من انتقض وضوءه والآن نتكلم إن شاء الله عما يحرم على من أحدث حدثًا أكبرا أي على الجنب.
الجنب حرام عليه أن يُصلىَ وأن يطوفَ بالكعبة وأن يَمَسَّ القرءان أو يحملَهُ حتى يتطهر. وزيادةً على ذلك يحرمُ عليه أن يقرأَ القرءانَ بلسانه، وأن يَمْكُثَ فى المسجد، أو يَتَرَدَّدَ فيه، إلا أنه يجوزُ له أن يَمُرَّ فيه مُرورًا فيدخُلَ من باب ليخرُج من الآخر. وَيُخَصُّ مِنْ ذلك رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فإنه كان يجوز له الْمُكْثُ فى المسجد مع الجنابة.
و الحائض والنفساء يحرُمُ عليهما الأمورُ الخمسة التى تحرم على الجنب أى يحرم عليهما الصلاةُ والطوافُ وحملُ المصحفِ ومسُّه وقراءةُ القرءانِ والمكثُ فى المسجد. وزيادةً على ذلك يحرم عليهما أيضًا أمرانِ ءاخران، الأول هو أن تصومَا قبلَ أن ينقطعَ دَمُ الحيض أو النفاس فلو نَوَتا الصيام بعد انقطاعِ الدم وقبلَ الغُسل صَحَّ ذلك منهما. والثانى أن تُمَكّـِنَا الزوج مِنْ أنْ يستمْتِعَ منهما بما بين السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ قبلَ الغسل ولو كان الدمُ انقطع، أى إذا كان ذلك من غير حائل.
وأما إذا كان حائِلٌ فيحْرُمُ الجماعُ، ولا يحرم ما دون الجِمَاعِ. ومِثْلُ حُكْمِ الزوجةِ فى هذا الأمر حكمُ الأَمَةِ غيرِ المتزوجة بالنسبَةِ لِسَيدِهَا. وهناك قولٌ ءاخر فى مذهب الشافعىّ أنَّ الاستمتاعَ بما بين سُرةِ وركبةِ الزوجة الحائض من غير حائل لا يحرُم منه إلا الجماع. وفي الختام نسأل الله تعالى العفوَ والعافيةَ والمعافاةَ في الدين والدنيا والآخرة والحمد لله رب العالمين أولا وآخرا وأبدا.
كيفية إزالة النجاسة
الحمد لله رب العالمين وبه نستعين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين وعلى آله وأصحابه إلى يوم الفصل والدين. أما بعد فإنَّ النجاسةَ إذا كانت عينيةً أى ما زال عينُها موجودًا على المحل أى طعمها أو لونها أو ريحها، فإنّ المحلَ لا يطهرُ فى هذه الحالِ حتى يُغْسَلَ الموضعُ بالماءِ المطهّـِرِ. يعنى لا يطهُرُ المحلُّ بإزالتِها بالترابِ مثلًا أو بوضعِهَا فى الشمسِ ولو زالتِ الأوصاف. إنما يُغْسَلُ الموضِعُ بالماءِ حتى يَزُولَ العينُ والوصفُ.
وأما النجاسةُ الحكميةُ وهي التى لا يُدْرَك لها لونٌ أو طعمٌ أو ريحٌ تُزالُ بِجَرْىِ الماءِ عليها. شرحُ ذلك أنَّ النجاسةَ إذا جاءَت على موضعٍ ثم زالت عينُهَا وأوصافُهَا لكن لا بالماء، فإنّ هذا الموضعَ يبقى مُتَنَجّـِسًا لأنّ العينَ والوصفَ زالا بغير الماء. وتُسمى هذه النجاسةُ نجاسةً حكمية، يعنى أنَّ عينَ النجاسةِ لم تعد موجودة على الموضِع لكن حكمُ الموضِع أنه مُتَنَجّس، فيكفِى لتطهيرِه غَسْلُهُ مرةً واحِدة بالماء.
وأما النجاسةُ الكَلْبِيَّةُ تُزال بغَسْلِهَا سَبْعًا إحدَاهُنَّ ممزوجةً بالترابِ الطَّهور. يعني أَنَّ تَطْهيرَ الموضع من النجاسةِ الكلبية لا يكفى فيه الغَسْلُ مرةً واحدة. بل لا بُد من غَسْلِ الموضِعِ سَبْعَ مَرَّات، إحدى الغَسَلات يكونُ الماءُ فيها مخلوطًا بالتراب. يُصَبُّ الماء على الموضِع حتى تزولَ عينُ النجاسة، وعندَ ذلك يُعْتَبَرُ كلُّ ما صبَّه غَسْلَةً واحدة (فلو احتاج أن يَصُبَّ عشرَ مراتٍ حتى تزولَ العين تُعْتَبَر هذه العشرةُ مرَّة واحدة)، ويبقى عليه أن يَغْسِلَ سِتَّ غَسَلاَتٍ أُخرى.
ولا بُد أن يخلِطَ الماءَ بالترابِ فى واحدةٍ من هذهِ الغسَلاتِ السبعِ أى بحيثُ يتغيرُ لونُ الماءِ بهذا التراب. والأفضلُ أن يكونَ ذلكَ فى الغسلةِ الأولى. والمرادُ بالنجاسةِ الكلبيةِ نجاسةُ الكلبِ والخنزيرِ كِلَيْهِمَا، وهذا يَشْمَلُ مُلاَمَسَةَ الكلبِ والخنـزيرِ مع البللِ وريقَهُمَا وبولَهُمَا ورَوثَهُمَا وسائِرَ أجزائهما.
وهنا تنبيه مهم: لإزالةِ النجاسَةِ عن موضع بماءٍ قليل لا بد من أن يَجْرِىَ الماءُ على الموضع أى لا بد من أن يكون الماءُ واردًا على الموضع. أما لو وَضَعَ النجاسةَ فى الماء القليل فهذا لا يُطَهّرُ الموضع إنما يُنَجّسُ الماء. مثلُ إنسان كان على ثوبِه نجاسة فَغَمَسَ الثوبَ مع الموضعِ المتنجسِ فى ماءٍ قليلٍ ثم نَزَعَ الثوبَ من الماء وقد ذهبت عينُ النجاسةِ أى وطعمُهَا ولونُها وريحُها. فى هذه الحال هذا الثوب لم يطهُر، بل كُلُّ ما انغمسَ منه فى الماءِ صارَ نجسًا مع الماءِ الذى فى الإناء، لأن النجاسةَ فى هذه الحالِ وردت على الماءِ القليلِ وليس الماءُ هو الذى وردَ عليها.
أما إذا كان الماءُ كثيرًا فلا يتأثر، طالما أنّ الماء لم يتغير. فإذا أُزِيلَت عين النجاسة وأوصافُ النجاسة بإِيراد الماء على النجاسة أو بوضعِ الشىء المتنجس فى الماء الكثير يَطهُرُ الموضع المتنجس فى الحالين. والماء القليل هو ما كان أقل من مائةٍ وخمسٍ وتسعين ليترٍ تقريبًا. وفي الختام نسأل الله تعالى أن يتقبّلَ منّا صالح أعمالنا وأن يمُنّ علينا بتوبةٍ نصوحةٍ وأن يوفقنا لما يحبُه ويرضاه وأن يتجاوزَ عن سيئاتنا ويغفرَ لنا ذنوبَنا وإسرافَنا في أمرنا والحمد لله رب العالمين أولا وآخرا وأبدا.
