الحمد لله البرِّ التوّاب والصلاة والسلام على محمد الذي بهر العقولَ والألباب وعلى آله وأصحابِه إلى يومِ الحساب. أما بعد فإنَّ الاستنجاءَ واجِبٌ أى لا بد منه لصحةِ الصلاةِ، وذلك مِنْ كُلِّ رَطْبٍ خارِجٍ مِنْ أَحَدِ السبيلينِ إلا المنِىَّ فإنَّه طاهِر، وأما الخارجُ الجافُّ الذِى لا رُطوبَةَ فيه فَلاَ يَجِبُ الاستنجاءُ منه. والاستنجاءُ يَصِحُّ أَنْ يكونَ بالحجرِ أو ما يَقُومُ مقامَه أو بالماء أو بِهِمَا معًا. فإذا أراد الشخصُ الاقتصارَ على الحجرِ أو ما يقومُ مقامَه لا بدَّ أن يمسحَ المحل الذى أصابَه الخارج ثلاثَ مسحاتٍ على الأقل.

فإذا أَنْقَى الْمَحَلَّ بأقلَّ من ثلاثة لا بُدَّ أن يزيد إلى الثلاثة، وإن أَنْقَى بالثلاثة كَفَاهُ ذلك، وإِنْ لم يُنْقِ بثلاثةٍ لا بد أن يزيدَ حَتَّى يُنْقِى. فإن لم يُرِدْ أنْ يستعملَ الحجر أَجْزَأَهُ أن يستعملَ شيئًا يقومُ مَقَامَه، وذلك بأنْ يكونَ هذا الشىءُ قالِعًا ليس كَـنَحْوِ الزُّجَاجِ والقصبِ، وطاهرًا فلا يُجْزِئُ الرَّوْثُ الجامِدُ الجاف لأنَّهُ نَجِس، وأن يكون جامدًا فلا يُجْزِئُ الترابُ المتناثر ولا يُجْزِئُ ما فيه رطوبة. ولا بد أَنْ يكونَ غَيْرَ مُحْتَرَمٍ فلا يجزئُ المحترمُ كَوَرَقَةٍ فيها علمٌ شَرْعِى وكطعامِ بَنِى ءادم أو الطعام المشترك بين بَنِى ءادم والبهائم، أى الذى لا يَغلِبُ عليه أنه أكْلُ البهائم ولا يغلبُ عليه أنه أكلُ بَنِى ءادم بل هو مُشْتَرَكٌ بين البهائم وبنى ءادم فإنه لا يجزئ.

وإذا اسْتَنْجَى بالحجرِ أو بما يقومُ مقامَ الحجَرِ يَكْفِيهِ إزالةُ العين ولو بَقِىَ الأثر. والأثر هو الذى لا يزول إلا بالماء أو بصغار الخَزَف أى الفَخَّار، فما لا يزول إلا به يُعْفَى عنه. ولا يصح الاستنجاءُ بالحجرِ إذا انتقلَ الخارِجُ عَنْ مَحَلِّ الخروج، يعنى إذا انتقل البولُ عن محل خروجِه أى إذا تعدّى البولُ الحَشَفَةَ مِنَ الذَّكَرِ أوْ إذا وَصَلَ إِلَى مَدْخَلِ الذَّكَرِ مِنَ الأُنثى، أو إِذا تَجَاوَزَ الغائِطُ الصَفْحَتَينِ أى ما لا يَظهرُ مِنَ الأَلْيَينِ عند الوقوف، فعند ذلك لا يُجزِئ الحجر فى هذه الحالات الثلاث.

وكذلك لو جفّ الخارج على محل الخروج لا يجزئ الحجر. وكما يجزِئُ الحجر وحده فى الاستنجاء يُجزِئُ الماءُ أيضًا، لكن إذا أراد الاقتصارَ على أحدِهِمَا فالماءُ أَفْضَل. فإذا أرادَ الاستنجاءَ بالماء يَسْكُبُ الماءَ على محلِّ الخروجِ مع دَلْكِ الْمَخْرَج حتى يذْهَبَ العَينُ والأَثر. وإذا جَمَعَ فِى الاستنجاءِ بين الماءِ والحجرِ فهو أحسن، ويبتدئ بالحجر ثم بعد ذلك يستعملُ الماء. وفي الختام نسأل الله تعالى أن يتقبل منا الصيام والقيام وأن يعيننا على غض البصر وحفظ اللسان والحمد لله الموجود بلا مكان.

