أمر الله تباركَ وتعالى موسى أن يَخرُجَ ببني إسرائيلَ من أرضِ مِصرَ ليلًا ويَذهَبَ بهم إلى أرضِ فِلسطين، وأمرَه أن يَحمِلَ معه تابوتَ يوسفَ بنِ يعقوبَ عليهما السلام ويَدفِنَهُ بالأرضِ المقدسة، فتَجَهزَ موسى عليه السلام ومَن معه مِنَ المؤمنين وكانوا يَزيدونَ على سِتِمِائةِ ألف، فخَرَجَ بهم في الليلِ سائرينَ في طريقِ البحرِ الأحمرِ على خليجِ السُوَيْس، وأخذوا يُجِدّونَ في السَيْرِ حَذرًا من فِرعونَ وظُلمِه وطُغيانِه، ولما استَيقظَ فرعونُ علِمَ بِخروجِ موسى عليه السلام ومن معَه من بني إسرائيلَ من مِصر، فجَهَّزَ جيشًا كبيرًا عَرَمْرَمًا حتى قيلَ كانَ فيه مائةُ ألفِ فارس وكانَ عددُ جنودِه يزيدُ على مِليون وسِتِمِائة ألفِ جُندي،

وتَوجّهَ فرعونُ بهذا الجيشِ الكبيرِ طالبًا بني إسرائيلَ وموسى عليه السلام يَتتبَعُ ءاثارَهم يريدُ كَيدَهم والبَطشَ والفَتكَ بهم فأدرَكَهم في اليومِ التالي عندَ شروقِ الشمسِ، ولما تَراءى الجمعان وعايَنَ كلٌّ من الفَريقينِ صاحِبَه ولم يبقَ إلا المواجهةُ والمقاتَلة، شعرَ بنو إسرائيلَ بالخطرِ الْمُدْلَهِم فالبَحرُ أمامَهم والعَدوُ خَلفَهم وفِرعونُ وجنودُه يُريدونَ الفَتكَ بهم، فَضَجّوا بالعَويلِ والصِياحِ وقالوا لموسى عليه السلام وهُم خائِفون: إنا لَمُدرَكون.

ولكنَّ نبيَ الله موسى عليه الصلاةُ والسلام كانَ يَعلَمُ أنّ الله سبحانَه وتعالى الذي أمرَهُ بالخروجِ بِبَني إسرائيلَ من مِصرَ سيَنصرُه فأخذَ يُسَكِّنُ روْعَهم، ولما تَفاقَمَ الأمرُ وضاقَ الحالُ واشتدَ الأمرُ واقتَربَ فرعونُ وجنودُه مِن بني إسرائيل وموسى عليه السلام، عندَ ذلكَ أوحى الله عزَّ وجلّ إلى موسى الكليمِ عليه السلام أن يَضرِبَ بعصاهُ البحرَ، فأخرجَ عليه السلام عصاهُ وضَربَ بها البحرَ فانفَلقَ البَحرُ بقُدرةِ الله تعالى اثني عشرَ فِرقًا وكانَ كلُ فِرقٍ كالجبلِ العَظيمِ وصارَ فيه اثنا عشَرَ طريقًا لِكُلِ سِبطٍ طريقٌ يَسيرونَ فيه، وأمرَ الله تعالى موسى عليه السلام أن يَجوزَهُ بِبَني إسرائيل فانحَدروا فيه مُسرعين مُبادِرينَ مُستَبشِرينَ بِنَصرِ الله بعد أن أصبحَ البحرُ يابسًا مُمَهّدًا بعد أن رأوْا بأمّ أعيُنهم هذهِ الآيةَ والمعجزةَ العُظمى التي تَحتارُ لها عُقولُ الناظرين،

