الحمد لله البرِّ التوّاب والصلاة والسلام على محمد الذي بهر العقولَ والألباب وعلى آله وأصحابِه إلى يومِ الحساب. أما بعد كلامنا الآن إن شاء الله تعالى في بيان معاصي الفرج التي منها الزنى وهو عند الإطلاق إدخالُ الحشفة فى الفرج. فهذا هو الزنى الذى يُعد من أكبر الكبائر ويجب فيه الحد. وكذلك من معاصى الفرج اللواط وهو إدخالُ الحشفة فى الدبر. وهذا أيضًا من الكبائر وفيه الحد، إلا فى تلوّط الرجل بامرأته فهو وإن كان حرامًا لكن لا حدَّ فيه.

وَيُحَدُّ الحرُّ المحصَنُ ذكرًا أو أنثى بالرجم بالحجارة المعتدلة حتى يموت، وغيرُهُ بمائةِ جلدةٍ وتغريبِ سنةٍ للحر. وَيُنَصَّفُ ذلك للرقيق. شرحُ ذلك أنّ الخليفة أو من يقوم مقامه إذا ثبت عنده شرعًا أنّ شخصًا زنى أو لاط يجب عليه إقامة الحد على هذا الشخص. والحد يختلف بين المحصن وبين غير المحصن. والمحصن هو من جامع فى نكاح صحيح، فإذا زنى يكون حدّه الرجمَ بالحجارة المعتدلة حتى يموت، ومعنى أن تكون الحجارةُ معتدلةً أى أن تكون مِلْءَ الكف، ويَحْرُمُ أن يُضْرَبَ المرجُومُ بالحجارَةِ الْمُذَفّـِفَة أى التى يقتل واحِدُها بمفرده عادة.

وأما غير المحْصَن وهو الذى لم يطأ فى نكاحٍ صحيح فإنّه إذا زنى لا يُرْجَم، إنما حدُّه أن يُجْلَدَ مائةً وأن يُغَرَّبَ سَنَةً، أى يُبْعَد عن البلد إلى مسافة القصر على الأقل. والمراد بالسَّـنَةِ السَـنَةُ القمرية. وأمّا اللواطُ فحدُّ فاعله حدُّ الزانى، وحدُّ المفعول به جلدُ مائةٍ وتغريبُ عام، وهذا هو المعتمد. وما ذُكِرَ هو الحد فى الزنا واللواط للحر المكلف ذكرًا كان أم أنثى،

وأما العبد فحدّه على النصف من حدّ الحر، أى أنّ حدَّهُ خمسون جلدة وتغريبُ نصف عام حتى لو كان محصنًا لأنّ الرجمَ لا يُنَصّف. والأفضل لمن ابتُلى بمثل هذا الذنب أن يسترَ على نفسه كما فى باقى الذنوب. لكن إن اعترف للحاكم وثبت على اعترافه وجبَ على الحاكم أن يقيم عليه الحد. ولا بدّ فى الإقرار أى إذا أقرّ على نفسه بالزنا وفى الشهادةِ على ذلك، من أن يكون كلٌّ منهما مُفَصّلًا، فلا يكتفى الحاكم بأن يقولَ شخصٌ أنا زنيت حتى يقيمَ عليه الحد لأنّ بعض الناس لا يعرفون ما هو الزنى، فيظنون ما دون الزنى من التقبيل أو المعانقة ونحوِ ذلك أنه زنى، وهو وإن كان حرامًا لكنه ليس الزنى الذى يقام فيه الحدّ، لذلك لا يكتفى الحاكم بمجرد قول الشخص عن نفسه أنا زنيت بل يطلب إقرارًا مفصّلًا. وكذلك فى الشهادة، يعنى أنّ الحاكمَ يطلب على الزنا شهادةً مفصلة.

