الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد طه الأمين أما بعد ننتقل اليومَ للحديث عن نبيِ الله عيسى ابنِ مريم عبدِ الله ورسولِـه عليه الصلاة والسلام. وذُكر عيسى عليه السلام في ثلاثَ عشرةَ سورةً من القرءان الكريم، وفي ثلاثٍ وثلاثينَ ءايةً منـه. وهو عبدُ اللهِ ورسولُهُ عيسى ابنُ مريم بنتِ عمران وهو ءاخرُ أنبياءِ بني إسرائيل عيشًا في الأرض. سيدُنا عيسى عليه الصلاة والسلام عبدٌ من عبادِ الله خلقَهُ الله تعالى وصَوّرَهُ في الرحم كما صوّرَ غيرَه مِن البشر، وقد خلقَه تعالى من غيرِ أبٍ كما خلق ءادمَ من غير أبٍ وأم.

وأمُ نبي الله عيسى عليه السلام هي مريمُ بنتُ عمران من سلالةِ نبي الله داود عليه السلام، الصّديقةُ الوليةُ البتول العذراءُ الطاهرة التي تربّت في بيتِ الفضيلة وعاشَت عيشةَ الطُهرِ والنزاهةِ والتقوى، وقد أثنى الله تبارك وتعالى عليها في القرءانِ الكريم في مواطِنَ عديدة. وقد كان والدُ مريم عليها السلام عِمــران رجلًا صالحًا عظيمًا وعالِمًا جليلًا من علماءِ بني إسرائيل، وكانت زوجتُه عاقرًا لا تلد واسمُها "حِنّة" وهي من العابدات، وكان زكريا نبيُ الله زوجَ أختِ مريـــم في قول الجمهور.

وقد نذرت حِنّة لله تعالى إن حملت لتجعلَنَّ ولدَهـا مُحررًا لله أي خالصًا لخدمة بيت المقدس، فاستجاب الله عزّ وجلّ دعاءها فحملت بمريمَ عليها السلام. ونشأت الصّديقةُ الوليةُ مريمُ عليها السلام نشأةَ طهرٍ وعفاف وتربّت على التقوى تؤدّي الواجبات وتكثر من نوافل الطّاعات، وعاشت في جــوار بيتِ المقدس، وقد وصفَها الله تعالى في القرءان الكريم بالصدّيقة، وكانت الملائكةُ تأتي إلى مريمَ عليها السلام وتزورُها، إلى أن جاءت إليها في وقتٍ وبشّرتها باصطفاءِ الله تعالى لها من بين سائرِ النساء وبتطهيـرِها من الأدناسِ والرذائل، وبشّرتها كذلكَ بمولودٍ كريمٍ يكونُ له شأنٌ عظيـمٌ في الدنيا والآخرة ويكلّمُ الناسَ صغيرًا في المهدِ ويكونُ كَهْلًا ومِن الصالحين،

يقول الله تعالى في القرءان الكريم: {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ}. هكذا نصل إلى نهاية حلْقتِنا لهذا اليوم. مُلتقانا يتجدّدُ بإذنِ الله مع تِتمة قصةِ عيسى عليه السلام في الحلقةِ المقبلة فتابعونا وإلى اللقاء.

2\12 قصة سيدنا عيسى عليه السلام

الحمد لله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد والصلاة والسلام على سيدنا محمد الداعي إلى الرَشَد وعلى آله وأصحابه أولي الفضلِ والمدد، وبعد كلامنا اليوم سيكون بإذن الله تعالى عن ذِكرِ ولادة نبيِ الله عيسى ابنِ مريمَ عبدِ اللهِ ورسولِه وبيانِ حالِ أمِه مريمَ العذراءِ البتولِ حينَ وِلادته. تقدّم أنّ مريمَ كانت تعبدُ الله وتقومُ بخدمةِ المسجد، وكانت تخرج منه في زمنِ حيضها أو لحاجة ضرورية لا بد منها، وفي ذاتِ يوم خرجت مـن محرابها الذي كانت تعبد الله تعالى فيه وسارت جِهةَ شرقيِ بيتِ المقدس وأمرَ الله تعالى الروحَ الأمين وهو جبريلُ عليه السلام أن يذهبَ إليها ليبشرَها بعيسى عليه السلام،

وهناك تمثّلَ لها جبريل في صورةِ شابٍ جميلٍ أبيضِ الوجهِ، فلمّا رأته مريمُ عليها السلام لم تعرف أنه جبريل ففزِعت منه واضّطربت وخافت على نفسها منه وارتابت في أمره حيـث ظهر لها فجأة في ذلك المكان، وصارت مريم تبتعد منه ثم قالت إنِّي أعوذُ بالرحمنِ منكَ إنْ كُنتَ تقيًّا أي إن كنت تقيًّا مطيـعًا فلا تتعرض لي بسوء، لكنَّ جبريلَ عليه السلام سُرعانَ ما أزالَ عنها اضطرابَها وهدَّأ من روعها وقال لها إنَّما أنا رسولُ ربِّكِ لأهَبَ لــكِ غُلامًا زكيًّا أي أني لست ببشر ولكني ملكٌ من الملائكة أرسلني الله تعالى إليك لأهبَ لك غلامًا يكون طاهرًا نقيًا قالت أنَّى يكونُ لي غلامٌ ولم يَمسسني بشرٌ ولم أكُ بغيًّا، أي ليس لي زوجٌ ولستُ بزانية،