فلما جاوزَه موسى عليه السلام وجاوزَهُ بنو إسرائيل وخَرجَ ءاخِرُهم منهُ وانفَصلوا عنه، وكانَ ذلكَ عندَ قدومِ أولِ جيشِ فرعونَ إليه ووُصولِهم إليه، أرادَ موسى عليه السلام أن يَضرِبَ البَحرَ بعصاه ليَرجِعَ كما كان عليهِ حتى لا يَسْلُكَهُ فرعونُ وجنودُه، فأوحى الله تعالى إليهِ أن يَترُكَهُ على حالِهِ ساكِنًا على هيئتِهِ لأنه يُريدُ إغراقَهم فيه. وامتثَلَ موسى عليه السلام أمرَ الله وتَركَ البحرَ على هيئتِه وحالتِه، فلما وَصلَ فرعونُ إلى البحرِ وانتهى إليه رأى هذهِ المعجزةَ والآيةَ الباهِرةَ وعايَنَها، وهالَهُ هذا المنظرُ العَظيمُ حيثُ كانَ ماءُ البَحرِ قائمًا مثلَ الجبال، وتحقَقَ ما كانَ يَتَحقَقُهُ قبلَ ذلكَ مِن أنّ هذهِ الآيةَ العظيمة مِن فِعلِ وخَلقِ الله سبحانَه وتعالى،

ولكنَه لم يُذعِنْ لِقيمةِ البُرهانِ العَقلي على صِدقِ موسى عليه السلام وأخَذَتهُ العزةُ بالإثمِ وأظهرَ أمامَ جنودِه التَجَلُّدَ والشجاعة، وأخذَ يُشَجِعُ جُندَهُ لاقتِحامِ البَحرِ أمامَه مِن أجلِ أن يَفوزَ هو بالنجاةِ ولكن لا رادّ لقضاءِ الله، فقد جاءَ ملَكٌ مِنَ السماءِ قيل: هو جِبريلُ عليه السلام فقادَ فَرسَ فرعونَ جهةَ البحر، فلما رءاهُ الجنودُ قد سلَكَ البحرَ اقتَحَموا وراءَه مُسرعين فلما أصبَحوا جميعُهم في البَحرِ، وقد همَّ أولُهم بالخروجِ منه، عندَ ذلكَ أمرَ الله تعالى نبيَه موسى عليه السلام أن يَضرِبَ بِعصاهُ البحرَ، فلمّا ضربَه موسى عليه السلام بعَصاهُ ارتَطَمَ البحرُ عليهم كما كانَ وعادَتْ أمواجُه هائِجةً كما كانت،

فهلَكوا جميعُهم بالغَرقِ ولم ينجُ منهم أحد، والله تبارك وتعالى عزيزٌ ذو انتقام. ولِيُعلم أنّ هَلاكَ فِرعونَ وجُنودِهِ في البحرِ كان في يومِ عاشوراء والله تعالى أعلم وأحكم، ترقبوا قِصةَ كُفرِ بَعضِ جَهلةِ بني إسرائيلَ في الحلقةِ القادمةِ بإذنِ الله فتابِعونا وإلى اللقاء.

14\24 قصة سيدنا موسى وهارون عليهما السلام

الحمد لله مكوّن الأكوان الموجود أزلا وأبدا بلا مكان أما بعد، بعد أن جاوز نبيُّ الله موسى عليه السلام البحرَ بمن معه من بني إسرائيل، أتَوا على قومٍ كافرينَ يعكِفون على أصنامٍ لهم قيل كانت على صُوَرِ البقرِ يعبدُونَها من دونِ الله عز وجل، فأراد بعضُ الجهلةِ الذين ركِبهُمُ الجهلُ والضَلال وأظلَّهمُ الشيطانُ أن يتشبهوا بهؤلاء المشركين الذين مرُّوا بهم مع أصنامِهم، فقالوا لنبيِ الله موسى عليه السلام: يا موسى اجعل لنا إلهًا كما لهم ءالهة، فغَضِب موسى عليه السلام غضبًا شديدًا من هذا الكلامِ الكفري الذي يَدُلُّ على عظيمِ جهلِهم، مع ما قد كانوا عاينوا قبلَ ذلكَ من ءاياتِ الله تعالى الدالّةِ على عظيمِ قدرتِه وعلى صِدقِ ما جاءَهم به نبيُّهم موسى عليه السلام،

