الحمد لله العلي العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم أمّا بعد هذا الدرس متعلقٌ بمعاصى البطن. وهو أحد الجوارحِ السبعة التى سنتكلمُ إن شاء الله تعالى عن المعاصى المتعلقةِ بها، يعنى العينَ والأذنَ واليدَ والرجلَ واللسانَ والفرجَ والبطنَ. فمن معاصى البطنِ أن يأكلَ الإنسانُ أىَّ شىء حرم الله تعالى أكله. والأكل هنا لا يُراد به مجرد الإدخال من الفم إلى البطن إنما يشمَل الانتفاع بما حرمَهُ الله تعالى. مثالُ ذلك: أكلُ مال الربا أي الانتفاع بمال الربا والسرقةِ والغصبِ (أى المال الذى يؤخذ من المسلم بالقوة بغير وجه حق) والمكسِ وما شابه ذلك.
وقد جاء فى الحديث أنّ أول ما يُنْتِنُ من الإنسانِ بطنُهُ فى القبر. فإذا كان هذا مثالُ البطن، فلا ينبغى للإنسان أن يترك بطنَه يسوقُهُ إلى ما حرَّم الله. وقد قال عليه الصلاة والسلام: "كُلُّ لَحمٍ نَبَتَ من سُحتٍ فالنار أَوْلَى به"، رواه البيهقىّ، والسُحتُ يعني الحرام. فأخذُ المال بالحرام وصرفُه فيما حرم الله من كبائر الذنوب. نسأل الله أن يحفظنا من ذلك.
ومن معاصي البطن شُرْبُ الخمرِ والذى يشربُ الخمرَ ما قلَّ منها أو ما كَثُرَ سَكِرَ أو لم يَسْكَر فحدُّه أن يُجْلَدَ أربعينَ جلدةً إن كان حرًا، يعني يَجْلِدُهُ الخليفة أو من يقوم مقامه أربعين جلدة. وأما العبد فحدُّه على النصفِ من حدِّ الحرّ. الله خَفّفَ عنه. وللخليفةِ أن يزيدَ على الأربعين من بابِ التعزير، فله أن يزيد إلى الثمانين إذا رأى مَصلحةً فى ذلك. ومثلُ هذا حصلَ فى زمنِ سيدِنا عمر رضي الله عنه. زاد شُرْبُ الخمرِ بالنسبةِ إلى العصورِ السابقةِ زيادةً كثيرة لكثرة الفتوحات ولكثرة ما دخل فى الإسلام من الناس، فزاد عمر عند ذلك الجلد فى شرب الخمر إلى الثمانين لزجرِ الناس عن ذلك.
والخمر لها تعريف ذكره سيدنا عمر رضى الله عنه فيما رواه عنه البخارى فى الصحيح قال: الخمرُ ما خَامَرَ العقل إهـ.، يعنى الشرابَ الذى يُغَيّر العقلَ ويُعطِى نشوةً وطربًا. فكلّ شرابٍ يُعطِى ذلك كثيرُه أو قليلُه فهو خمر محرمة. لو كان القدر الذى يُسْكِرُ منه ستة عشر رِطلًا فالقليلُ ملء الكف منه حرام، ولو كان المقدارُ القليل لا يُسْكِرُ عادة لأنّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "ما أَسْكَرَ الفَرَقُ منه فَمِلءُ الكَفِّ منه حرام"، رواه أبو داود. والفَرَقُ وعاءٌ كبيرٌ يسعُ ستةَ عشرَ رِطْلًا.
وليعلم أنّ أكلَ النجاسات من معاصِى البطن، كالدَّمِ أى الدم السائل المسفوح وهو الدم الذي يخرج بقوةٍ من البهيمة عند الذبح، ولحمِ الخنزير والْمَيتَة. وكذلك كلُّ ما هو مستقذر. فما استقذَرَه العربُ فى زمنِ النبىِ صلى الله عليه وسلم واستخبثوهُ فلا يَحِلُّ أكلُه وَذَلِكَ كَالْمُخَاطِ مثلا. وَأَمَّا الْبُصَاقُ فَيَكُونُ مُسْتَقْذَرًا إِذَا تَجَمَّعَ عَلَى شَىْءٍ مَثَلًا بِحَيْثُ تَنْفِرُ مِنْهُ الطِّبَاعُ السَّلِيمَةُ أَيْ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الْفَمِ أَمَّا مَا دَامَ فِي الْفَمِ فَلَيْسَ لَهُ حُكْمُ الْمُسْتَقْذَرِ، وَأَمَّا الْبَلَلُ الْخَفِيفُ الَّذِي يَعْلَقُ بِالْخَيْطِ مَثَلًا أَوْ مِلْعَقَةِ الطَّعَامِ وَالسِّوَاكِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ حُكْمُ الْمُسْتَقْذَرِ فَلْيُتَنَبَّهْ لِذَلِكَ. وَالْمُسْتَقْذَرُ هُوَ الشَّىْءُ الَّذِي تَعَافُهُ النَّفْسُ أَيْ تَنْفِرُ مِنْهُ طَبِيعَةُ الإِنْسَانِ. و كذا يحرمُ أكلُ ما يَضُرُّ البَدَن كالسُّم.
