الحمد لله الذي أعزنا بالإسلام وأكرمنا بالإيمان ورحمنا ببعثة محمد عليه الصلاة والسلام أما بعد ليُعلم أنَّ التوبةَ واجبةٌ من الذنب الكبير فورًا وكذلك من الذنب الصغير على الفور لأنّ الله تعالى قال: {توبوا إلى الله}. وللتوبة أركانٌ منها الندم أسفًا على عدم رعاية حقّ الله، أما إذا نَدِمَ لأجل الفضيحة بين الناس مثلا أو نحوِ ذلك، فهذا ليس الندمَ الذى هو ركنُ التوبة، ولا يكونُ ذلك توبةً معتبرة صحيحة فى حكم الشرع. فالندم هو الركن الأعظم فى التوبة ولذلك قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: "الندم توبة"، معناه الركن الأعظم للتوبة هو الندم.
الركن الثانى للتوبة هو الإقلاع عن الذنب فى الحال أى ترك الذنب الذى يتوب منه فى الحال. فإذا إنسانٌ ندم فى قلبه على ارتكابه الذنب لكن ما تركه إنما هو بَعْدُ منغمسٌ فيه لا يكون ندمُه هذا توبة.
والركن الثالث للتوبة هو العزم فى قلبه على أن لا يعود إلى هذا الذنب بعد ذلك أبدًا، أى أن ينوى جزمًا أن لا يفعله بعد ذلك. أما إذا قال فى قلبه الآن أندم وأترك الذنب ثم بعد شهر أو بعد سنة أو بعد عشرِ سنين أرجع إلى هذا الذنب فهذه توبةٌ غيرُ صحيحة. فلا بدّ من اجتماع هذه الأركان الثلاثة لصحة التوبة. فإذا تاب الإنسانُ توبة مجزئة غُفِرَ ذنبُهُ كما صح فى حديث ابن ماجه: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له".إهـ. ثم إن رجع إلى ذلك الذنب بعد أن تاب توبة مجزئة لا يُكتب عليه الذنب الأول من جديد، إنما يكتب عليه الذنب الجديد فقط.
ثم لو كانت المعصية تركَ فرض لا بد من أن يقضيه، كأن كان الذنب ترك فرض الصلاة فإن توبته لا تصح حتى يقضىَ هذا الفرض. وإن كان الذنب ترك زكاةٍ أو كفارة أو نذر فيجب عليه الدفع فورًا إن كان مستطيعًا فإن لم يكن مستطيعًا ينوى بقلبه جزمًا دفعَ ذلك عندما يستطيع. وإن كان الذنبُ تَبِعَةً لآدمى يقضى له هذه التبعة أو يستسمحُه. فإن غصب له مالَه مثلًا يرد عينَ المال إن كان باقيًا فى يده وإلا يرد بدلَه للمالك أو لنائب المالك أو للورثة إن كان مات، إلا إن سامحه صاحبُ الحق.
وإن كان الحق الذى عليه يتضمن قِصاصًا كأن كان قد قتل مسلمًا ظلمًا، هنا صار من جملة ما عليه لتصح توبتُه أن يُمَكّـِنَ أهلَ القتيل من نفسه أى يذهبْ إلى ولىّ القتيل ويقول له ها أنا ذا أمكنُك من نفسى إن شئت أن أُقْتَلَ قِصاصًا لا أهربُ وإن شئتَ فَاعْفُ فإن لم يفعل ذلك بل هرب من القِصاص لم تصح توبتُه. والله تبارك وتعالى أعلم وأحكم. وفي الختام نسأل الله تبارك وتعالى أن يفقهنا في أمر ديننا. اللهم إنّا نسألك أن لا تدع لنا ذنبًا إلا غفرته ولا ميتًا مسلمًا إلا رحمته ولا مريضًا إلا شفيته ولا عيبًا إلا سترته ولا همًا إلا فرّجته ولا دَيْنًا إلا قضيته برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم أعطِ كلَّ واحدٍ منّا سؤله من الخير اللهم وبارك له فيه والحمد لله رب العالمين أوَّلًا وآخرًا وأبدًا.