ومن معاصي الفرج إتيانُ البهائم ولو ملكَه، والاستمناءُ بيدِ غير الحليلة الزوجةِ، وَأَمَتِهِ التى تحل له مثلُها. شرح ذلك أنّ كِلاَ هذين الأمرين حرام لأنهما داخلان تحت قول الله تبارك وتعالى: {والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما مَلَكَت أَيْمَانُهُم فإنهم غيرُ مَلُومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العَادُون}. والمعنى أنّ الذين يحفظون فروجَهم إلا على أزواجهم أو ما ملكت أَيْمَانُهُم أى الإماء اللواتى يملِكونَهُنَّ، فلا لومَ عليهم. أما الذى يبتغى غيرَ ذلك أى لا يحفظُ فرجَهُ عمّا سوى الزوجةِ والأمةِ فأولئك هم العادون الواقعون فى الإثم. فدخل فى ذلك جماعُ البهائم، ودخلَ فى ذلك الاستمناء بيد غير الحليلة وما شابه.

ومن محرمات الفرج أن يطأ الرجل زوجته أى أن يجامعها فى الحيض أو فى النفاس. وقد نص ربّنا عزّ وجلّ فى القرءان على حرمة الجماع للحائض بقوله تعالى: {فاعتزلوا النساء فى المحيض}.

وكما يَحْرُمُ الجماعُ فى الحيض والنفاس يحرم الجماعُ بعد انتهاء الحيض والنفاس قبلَ الغسل الصحيح. فإذالم ترفع الزوجة الحدث بغُسلٍ صحيح كأن اغتسلت بلا نية فكأنهالم تغتسل، وكذا لو اغتسلت مع فَقْدِ شرط من شروط الغسل.

ومن جملة المعاصِى التغوطُ على قبرِ المسلم، لأنّ رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: "لأن يَجْلِسَ أحدُكُم على جمرةٍ فتُحرِقَ ثيابَهُ وتخلُصَ إلى جلده خيرٌ له من أن يجلِسَ على قبر". والمراد بالجلوس على القبر فى هذا الحديث الجلوسُ للتغوط وقضاء الحاجة وليس مجرد القعود على القبر، والحديث رواه مسلمٌ.

ومن معاصي الفرج أيضا البولُ فى مسجدٍ ولو فى إناء لأنّ من جملةِ تعظيم المسجد صون المسجد عن أن يُـبَالَ فيه. فمن بَال فى المسجد سواءٌ بَالَ على أرضه أو فى إناءٍ ضمن المسجد فهو ءاثم.

ومن محرمات الفرجِ فى مذهب الإمام الشافعى رضى الله عنه تركُ الختان للبالغ سواءٌ كان ذلك البالغُ ذكرًا أو أنثى. يعنِى أنّ الشخص إذا لم يُختن قبلَ البلوغ وبلغ وهو غير مختون، حرامٌ عليه أن يُهمل ذلك الأمرَ بعدَ البلوغ. والمرادُ بذلك قطعُ مكانٍ مخصوصٍ معلومٍ من فرج الذكر ومعلومٍ من فرج الأنثى. وقال مالكٌ رضى الله عنه الختان سُـنَّـةٌ ليس واجبًا إهـ. وقاله غيره من الأئمة. فمَن ترك الختان أخذًا بمذهب مالك فلا إثم عليه. والله تبارك وتعالى أعلم وأحكم والحمد لله رب العالمين.

معاصي القدم

الحمد لله العزيزِ الجبّارِ والصلاةُ والسلامُ على سيدِنا محمدٍ المختار وعلى آلهِ وأصحابِه الأخيارِ وبعدُ نتكلم الآن إن شاء الله تعالى عن معاصي الرِّجِل التي منها المشىُ فى معصيةٍ، كالمشى فى سعايةٍ بمسلمٍ أى للاضرارِ به عند الحاكمِ أو نحوِهِ أو فى قتلِهِ أى المشىِ لقتلِ مسلمٍ أو للإضرارِ به بغيرِ حق.

السِعاية بالمسلم فيها أذى كبير لأنّه يحصل بها إدخالُ الرعبِ إلى الْمَسعِىِّ به وإرجافُ أهله وترويعُهم بطلب السلطانِ. وهذا إذا كانت السعايةُ به بغير حقّ، وأما السعايةُ بحقٍّ فهى جائزةٌ. ومثل السعاية فى كونها معصيةً المشىُ لأجل فعل معصيةٍ كالمشى للسرقةِ أو المشى للزنا بامرأةٍ أو للتلذذ بامرأة لا تحل له بما دون الزنا. فإنّ مجردَ ذلك المشىِ معصيةٌ.