ورَدَّ عليهم نبيُّهم مُستنكرًا لمقولتهم هذه وبيّن لهم أنّ هؤلاءِ المشركينَ الذين يعبُدون هذه الأصنامَ التي لا تَضُرّ ولا تنفَع في هلاكٍ ودمارٍ لا يَعقِلونَ ولا يَهتدُون وعَملُهم هذا باطلٌ لا يوافقُ العقلَ السليم. ثم أمر اللهُ تبارك وتعالى نبيَّه موسى عليه السلام أن يَتوجهَ بالمؤمنين من بني إسرائيلَ إلى بيتِ المقدِسِ في فِلسطين، فخرجَ بهم موسى عليه السلام حتى إذا كانوا في الطريقِ عَطِشوا عَطشًا شديدًا، فشكَوْا ذلك إلى نبيِّهم موسى عليه السلام مُتذمِّرينَ وطلَبوا منه الماءَ والسُّقيا، فأمرَه الله تبارك وتعالى أن يَضْرِبَ الحجَرَ الذي كانَ معَه بعصاهُ فلما ضربَه بعصاهُ تفجَّرت منهُ بقدرةِ الله تعالى اثنتا عشرةَ عينًا لكلِ سِبْطٍ من أسباطِهم عينٌ تَجري بالماء العذبِ الزُّلالِ يشرَبون منها،

وأرسل الله سبحانَه لهم من السماءِ المنَّ والسَّلْوى رِزقًا منه تعالى وفَضلًا وكرمًا يَحصُلون عليه من دونِ جَهْدٍ أو تعَب. ثم إنَ كثيرًا منهم ضَجِر وتبرَّم وسألوا موسى أن يَستَبْدِلوا منها بِبَدَلِها مما تُنبِتُ الأرضُ من بَقْلِها وقِثّائها وفُومِها وعَدَسِها وبصَلِها فوبَّخهم موسى ونَصحَهم. ولما انفصَلَ موسى عليه السلامُ بِمَن معَه من بني إسرائيل وواجَه بلادَ بيتِ المقدِس في فِلسطين وجدَ عليه السلامُ فيها قومًا من الجبارينَ الظالمينَ المعروفينَ بكفرِهم وجَبَروتِهم وكانوا من الكَنْعانيين ومن بقايا الحِيثانيين وغيرِهم، فأمرهُم عندَ ذلكَ موسى عليه السلام بالدخولِ على هؤلاءِ الجبّارينَ ومقاتَلتِهم وإجلائِهم عن بيتِ المقدِس التي كتبَها الله تعالى لهم ووَعدَهم بها،

ولكنّهم أبَوْا ورَفضوا الجهادَ وجَبُنوا عن مُقاتلَة هؤلاء الأعداءِ الكافرينَ الذين كانوا ذَوِي قوةٍ وبأس، وأمامَ هذا الموقفِ الْمُخْزِي من جانب هؤلاءِ تقدّمَ رجلانِ من الذين يخافونَ الله تعالى وقد أنعمَ الله تعالى عليهما بالإسلامِ والإيمانِ والطاعةِ والشجاعةِ والثباتِ وأشارا عليهِم بالجِهادِ وأن يَدخُلُوا على هؤلاءِ الجبَّارينَ من بابِ القريةِ ليَمتلئوا منهم خوفًا ورُعبًا، وطلبا منهم أن يَتوكلُوا على الله تعالى حقَّ توكُّلِه وأن يَستَعينوا به ويلتجئوا إليه ليَنصُرَهم على هؤلاءِ الطُغاتِ الجبارينَ ويُظَفِّرَهم بهم.

وأمامَ هذا الموقِفِ المشرِّف الذي وقفَه هذانِ الرجلانِ المؤمنانِ اللذانِ يَخافانِ الله تبارك وتعالى، وقع أمرٌ عظيمٌ كبيرٌ من جانِبِ بني إسرائيلَ إذ صَمَّمَ أكثرُهم على رَفْضِ الجهادِ والتَقاعُسِ عنه ، فعاقَبَهمُ الله تعالى بسبَبِ مخالفتِهم نبيَّهم موسى وعِصيانِهم أمرَه بالتِّيهانِ في الأرضِ يَسيرُونَ إلى غَيرِ مقصِدٍ ليلًا ونهارًا وصباحًا ومساءً، يَحُلُّون ويرتَحِلون ويَذهبون ثم يرجِعُون إلى مكانِهمُ الذي ذَهبوا منه طيلَة أربعينَ سنة، حتى ماتَ هؤلاءِ كلُّهم في مُدةِ أربعينَ سنة ولم يَبقَ إلا أولادُهم وذَراريُّهم سِوى هذينِ الرجلينِ اللذيْنِ يخافانِ اللهَ تبارك وتعالى وقيل هما: يوشَعُ بنُ نُون وكالِبُ بنُ يُوفْنا وكانا رجلين صالحيْن. والله تعالى أعلم وأحكم.