الحمد لله على نِعَمٍ لا تُحصى ولا تُحصر والصلاةُ والسلامُ على سيدِنا محمدٍ خيرِ البشرِ وعلى آلهِ وأصحابِه إلى يومِ المحشر. مِنْ شُرُوطِ الصلاةِ الإِسْلاَمُ لأنّ الصلاةَ عبادةٌ فلا تَصِحُّ مِنَ الكافر، لأنّ العبادةَ لا تصحُ إلا بعدَ معرِفَةِ المعبود.

ومِنْ شُرُوطِ الصلاةِ: استقبالُ القِبْلَةِ أى استقبالُ الكعبة، فمَن كان يراها يتوجَّهُ إليها بالرؤية، ومن كان بعيدًا عنها يجتهدُ حتى يَتَوَجّهَ إليها. ولا تَصِحُّ صلاتُه فى هذه الحالِ من غيرِ أن يجتهدَ إن كان قادرًا على ذلك.

ومِنْ شُرُوطِ الصلاةِ دُخُولُ وَقْتِ الصلاةِ. أي أنَّه لا يَصحُ أن يُصَلِّيَ الفرضَ قبلَ دُخُولِ وَقْتِهِ. فلو أنّ إنسانًا قام فصلَّى من غيرِ أن يعرف هل دخل الوقت أم لا، إنما دخل فى الصلاة بناءً على التَّوَهُّمِ فقط لم تصح صلاتُه. أى إنلم يعتمد على شىءٍ مُعْتَبَرٍ شرعًا لِيَعْرِفَ أنّ وقتَ الصلاة دخل بل بمجرَّد التوهم قام فصلى لا تصح صلاته فى هذه الحال ولو وقعت ضمن الوقت.

ومِنْ شُرُوطِ الصلاةِ التمييزُ وهوَ أنْ يكونَ الولدُ بَلَغَ مِنَ السّنِ إِلَى حيثُ يَفْهَمُ الخِطَابَ وَيَرُدُّ الجواب. أي أنّ غيرَ المميزِ لا تصح منه الصلاة. فلا يقال للولد غيرِ المميز صلِّ، لأن الصلاةَ لا تصح منه، بل يقال له مثلًا انظر كيف يصلون. والتمييز معناه أن يصير فى حَدٍّ يفهم فيه الخطاب ويُحْسِنُ أن يرد الجواب.

ومِنْ شُرُوطِ الصلاةِ العِلمُ بِفَرْضِيَّتِهَا. فلو أنّ شخصًا كان حديثَ عهدٍ بإسلام لم يعرف بعدُ أن الصلوات الخمس فرض، ثم رأى المسلمين يُصَلُّون صلاةَ الظهر مثلًا فصلَّى مَعَهُم من غير أن يعتقد أنها فرض، لا تصح صلاتُهُ لأنَّ العلمَ بفرضِيَّتِهَا شَرْطٌ لِصِحَّتِهَا. وأما من عاش بينَ المسلمين إذا أنكر فرضية الصلوات الخمس أو واحدةٍ منها أو شكّ فى ذلك فإنه يكفر.

ومِنْ شُرُوطِ الصلاةِ أَنْ لا يعتقدَ فَرْضًا مِنْ فروضِهَا سُنَّة. يعني يُشترطُ لصحةِ الصلاة أنْ لا يعتقدَ فى قلبِهِ أنّ ركنًا من أركانِ الصلاة هو سنة. فلو اعتقد أنَّ فرضًا من فروضها سُـنَّة لم تصحَ صلاتُهُ ولو أتى بهذا الركن، وذلك كأن يعتقدَ أنّ التشهد الأخير سنةٌ وليس فرضًا، فإنَّ صلاتَهُ لا تصحُّ ولو قَرَأَهُ فى الصلاة.