ومن معاصى الرجل إباقُ العبد المملوك أى هرَبُهُ من سيدِهِ ذكرًا كان العبدُ أو أنثى. ومثل ذلك هرَبُ الزوجةِ من بيتِ زوجها. وكلا الأمرين من كبائر الذنوب ما لم يكن عذرٌ. وكذلك يحرم الهرب من أداء الحقِّ الواجبِ على الشخص كأن لزمَه قِصاصٌ فهربَ حتى لا يُقتَصَّ منه بالطريق الشرعىّ، أو لزمه دَينٌ أو نفقةٌ على الزوجةِ أو الوالدين أو الأطفال فهرب حتى لا يدفع ذلك. وهذا أى الهروب من النفقة الواجبةِ هو من كبائر الذنوب والعياذ بالله.

ومن معاصى الرِّجْلِ التبخترُ فى المشى وذلك بأن يمشِىَ مِشيَةَ الكِبْرِ والخُيَلاءِ.

ومن جملةِ معاصى الرِّجل المرورُ بين يدى المصلّـِى مَعَ حصول السترة المعتبرة بأن قرُب من السُترة ثلاثةَ أذرُعٍ فأقل بذراع اليد المعتدلةِ وكانت مرتفعةً ثلُثَى ذراعٍ فأكثرَ. فإن وُجدت هذه السترةُ سُنَّ للمصلِى أن يمنع الذى يريد المرور بينه وبين السترةِ. وإن لم توجد هذه السترةُ فليس للمصلى أن يُزعجَ المارَّ بين يديه ولو قرُب منه ذراعًا أو نحوَ ذلك.

ومن محرمات الرجل مدُّها إلى المصحف أو إلى كتاب علمٍ شرعىٍّ إذا كان غيرَ مرتفعٍ على شىءٍ لأنَّ فى ذلك إهانةً له. هذا إذا لم يكن المصحفُ فى خِزانةٍ تحجُبُه كأن يكون المصحف الشريف داخل خزانة من خشب مغلقةٍ بحيث لا يُرى فإنّه لا يحرُمُ عند ذلك. والله تعالى أعلم وأحكم والحمد لله رب العالمين.

0056 2-1 *معاصي البدن*

الحمد لله مكون الأكوان الموجود أزلا وأبدا بلا مكان والصلاة والسلام على سيدنا محمد أفضل إنسان أما بعد نبدأ الكلام إن شاء الله تعالى عن معاصي البدن أي عن المعاصى التى لا تختص على الدوامِ بجارحة دون سواها من الجوارح. من معاصي البدن عقوقُ الوالدينِ أو أحدِهما. وقد قال بعض الشافعية فى ضبطِ العقوق: هو ما يتأذّى به الوالدانِ أو أحدُهُما تأذّيًا ليس بالهينِ عُرفًا. إهـ. وليعلم أنّ عقوق الوالدين المسلمين يُعَدُّ من كبائر الذنوب والعياذ بالله تعالى.

ومن معاصى البدنِ قطيعةُ الرحِم وهى من الكبائر بالإجماع لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الجنة قاطع"، أى لا يدخُلُها مع الأولين. والحديث رواه البخارىُّ. وتحصُلُ قطيعة الرَّحِمِ بتنفير رَحِمِهِ منه إما بترك الإحسان بالمال إليهم فى حالِ حاجتهم إليه، وإما بترك الزيارةِ أى إن كان ذلك بلا عذرٍ فيهما. والرحِمُ هم كلُّ قريبٍ إن كان من جهة الأب أو من جهة الأم.

ومن معاصى البدنِ إيذاءُ الجارِ وذلك بأن يسُبَّهُ أو يَضرِبَهُ بغير سببٍ شرعىٍ، أو يبنِىَ ما يؤذيه مما لا يأذَنُ له به الشرعُ. وإيذاءُ الجارِ أشدُّ وِزرًا من إيذاء غيرِهِ. وقد صحَّ فى الحديثِ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما زال جبريلُ يوصِينى بالجارِ حتى ظَنَنتُ أنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ". إهـ.