ومن معاصي البطن أكلُ مالِ اليتيمِ بغير حقّ والمراد باليتيم هنا من ماتَ أبوه وهو دونَ البلوغ. ومن معاصِى البطنِ أكلُ مالِ الوقف على خلافِ ما شَرَطَ الواقف. والوَقْفُ هو شىءٌ يخرجُهُ الإنسانُ من مُلكِه ويرصُدُه لوجهٍ مُعَـيّن فيه نفعٌ جائزٌ مع بقاءِ عينه أى يُنْتَفَعُ به مع بقاءِ عينِهِ مثلُ بناء مسجد. فإذا وقف بُقعةَ أرضٍ لتكون مسجدًا، معناه أخرجَ هذه الأرضَ من مِلكِهِ وجعلَها مخصصةً للصلاة فيُنتَفَعُ بها فى هذا الأمر من غير أن تذهبَ هذه الأرضُ بالانتفاع بها.
فلا يصح أن يَقِفَ الإنسان طعامًا مثلا يعني لا يصح أن يقول وقَفْتُ هذا الطعامَ للفقراء، لأنَّ انتفاعهم به يكون بأكله فلا تبقى عينُه، فمثل هذا لا يُسمى وقفًا. أمّا لو وُقِفَت أرضٌ لدفن موتى المسلمين، فإنّ هذه المنفعة تتحصل مع بقاء الأرض فيكون ذلك وقفًا صحيحًا. فإذا شرط الواقف مثلًا أن يكون البناءُ الذى وقفه مسجدًا فلا يجوز بعد ذلك لإنسان أن يُلغِىَ الانتفاع به كمسجدٍ ليحوله دارًا لسُكنى الفقراء مثلًا. وإذا وَقَفَ إنسانٌ دارًا لتكونَ مدرسةً للحنفية لا يجوزُ لإنسانٍ أن يحوِلَهَا مدرسةً للشافعية.
ولو وقفَ شخصٌ بُستانًا ليعودَ رَيْعُهُ على ذريتِه لا يجوز لهؤلاء الذريةِ أن يتفقوا فيبيعوه ويتقاسموا المال فيما بينهم، لأنّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "المسلمونَ عندَ شروطِهِم". يعنى أنّ الشروطَ المعتبرة شرعًا لا بدّ من مراعاتها. والحديث رواه البيهقىّ.
وليعلم أنه لو أحرج إنسانٌ إنسانًا ءاخرًا فى موقفٍ مُعَـيّن حتى أعطاه مالًا بغير طيب نفسٍ منه، إنما حياءً، وهو يعرف أنه أعطاه المال حياءً فإنه لا يحلّ للآخذ أن يأكل هذا المال بل ما زال هذا المالُ فى مِلكِ الأوّل، لأنّ رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: "لاَ يَحِلُّ مالُ امرِئٍ مسلمٍ إلا بطيبِ نفسٍ منه" رواه الدارقطنىُّ والبيهقىّ. وفي الختام نسألُ الله تعالى شفاعةَ النبي (العدنان – تُحذَف) عليه الصلاة والسلام والله تبارك وتعالى أعلم وأحكم.
معاصي العين
الحمدُ لله خالقِ الأرضِ والسماء والصلاةُ والسلامُ على سيدِنا محمد خيرِ الأنبياء وعلى ءاله وأصحابِه إلى يوم الجزاء. أمّا بعدُ من معاصِى العينِ أن ينظرَ الرجلُ إلى أى جزءٍ من بدن المرأةِ الأجنبيةِ بشهوةٍ، وكذا بدونِ شهوةٍ إلا الوجهَ والكفين. والمراد بالأجنبيةِ هنا غيرُ المحرم، يعنى غيرَ النساء اللواتى لا يجوز له الزِواج منهن بأيةِ حال، كأمه وأخته وعمتِه وخالتِه وأمِه من الرَّضَاع وجَدَّتِه من الرَّضاع وأُختِهِ من الرَّضاع وبنتِ أختِهِ من الرَّضاع ونحوهن.
وأمّا الوجهُ والكفّانِ فيجوز له أن ينظرَ إليهما إن كان نظرُهُ بغيرِ شهوةٍ. وأمّا مع الشهوةِ فحرام، إلا بالنسبةِ للزوجةِ ونحوِها أى أَمَتِهِ غيرِ المتزوجة. ويفهم من هذا أنّ وجه المرأة ليس عورةً، وهذا إجماع. فلا عبرةَ بقولِ بعضِ المتأخرين الذين زعموا أنّ وجه المرأة عورةٌ فإنّ قولَهم مخالف للإجماع. وقد نقل هذا الإجماعَ أكثرُ من واحدٍ من العلماء منهم القاضى عياضٌ المالكىُّ وابنُ حجر الهيتَمِىُّ الشافعىُّ وغيرُهُمَا.
ويحرُمُ على المرأةِ النظرُ إلى ما بين السرةِ والركبةِ من الرَّجُلِ، سواءٌ كان ذلك بشهوةٍ أم بغير شهوة. وأمّا سائرُ بدَنِهِ فيجوزُ لها ذلك إن لم يكن بشهوة. وما قالَه بعضُ الشافعيةِ من أنها لا تنظرُ منه إلا ما ينظرُ منها فهو قولٌ غير معتمد.
وليعلم أنه يحرُمُ على الرجل أن ينظرَ أيضًا إلى ما بين السرةِ والركبةِ من رجل ءاخر. والمرأةُ مع المرأةِ كذلك. وأما أمام الكافرةِ فلا تكشِفُ المسلمةُ إلا ما يظهرُ منها عادة عند العمل فى البيت، يعني كالشعر والساعد والقدم والرقبة ونحو ذلك. وليس لها أن تكشِفَ فَخِذَهَا أمامَها ولو كانت عادتُها هى أن تلبَس سراويل قصيرة عند العمل فى البيت، بل ليس للمرأة أن تكشِفَ فخذها حتى أمام أُمّـِهَا وأُختِهَا ونحوهما.