مختصر قصص الأنبياء عليهم السلام 1\5 قصة سيدنا ءادم عليه السلام
الحمد لله الذي أكرمنا ببعثة سيدنا محمّد خيرِ الأنام وأرسل الرسُلَ والأنبياءَ هداةً مهديين، يدعون إلى عبادته سبحانه ويحذّرون من معصيته والصلاةُ والسلام على من صلى بالأنبياء إمامًا وكان لهم خِتامًا سيدِنا محمد بنِ عبد الله وعلى ءاله وصحبه الطاهرين ومن تَبِعَهُم بإحسانٍ إلى يوم الدين نبدأ مستفتحينَ هذه السلسلةِ المباركةِ بالكلامِ عن سيدِنا ءادم عليه السلام أولِ الأنبياءِ والرُسُل.
سيدُنا ءادمُ عليه السلام هو أبو البشر وأولُ إنسان. وكان خلقُه عليه السلام في الجنةِ ءاخرَ ساعةٍ من يومِ الجمعةِ من الأيامِ الستِ التي خلقَ الله فيها السمواتِ والأرضَ كما جاءَ في حديثِ مسلم، وروى مسلمٌ وغيرُه أيضًا عن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "خيرُ يومٍ طلَعَت فيه الشمسُ يومُ الجمعة فيه خُلِقَ ءادم". أمّا كيف خُلِقَ ءادم عليه الصلاة والسلام، فالجواب: شاءَ الله سبحانه وتعالى بمشيئته الأزليةِ التي لا تتبدلُ ولا تتغيرُ وجودَ ءادمَ عليه السلام فأبرَزهُ بقدرتِه من العدمِ إلى الوجود.
فقد أمرَ الله تعالى مَلكًا من ملائكته الكرام أن يأخذ من جميع أنواعِ ترابِ الأرضِ من أبيضِها وأسودِها وما بين ذلك، ومن سهلِها وحَزْنها أي قاسيها وما بينَ ذلك، ومِن طيّبِها ورديئها ومما هو بينَ ذلك. قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله قبضَ قبضةً من الأرضِ من أبيضِها وأسودِها وما بينَ ذلك، ومن طيّبها ورديئها وما بينَ ذلك فجاءَ ذريّةُ ءادمَ على قدرِ ذلك" رواه ابنُ حبانَ وغيرُه، وعند أحمد "فجاءَ بنو ءادمَ على قدرِ الأرض، فجاء منهمُ الأبيضُ والأحمرُ والأسودُ وبينَ ذلك، والسهلُ والحَزْنُ وبينَ ذلك، والخبيثُ والطيّبُ وبين ذلك".
يعني جاءت أحوالُ وألوانُ ذُريةِ ءادمَ عليه السلام مختلفةً بسببِ هذا الترابِ المختلفِ الذي خُلقَ منهُ ءادمُ عليه الصلاة والسلام. وقيل سُمِيَ ءادمُ بهذا الاسمِ لأنه من أديمِ الأرض أي من وجهِ الأرض. واعلموا رحمكم الله أنّ معنى قولِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم "إنّ الله خلقَ ءادمَ على صورته"، يجوزُ أن يكونَ معنى هذا الحديثِ: "إنَّ الله خلق ءادم على صورته" أي على صورةِ ءادمَ الأصلية التي خلقه الله عليها طولُه سِتون ذراعًا وعرضُه سبعةُ أذرُعٍ فيكونُ الضميرُ في "صورته" عائدًا إلى ءادمَ عليه السلام، ويجوز أن يكون الضميرُ في "صورتِه" عائدًا إلى الله فيكونُ التقديرُ على الصورةِ التي خلقَها الله تعالى وجعلَها مُشرّفةً مكرّمةً،
وتُسمّى هذه الإضافةُ إضافةَ الْمِلك والتشريفِ لا إضافةَ الجزئيةِ لأنّ الله سبحانه وتعالى لا يوصفُ بالجسميةِ والجزئيةِ فليس هو جسمًا كبيرًا ولا صغيرًا ولا أصلًا لشيء ولا هو فرعًا عن شيء ولا يتحيّز في جهة ومكان سبحانه، هو الله الموجودُ بلا مكان الذي لا يشبه شيئًا من المخلوقات سبحانه وتعالى.