ومِنْ شُرُوطِ الصلاةِ السَّتْرُ بما يستُرُ لَونَ البَشَرَةِ لجميعِ بَدَنِ الحُرَّةِ إلاَّ الوجْهَ والكَفَّين. أي أنَّ سترَ العورةِ شرطٌ من شروطِ صحةِ الصلاة. والعورةُ فِى حَقِّ المرأَةِ الحرَّة كلُّ بدَنِهَا إلا الوجهَ والكفين. فلا بُدَّ عند الصلاة من أن تستُرَ كلَّ العورة بشىءٍ يَسْتُرُ اللونَ ولو كان يُظهِرُ الحَجْمَ، فلو صلَّت ساترةً بما يَسْتُرُ اللون لكن يُحَجّمُ العورةَ فصلاتُها صحيحةٌ مع الكراهة.

ومِنْ شُرُوطِ الصلاةِ السَّتْرُ بما يستُرُ ما بينَ السُّرَةِ والركبةِ للذَّكَرِ والأَمَةِ مِنْ كُلِّ الجوانِبِ لا الأَسْفَلِ. شرح ذلك أنَّ عورةَ الرَّجُل ما بين سُرَّتِهِ ورُكْبَتِهِ، فلا بد من سترِ ذلك فى الصلاة. والسُّرَّةُ والركبةُ نفسُهما ليستا عورة، إنما العورةُ ما بينَهُمَا. وعورةُ الأمةِ فى الصلاةِ مثلُ عورةِ الرَّجُل، يعنى إذا صلَّت الأَمَةُ ساترةً فقط ما بين سرَّتِهَا وركبَتِهَا فصلاتُهَا صحيحة. وليس معنى ذلك أنها تَخْرُجُ كذلك فى الطريق بين الناس، بل لعورتها أمام الأجانب تفصيل يُطلب فى غير هذا المختصر.

ولا بُدَّ فى ساتر العورةِ بالنسبةِ للمرأة والرجلِ والأمةِ أن يسترَ من كُلِّ الجوانبِ، لا من أسفل، يعنى لو كان الساتِرُ يَسْـتُرُ من كل الجوانب لكن بحيث لو أنّ إنسانًا نَظَرَ من تحت يرى العورة فإن هذا لا يؤثر على صحة الصلاة بل الصلاةُ صحيحة، مثلما لو وضع الرجلُ إزارًا سَتَرَ به ما بين السُّرَّةِ والركبة من كل الجوانب، لكن لو نظر إنسان من تحتُ كان يرى فَخِذَهُ فصلاتُه فى هذا الإزار صحيحة. وفي الختام نسأل الله تعالى أن يكرمنا بما يكرم به عباده الصالحين والحمد لله رب العالمين.

مبطلات الصلاة

الحمد لله على كلِ حال والصلاةُ والسلامُ على سيدِنا محمدٍ سيّدِ الرِجالِ وعلى خيرِ أصحابٍ وأفضلِ آل. من مبطلاتِ الصلاةِ كلامُ الناس أى أن يتكلمَ الْمُصَلّى بكلام الناس، يعنى بغير الذِكْر، لأنّ ذكْرَ الله لا يُبْطِلُ الصلاة. فمن تَكَلَّم عمدًا فى الصلاةِ بحرفين اثنين-ولو كان ليس لهما معنى- أو تكلَّم عمدًا بحرف واحد لكن له معنى مثل فِ-ومعناه الأمرُ بالوفاء-وهو ذاكر أنه فى الصلاة بطلَت صلاتُهُ. هذا إذا كان يَعْرِفُ أنّ هذا الأمرَ حَرَام، أما إذا كان قريبَ عَهْدٍ بإِسلام فلم يعرف بَعْدُ أنّ كلام الناس لا يجوز فى الصلاة فتكلّم لا تفسُدُ صلاتُه.

وتَبْطُلُ الصلاة بالفعلِ الكثيرِ وهوَ عندَ بعضِ الفقهاءِ ما يَسَعُ قَدْرَ ركعةٍ من الزمَنِ. وقِيلَ ثلاثُ حَركاتٍ مُتوالياتٍ، ولكن الأولُ أَقْوَى دليلًا. شرح ذلك أنّ الإتيان بأفعال كثيرة فى الصلاة هو من مفسداتِ الصلاة، يعنى إن كانت من غيرِ أفعالِ الصلاة. قال بعضُ الفقهاء: إذا تَحَرَّك ثلاثَ حركاتٍ متواليات يكفى ذلك لإبطال صلاتِهِ. وكذا إنْ حَرَّكَ ثلاثةَ أعضاء دُفعةً واحدةً فإنّ هذا يُبْطِلُ الصلاة. وقال ءاخرون إذا تَحَرَّك حركاتٍ لو جُمِعَتْ مُدَدُها لكانت تساوى ركعةً فى الصلاة فعند ذلك تبطُلُ صلاتُهُ، وهذا القول أقوى من الأول من حيثُ الدليلُ.