ومن معاصى البدن تَشَبُّهَ الرجال بالنساء وبالعكس، لكنَّ تَشَبُّهَ النساء بالرجال أشدُّ إثمًا. فما كان خاصًا بأحد الصنفين من الزىِّ فهو حرامٌ على الصنف الآخر. وقد روى أبو داودَ عن عائشةَ رضى الله عنها قالت: نهى رسولُ الله الرجُلَ عن أن يَلْبَسَ لُبْسَةَ المرأةِ والمرأةَ عن أن تَلبَسَ لُبسةَ الرجلِ.إهـ.

ومن معاصى البدنِ تطويلُ الثوبِ للخُيلاءِ أى للكِبْرِ. فمن أنزلَ إزارَه من الرجال إلى ما تحت الكعبين للبطَرِ فقد وقع فى ذنبٍ كبير وإلا فهو مكروهٌ. والطريقةُ المستحسنةُ شرعًا أن يكونَ الإزارُ ونحوُهُ إلى منتصف الساقين للرجال.

ومن معاصى البدنِ استعمالُ الحناءِ أى الخِضَابُ به فى اليدين والرجلين للرَجُلِ بلا حاجةٍ إليه، وذلك لأنّ فيه تشبُهًا بالنساءِ.

ومن معاصى البدن قطعُ الفرضِ أداءً كان أو قضاءً من غير عذرٍ، وسواءٌ كان صلاةً أو غيرَها. وأمّا إنْ قَطَعَهُ لعذرٍ فهو جائزٌ. وخرج بقولنا الفرضِ النفلُ فيجوزُ قطعُهُ ولو بلا عذرٍ لأنّه ليس واجبًا. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الصائم المتطوّع أميرُ نفسِهِ إن شاء صام وإن شاء أفطر". رواه البيهقى وغيره. أما إذا كان النفلُ نفلَ حجٍ أو عُمرةٍ فيحرُمُ قطعُهُ وذلك لأنّه يصيرُ واجبًا بالشروع فيه فيجب إتمامُهُ عند ذلك.

ومن معاصى البدن محاكاةُ المؤمن أي تقليدُه فى قولٍ أو فعلٍ أو إشارةٍ على وجه الاستهزاء به.

ومن معاصى البدن التجسسُ على عورات الناسِ مَعْنَاهُ الْبَحْثُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ وَعَوْرَاتِهِمْ أَيْ أَن يُفَتِّشَ عَمَّا لا يُرِيدُ النَّاسُ الِاطِّلاعَ عَلَيْهِ أَيْ عَنْ مَسَاوِئِ النَّاسِ لا عَنْ مَحَاسِنِهِمْ، يُرِيدُ أَنْ يَعْرِفَ عَنْهُمُ الْقَبِيحَ مِنَ الْقَوْلِ والقبيح من الْفِعْلِ فَيَسْأَلُ عَنْهُ النَّاسَ أَوْ يَبْحَثُ عَنْهُ بِنَفْسِهِ مِنْ دُونِ سُؤَالٍ وهذا حرام لا يحبّه الله.

ومن معاصى البدن الوشمُ. وهو غرزُ الجلد بالإبرَةِ حتى يخرجَ الدمُ، ثم يُذَرُّ عليه ما يُحشَى به المحلُّ ليَزْرَقَّ مثلًا أو يَسْوَدَّ. وهو من كبائر الذنوب والعياذ بالله تعالى.

ومن معاصى البدنِ لُبْسُ الذهبِ مُطلقًا للرجلِ البالغِ. وكذا لُبْسُ الفِضَةِ غيرَ الخاتَمِ منها ولُبْسُ الحريرِ الخالصِ أو ما أكثرُه وزنًا منه. وأما خاتَمُ الفضة فجائزٌ لبسُهُ للرجلِ لأنّ الرسولَ صلى الله عليه وسلم لَبِسَهُ. وخَرَجَ بالرجلِ المرأةُ لأنه يجوز لها لُبْسُ الذهبِ والفضةِ والحرير.