ويحرُمُ على الرجُلِ والمرأةِ كشفُ السوأَتَينِ فى الخَلوةِ لغيرِ حاجَةٍ. يعني لا يجوز للشخص أن يكشِفَ سوأَتَيهِ إذا كان خاليًا من غير حاجة. فإذا كان وحدَه فى البيت ليس معه أَىُّ إنسان ءاخر لا يجوز له أن يكشف سوأتيه إلا لحاجة، ولو لم يكن يراه أحدٌ ءاخر. ومقتضى ذلك أنه يجوز له أن يكشِفَهُمَا فى الخلوة للحاجة كأن يريد التبرد أو تغيير الثياب أو الاغتسال أو ما شابه ذلك.
ومن معاصي العين النظرُ بالاستحقارِ إلى المسلمِ. و من معاصى العين أن ينظر الإنسانُ إلى داخل بيتِ الغير بغير إذنه مما يتأذى ذلك الغيرُ عادةً لو نظرَ الإنسانُ إليه. وذلك كأن يكونَ صاحبُ الدارِ مكشوفَ العورة أو أن يكونَ أحدُ أهلِهِ مكشوفَ العورَةِ. وكذلك لو أخفَى إنسانٌ شيئًا يتأذّى باطّلاع غيره عليه، حرامٌ على ذلك الغير أن يَطَّلعَ عليه بغير إذنه. والله تبارك وتعالى أعلم وأحكم نسأل الله تبارك وتعالى أن يكرمنا بما يكرم به عباده الصالحين والحمد لله رب العالمين.
0046 5-1 *معاصي اللسان*
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي العربي الأميّ الأمين وعلى آله وأصحابه إلى يوم الدين. أما بعد نبدأُ الآن إن شاء الله ببيانِ معاصى اللسان. وهى أكثرُ المعاصِى التى يفعلُها ابنُ ءادم كما ثبتَ فى الحديث: "أكثرُ خطايا ابنِ ءادَمَ مِنْ لِسَانِهِ". والحديث صحيح رواه الطبرانى عن عبد الله بنِ مسعود عن سيدنا وحبيبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن محرمات اللسان الغيبة. والغيبةُ كما عَرَّفَها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم هى أن تقولَ عن مسلمٍ فى خلفِهِ كلامًا لا يحبُ أَنْ يقالَ عنه مما فيه ذمٌّ أى مما فيه نسبةُ نقصٍ إليه مما هو فيه. ومثالُ ذلك أَنْ يقولَ الشخصُ عَنْ ءاخر: فلانٌ قصيرٌ، أو فلانٌ سَىّءُ الخُلُقِ، أو فلانٌ وَلَدُه قَليلُ الأدبِ، أو فلانٌ لا يرى لأحدٍ فَضْلًا، أو فلانٌ تحكمُهُ زوجتُه، أو فلانٌ كثيرُ النومِ أو كثيرُ الأكلِ، أو وَسِخُ الثيابِ، أو بيتُهُ غيرُ مرتبٍ، وما شابه ذلك.
فلو تَعَلَّقَتْ مثلُ هذهِ الألفاظِ بنفسِ المسلمِ الآخرِ أو بأحدٍ من عائلتِهِ أو ببيتِهِ أو بثوبِهِ أو بنحوِ ذلك فهى غيبةٌ محرمةٌ. لكنَّ قِسمًا من مثل هذه الألفاظِ قد تُستعملُ أحيانًا للمدحِ فلا تكونُ غيبةً كأَنْ يقالَ أثاثُ بيتِ فلانٍ عتيقٌ ويرادُ بذلك وصفُهُ بالزهدِ وعدمِ التعلقِ بالدنيا. فهنا لا يكونُ هذا ذمًّا بل يكونُ مدحًا فلا يكون حرامًا.
والغيبةُ قد تكونُ كبيرةً وقد تكونُ صغيرةً. فإذا كانَ الْمُغتابُ -أى الشخصُ الذى يُغْتابُ أى يُتَكَلَّمُ عنه بالغيبةِ- تقيًا فغيبتُه كبيرةٌ. أما إذا كانَ الْمُغْتَابُ فاسقًا فلا تعتبرُ غيبتُه كبيرةً، إلاّ إذا وصلَ الأمرُ إلى حدِّ التفاحشِ بغيبتِه بحيث يغتابُهُ كثيرًا فهنا تصيرُ كبيرةً، لأنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "إِنَّ مِنْ أَربَى الرّبَا اسْتِطَالةَ الرجلِ فى عِرْضِ أَخِيهِ المسلمِ". ومعنى الاستطالةِ أَنْ يكثرَ من ذمّهِ، فيكون هذا ذنبًا كبيرًا والعياذ بالله تعالى.
والحديث رواه أبو داود. كلُّ هذا إذا كانَ الكلامُ الذى يقالُ فى ذَمِّ ذلكَ المسلمِ فيه. فإن كان كذبًا فالمعصيةُ أشدُّ، وتسمى البهتانَ. وكما يحرمُ أن يتكلمَ الشخصُ بالغيبة يحرمُ عليه أن يسكتَ عن إنكارها مع القدرة. وأما التحذيرُ من أهلِ الفسادِ والغِش فلا يدخُلُ تحت الغيبة المحرَّمة، وإنما يدخلُ فى بابِ الغيبةِ الواجبةِ. وذلك مثلُ أنْ يَعْرِفَ أنّ عاملًا يعمل عند شخص ويخونُه، فهنا لا بدّ أن يُبَـيّن لصاحب العمل. كذلك لو عَرَفَ أنّ إنسانًا يتصدّرُ للتدريس وهو ليس أهلًا ففى هذه الحال لا بدّ أن يُحذّر منه.