2\5 قصة سيدنا ءادم عليه السلام
نكملُ اليومَ الكلامَ عن نبيِ الله ءادم عليه السلام وعن الخِلقةِ التي خُلقِ عليها. خلقَ الله سيدَنا ءادمَ عليه السلام جميلَ الشكل والصورة وحسنَ الصوتِ لأنّ جميعَ أنبياءِ الله الذين بعثَهمُ الله تعالى لهدايةِ الناسِ كانوا على صورةٍ جميلةٍ وشكلٍ حسنٍ وكذلكَ كانوا جميلي الصوتِ، قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "ما بعثَ الله نبيًا إلا حسنَ الوجهِ حسنَ الصوتِ وإنّ نبيَكم أحسنُهم وجهًا وأحسنُهم صوتًا". ولقد كانَ طولُ سيدِنا ءادمَ عليه الصلاة والسلام سِتينَ ذراعًا، وكان وافِرَ الشعَرِ شبّهَهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في الطولِ بالنخلةِ السَّحوقِ، فلما خلقهُ الله تعالى قال:
اذهب فسلم على أولئك – نفرٍ من الملائكة جلوس- فاستمِع ما يُحَيُّونكَ فإنها تحيتُك وتحيةُ ذُريتِك، فقالَ: السلامُ عليكم، فقالوا: السلامُ عليكَ ورحمةُ الله، فزادوهُ: ورحمةُ الله. وكلُّ مَن يدخُلُ الجنةَ يكونُ على صورةِ ءادمَ في الطولِ فقد وردَ في مسندِ الإمام أحمد بإسنادٍ حسنٍ عن أبي هريرةَ عن النبيِ صلى الله عليه وسلم أنّ أهلَ الجنةِ يدخلون الجنةَ على خَلْقِ ءادم ستين ذراعًا في عرضِ سبعةِ أذرع. و روى الإمامُ أحمدُ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الله عزّ وجلّ لما صوّرَ ءادم تركَهُ ما شاءَ الله أن يترُكَهُ فجعلَ إبليسُ يُطيفُ به فلما رءاهُ أجوفَ عرفَ أنه خلقٌ لا يتمالك"، وعند أبي يعلى:
"فكان إبليسُ يمرُ به فيقول: لقد خُلِقتَ لأمرٍ عظيم". ففي هذا الحديثِ الصحيحِ دليلٌ على أنَّ إبليسَ كانَ في الجنة لما خُلِقَ ءادمُ وذلكَ قبلَ أن يكفرَ ولأنه كان مسلمًا يتعبدُ مع الملائكة ولم يكن منهم من حيثُ الجنسُ والأصلُ لأنَّ الملائكةَ أصلُهمُ النور وإبليسُ أصلُه من مارجٍ من نار أي لهيبِ النار، وفيه أنَّ إبليسَ كان يدورُ حولَ هَيكلِ ءادم وذلك قبلَ أن يُنفَخَ فيه الروحُ فرءاهُ أجوفَ أي شيئًا غيرَ مُصمَتٍ بل له جوف، فعَرفَ أنه خلقٌ لا يتمالكُ أي ليسَ كالملائكةِ ولا كالجماداتِ بل هو أضعفُ من ذلك.
ومن الكذبِ الظاهرِ ما شاعَ من نظريةٍ ابتدعَها بعضُ الكفارِ وهي أنّ أصلَ البشِر قردٌ أو يُشبه القردَ وهذا فيه تكذيبٌ لقولِه تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} فسيدُنا ءادمُ عليه الصلاة والسلام هو أولُ إنسانٍ خلقَه الله تعالى، ولم يكن أصلُه قردًا ثم تَرقّى حتى صار إنسانًا! فنظريةُ داروين التي تقول إنّ الإنسانَ أصلُه قردُ ثم ترقّى بسببِ العواملِ المجهولةِ حتى صارَ هذا الإنسان، هي نظريةٌ باطلةٌ لا تقومُ على أساسٍ علميٍ وتردُها دلائلُ النقلِ وإن تلقَّفَها الْمَفتونونَ بكلِ جديدٍ ولو كان سخيفًا باطــلًا.
وما جاءَ في القرءانِ من مَسخِ بعضِ اليهودِ قِردةً وخَنازير فهو حالةٌ نادرةٌ جعلَها الله تبارك وتعالى عذابًا لليهودِ الذينَ اعتدَوا في السبتِ وعصَوا الله تبارك وتعالى وموعظةً وعبرةً للمتقين، على أنَّ أولئك الذينَ مسخَهم الله تعالى قردةً لم يعيشوا طويلًا بل عاشوا ثلاثةَ أيام ثم ماتوا ولم يتركوا نَسلًا من جِنسِ ما مُسخوا إليه. وبهذا نصل إلى نهاية حلقتنا لهذا اليوم على أن نكلمكم في الحلقة القادمة إن شاء الله عن خلق السيدةِ حوّاء عليها السلام فتابعونا وإلى اللقاء.