فقد تعجبت مريمُ عليها السلام عندما بشّرها جبريل بالغلام لأنها بكرٌ غيرُ متزوجة وليست زانية فأجابها جبريلُ عن تعجُبِها بأنَّ خَلْقَ ولدٍ من غيرِ أبٍ سهلٌ هيّنٌ على الله تعالى، ولِيجعلَه علامةً للناسِ ودليلًا على كمالِ قدرته سبحانه وتعالى وليجعلَه رحمةً ونعمةً لمن اتّبعه وصدّقَه وءامنَ به. وأمرَ الله تبارك وتعالى جبريلَ عليه السلام أن ينفُخَ في مريمَ البتول روحَ عيسى المشرّفةَ عنده فنفخَ أمينُ الوحي جبريل روحَ عيسى في أعلــى جيب قميصِ مريم عليها السلام فوصلت بنفخته الروحُ من فم مريم إلـى رحِمها عليها السلام بقدرةِ الله وحَملت بتلك النفخةِ بالسيّدِ المسيحِ عليــه الصلاة والسلام، ويقالُ إنَ عُمُرَ مريمَ عليها السـلام حين حَملت بعيسى المسيحِ عليه السلام كانَ ثلاثَ عشرةَ سنة، وقدِ اختلفَ العلماءُ في مدةِ الحمل فقيل: تسعُ ساعات وقيل: ثمانيةُ أشهر، وقيل: تسعةُ أشهر، والله أعلم. وهكذا نصل إلى نهاية حلْقتِنا لهذا اليوم. مُلتقانا يتجددُ بإذنِ الله مع تِتمة قصةِ عيسى عليه السلام في الحلقةِ المقبلة فإلى اللقاء.

3\12 قصة سيدنا عيسى عليه السلام

الحمد لله مكوّن الأكوان الموجود أزلا وأبدا بلا مكان أما بعد نتابع وإياكم أيها الكرام في هذه الحلقة تفاصيل قصة سيدنا عيسى عليه السلام ونتكلم إن شاء الله تعالى عن إتهامِ مريم وولادتِها للسيدِ المسيح عليهِ الصلاة والسلام. لما حملت السيدةُ مريمُ عليها السلام بعيسى وظهرت عليها ءاثارُ الحمـل كان أولُ من فطن لذلك زكريا عليه السلام وقيلَ ابنُ خالِها يوسفَ النجار وكان من عباد الله الصالحين، فجعلَ يتعجبُ من ذلك لمـا يعلم من تديُّنها ونزاهتها فقال لها مرة يُعرِّضُ لها في حملها:

يا مريم هل يكون زرعٌ من غير بذر؟ فقالت له: نعم، فمن خلق الزرعَ الأول؟ ثم قال لها: فهل يكونُ ولدٌ من غير ذكر؟ قالت: نعم إنَّ الله خلق ءادمَ من غيـرِ ذكر وأنثى، عندئذ قال لها: فأخبريني خبرَك، فأخبرته حقيقةَ أمرِها وقالت له: إنّ الله تعالى بشّرني بكلمةٍ منه اسمُه المسيحُ عيسى ابنُ مريـم وجيهًا في الدنيا والآخرة ومن المقربين ويكلّم الناس في المهد وكهلًا ومـــن الصالحين. ثم شاع الخبرُ في بني إسرائيل أنّ مريم حامل فأساء بها الظنَ كثيرٌ منهـم واتهمها البعضُ بيوسفَ النجار الذي كان يتعبد معها في المسجد، واتهمها ءاخرون بنبي الله زكريا عليه السلام والعياذ بالله من الكفر، وحزِنت مريمُ عليها السلام حزنًا شديدًا واعتراها كربٌ عظيم وتوارت عن أعيُنهم واعتزلتهم وانتبذت بحملها مكانًا بعيدًا فرارًا من قومها أن يعيّروها بولادتها من غيرِ زوج،