ومن معاصي اللسان النَّميمةُ، ومعناها أن ينقل كلامًا بين اثنين من واحدٍ لآخر ومن الآخر للأول وهكذا حتى يُفْسِدَ ما بينهما. فهذا حرامٌ من الكبائر. وقد صحّ فى الحديث "لا يدخُلُ الجنةَ قَـتَّات" والقتات النمّام. يعنى لا يدخُلُها مع الأولين، إنما يدخلُها بعدَ عذابٍ مع الآخِرين، والحديث فى البخارى وغيرِه. والنميمةُ من أكثرِ أسبابِ عذابِ القبر. ومثلُ النميمةِ فى تسبيبِ عذاب القبر بعضُ الذنوب الأخرى كالغيبة وعدمِ التنـزهِ من البول.
ومن معاصي اللسان التحريشُ بين اثنين بقولٍ أو بغير نقلِ قولٍ بينهما. أى إن حرّك كلًا منهما حتى يعادِىَ الآخرَ ويخاصِمَهُ ويؤذيَهُ. وكذلك التحريش بين البهائم حرام، مثل أن يحرّش بين دِيكين أو جَدْيَيْنِ ليتقاتلا، فإنّ هذا حرام لا يجوز فى شرع الله، ولو لم يصاحِبْهُ رهانٌ على مال.
ومن معاصي اللسان الكذبُ، والكذب معناه أن يخبر الإنسانُ عمدًا بما يَعْلَمُ أنه خلافُ الواقع أى وهو يعرف أنّ الواقع غيرُ ذلك. هذا هو الكذب المحرَّم. أما إن لم يكن يعلم أنّ الأمرَ على خلاف ما هو أخبر بل اعتقد أنّه الواقع فهذا ليس الكذب المحرّم. والكذبُ معصيةٌ سواءٌ كان فى جِدٍّ أو فى مزح. وهو مراتبُ منه ما يَبْلُغُ درجةَ الكفر، ومنه ذنبٌ كبير دونَ الكفر، ومنه ما هو من صغائر الذنوب. والله تبارك تعالى أعلم وأحكم والحمد لله رب العالمين أوّلا وآخرا وأبدا.
0047 5-2 *معاصي اللسان*
الحمدُ لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله وعلى ءاله وصحبه ومن والاه. أمّا بعد فإنّ من معاصى اللسان اليمينَ الكاذبةَ وهى من كبائر الذنوب. ويقال لها اليمينُ الغَمُوسُ، لأنها تغمِسُ صاحبَهَا غَمْسًا فى الذنب. وأمّا إذا حلف الشخص باللهِ أو بصفاتِهِ وهو صادق فلا إثم فى ذلك. أمّا إن حلف صادقًا بغيرِ الله تعالى كأن حلف بالنبىّ أو بالكعبة فقد اختلف علماء الأمّة فى ذلك. منهم من قال-كالشافعى-مكروه كراهة شديدة ولا يصل إلى درجة الحرمة. ومنهم من قال-كالإمام أحمد-هو حرام. واليمينُ الكاذبة عُدت من كبائر الذنوب لأنّ تَجَرُّءَ الإنسانِ على أن يَحْلِف بالله مع كونه كاذبًا أى تَجَرُّؤَهُ على أن يوردَ اسمَ الله أو صفةً من صفات الله فى الحلف الكاذب فيه تهاونٌ فى تعظيم الله عزّ وجلّ، ولذلك هى من كبائر الذنوب.
وليعلم أنّ من معاصى اللسان قذفَ المسلمِ بالزنى، سواء كان ذلك صريحًا أو كناية بنية. مثال ذلك أن يقولَ شخصٌ لآخر يا زاني ، أو أن يقول له يا ابن الزانى أو يا ابن الزانية، أو أن يقول له يا لائِطُ، وكلّ هذا صريح. كذلك لو قال له يا فاجرُ ونيتُه بكلمةِ فاجر نسبَتُهُ إلى الزنا فهذا أيضًا قذف، أو قال له يا فاسق ومرادُه نسبته إلى الزنا فهذا أيضًا يُعَدُّ قذفًا. والقذفُ من كبائرِ الذنوب وفيه الحدُ أى فيه عقوبةٌ مبينةٌ ومحددةٌ فى شرع الله تعالى.
أما لو عَرَّضَ تعريضًا به فهذا وإن كان حرامًا فلا حَدَّ فيه. وذلك كأن يقولَ بقصدِ أن يطعن به: يا ابن الحلال ونيتُه عكسُ ذلك، أو كأن يقول: أما أنا فلستُ بزانٍ ونيتُه أنك أنت زاني. هذا يقال له تعريض وهو حرام، لكن لا حَدَّ فيه فكلّ ما مَرّ من القذف هو ذنب كبير لكن فى الحالة الأخيرة لا حدَّ فيه إنما فيه التعزير، أى عقوبةٌ يراها الحاكمُ مناسبةً لزجره.
وَيُحَدُّ القاذفُ الحُرُّ ثمانينَ جلدةً بالسوط، هذا إذا كان القاذف حرًا فحدُّه ثمانونَ بالإجماع. وأما العبدُ فحدُّه على النصفِ من ذلك أى أربعونَ جلدة.