ومن معاصى البدن خَلْوَةُ الرجل بالمرأة الأجنبيةِ بأن لم يكن معهما ثالثٌ بصيرٌ يُستحى منه رجلًا كان أو امرأةً. وذلك حرام لحديثِ البخارِىِّ: "ولا يَخْلُوَنَّ رجلٌ بامرأةٍ إلا كان الشيطانُ ثالثَهُما". ولا يحرُمُ خَلوةُ رجلين بامرأةٍ على الصحيح وإن خالَفَ بعضُ الشافعيةِ فى ذلك فإنّ كلامَهم مردودٌ بحديثِ مسلمٍ أنه قال: "لا يدخُلَنَّ رجلٌ على مُغِيبَةٍ إلا ومعَهُ رجلٌ أو رجلانِ". والْمُغِيبَةُ هى المرأةُ التى غاب زوجُها. والله تعالى أعلم وأحكم.

0057 2-2 *معاصي البدن*

الحمدُ لله في كل الأحوال والصلاة والسلام على سيدنا محمّدٍ خيرِ الرجال وعلى ءاله وأصحابه إلى يوم المآل. أما بعد نتابع الكلام عن معاصي البدن إن شاء الله تعالى.

ليعلم أنّ من معاصى البدن سَفَرَ المرأةِ من غير نحو مَحْرَمٍ، لحديثِ أبى داودَ أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نهى أن تسافرَ المرأةُ بريدًا من غير محرمٍ يكون معها. والبريدُ مسيرةُ نصف يوم. وورد فى بعض الرواياتِ ذكر مسيرة يوم، وفى بعضِها غيرُ ذلك. فدلَّ على أنّ المقصودَ تحريمُ كلِّ ما يُسمى سفرًا على المرأةِ إذا كان بدونِ المحرم أو الزوج. وَذَلِكَ بِشَرْطِ أَنْ لا تَكُونَ ضَرُورَةٌ لِلسَّفَرِ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ ضَرُورَةٌ بِأَنْ كَانَتْ مُهَاجِرَةً مِنْ دَارِ الْكُفْرِ إِلَى دَارِ الإِسْلامِ أَوْ كَانَ سَفَرُهَا لِحَجِّ الْفَرْضِ أَوْ عُمْرَةِ الْفَرْضِ أَوْ لِتَعَلُّمِ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ إِذَا لَمْ تَجِدْ فِي بَلَدِهَا مَنْ يُعَلِّمُهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ جَائِزٌ.

ومن معاصى البدن الإعانةُ على المعصيةِ وذلك لقول الله تعالى: {ولا تعاوَنوا على الإثم والعدوان}. وليعلم أنّ الإعانةَ على المعصية معصية والإعانةَ على الكفر كفرٌ والعياذ بالله.

ومِنْ مَعَاصِي الْبَدَنِ تَرْوِيجُ الزَّائِفِ كَتَرْوِيجِ الْعُمْلَةِ الزَّائِفَةِ، أَوْ طَلْيُ النُّحَاسِ بِالذَّهَبِ لإِيهَامِ النَّاسِ أَنَّهُ ذَهَبٌ وَبَيْعِهِ عَلَى أَنَّهُ ذهب وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَذَلِكَ دَاخِلٌ فِي الْغَشِّ وَأَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ.

ومن معاصى البدن استعمالُ أوانِى الذهب والفضةِ بالأكلِ أو الشربِ فى أوانيهِما أو نحوِ ذلك. وكذلك يحرُمُ اقتِنَاءُ أوانِيهِما بِلا استعمالٍ. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ الذى يأكلُ ويشرَبُ فى ءانيةِ الذهبِ والفضةِ إنما يُجرجِرُ فى بطنه نار جهنم" إهـ.

ومن معاصى البدن تَرْكُ الفرض من صلاةٍ أو غيرها، وكذلك فعلُ الفرض صورةً مع الإخلال بركنٍ أو شرطٍ أو مع فعل مبطلٍ له، وكذلك تركُ الجمعةِ بلا عذرٍ فى حقّ من وجبت عليه وإن صلى الظهر بدَلَها.

ومن معاصى البدنِ تأخيرُ الفرضِ عن وقته بغير عذرٍ. فمن تهاون بالصلاةِ حتى أخرجها عن وقتها فقد وقع فى ذنبٍ عظيم والعياذ بالله تعالى.