و تَبْطُلُ الصلاة بالحركةِ الْمُفْرِطَةِ. فإنَّ الإنسان إذا تحرَّك حركةً واحدة لكن كانت الحركة مفرطة، كأن قفز قفزةً فاحشةً وهو فى الصلاة، أو وَكَزَ إنسانًا وكزًا عنيفًا فإنَّ صلاتَه تبطل عند ذلك.

وتَبْطُلُ الصلاة بزيادَةِ رُكْنٍ فِعْلىٍّ. فلو زاد المصلى رُكنًا فعليًا عمدًا فسدت صلاتُه. فلو كان يصلّى فقرأ الفاتحة ثم ركع ثم اعتدل ثم ركع ثانية ذاكرًا فسدت صلاتُه.

وتَبْطُلُ الصلاة بالحركةِ الواحدةِ لِلَّعِبِ. فالإنسان إذا تحرك وهو فى الصلاة حركةً خفيفةً بنية اللعب فسدت صلاتُه، وذلك لأنّ نيةَ اللعب تُنافِى نيةَ الصلاة.

وتَبْطُلُ الصلاة بالأكلِ والشُربِ إلا إِنْ نَسِىَ وَقَلَّ. يعني أنّ الشخص إذا أكل أو شرب فى أثناء الصلاة وهو ذاكر للصلاة فسدت صلاتُه، حتى لو كان ما أَكَلَهُ أو شربَهُ قليلًا جدًا، كأن بَلَعَ عمدًا الطعامَ العَالِقَ بين الأسنان فإن هذا يُبطلُ صلاتَه.

وتَبْطُلُ الصلاة بنيةِ قطعِ الصلاةِ. فمن قال فى قلبه أنا الآن قطعتُ صلاتى انقطَعَت فى الحال.

وتَبْطُلُ الصلاة بتعليقِ قطْعِهَا علَى شىءٍ، وبالتَّرَدُدِ فيه. فإنّ الشخصَ إذا نوى أن يقطعَ صلاتَه إذا حصل أمرٌ ما انقطعت صلاته فى الحال. مثلًا نوى فى قلبه أنه إذا دُقَّ الباب وهو يصلى سيقْطَعُ صلاتَهُ فإنها تنقطعُ فى الحال. وكذلك لو تَرَدَّدَ مثلًا فيما إذا دَخَلَ البيتَ سارقٌ وهو يُصلّى هل يقطعُ صلاته أم لا يَقطعُهَا فإنها تنقطع حالًا.

وتَبْطُلُ الصلاة بأنْ يمضِىَ ركنٌ معَ الشكِّ فِى نيةِ التحَرُّمِ أَو يَطولَ زمنُ الشكِّ.

أي أنَّ من شك فى أثناء الصلاة فى نيةِ التحَرُّم فقال فى قلبه هل نويتُ أو لم أنوِ؟!، ثم استمر هذا الشكُّ مدةَ ركنٍ كامل، مدةَ قراءةِ الفاتحة مثلًا، فإنَّ صلاتَهُ تبطُل، أو أنهى الفاتحة ثم رَكَعَ وهو شاكٌّ فإنَّ صلاتَهُ تبطُلُ. أما إذا شكّ ثم زال هذا الشكُّ سريعًا فإن صلاتَه لا تبطل عند ذلك. وكذلك لو طال زمنُ الشك فى غير ركنٍ تبطل الصلاة، فلو كان مثلًا يقرأُ من القرءان بعد أن أنهى قراءة الفاتحة وقبل أن يركع فشك في أثناء القراءة ثمّ طال زمن الشك بطلت صلاتهُ. وفي الختام نسأل الله تعالى أن يتقبّل منا الأعمال الصالحة وسبحان ربّك ربّ العزة عمّا يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله ربّ العالمين.