ومن معاصي اللسان سبُّ الصحابة. فإنْ سَبَّهُمْ شخصٌ كُلَّهُمْ أى إن شَمَلَهُم كلَّهم بالسب والاستهزاء فهو كافر، لأنّه بهذا يهدِمُ دين الله، لأنّ أحكام الدين ما وصلتنا إلا من طريقهم. فالذى ينسب إليهم كلّـهِم عدمَ العدالة يكون مُؤَدَّى كلامه رفعَ الثقة بالشرع الذى نقلوه وتكذيبَ ءاياتِ القرءان وهذا كله كفر. وقد قال الله تعالى عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتّبعوهم بإحسان: رضى الله عنهم ورضُوا عنه . فمَن زعم أنّ كلَّ الصحابةِ مذمومون فقد كذَّب هذه الآية.
أمّا الذى يشتُمُ واحدًا من أتقياءِ الصحابة فهو ءاثمٌ بلا شك. وليس من الانتقاصِ للصحابةِ أن يقال إنّ من قاتل عليًا كان باغيًا. وذلك لأنّ بعضَ الصحابة وقفوا فى صفِّ مَن قاتل عليًا، والإمامُ علىّ كان خليفةً راشدًا واجبَ الطاعة. فمن خرج عن طاعته وقاتله فهو ءاثم، وذلك مثلُ معاويةَ بنِ أبى سفيان فإنّه بَغَى بقتاله للإمامِ علىّ. وقد نبَّهَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلى هذا الأمرِ قبلَ حصولِهِ بقوله: "ويحَ عمارٍ تقتُلُهُ الفئةُ الباغيةُ، يدعوهُم إلى الجنةِ ويدعُونَه إلى النّار"، وهذا حديثٌ صحيحٌ بل
القسم الأول منه – أي إلى قوله عليه الصلاة والسلام، الباغية - متواترٌ رواهُ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم نحو عشرينَ منَ الصحابةِ ومنهُم معاويةُ نفسُهُ. ثم قُتِلَ عمّار فى صِفّـِين قتَلَهُ جنودُ معاوية. فإذا قال إلانسانُ بأنّ من حاربوا سيدَنا عليًا كانوا بغاةً فهو إنما يقولُ ما قاله سيدنا رسول الله ، ولا حرجٍ فى ذلك. والله تعالى أعلم وأحكم نسأل الله تعالى أن يفقهنا في أمر ديننا والحمد لله رب العالمين.
0048 5-3 *معاصي اللسان*
الحمد لله مكوّن الأكوان الموجود أزلا وأبدًا بلا مكان، أما بعد نتابع الكلام في معاصي اللسان فنقول متوكلين على الله إنّ من معاصى اللسانِ شهادة الزور. والزورُ معناه الكذب وهو أكبر الكبائر أي شهادة الزور من أكبر الكبائر. بل إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم شبّهَها بالشرك من عُظْمِهَا من غير أن تكون كفرًا.
ومن معاصي اللسان مطلُ الغَنِىِّ، أى تأخيرُ دفعِ الدّيْنِ مع غِناَهُ أى مقدِرَتِهِ وهو من جملةِ معاصِى اللّسان لأنّه يتضمّنُ الوعدَ بالقول بالوفاء أى يَعِدُهُ أنه يَفِى له ثم يُخْلِفُ. فمن هذه الحيثية له علاقة باللسان، فمَن فعلَ ذلك جازَ للحاكم أن يعاقبه حتى يفِىَ بالدّين وأن يُحَذَّرَ منه، وذلك لحديث أبى داود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَىُّ الواجدِ مَطْلٌ يُحِلُّ عِرْضَهُ وعُقُوبَتَهُ". والواجد يعنى الذى عنده ما يدفَعُ به الدَين، واللَّىُّ يعنى المطل والتأخير. يعنِى إذا كان يستطيع السَّدَاد وحان الأجل فَتَمَنَّعَ عن دفع الدَين جاز أن يُذَمّ للتحذير منه وحلَّ أن يُعاقَب أى بالحبسِ والضرب ونحو ذلك.
ومن معاصي اللسان شتمُ المسلم بغيرِ حق، وهو ذنبٌ كبيرٌ ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه فُسُوق، كما روى ذلك مسلم. ومثل ذلك لعنُهُ من غير عذرٍ شرعىٍ، فإنّ رسول الله عليه الصلاة والسلام شبَّهَهُ من عُظْمِهِ بقتل المسلم بقوله صلى الله عليه وسلم: "لَعْنُ المسلمِ كَقَتْلِهِ" رواه مسلمٌ وغيره. وأما لعذر شرعى فهو جائز وذلك إذا كان فاسقًا للتحذير منه أو لزَجْرِهِ عن معصيتِه.
ومن مِنْ جُملةِ معاصِى اللسانِ الاستهزاءُ بالمسلمِ أى التحقيرُ له. وكذلك كلُّ كلامٍ مؤذٍ له أى بغيرِ حقٍ. ومثل الكلام المؤذى للمسلم الفعلُ والإشارةُ اللذان يتضمنانِ ذلك. فقد يُهينُ الشخصُ شخصًا ءاخرَ بمجرد الإشارة بيده أو برجله فيكسر قلبه بذلك، هذا مثل الكلام المؤذى حرام.
