الحمدُ للهِ الذي خَلَقَ الأَشْكالَ والألوانَ ولا شَكْلَ ولا لَوْنَ لَه، والذي خَلَقَ الجِهَةَ والْمكانَ ولا جِهَةَ ولا مَكانَ لَه، سُبحانَهُ الأعلى مِنْ كُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا، والأكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ عَظَمَةً وَعِزَةً وَعِزًّا، سُبْحانَهُ غَنِيٌّ عَنِ العالَمين وَلا يُشْبِهُ الْمَخْلوقين، والصَّلاةُ والسَّلامُ على خاتَمِ وَأَفْضَلِ الأنْبِياءِ وَالْمُرْسَلين، سَيِدِنا مُحَمَّدٍ الصّادِقِ الأَمين، الذي جاءَ بِدينِ الإسْلامِ كَسَائِرِ إِخْوَانِهِ النَّبِيّين.

أما بعد سنتكلم باختصار عن قصة سيدنا يوسف عليه السلام. هو يوسف ابنُ نبيِ اللهِ يعقوب بنِ إسحاقَ بنِ إبراهيم. وقد أثنى الله عليه ووصفَه بالعِفّةِ والنزاهةِ والصبرِ والاستِقامة قالَ الله تعالى: {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ}. كما أثنى عليه سيدُنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم بقوله: "إنّ الكريمَ ابنَ الكريمِ ابنِ الكريمِ ابنِ الكريمِ يوسفُ بنُ يعقوبَ بنِ إسحاقَ بنِ إبراهيم" رواه البخاري. وذُكر اسمُ يوسفَ عليه السلام في القرءانِ الكريم في سِتٍ وعِشرينَ ءاية.

وهو من أشهرِ أنبياءِ بني إسرائيل، وقد ذُكرت قصةُ سيدِنا يوسفَ عليه السلام في سورةِ يوسف مُفصّلة، وفيها بيانٌ لحياتِه ومحنتِه معَ إخوتِه ومحنتِه مع امرأةِ العزيز، ودخولِه السجنَ ودعوتِه فيه إلى الله تعالى، ثم خروجِه من السجنِ وفيها تفسيرُه الرؤيا للملِكِ واستلامُه لخزائنِ الأرض أي أرضِ مصر، ثم مجيءُ إخوتِه إلى مِصرَ بسببِ القحط، وإبقاؤه لأخيهِ بنيامينَ عندَه، ثم اجتماعُه بأبيه وإخوتِه ودخولُهم عليه وسجودُهم له على وجهِ التحيةِ والتعظيم وكان ذلك جائزًا في شريعتهم، إلى غيرِ ذلك من إشاراتٍ دقيقةٍ وعِظاتٍ بالغةٍ يُستفادُ بها من حياةِ هذا النبيِ الكريم. واعلموا رحمكم الله أنّ يعقوبَ عليه السلام تزوجَ ابنتي خالِه "لَيّا" و"راحيل" وجمَع بينهما وكان ذلكَ جائزًا في شريعتِهم، ثم نُسِخَ في شريعةِ التوراة، وأنهما وَلدتا له عددًا من الأولاد.

وليُعلم أنّ الأسباطَ هم ذريةُ إخوةِ يوسفَ عليه السلام وهم شعوبُ بني إسرائيل، وكان يوجدُ فيهم أنبياءُ نزلَ عليهمُ الوحي، ولم يكن من أولادِ يعقوبَ نبيٌ غيرُ يوسفَ عليه السلام إلا أنّ هناك احتمالًا أن يكونَ بنيامينُ نبيًّا، وأمّا ما ذَهَبَ البعضُ إليه من القولِ بنبوةِ إخوتِه فمردودٌ لأنّ النبوةَ لا تصِحَ لإخوةِ يوسف الذين فعلوا تلكَ الأفاعيلَ الخسيسة وهم مَن سوى بنيامين، فالأسباطُ الذين أُنزِلَ عليهم الوحيُ هم من نُبّئ من ذريتهم. وكان يعقوبُ عليه السلام يحبُ ابنَه يوسف وبنيامين كثيرًا ويُؤثِرُهما بزيادةِ المحبةِ على إخوتِهما لما لهما من المحاسن كحُسنِ الخلُقِ وكان ذلك سببًا في حِقدِ إخوتِهما عليهما،

وسببًا في محنةِ يوسفَ التي ابتُلِيَ بها ونالَ بها الدرجاتِ العُلى عندَ الله تعالى. فقد رأى يوسفُ عليه السلام في المنام وهو صغيرٌ لم يحتلم أنّ أحدَ عشرَ كوكبًا والشمسَ والقمرَ تسجدُ له، قال المفسرون: كانت الكواكبُ في التأويلِ إخوتَه، والشمسُ أمَه، والقمرُ أباه، فقصَّ يوسفُ عليه السلام هذه الرؤيا على أبيه. قيل: كان عمُرُهُ وقتئذٍ اثنتي عشْرَةَ سنة، فأشفقَ عليهِ أبوه يعقوب من حسدِ إخوتِه له، ولقد علِم يعقوبُ عليهِ السلام أنه سيكونُ لابنِه يوسفَ شأنٌ عظيمٌ وسينالُ رُتبةً عاليةً ورِفْعَةً سامية في الدنيا والآخرة، لذلك أمرَهُ بكِتمانِ ما رأى في المنام وألا يَقُصَها على إخوتِهِ خوفًا عليه من كيدِهم وحَسَدِهم.