وذلك أنها علمت أنّ الناس يتهمونها ولا يصدقونها إذا أتتهم بمولودها الصغير مع أنها كانت عندَهم من العابدات الناسكات المجاورات في المسجد في عبادة الله سبحانه. ثم لما أتمت مريمُ عليها السلام أيامَ حملِها وهي في بيتِ لحم اشتدَّ بها المخاض ثم ألجأها وجعُ الولادة إلى جِذع نخلة يابسة وقيل كانت نخلـةٌ مثمرة، فاحتضنت ذلك الجذع وولدت مولودَها عيسى عليه السلام، وناداها جبريل عليه السلام من مكانٍ من تحتها من أسفلِ الجبل يُطمئنُها ويخبرُها أنّ الله تبارك وتعالى جعل تحتها نهرًا صغيرًا ويطلب منها أن تَهُزَ جذع النخلة ليتساقط عليها الرُطب الجنيُ الطريُ وأن تأكلَ وتشربَ مما رزقها الله تعالى وأن تَقَرَّ عينُها بذلك وأن لا تكلمَ إنسًا فإن رأت أحدًا من الناس تقولُ له بالإشارة أنها نذرت للرحمن صومًا أي صمتًا،

وكان من صومهم في شريعتهم تركُ الكلام والطعام، فهزّت مريمُ عليها السلام جِذعَ النخلةِ فتساقطَ عليها الرطبُ الجنيُ الناضج فأكلت عليها السلام منه وشربت من ذلك النهر الذي أجراه الله تبارك وتعالى بقدرته لها في مكانٍ كان لا يوجد فيه نهر، وكلُّ ذلك إكرامًا من الله سبحانه وتعالى لمريم على إيمانها وصلاحِها وعنايةً بوليدِها السيدِ المسيح عيسى عليـه الصلاة والسلام.

أتت السيدةُ مريم عليها السلام قومَها تحمل مولودَها عيسى عليه السـلام على يدها في بيتَ لحم فلمّا رءاها قومُها قالوا لها: لقد فعلت فعلةً مُنكـرةً عظيمة، فإنَّ أباك لم يكن رجلَ سوء ولم تكن أمُك زانية، وظنوا بها السوء وصاروا يوبخونها ويؤنبونها وهي ساكتةٌ لا تجيب لأنها أخبرتهم أنها نذرت للرحمنِ صومًا، ولما ضاق بها الحال أشارت إلى عيسى عليه السلام أن كلموه فعنده جوابُ ما تبغون، عندها قالوا لها مُتعجبين: كيفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ في المهدِ صبيًّا وما هذا منك إلا على سبيلِ التهكّم بنا والازدراء إذ لا تردّين علينا بكلام، عند ذلك أنطـق الله تبارك وتعالى بقدرته الرضيعَ عيسى عليه السلام وكان عمُرُه أربعين يومًا قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ وهذا اعترافٌ منه عليه السلام بالعبوديةِ لله تبارك وتعالى وهذه أولُ كلمةٍ نطقَ بها عيسى وهو في المهد {ءاتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا} وهذا إخبارٌ عمّا قضى الله تعالى له وحكمَ له به ومنحَه إياه مما سيظهرُ ويكون،

وفي ذلك تبرئةٌ لأمِه مما نسبوا إليها واتهموها به، فإنَّ الله تعالى لا يُعطي النبوةَ لمن هو كما زعموا، ثم قال لهم عيسى عليه السلام {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ} أي نفّاعًا حيثما توجهتُ معلّمًا للخير، وذلك أن السيد المسيح عيسى عليه السلام كان يدعو حيث كان إلى عبادة الله تعالى وحده وأن لا يُعبدَ شيءٌ غيرُه. قال الله تعالى إخبارًا وحكاية عن عيسى: {وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا} وهذا أيضًا إخبارٌ عما قضى الله له ومنحَه إياه مما سيظهَرُ ويكون، فكانَ نبيُ الله عيسى عليه السلام يصلـي لله تعالى كما أمره،

ويُحسنُ إلى عباد الله بالزكاةِ وبذل الأموال والعطايا للمحتاجين والفقراء، ولم يكن عليه السلام فظًّا ولا غليظًا، قال الله تعالــى إخبارًا عن عيسى عليه السلام وما أنطقه به في المهد: {وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا} فلما كانت هذه المواطنُ الثلاثة أشـقُّ ما يكونُ على ابنِ ءادم جعلَ الله تعالى السلامةَ على نبيه عيسى عليــه السلام في هذه المواطنِ الثلاثة يومَ ولادتِه وعندما يموت وعند البعث يومَ القيامـة.

وهنا فائدة: بعد أن تكلم عيسى عليه السلام وهو في المهد واعترف بالعبوديـة لله تعالى ودفعَ التهمةَ الباطلةَ عن أمه مريم البتول إلى ءاخرِ كلامِه وهو فــي المهد، أمسكَ بعدَ ذلك عن الكلامِ حتى بلغَ المبلغَ المعتادَ في نُطقِ الصِبيان فأنطقه الله تعالى بالحكمةِ وحسـنِ البيان. وهكذا نصل إلى نهاية حلْقتِنا لهذا اليوم. مُلتقانا يتجددُ بإذنِ الله مع تِتمة قصةِ عيسى عليه السلام في الحلقةِ المقبلة فإلى اللقاء.