ومن معاصى البدن تنجيسُ المسجدِ وتقذيرُه ولو بطاهرٍ. فيحرُمُ تنجيسُه ببولٍ أو دمٍ أو غيرِ ذلكَ من النجاسات. وكذلك يحرُمُ تقذيرُهُ بغير النجاسةِ كالبُزَاقِ والمخاطِ، لأنّ حِفظَ المسجد من ذلك داخلٌ فى تعظيم شعائر الله.

ومن معاصى البدن أيضًا تأخيرُ أداء الحج بعد حصول الاستطاعةِ إلى أن يموت الشخص قبل أن يَحُج. فوجوب الحج، وإن كان على التراخى عند الإمام الشافعى وءاخرين، إذا تساهل فيه الشخص المستطيعُ حتى ماتَ قبل أن يحُج فإنه يُحكَمُ عليه بالفسقِ.

ومن معاصى البدن دَفْعُ المالِ وبَذْلُهُ فى معصيةٍ من المعاصى كبيرةً كانت أو صغيرةً.

ومن معاصى البدن استعمالُ الْمُعارِ فى غيرِ المأذون له فيه. كأن يستعيرَ حصانًا للرُّكوبِ أى أذِن له مالكُهُ باستعمالِهِ فقط فى الركوبِ فاستعمَلَه فى نقل الحجارةِ، فإنّه لا يجوزُ. وكذلك يحرُمُ أن يزيدَ على المدةِ المأذون له فيها فإن قال الْمُعِيرُ: "استعملْ هذا الغرض لمدةِ شهرٍ" فيحرم على المستعير استعمالُهُ زيادةً على هذه المدة. وكذلك يحرُمُ عليه إعارَتُهُ لغيرِه بلا إذنٍ من المالِكِ.

ومن معاصى البدن منعُ الناسِ من الأشياءِ المباحةِ لهم على العموم والخصوص. كأن يمنعَ الناسَ عن أن يرعَوْا مواشيَهُم فى أرضٍ ليست مِلكًا لأحدٍ، أو أن يمنعَهُم من أخذِ الحطبِ من هذه الأرض، أو يمنعَهُم من الشربِ من الماء المباحِ الذى إذا أُخِذَ منه شىءٌ يخلُفُهُ غيرُه.

ومن معاصى البدن تركُ العدلِ بين الزوجات بأن يُرَجّـِحَ واحدةً أو أكثر من الزوجاتِ على غيرِها ظلمًا فى النفقةِ أو المبيتِ. ولا يجب عليه أن يُسَوِّىَ بين الزوجاتِ فى المحبةِ القلبيةِ والجماعِ. فإذا أدى الزوجُ النفقةَ الواجبةَ عليه للجميعِ وقَسَمَ المبيتَ بينهن بالعدل، فليس عليه أن يُسوّيَ بينهن فيما وراء ذلك.

ومن معاصى البدن أن يصوم الشخص يومين فأكثر من غيرِ تناول مطعومٍ عمدًا بلا عذر.

ومن معاصى البدن خروجُ المرأةِ من بيتِها لِتَفْتِنَ الرجالَ الأجانب متزينةً كانت أم لا ومتعطرةً أم لا. وأما إذا خرجت متزينةً أو متعطرةً مع ستر ما يجبُ عليها سترُهُ من بدنها من غير قصدِ الفتنةِ فلا يحرُمُ ذلك، وإن كان هذا الفعلُ مكروهًا كراهةً تنزيهية. وأما حديثُ "أيُّما امرأةٍ خرجت من بيتها متعطرةً فمرتْ بقوم ليجدوا ريحها فهى زانية"، فمعناهُ أنها إذا قصدت بخروجها فتنةَ الرجال الأجانب فإنها تكونُ شبيهةً بالزانيةِ لأنّ فعلها هذا مقدِّمةٌ للزنى. فإن لم تكن نيتُها ذلك فلا حُرمةَ فى خروجها متطيبةً، وإنما فعلُها مكروهٌ.

ومن معاصى البدن السحرُ بأنواعِهِ، فمنه ما هو كفرٌ ومنه ما لا يصلُ إلى حدِّ الكفرِ لكنه كبيرةٌ على كل حال. والله تبارك تعالى أعلم وأحكم والحمد لله رب العالمين.