و من معاصى اللسان الكذِبُ على الله عزّ وجلّ وهو من كبائرِ الذنوب. ومثل ذلك فى كونِه كبيرةً الكذبُ على الرسول صلى الله عليه وسلم. ثم هذا الكذب قد يَصل إلى درجةِ الكفر وقد لا يصل. وذلك مثلُ الذين كذَبُوا على الله فزَعَمُوا أنّ الملائكةَ بناتُ الله، هذا كذبٌ على اللهِ وهو كفرٌ. ومثلُ ذلك فى كونه كفرًا مَنْ يَضَعُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم قولًا يعلمُ أنَّ فيه تكذيبٌ لشريعةِ الرسول. وقد جاء فى الزَّجْرِ عن الكذبِ على الرسول عليه الصلاة والسلام حديثٌ متواتِرٌ رواه البخارىُّ وغيرُه:
"مَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمّـِدًا فَليَتَبَوّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النار". وهذا زجرٌ بَلِيغٌ عن الكذبِ على الرسول عليه السلام حتى لو كَذَبَ الإنسانُ لترغيبِ الناسِ فى فعلِ طاعة فهو كبيرةٌ من الكبائر، مثلُ أن يقولَ "قال رسولُ الله من صلَّى صلاة الوتر فله كذا وكذا من الثواب" هذا حرام، وهو يعرف أنّ الرسول ما قال هذا الكلام. فهذا من كبائر الذنوب والعياذ بالله .
ومن معاصى اللسانِ الطلاقُ البدعىّ. وهو أن يطلّـِقَ زوجتَهُ وهى فى الحيض أو فى النفاس، أو أن يُطَلّـِقَها فى طُهْرٍ جامعَهَا فيه أى أن يُطلّـِقها بعد أن جامعها فى طهر قبل مُضِىِّ ذلك الطُّهر. هذا هو الطلاقُ البِدعِىُ وهو حرامٌ لكنّه يقع. فالطلاقُ ثلاثةُ أنواع: سُنّـِى؛ وبِدْعِى؛ ولا ولا، يعنى لا سُنىٌّ ولا بدعىٌّ هذا معنى لا ولا.
* النوعُ الأول أى السنىّ ومعناه الذي لا معصية فيه هو أن يطلقَ زوجته فى طهرٍ لم يجامعها فيه.
* والنوعُ الثانى أى البدعى هو ما تقدّم شرحُهُ.
*والثالث هو لا ولا أى لا سُنّىّ ولا بدعِىّ وهو طلاقُ الصغيرة التى لم تحِض بعد أو الآيِس التى انقطع عنها دمُ الحيضِ أو الحامل. وقولنا "سُـنّى" لا يعنِى أنّ له ثوابًا فى الطلاق على الإطلاق، إنما المعنى أنه وافَقَ الحال التى أذِنَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن يوقَعَ الطلاق فيها.
والله أعلم وأحكم. نقف هنا الآن ونتابع إن شاء الله ما بدأنا به في حلقة مقبلة فتابعونا وإلى اللقاء.
0049 5-4 *معاصي اللسان*
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدِنا محمد رسول الله أمّا بعد ليعلم أنّه يحرم إذا قَرَأَ الشخصُ القراءنَ أن يَلْحَنَ فيه أى أَن يُغَيّر فى القرءان بأن يغير لفظَ الكلمة عمّا أُنزلت عليه، سواء كان هذا اللَّحن يُغيّر المعنى أو لا يغير المعنى. ولذلك ينبغى للشخص أن يقرأَ القرءانَ على معلّم يُحْسِنُ القراءةَ قبلَ أن يقرأ وحدَه.
ومن معاصى اللسان أن يَشْحَذَ الإنسانُ المكتَفِى. وفى صحيح البخارى أنّ الذى يفعلُ ذلك يأتِى يومَ القيامةِ وليسَ على وجهِه مَزْعَةُ لَحْم، وذلك لأنّه أَرَاقَ ماءَ وجْهِهِ فِى الدُّنيا بالشّـِحاذَةِ فكان عقابُه يومَ القيامة مناسبًا لذلك. يومَ القيامة هذا الوجه الذى قابلَ به الناس ليشحذَ منهم موهمًا إياهم أنّه محتاج مع كونِه عنده الكفاية لا يكونُ عليه مزعةُ لحم. أمّا مَن كان من أَهْلِ الفَقْرِ وليس له سبيل ليكفىَ حاجاتِهِ إلا بالسؤال فسأل فلا إثم عليه. وإن صبرَ وتَعَفَّفَ فهو خيرٌ له فإنّ الله مدح فى القرءان فقراءَ المهاجرين الذين كان الناسُ يحسَبونَهُم من التعفُّف أغنياء.
ومن معاصى اللسان أن ينذُرَ الرجلُ نذرًا يقصد به أن يَحرِم وارثه. كأن ينذر ماله قبل الوفاة لشخص غيرِ الوارثِ ويُشْهِدَ على ذلك ليطالبَ هذا الشخصُ بالمال عند وفاة صاحب المال مستعينًا بالشهود ليحكمَ له القاضى بذلك، ويكون قصدُ صاحب المال من هذا الأمر حرمان الوارث. فلو وقع ذلك من شخص لم يصحَّ ذلك النذر. ومثله أن ينذر أموالَه لبناته لأنه ليس له أولادٌ ذكور حتى لا يرث إخوتُه من هذا المال مثلًا، فإنّ هذا حرام والنذر غير ثابت.
ومن معاصى اللسان أن يخطِبَ الرجل على خِطبة أخيه أى أخيه فى الإسلام. وإنما يحرم ذلك بعد الإجابة ممن تُعتبر منه من وَلِىٍّ مُجْبِر أو غير مجبر بدون إذن الأول، أى لو أجاب الولىّ أو مَن تُعتَبر منه الإجابة بقبولِ الخطبة يحرم أن يخطِبَ شخصٌ ءاخر يعلم بهذا الأمر نفسَ المرأة بدون إذن الخاطب الأول. فأما إن أذن الأول فلا حرمة فى ذلك. وكذلك إن أعرض الأول أى غيَّرَ رأيَهُ ولم يَعُد يريد الزواج منها فهنا تزول الحرمة. وإنما حرّمت الخِطبة على خِطبة أخيه لِمَا فى ذلك من الإيذاء والقطيعة.
