كانت هذه الغزوة غزوة خيبر في السنة السابعة للهجرة في الشهر المحرّم حيث خرج رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومعه ألفٌ وستُمائة رجل، فسار حتى أتى خيبر ليلا. وخيبر مدينةٌ تقع شمالي المدينة المنورة إلى جهة الشام، وسكانها كانوا من بني النضير الذين كانوا أعظمَ محركي قريش يوم الخندق على قتال الرسول والمسلمين. حاصر الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خيبر ستة أيام، فلما كانت الليلة السابعة وهي ليلةُ الفتح قال الرسول: "لأعطينّ الراية غدًا رجلا يحبّه اللهُ ورسولُه، يفتح الله على يديه" فلما كان الصباح أعطاها لسيدنا علي بن أبي طالب وكان يشكو وجع عينيه فتَفَل النبي فيهما ودعا له فشُفِيَ. توجه عليٌّ مع المسلمين للقتال وشدد الحصار على الحصون إلى أن فتحها واقتلع باب الحصن وقتل مرحبا صاحبَ خيبر وغنم المسلمون منها غنائم عظيمة.

20\25 مختصر السيرة النبوية الطاهرة - غزوة مؤتة

في السنة الثامنة للهجرة، كانت غزوة مؤتة وجاء في خبرها أنه لما عاد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من خيبر إلى المدينة أقام بها شهري ربيعٍ، ثم بعث في جُمادى الأولى بِعثةً إلى مؤتة بالشام. وكان سببها أنّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث الحارث بنَ عميرٍ الأزديّ بكتابه إلى الشام إلى ملك الروم وقيل إلى ملك بُصرى فعرض له شُرَحبيل بنُ عمرٍو الغسّانيُ فأوثقه رباطًا ثم قدّمه فضرب عنقه. فاشتد ذلك على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين بلغه الخبر عنه، فجهز رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الجيش وبعثه إلى مؤتة في جمادى الأولى من سنة ثمانٍ، واستعمل عليهم زيدَ بنَ حارثة وقال:

"إن أُصيب زيدٌ فجعفرُ ابنُ أبي طالبٍ على الناس فإن أُصيب جعفرٌ فعبدُ الله بنُ رَواحة على الناس". فتجهز الناس ثم تهيئوا للخروج وهم ثلاثةُ ءالافٍ، فلما حان وقت خروجهم ودّع الناس أمراءَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وسلموا عليهم ثم مضى الجيش ونزلوا معان من أرض الشام، وبلغ الناسَ أن هرقل قد نزل مآب من أرضِ البَلقاء في مائة ألفٍ من الروم وانضمَّت إليه المستعربةُ من عدة نواحٍ في مائة ألفٍ أُخرى. فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معانٍ ليلتين ينظرون في أمرهم وقالوا نكتب إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدَنا برجالٍ وإما أن يأمرنا فنمضي له.

بعد أن سمع المسلمون بجمع هرقل ومن معه قام عبد الله بنُ رواحة خطيبًا فشجع الناس وقال لهم: إنما هي إحدى الحسنيين إما ظهورٌ أي نصرٌ وإما شهادةٌ، فقال الناس: قد والله صدق ابن رواحة، ومضوا حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب بقرية يقال لها مشارف ثم دنا العدو وانحاز المسلمون إلى قريةٍ يقال لها مؤتة. ثم التقى الناس فاقتتلوا فقاتل زيدُ بنُ حارثة براية رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى قتل ثم أخذها جعفر ابن أبي طالب فقاتل القوم حتى قتل، وكان أخَذ اللواء بيمينه فقاتل به حتى قُطعت يمينه فأخذ الراية بيساره فقُطعت يساره فاحتضن الراية حتى قُتل رحمه الله وعمره ثلاثة وثلاثون سنة.

فلما قتل جعفر أخذ الراية عبدُ الله بن رواحة ثم تقدّم بها وهو على فرسه فجعل يتردد بعض التردد ثم نزل وأخذ السيف وتقدم وقاتل حتى قُتل ثم أخذ الراية ثابتُ بن أقرم فقال: يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجلٍ منكم، فقالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعلٍ، فاصطلح الناس على خالدِ بنِ الوليد الذي حفظ الجيش من الإبادة. وأطلع الله رسوله الأمين صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ذلك من يومه، فصعد المنبر وأمر فنودي: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس إلى رسول الله فقال: "باب خيرٍ، باب خير، باب خيرٍ، أُخبركم عن جيشكم هذا الغازي:

إنهم انطلقوا فلقوا العدوّ فقُتل زيدٌ شهيدًا - واستغفر له - ثم أخذ اللواء جعفرٌ فشدّ على القوم حتى قُتل شهيدًا - واستغفر له - ثم أخذ اللواء عبدُ الله بن رواحة فأثبت قدميه حتى قُتل شهيدًا - فاستغفر له - ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد"، ثم قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "اللهم إنه سيفٌ من سيوفك فأنت تنصره"، فسُمي خالدٌ رضي الله عنه من ذلك اليوم: "سيفَ الله". وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حقّ جعفر: "إنّ الله أبدله بيديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء".

