الحمد لله اللطيف بعباده المجيب والصلاة والسلام على نبيّه الحبيب وعلى آله وأصحابه إلى يوم الحساب العصيب أمّا بعد فإنّ نصاب الذهب عشرون دينارًا أو مثقالًا (هما بمعنـًى واحد). والمثقالُ هو ما كان مساويًا لوزنِ اثنتينِ وسبعين حبةَ شعير متوسطةً باعتبارِ شَعيرِ الحِجَاز من غير قَشْرٍ (أى بِقِشْرِها) يُقْطَعُ مِن طَرَفَيْهَا مَا دَقَّ وطَال.

وأما الفضةُ فنصابُها مِائَتَا درهم. والدرهم خَمسونَ حبةِ شعيرٍ متوسطةٍ وخُمُسَا حَبّةٍ باعتبار شعير الحجاز من غير قَشْرٍ ويُقْطَعُ من أطرافها ما دقَّ وطال. يعني أنّ نصابَ الذهَبِ هو أَرْبَعَةٌ وثمانونَ غِرامًا وتِسْعَة أعشار الغرام تقريبًا. وهذا الوزن فى الذهبِ الخالص. فأمّا إن كان عيار الذهب أربعةً وعشرين فيكون النصاب تقريبًا سِتَةً وثمانينَ غرامًا. فإن كان من عيار واحد وعشرين فيكونُ تقريبًا سبعةً وتسعينَ غرامًا. فإن كان من عيار ثمانيةَ عشرَ فهو مِائة وأربعةَ عشرَ غرامًا.

وذلك لأنّ هذه العِيارات تَحتَوِى غِشًّا غيرَ الذهب الخالص، يعنى تحتوى معادن من غير الذهب بِنِسَبٍ معينة. والعبرة فى النصاب بالذهب الخالص، يعني لا بد أن يكون ما فيه من الذهب الخالص مُساويًا للنصاب. وأما الفضةُ فنصابها قريب من خَمْسِمِائَة وأربَعةٍ وتسعين غرامًا وعُشْرِ الغرام.

والزكاةُ فِى الذهبِ والفضةِ رُبعُ العُشرِ، وما زاد عن النصاب ففيه كذلك هذا المقدارُ من الزكاةِ. ولا تجبُ الزكاةُ فى الذهبِ والفضةِ إلا بعد مرورِ الحَولِ إلا فى حالين: فى حال المعدِن وفِى حال الرِّكاز. فإذا اسْتُخْرِجَ الذهبُ أو الفضةُ من المكان الذى خَلَقَهُمَا اللهُ فيه، فإنهما يُزَكَّيان حالًا بعد التنقيةِ من الترابِ ونحوِهِ إذا بلغ المقدارُ الصافى المستخرَجُ نصابًا. وكذلك إذا وَجدَ الإنسانُ دفينًا من الذهب أو الفضة وكان هذا الدفينُ من أيام الجاهلية ليس دفينًا إسلاميًا، ووجدَه فى أرضٍ مَشاع ليست مملوكةً لإنسان معين، فإنه فى هذه الحال يُخْرِجُ الخُمُسَ زكاةً ويأكُلُ الباقى.

أمّا ما وُجِدَ عليه اسمُ مَلِكٍ من ملوك الإسلام أو وُجِدَ فى أرضٍ لإنسانٍ ءاخر فحُكْمُهُ حُكْمُ اللُّقَطَة. وحُكْمُهَا أن يُعَرِّفَهَا صاحِبُهَا سَنَةً ثم إن شاءَ يتملَّكُهَا بنيةِ أن يَغْرَمَ لصاحِبِهَا إذا ظهر أو يحفَظُهَا إلى أن يَظْهَرَ صاحِبُهَا.

