اشْتَدَّ أَذَى الْكُفَّارِ عَلَى النَّبِيِّ وَأَصْحَابِهِ، فَأَمَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ بِالْخُرُوجِ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ فَهَاجَرَ قِسْمٌ مِنْهُمْ. وَكَانَ جُمْلَةُ مَنْ خَرَجَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ ثَلاثَةٌ وَثَمَانُونَ رَجُلًا وَإِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً قُرَشِيَّةً وَسَبْعُ غَرَائِبَ، فَكَانَ مِمَّنْ هَاجَرَ: عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ وَزَوْجَتُهُ رُقَيَّةُ، وَالزُّبَيْرُ بنُ الْعَوَّامِ، وَعَبْدُ الرَّحْمٰنِ بنُ عَوْفٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بنُ مَسْعُودٍ، وَجَعْفَرُ بنُ أَبِي طَالِبٍ، وَكَانَتْ هِجْرَتُهُمْ إِلَى الْحَبَشَةِ عَلَى دَفْعَتَيْنِ، وَقَدْ رَحَّبَ بِهِمْ مَلِكُ الْحَبَشَةِ وَأَكْرَمَهُمْ.

عِنْدَ ذَلِكَ أَرْسَلَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ إِلَى الْحَبَشَةِ رَجُلَيْنِ قَدَّمَا الْهَدَايَا إِلَى أَصْحَمَةَ النَّجَاشِيِّ مَلِكِ الْحَبَشَةِ وَطَلَبَا مِنْهُ أَنْ يُسَلِّمَهُمُ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمْ يَرْضَ حَتَّى يُكَلِّمَهُمْ، فَأَرْسَلَ فِي طَلَبِهِمْ، فَحَضَرُوا وَكَلَّمَهُ جَعْفَرُ بنُ أَبِي طَالِبٍ عَنِ الإِسْلامِ وَبَيَّنَ لَهُ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّ سَيِّدَنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنَ الْقُرْءَانِ، فَبَكَى، فَحَمَاهُمْ وَلَمْ يُمَكِّنِ الْكُفَّارَ مِنْهُمْ، وَأَسْلَمَ لِلَّهِ تَعَالَى وَحَسُنَ إِسْلامُهُ وَصَارَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ.

ثُمَّ مَاتَ عَلَى الإِسْلامِ بَعْدَ مُدَّةٍ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلاةَ الْغَائِبِ وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: «مَاتَ الْيَوْمَ أَخُوكُمُ النَّجَاشِيُّ وَهُوَ رَجُلٌ صَالِحٌ». وَأَمَّا فِي مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ فَقَدْ قَاسَى الْمُسْلِمُونَ تَضْيِيقًا شَدِيدًا مِنَ الْكُفَّارِ، حَتَّى إِنَّهُمْ حَصَرُوهُمْ فِي بَعْضِ الشِّعَابِ، وَمَنَعُوا أَنْ يَبِيعَهُمْ أَحَدٌ شَيْئًا أَوْ يَبْتَاعَ مِنْهُمْ وَهُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَابِرُونَ طَلَبًا لِرِضَا اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

8\25 مختصر السيرة النبوية الطاهرة - اجْتِمَاعُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَعْضِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ

كَانَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقْتَ مَوْسِمِ الْحَجِّ يَجْتَمِعُ إِلَى الْقَبَائِلِ وَيَدْعُوهُمْ إِلَى الإِسْلامِ، فَاجْتَمَعَ ذَاتَ يَوْمٍ بِجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَدَعَاهُمْ إِلَى الإِسْلامِ، فَأَسْلَمُوا وَقَالُوا لَهُ: إِنَّا سَنَرْجِعُ إِلَى الْمَدِينَةِ وَنَدْعُو قَوْمَنَا إِلَى الإِسْلامِ العظيم، وَوَاعَدُوهُ إِلَى الْمَوْسِمِ مِنَ الْعَامِ الْقَابِلِ، فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى الْمَدِينَةِ صَارُوا يَدْعُونَ النَّاسَ إِلَى الإِسْلامِ العظيم فَأَسْلَمَ قِسْمٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَهَؤُلاءِ كَانُوا يُسَمَّوْنَ الأَنْصَارَ.

ثُمَّ لَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ أَتَى الْمَوْسِمَ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ وَبَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكُوا بِاللَّهِ وَلا يَسْرِقُوا وَلا يَزْنُوا وَلا يَقْتُلُوا أَوْلادَهُمْ وَلا يَأْتُوا بِبُهْتَانٍ وَلا يَعْصُوهُ فِي مَعْرُوفٍ، وَأَرْسَلَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ مُصْعَبَ بنَ عُمَيْرٍ لِيُعَلِّمَهُمْ أُمُورَ الدِّينِ فَأَسْلَمَ الْكَثِيرُ مِنْهُمْ حَتَّى لَمْ يَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الْمَدِينَةِ إِلَّا دَخَلَهَا الإِسْلامُ العظيم.

ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الأَنْصَارِ إِلَى الْمَوْسِمِ فِي مَكَّةَ نَحْوُ سَبْعِينَ شَخْصًا فَبَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلًا. ثُمَّ لَمَّا جَاءَ الأَمْرُ بِالْهِجْرَةِ، عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُويِعَ وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَلْحَقُوا بِالْمَدِينَةِ، فَتَشَاوَرُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَاجْتَمَعُوا عَلَى قَتْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَأَتَى جِبْرِيلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ عليه الصلاة والسلام وَأَعْلَمَهُ بِذَلِكَ وَأَخْبَرَهُ بِأَنْ لا يَبِيتَ فِي مَكَانِهِ الَّذِي يَبِيتُ فِيهِ.

فَأَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يَنَامَ فِي فِرَاشِهِ وَيَتَغَطَّى بِرِدَائِهِ وَأَنْ يُؤَدِّيَ عَنْهُ الأَمَانَاتِ إِلَى أَصْحَابِهَا، وَخَرَجَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقَوْمُ عَلَى بَابِهِ وَمَعَهُ حَفْنَةٌ مِنْ تُرَابٍ فَجَعَلَ يَنْشُرُهَا عَلَى رُءُوسِهِمْ وَهُوَ يَقْرَأُ: ﴿يس وَالْقُرْءانِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَّا أُنْذِرَ ءَابَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ فَأَخَذَ اللَّهُ أَبْصَارَهُمْ فَلَمْ يَرَوْهُ.

9\25 مختصر السيرة النبوية الطاهرة - الْهِجْرَةُ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ

بَعْدَ أَنْ خَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ مِنْ بَيْتِهِ لِلْهِجْرَةِ ذَهَبَ إِلَى بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَهُ بِالْهِجْرَةِ، فَطَلَبَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَصْحَبَهُ مَعَهُ فَوَافَقَ فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ بِذَلِكَ، ثُمَّ رَكِبَا عَلَى نَاقَتَيْنِ كَانَ قَدْ أَعَدَّهُمَا أَبُو بَكْرٍ وَانْطَلَقَا حَتَّى وَصَلا إِلَى غَارِ ثَوْرٍ فَدَخَلاهُ.

وَأَمَرَ اللَّهُ شَجَرَةً فَنَبَتَتْ عِنْدَ مَدْخَلِ الْغَارِ فَسَتَرَتْهُ، وَأَمَرَ اللَّهُ حَمَامَتَيْنِ وَحْشِيَّتَيْنِ فَوَقَفَتَا بِفَمِ الْغَارِ، وَكَانَ الْكُفَّارُ يَتْبَعُونَهُمَا، فَلَمَّا اقْتَرَبُوا مِنْهُمَا أَرْسَلُوا رَجُلًا لِيَنْظُرَ إِلَى الْغَارِ فَلَمَّا رَأَى الْحَمَامَتَيْنِ وَالشَّجَرَةَ رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ لا يُوجَدُ أَحَدٌ فِي الْغَارِ. وَبَعْدَ أَنْ ذَهَبَ الْكُفَّارُ بِمُدَّةٍ أَكْمَلَ الرَّسُولُ وَصَاحِبُهُ طَرِيقَهُمَا إِلَى الْمَدِينَةِ فَلَحِقَهُمَا سُرَاقَةُ بنُ مَالِكٍ بَعْدَ أَنْ عَلِمَ أَنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ قَدْ وَضَعُوا جَائِزَةً لِمَنْ يَأْتِيهِمْ بِهِمَا،

فَلَمَّا اقْتَرَبَ مِنْهُمَا دَعَا النَّبِيُّ عَلَيْهِ فَسَاخَتْ فَرَسُهُ فِي الأَرْضِ، فَطَلَبَ سُرَاقَةُ مِنَ النَّبِيِّ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ وَوَعَدَ النَّبِيَّ أَنَّهُ لَنْ يُخْبِرَ أَحَدًا عَنْهُمَا، فَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَجَعَتْ فَرَسُهُ إِلَى حَالِهَا، وَرَجَعَ هُوَ إِلَى أَصْحَابِهِ. وَفِي طَرِيقِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ كَانَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه وَعَامِرُ بنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ وَابْنُ أُرَيْقِطٍ يَدُلُّهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ، وَمَرُّوا بِأُمِّ مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيَّةِ وَهِيَ لا تَعْرِفُهُمْ، فَقَالَ لَهَا الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

«يَا أُمَّ مَعْبَدٍ هَلْ عِنْدَكِ مِنْ لَبَنٍ»؟ فَقَالتْ لا وَاللَّهِ، فَرَأَى شَاةً فِي الْبَيْتِ فَسَأَلَهَا عَنْهَا. فَقَالَتْ: شَاةٌ خَلَّفَهَا الْجُهْدُ وَهِيَ لا تُحْلَبُ، فَمَسَحَ عليه الصلاة والسلام ظَهْرَهَا وَضَرْعَهَا، ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ فَحَلَبَ فِيهِ فَمَلَأَهُ فَسَقَى أَصْحَابَهُ، ثُمَّ حَلَبَ فِي الإِنَاءِ وَتَرَكَهُ عِنْدَهَا وَارْتَحَلَ. وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ فِي الْمَدِينَةِ قَدْ سَمِعُوا بِخُرُوجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذُوا يَنْتَظِرُونَ قُدُومَهُ كُلَّ يَوْمٍ، حَتَّى كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي جَاءَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَانْتَظَرُوا حَتَّى قَوِيَتْ عَلَيْهِمْ حَرَارَةُ الشَّمْسِ فَرَجَعُوا إِلَى بُيُوتِهِمْ.

وَبَعْدَ رُجُوعِهِمْ قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ، فَرَءَاهُمَا رَجُلٌ فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ يُخْبِرُ الأَنْصَارَ بِمَجِيءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجُوا لِاسْتِقْبَالِهِ عليه الصلاة والسلام. وَدَخَلَ الحبيبُ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَهُوَ رَاكِبٌ عَلَى نَاقَتِهِ فَتَرَكَهَا حَتَّى بَرَكَتْ عَلَى الْبُقْعَةِ الَّتِي بَنَى عَلَيْهَا مَسْجِدَهُ الشَّرِيفَ وَأَقَامَ عِنْدَ أَبِي أَيُّوبٍ الأَنْصَارِيِّ وَهُوَ خَالِدُ بنُ زَيْدٍ حَتَّى انْتَهَى مِنْ بِنَاءِ مَسْجِدِهِ وَمَسَاكِنِ أَزْوَاجِهِ.