و من معاصى اللسان أن يُفتىَ الشخص بفتوى بغير علم. فمن أفتى فإن كان مجتهدًا أفتى على حسب اجتهاده، أى إن تَحَلَّى بصفات المجتهد، ومنها أن يكون حافظًا لآيات الأحكام، وأحاديث الأحكام، عارفًا بلغة العرب والمطلق والمقيّد والعام والخاصّ والناسخ والمنسوخ، وأن يكون مسلمًا مجتنبًا للكبائر غيرَ مُصِرٍّ على الصغائر محافظًا على مروءة أمثاله، وأن يكون وَقّاد القريحة. فمثلُ هذا إن أفتى يُفتِى على حسب اجتهاده. فإذا لم يكن الشخص مجتهدًا اعتمد على فتوى إمام مجتهد.
فمن سُـئِلَ عن مسألة ولم يكن عنده علم بحكمها فلا يُغْفِلْ كلمة لا أدرى، فقد جاء عن مالك رضى الله عنه أنه سُئِلَ ثمانية وأربعين سؤالًا، فأجاب عن ستة وقال عن البقية: لا أدرى، روى ذلك عنه صاحبه هيثم بنُ جميل. ورُوِىَ عن سيدنا عَلِىّ أنه سُئِلَ عن شىء فقال: وابَرْدُهَا على الكبدِ أن أُسْأَلَ عن شىءٍ لا علم لى به فأقول لا أدرى، رواه الحافظ ابن حجر فى تخريجه على مختصر ابن الحاجب الأصلىّ. وقد رَوى إمامُنا الشافعىّ رضى الله عنه عن مالك عن محمد بن عجلان قال:
إذا أغفَلَ العالِمُ لا أدرِى أُصيبت مقاتِلُه إهـ. ولا عبرةَ بفتاوى كثيرٍ من الناس بقولهم "رأيُنا كذا وكذا" وهم لم يصلوا إلى درجةِ الاجتهاد المطلق ولا إلى درجة أصحاب الوجوه فى المذهب. فإنه إذا كان بعضُ أقوال بعضِ المجتهدين لا تُعتبر لمخالفَتِها النصوصَ الصريحة فكيف بقولِ ورأَىِ من لم يبلُغ درجة الاجتهاد ممن تَسَوَّرَ مرتَبَةً ليس هو أهلًا لها. نسأل الله أن يحفظَنا من ذلك. والله تعالى أعلم وأحكم. نقف هنا الآن ونتابع ما بدأنا به إن شاء الله تعالى في حلقة مقبلة إن شاء الله فتابعونا وإلى اللقاء.
0050 5-5 *معاصي اللسان*
الحمد لله ذي العزّ المجيد والصلاة والسلام على سيدنا محمد ذي النهج الرشيد وعلى آله وصحبه إلى يوم الحساب الأكيد. أما بعد نتابع الكلام في معاصي اللسان فنقول متوكلين على الله إنّ من معاصى اللسان تعليمَ الشخصِ لغيره كلَّ علم مضر شرعًا كالسحر وما شابه ذلك، كعلم التنجيم الذى فيه الحكمُ على الأمور التى تحصلُ مستقبلًا بناءً على النظر فى النجوم، فإنه أيضًا حرام.
و من معاصى اللسانِ أن يحكم الحاكمُ بحكمٍ مخالفٍ لشرعِ الله تعالى وهو من كبائر الذنوب. ولا يصل إلى حدّ الكفر إلّا إذا زَعَمَ فاعِلُهُ إنّ هذا الحكمَ أفضلُ من حُكْمِ الله أو مساوٍ له. ومن هنا يُعلَم أنّ ما قالَه سيدُ قُطبٍ من تكفيره الحكّامَ فى بلاد المسلمين لأنهم يحكمون بغير الشرع ومن تكفير الرَّعيّة لأنهم لا يثورون على هؤلاء الحكّام هو باطلٌ مخالفٌ لدين الله تعالى. ولم يوافق سيدُ قطب فى هذا الكلام أحدًا من أئمةِ أهل السُّنة، إنما سَلَفُهُ طائفةٌ من طوائفِ الخوارج يقال لها البَيْهَسِيَّة، وكفى بالمرء خُسرانًا أن يكون ذَنَبًا للخوارج والعياذ بالله.
ومن معاصى اللسانِ النّدب. والندب معناهُ ذكْرُ محاسن الميت برَفْعِ الصوت مع الصُّراخ مثل وَاكَهْفَاه (يعنِى يا مَلْجَئِى) وما شابه ذلك. خطاب الميت بهذه الطريقة التى فيها رفع الصوت مع ذكر محاسنِه هو الندب وهو حرام. والنياحةُ هى الصّياح على صورةِ الجَزَع أى فُقدان الصبر لأجل مصيبة الموت هذا هو النياحة. فإذا زيد على ذلك نَشْرُ الشعرِ وتمزيقُ الثّياب كان زيادةً فى الإثم أى إن كان عنِ اختيارٍ لا عن غَلَبة.
ومن معاصي اللسان كلُّ قول يحثُّ على مُحرَّمٍ أو يُفَتّـِرُ عن واجب، وكلُّ كلامٍ يقدح فى الدِّين أو فى أحدٍ من الأنبياء أو فى العلماء أو القرءان أو فى شىءٍ من شعائر الله.