وأما زكاةُ التجارَةِ فنصابُها نصابُ ما اشْتُرِيَتْ بهِ مِنَ النقدينِ. والنقدانِ هما الذهبُ والفضةُ. ولا يُعتَبَرُ إلاّ ءاخرَ الحولِ. ويجبُ فيها رُبْعُ عُشْرِ القيمةِ. شرح ذلك أنّ الإنسانَ إذا ابتدأ تجارَتَه فى الأول من مُحَرَّم مثلًا أى اشترى فيه أشياء بنية التجارة، ثم استمرّ فى التجارةِ حتى دخل الأولَ من محرّم من السنةِ القابلة، أى مضت عليه سَنَةٌ قمرية كاملة، فإنّه عند ذلك يُقَوِّمُ كلَّ البِضَاعَة التى عندَهُ للتجارة، أى وكُلَّ العُمْلةِ الناتِجَةِ من التجارة والتى ما زال يستخدِمُهَا فى التجارة، يُقَوِّمُ كلَّ ذلك بالذهب أو بالفضة، على حسب النقد الذى ابتدأ به تجارته، أى إذا ابتدأ تجارَتَهُ بشراء أعراض التجارة بالذهب يقوّمُ بضاعَتَهُ بالذهب،

وإن كان ابتدأ تجارتَهُ بالفضة يقوّمُها بالفضة. وإن اشترى البضاعة بغيرِ الذهب والفضة يُقَوّمُهَا بالنقد الغالب منهما فى البلد. فإن لم يكن يُسْتَعْمَل نقدُ الذهبِ ولا نقدُ الفضةِ فى البلد يقوّمُهُ بآخرِهِمَا استعمالًا-ثم يُخْرِجُ رُبع عشرِ القيمة إما ذهبًا وإما فضة، أى يُخرِج الزكاة عينَ ذهبٍ أو عينَ فضةٍ على حسب النقد الذى قَوَّمَ تجارته به.

و لا بُدَّ لصحة أداء الزكاة أن تكون نيتُهُ أنَّ هذا المال الذى يدفعُهُ يدفَعُهُ زكاةً واجبةً. مثلًا يقول فى قلبه هذا زكاةُ مالِى. أما لو مَرَّ بفقيرٍ فدفعَ له مالًا على أنّه صدقَةُ تَطوع لا يجوزُ له بعد ذلك أن يَحْسِبَ هذا القَدْر من الزكاةِ الواجبة، لأنّه لما دفعَ له هذا المال لم تكن نيتُهُ الصدقةَ الواجبة. والله أعلم وأحكم والحمد لله رب العالمين.

الأصناف التي تصرف إليهم الزكاة

الحمد لله الذي أيّن الأين فلا اين له وكيّف الكيف فلا كيف له والصلاة والسلام على محمد سيد أهل الأرض والسماء ومصباح الدنيا وخاتم الأنبياء وعلى آله وصحبه الأوفياء الأصفياء. أما بعد يجبُ صرفُ الزكاة إلى مَن وُجِدَ فِى بَلَدِ المالِ مِنَ الأصنافِ الثمانيةِ الذين ذكرهم الله تبارك وتعالى في القرءان الكريم من: (1) الفقراءِ، (2) والمساكينِ، (3) والعامِلِينَ عليها، (4) والمؤلَّفَةِ قُلُوبُهُم، (5) وفِى الرِّقَابِ، (6) والغَارِمِينَ، وهم الْمَدِينُونَ العاجِزونَ عن الوفاءِ، (7) وفِى سبيلِ اللهِ، وهم الغُزَاةُ المتطوعونَ ليسَ معناهُ كُلَّ عملٍ خَيرىٍّ، (8) وابنِ السبيلِ، وهو المسافرُ الذى ليسَ معَهُ مَا يوصِلُهُ إِلَى مَقْصَدِهِ.

الصنفُ الأول هم الفقراء، والفقيرُ هو الذى لا يَجِدُ نِصْفَ كفايَتِهِ.

الصنفُ الثانِى المساكين، والمسكين هو الذى يجدُ نصفَ الكفاية لكن لا يجدُ الكفايةَ تامّةً.

الصنف الثالث هم العاملون على الزكاة، وهم الذين يوكلهم الخليفة (من غيرِ أُجرة) أن يجمعوا الزكوات ويوزعوها على المستحقين.

الصنفُ الرابعُ المؤلفَّةُ قلوبُهم، وهم الذين دخلوا فى الإسلام من مدةٍ قريبة وبعدُ فى قلوبهم وَحْشَةٌ من المسلمين، أى ما تآلفوا مع المسلمين. فيُعطَونَ من الزكاةِ تأليفًا لقلوبِهِم. وهذان الصنفان الأخيران العاملون عليها والمؤلفةُ قلوبُهُم يُعطَوْنَ من الزكاةِ ولو كانوا أغنياء.