كانَ بقيةُ أبناءِ يعقوبَ عليه السلام يحسُدونَ يوسفَ وشقيقَه بنيامين على هذه المحبةِ والخصوصيّة لهما وهم يَعتبرونَ أنفسَهم جماعةً أقوياءَ نافعين ليعقوب وأحقَّ بمحبّته، وازدادَ كُرهُ إخوتِه وحسدُهم ليوسف خاصةً لَمّا علِموا بأمرِ الرؤيا، ولذلك تآمروا فيما بينهم على أن يُفرّقوا بينَه وبينَ أبيه، وتشاوروا فيما بينَهم على قتلِ يوسفَ أو إبعادِه إلى أرضٍ لا يرجِعُ منها ليخلُوَ لهم وجهُ أبيهم أي لتَتَمَحَضَ محبّتُه لهم عن شغلِهِ بيوسف، وقالوا سنتوبُ بعدَ ذلك لنكونَ من الصالحين، ولكن قائلًا منهم قيلَ هو أخوهُ يهوذا وقيلَ غيرُه، قالَ لهم:

لا تقتلوا يوسف، وأمرَهم أن يُلقوهُ في قعرِ البئر فيلتَقِطَهُ بعضُ المارةِ من المسافرين فيأخذونَه وبذلك يتخلّصونَ منه، وأخذَ عليهم أخوهم يهوذا العهودَ أنهم لا يقتلونَه، فأجمعوا عندَ ذلكَ على أن يَدخلوا على يَعقوبَ ويُكلِّموهُ في إرسالِ يوسفَ معَهم إلى البريةِ ليلعبَ معَهم ويأكل، لذلك دَخلوا على أبيهم وطلبوا منه أن يَسمحَ لهم باصطِحابِ يوسفَ إلى الصحراء وتعهدوا له أن يُحافِظوا عليه، وكان يعقوبُ عليه السلام قد خطرَ له ما يُضمِرُهُ بنوهُ لأخيهم يوسف، وكان يَعِزُّ عليه أن يذهبوا به لأنّه كان يخشى عليه منهم، لذلك أرادَ أن يُثنِيَهم عن هذا الأمر بقوله: إنِّي لَيَحزُنُني أن تذهبوا بهِ وأخافُ أن يأكُلَهُ الذئبُ وأنتم عنهُ غافلون.

وهو كان يتخوّفُ على يوسفَ من عُدوانِهم أكثرَ مما يتخوفُ عليه عُدوانَ الذئبِ ولكنّهم كانوا بارعين في الدَهاء، فقالوا لئن أكلَهُ الذئبُ ونحنُ جماعةٌ كثيرون نكونُ إذًا عاجزينَ هالكين. والله أعلم وأحكم. ترقبوا في الحلْقة القادمة من سلسلة قصص الأنبياء إن شاء الله تعالى تفصيلَ مؤامرة إخوة يوسف عليه السلام وماذا فعلوا به فتابعونا وإلى اللقاء.

2\9 قصة سيدنا يوسف عليه السلام

الحمد لله مكوّن الأكوان الموجود أزلا وأبدًا بلا مكان أما بعد نتابع في قصةِ مؤامرةِ إخوة يوسفَ عليه السلام. أرسلَ يعقوبُ يوسفَ عليهما السلام معَ إخوتِه لئلا يشعروا أن أباهم يخشى عليه منهم فيُدَبروا له مكيدةً في غيابِه فأرسلَه معهم على كُرهٍ ومَضَض، وما إن غابوا بهِ عن عينِه انطلقوا بهِ إلى البئرِ ليَطرحوهُ فيه فخَلعوا قميصَه، فقال: يا إخوتاه، لِمَ نزعتُم قميصي؟ رُدُّوه عليّ أسترْ به عورتي ويكُنْ كفنًا لي في مماتي، فقالوا له: ادعُ الشمسَ والقمرَ والأحدَ عشرَ كوكبًا تُؤنِسُك، ثم أنزلوهُ في البئرِ حتى إذا بلغَ نِصفَها ألقوهُ إرادةَ أن يموت، فكانَ في البئرِ ماء فسقطَ فيه ثم أوى إلى صخرةٍ فيها فقامَ عليها وجعلَ يبكي،

فنادَوْه فظنَ أنها رحمةٌ أدركتهم فأجابهم، فأرادوا أن يرجُموهُ بالحجارة فمنعَهم أخوه يهوذا، وبعد أن ألقى إخوةُ يوسفَ أخاهم في البئرِ أرادوا أن يُخفوا جريمَتهم، لذلك عَمَدوا إلى جَدْيٍ من الغنمِ فذبحوهُ ثم غمسوا قميصَ يوسفَ في دمِه ورَجعوا إلى أبيهم يعقوبَ في وقتِ العشاءِ يبكون، وإنما جاءوا وقتَ العَتَمَةِ ليكونوا أجرأَ في وقتِ الظلامِ على الاعتذارِ بالكذب، فلما دنَوْا منه صرخوا صُراخَ رجلٍ واحد ورفعوا أصواتَهم بالبكاءِ والعويلِ، فلما سمِع يعقوبُ عليه السلام صوتَهم قال:

ما لكم يا بَنِيّ، هل أصابكم في غنَمِكم شيء؟ قالوا: لا، قال: فما أصابَكم وأينَ يوسف؟ فقالوا له كاذبين: يا أبانا إنّا ذهبنا للسِباقِ والرميِ بالسِهام وتركنا يوسفَ عند مَتاعِنا فأكلَه الذئبُ وأنت لستَ بمصدِقنا ولو كنا صادقين. وعندما سمِع يعقوبُ عليه السلامُ كلامَ أبنائِه وما ادّعَوه بَكى وقالَ لهم: أينَ القميص؟ فجاءوا بالقميصِ عليه دمٌ وليس فيه خَرْقٌ، ويُروى أنّ يعقوبَ عليه السلام أخذَ القميصَ وأخذَ يُقَلِّبُهُ وقالَ لهم مُتهكمًا: ما أحلمَ هذا الذئب الذي أكلَ ابني دونَ أن يُمَزِّقَ ثوبَه!!

وقال هذا الكلامَ عليه السلام تعريضًا بكذِبهم وإيذانًا لهم بأنَّ صنيعَهم ومكرَهم هذا لم يَمُرَّ عليه. أقامَ يوسفُ عليه السلامُ في البئرِ ثلاثةَ أيام وكانَ البئرُ قليلَ الماء ومرَّت قافلةٌ من القومِ أمامَ البئرِ الذي أُلقيَ فيهِ يوسفُ عليه السلام فبَعثوا مَن يَستقي لهمُ الماءَ من البئر، فلمّا أدلى دلوَه في البئرِ الذي فيه يوسفُ عليه السلام تعلَّقَ به، فلما نزَعَ الدلوَ يحسِبُها قدِ امتلأت ماءً، إذا بها غلامٌ جميلٌ حَسَنُ الوجهِ مُشرقُ الْمُحيّا فاستبشَرَ الرجلُ به وقالَ لأصحابه:

يا بُشرى هذا غلام، فأقبلَ أصحابُه يسألونَه الشَرِكةَ فيه واستَخرجوهُ من البئر، فقالَ بعضُهم لبعض: اكتُموهُ عن أصحابِكم لِئلا يسألوكُمُ الشَرِكَةَ فيه، فإن قالوا: ما هذا؟ فقولوا: استَبْضَعناهُ أهلَ الماء أي وضعوهُ معنا بِضاعة لنبيعَه لهم بمصرَ. ولَمّا استشعرَ إخوة يوسفَ عليه السلام بأخذِ القافلةِ ليوسفَ عليه السلام لَحِقوهم وقالوا: هذا غلامُنا أي عبدٌ لنا أبِقَ وهَرَبَ منا فَصَدقَهم أهلُ القافلة فاشترَوْهُ منهم بثمنٍ بَخْسٍ وقليلٍ من الدراهمِ المعدودة.

ولما ذهَبتِ القافلةُ ومعها يوسفُ عليه السلامُ إلى مصر، وقفوا في سوقِ مصرَ يَعرِضونَه للبيع، فأخذَ الناسُ في مصرَ يتزايدونَ في ثمنِه حتى اشتراهُ منهم عزيزُها وهو الوزيرُ المؤتمنُ على خزائِنها يُقال له "قَطفير" وكان مَلِكُ مصرَ يومئذٍ "الرَّيانَ بنَ الوليد" وهو رجُلٌ منَ العمالقة، وذهبَ الوزيرُ الذي اشترى يوسفَ عليه السلامُ بهِ إلى منزلِه فرحًا مَسرورًا بيوسف وقالَ لامرأتِه واسمُها زَليخا: أكرِمي مَثواهُ عسى أن يَنْفَعَنا أو نتَّخِذَهُ وَلدًا، وكانَ هذا الوزيرُ لا يأتي النساءَ ولا يَميلُ لهنّ وكانت امرأتُه "زليخا" امرأةً جميلةً حسناءَ ناعمةً في مُلْكٍ ودنيا.

ولما رأى هذا الوزيرُ في يوسُفَ عليه السلام الذكاءَ والأمانةَ والعِلمَ والفَهمَ جعلَه صاحِبَ أمرِه ونهيِه والرئيسَ على خدمِه. نكتفي بهذا القدرِ ونُعطيكم موعِدا جديدا في الحلقة المقبلة من سلسة قصص الأنبياء بإذن الله لنحدِثَكم عن مِحنةِ يوسفَ عليه السلام معَ امرأةِ العزيزِ ونبيّنَ لكم أنّ يوسف عليه السلام ما زنى بها ولا همّ بذلك فتابعونا وإلى اللقاء.