ومن معاصى الفم التزميرُ أى الضربُ بالمزمار بكافة أنواعه، ما يُستعملُ فى الحروب وما يُستعمل فى البوادى وما يُستعمل فى الأعراس وغيرُ ذلك، قال القرطُبِىُّ:لم أسمع عن أحد ممن يُعْتَبرُ قولُه أنه يُبيحُ الْمِزْمَار إهـ. فما قاله بعضُ الشافعيةِ وبعضُ الحنفيةِ فى حِلِّ ذلك هو قولٌ شاذٌ لا يُلتفتُ إليه.
ومن معاصى اللسان السكوتُ عن الأمرِ بالمعروف والنهىِ عن المنكر بلا عذر شرعىّ. يعنى أن يسكت عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وهو ءامِنٌ على نفسه ونحو ماله معَ قدرته على الأمرِ أو الإنكارِ. فإذا تعـيَّن الأمرُ والنهىُ عليه ثم لم يأمُر ولم ينهَ فهو ءاثم. فإن كان فرضَ كفايةٍ وقام به غيرُه بحيث سُدَّت الكفاية فلا إثم عليه. وهنا ينبغى الانتباهُ إلى أمرٍ مهمٍ وهو أنه يُنْكَرُ الْمُجْمَعُ على كونه منكرًا.
وأما المختلفُ بين أهلِ الاجتهاد فى كونه منكرًا فلا يُنكر على من يعتَقِدُ حِلَّهُ، إنما يجوز أن يُقَالَ له "خيرٌ لك أن لا تفعل هذا الأمر"، لكن لا يُقَالُ له "أنت ءاثم بما تفعل" لأنّ الأمر مختلفٌ فيه فيجوز له أن يقلّدَ هذا المجتهد كما يجوز له أن يقلّدَ ذاك المجتهد. إنما يُنكَر المنكرُ الْمُخْتَلَفُ فيه على من يفعلُه وهو يعتَقِدُ حُرمَتَهُ. وتركُ الأمرِ بالمعروف والنهىِ عن المنكر كبيرةٌ من الكبائر.
ومن معاصى اللسان أن تعرِفَ طالبًا يطلُبُ منك أن تدرّسه الفرضَ العينىَّ من علم الدين ثم مع ذلك تهمل هذا الأمر، لا تطلب من غيرك أن يُدَرِّسَهُ ولا أنت تُدَرِّسُهُ. هذا ذنبٌ من معاصى اللسان.
ومن معاصى الفَم الضَحكُ على مسلم إذا أخرج الريح، أى إذا لم يكن الضاحكُ مغلوبًا أى إذا لم يخرج منه الضحكُ بغير إرادته. لأنّ الضحك على المسلم لأجل أنه أخرج الريح يكسِرُ قَلْبَهُ فهو حرام. ومثله أَىُّ ضَحِكٍ فيه إيذاء للمسلم، كما لو ضحك استحقارًا له.
وليعلم أنَّ من جملةِ معاصى اللسان كتمَ الشهادةِ الواجبةِ التي فيها إحقاقُ حق أو إبطالُ باطل. وذلك فيما إذا طَلَبَهُ القاضى للشهادَةِ، فأمّا إِنْ لم يطلُبْه القاضى للشهادة فليس له أن يُبادرَ ليشهد، وذلك لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذَمَّ الذين يشهدون قَبْلَ أن يُسْتَشْهَدُوا كما روى الترمذىُّ وغيره. وهذا فى غيرِ شهادَةِ الحِسْـبَة، مثلَمَا إذا عرَفَ شخص أنّ رجلًا ءاخر طَلَّقَ زوجَتَهُ طلاقًا بائنًا بالثلاث بحيث لا تَحِلُّ له بعد ذلك وهو مع ذلك ما زال يعاشرُها. فى هذه الحال لو لم يُرْفَع عند القاضى دعوى يجوز له أن يذهبَ إلى القاضى فيشهد و يقول له الحال كذا وكذا أنا أشهدُ على ذلك. هذا يقال له شهادةُ الحِسْبَة. أما فى غيرِ نحو ذلك فلا يفعل إلا إذا طلبَه أحدُ الخصمين فيشهد عند ذلك.
ومن معاصى اللسان تركُ ردِّ السلام الواجب عليك عَيْنِـيًا ردُّه، وذلك بأن يصدُرَ ابتداءُ السّلام من مسلمٍ مكلف على مسلمٍ بعينه، ففى هذه الحال لا بدّ من رد السلام عليه. وبقولنا مسلم أخرجنا الكافر فلا يجبُ ردُّ السلام عليه بل يَحْرُمُ. فإذا قال الكافر السلام عليكم يحرم أن يقال له: وعليكم السلام. وبقولنا المكلف أخرجنا غيرَ المكلّف فلا يجب ردُّ السّلام على المجنون مثلا، ولا يجبُ ردُّ السلام على الطفل الذى لم يبلغ بعد.
أما لو صَدَرَ السّلامُ من مسلمٍ على جماعةٍ مكلفين فرَدُّه فرضُ كفاية فلو ردّ البعضُ منهم سقط الحرجُ عن الباقين. ولو سلَّمت شابةٌ على أجنبىّ لم يجب الردُّ عند ذلك، وإن كان جائزًا ليس حرامًا. وما ذكره بعض المتأخرين من إطلاق تحريم ابتداء الرجلِ المرأةَ بالسلام أو بالعكس فليس بجيدٍ أى أنّ إطلاقَهُم هذا الأمرَ ليس بجيد. وقد ثبت أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم سَلّمَ على بعضِ النسوَةِ، كما روى ذلك أبو داود وغيره. وفي الختام نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفّقنا لما يحب ويرضى والحمد لله رب العالمين.