الصنفُ الخامسُ فى الرقاب، يعنِى العبيد الذين كاتَبوا أسيادَهُم على مبلغٍ من المال إذا دفعوه يصيرون أحرارًا، أى اتّفقوا مع أسيادِهِم على أنّ السيدَ يَسْمَحُ لهم أن يذهبوا فيعمَلوا مدّة معيّنة فإذا دفعوا للسيد مقدارًا معينًا من المال يصيرُون أحرارًا. فإن عجز العبيد عن ذلك يُعْطَون من مال الزكاة إعانة لهم ليصيروا أحرارًا.

الصنف السادس هم الغارمون، وهم الْمَدِينُونَ فِى حلالٍ ثم عَجَزُوا عن الوَفَاءِ، أو استدانوا فى حرام ثم تابوا وظهرت عليهم ءاثار التوبة وعَجَزُوا عن وفاء الدين.

الصنف السابعُ فى سبيل اللهِ، وهم الغزاةُ المتطوعون، يعني الذين هم ليسوا فى ديوان الْمُرْتَزِقَة، ليسوا فى الديوان بحيثُ يُعطَونَ مالًا على كونِهم مقاتلين فى الجيش إنما هم متطوعون. فهؤلاء ولو كانوا أغنياء يُعطَونَ ما يستعينون به على الجهادِ. هذا معنى فى سبيل الله فى الآيةِ، وليس معناها كُلَّ عمل خَيرىّ. لو كان معناها كلَّ عمل خيرىّ لَمَاَ قال رسول الله عليه الصلاة والسلام فى الزكاة: "إنَّهُ لا حَقَّ فيها لغنِىٍّ ولا لِقَوِىٍّ مُكْتَسِب" رواه أبو داودَ والبيهقىّ. وقد أجمعَ المجتهدون على أنَّ "فى سبيلِ اللهِ" فى هذه الآية معناها الغزاةُ المتطوعون.

الصنف الثامن هو ابن السبيل، وهو المسافر الذى انقطَعَ فى السفر من المال فلم يعد معه من المال ما يُوصِلُهُ إلى مَقصَدِهِ ويردُّه إلى بلدِهِ فإنه يُعطَى ما يَصِلُ به إلى مقصَدِهِ ثم يَرُدُّه إلى بلده من الزكاة.

ولا بد فى إخراجِ الزكاةِ مِنْ أن تُدْفَعَ إلَى ثلاثةٍ على الأقل مِن كلِّ صنفٍ من هذه الأصناف أى الموجود منهم في بلد الزكاة، وقال بعضُ الأئمة: يصحُ دَفْعُ زكاةِ الواحدِ إلى الواحد. ولا يجوزُ دفعُهَا إلى أحدٍ من بَنِى هاشم أو بَنِى الْمُطَّلِب أو مَوَالِيهِم ولو كانوا فقراء. الذين كانوا عبيدًا عند بنى هاشم أو بنى المطلب ثم أعتَقُوهُم، هؤلاء يصيرونَ منهم، فيَحْرُمُ عليهم أخذُ الزكاةِ كما يَحْرُمُ على بَنِى هاشم وبِنِى المطّلب. هاشم والْمُطَّلِب أَخَوَانِ هما ابنَا عَبدِ مناف، فمن كان من ذُريِة أحدِهِمَا يَحْرُمُ عليه أكلُ الزكاة.

ولا يجوزُ ولا يُجْزِئُ صَرفُ الزكاة لغير المستحقين لها فمن دَفَعَ زكاةَ ماله إلى غير هذه الأصنافِ الثمانيةِ الذين ذكرهم الله تبارك وتعالى في القرءان الكريم لم يُجْزئهُ ذلك زكاةً، كأنْ دَفَعَ زكاةَ مالِهِ فى بناءِ مسجد أو مستشفى أو سُورِ مقْبَرَة أو مدرسة إسلامية. فى كلِّ هذه الحالات هذه ليست زكاةً صحيحة، وذمتُهُ لم تبرأ بعد من الزكاة، بل هو ءاثم بفعله ذلك الأمر، لأنه يؤدى عبادةً فاسدةً كالذى يُصلّى بغيرِ وضوء، فإنه يأتِى يومَ القيامةِ والزكاةُ ما زالت فى ذمتِهِ، أى لم تبرأ ذِمَّتُهُ منها. والله أعلم وأحكم والحمد لله رب العالمين.