ولما دنا الجيشُ الإسلامي من دخول المدينة المنورة تلقّاهم المسلمون ورسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مقبلٌ مع القوم على دابةٍ فقال: "خذوا الصبيان فاحملوهم وأعطوني ابنَ جعفر" فأُتي بعبد الله بن جعفر فأخذه وحمله بين يديه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

21\25 مختصر السيرة النبوية الطاهرة - صُلْحُ الْحُدَيْبِيَة

حضر سيدنا عليُّ رضي الله عنه الصلح بين النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبين المشركين يوم الحديبية فكتب: "هذا ما كاتب عليه محمدٌ رسول الله" فقال المشركون "لا تكتب رسولَ الله فلو نعلم أنك رسول الله لم نقاتلك" فقال النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعليّ: "امحُهُ" ولكنّ عليًا رضي الله عنه لم يفهم من النبيِّ تحتيم المحو فقال: "ما أنا بالذي أمحوه"، ولو حتَّم محوَه بنفسه لم يجز لعلي تركه ولَمَا أقرَّه النبيُّ على المخالفة، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

"أرني مكانها" فأراه مكانها فمحاها صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيده، ثم كتب عليٌّ "محمدُ بنُ عبدِ الله". ومن جملة ما اشترط المشركون على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنّ من جاء منكم لم نردّه عليكم، ومن جاءكم منا رددتموه علينا. قال العلماء: وافقهم النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في كتابة "محمدُ بنُ عبد الله" وتركِ كتابة رسولُ الله، وكذا وافقهم في ردّ من جاء منهم إلينا دون من ذهب منَّا إليهم للمصلحة المهمة الحاصلة بالصُلح. فالمصلحة المترتبة على إتمام هذا الصلح ما ظهر من ثمراته الباهرة وفوائده المتظاهرة التي كانت عاقبتُها فتحَ مكة، وإسلامَ أهلها كلِّها، ودخولَ الناس في دين الله أفواجًا،

وذلك أنهم قبل الصلح لم يكونوا يختلطون بالمسلمين، فلمّا حصل الصلح اختلطوا بالمسلمين وجاؤوا إلى المدينة وذهب المسلمون إلى مكّة فسمعوا منهم أحوالَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مفصّلة بجزئياتها ومعجزاته الظاهرة وأعلامَ نبوته المتظاهرَة وحسنَ سيرته وجميلَ طريقته وعاينوا بأنفسهم كثيرًا من ذلك فبادرَ قسمٌ منهم إلى الإسلام العظيم قبل فتح مكة فأسلموا بين صلح الحديبية وفتح مكة.

22\25 مختصر السيرة النبوية الطاهرة – فتحُ مكّة

نقضت قريشٌ شرطًا من شروط الحديبية لأنهم أعانوا قبيلة بكرٍ التي دخلت في عهدهم وحمايتهم على خُزاعة التي دخلت في عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ثم إنّ قريشًا أرسلوا أبا سفيان بنَ حربٍ إلى المدينة ليجدد عهد الحديبية لكن لم ينالوا مرادهم. تجهز الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للجهاد وبعث إلى من حوله من العرب ثم سار بالجيش وكان يقارب العشرة ءالاف مجاهدٍ وذلك في رمضان في السنة الثامنة للهجرة. فلما بلغ الخبر قريشًا خرج أبو سفيان وحكيمُ بنُ حزام وبُدَيْلُ بنُ ورقاء يلتمسون الخبر عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لكن قبض المسلمون عليهم وأخذوهم إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأسلم أبو سفيان.

ثم سار الرسول ومن معه، وأرسل خالدَ بنَ الوليد بمن معه ليدخل مكة من أعلاها وأمره أن لا يقاتل إلا من قاتله، ودخل الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أسفلها، فاندفع خالدٌ قاصدًا رجالاً من قريشٍ فقاتلهم وهزمهم. دخل الرسول عليه الصلاة والسلام مكة المكرمة ونادى منادٍ بأمر الرسول عليه الصلاة والسلام: "من دخل المسجد فهو ءامنٌ ومن دخل دار أبي سفيان فهو ءامنٌ، ومن أغلق عليه بابه فهو ءامنٌ". وجاء في الحديث الشريف الذي رواه البخاريُّ في صحيحه أنّ النبيَّ دخل مكة يوم الفتح وحول الكعبة ثلاثَمائة وستين صنم فجعل يطعنها بعودٍ في يده ويقول: "جاء الحقُّ وزَهَق الباطل، جاء الحقُّ وما يُبدِئُ الباطلُ وما يُعيد".