موجبات الغسل

الحمد لله المنزّه عن الكيفِ والشكلِ والصورةِ والأعضاءِ والصلاةُ والسلامُ على سيدِنا محمدٍ خيرِ الأنبياء وعلى آلهِ وأصحابِه إلى يومِ الفَصلِ والقَضاء. أما بعد فإن الطهارةَ شرطٌ مِنْ شروط صحةِ الصلاة، فَمَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَكْبَر لا بد أن يَتَطَهَّرَ للصلاةِ حتى تَصِحَّ صلاتُهُ. والطهارةُ مِنَ الحَدَثِ الأكبَرِ تكونُ بالاغْتِسالِ بالماءِ أو بالتيممِ بالتراب لمن عَجَزَ عن الاغتسالِ بالماء. وهناك خمسة أشياء تُوجِبُ على الشخصِ أن يَتَطَهَّرَ مِن الحدث الأكبر. وغيرُهَا لا يوجب ذلك. أما غَسْلُ الميت فهذا ليس غَسْلًا من حدثٍ أكبر، وهو ليس واجبًا على الْمَـيّت لأنه خرج من دار التكليف، إنما هو غُسْلُ تَكْرِيم أى لتكريمِ هذا الميت المسلم، وهُوَ واجب وجوبًا كفائيًا على غيره من المسلمين.

وأولُ أَسْبَابِ الحَدَثِ الأكبر خروجُ المنيِ، فإذا خَرَجَ مِنَ الشخْصِ مَنِيُّهُ وَجَبَ عليه أَنْ يَغْتَسِلَ للصلاة. ويُعْرَفُ الْمَنِىُّ بواحِدَةٍ مِنْ عَلاَمَاتٍ، منها أَنَّه يَخْرُجُ بِلَذَّة؛ وأَنَّه يخرُجُ مُتَدَفّـِقًا أى متقطعًا على دَفَعَاتٍ بقوة؛ وأَنَّ له رائحةَ بياضِ البَيضِ جاَفًا والعجينِ أو طلعِ النخل رَطْبًا. هذه هى العلامات التِى تُمَيـّزُ المنِىَّ من غيره، فإذا وُجِدَت واحدة منها يكفى ذلك للحكم عليه بأنه منىّ، ولا يُشْتَرَطُ اجتماعُهَا.

وثاني أسباب الحدثِ الأكبر الجماع وهو يُوجِبُ الاغتسالَ ولو حَصَلَ مِنْ غَيرِ إِنْزَالٍ للمني. والمرادُ بالجماعِ حقيقَـةُ الجماع أى إيلاجُ الحشفةِ فى الفرجِ، وهذان السَبَبَانِ أى خروجُ المنىِّ والجماعُ مُشْتَرَكَانِ بينَ الرجالِ والنساءِ. وبَقِيَت ثلاثةُ أسبابٍ للحدثِ الذى يوجب الغسلَ هى خاصةٌ بالنّساء، وهي الحيضُ والنِّفـاسُ والوِلادة. وشرح ذلك أَنَّ مِنْ مُوجِبَاتِ الغُسْلِ انقطاعَ الحيض. فعندما يَنقَطِعُ دَمُ الحيض صار واجبًا على المرأةِ أن تَغْتَسِلَ لأجل الصلاة أى حتى تصلى. والحيضُ دَمٌ يَخْرُجُ مِنْ فَرْجِ المرأَةِ عَلَى سَبِيلِ الصّـِـحَّة أى ليس بسببِ مَرَض ومِنْ غَيرِ سَبَبِ الوِلاَدَة. وأَقَلُّهُ مِقْدَارُ يَوْمٍ وليلَةٍ، وأَقْصَاهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يومًا.

وأَمَّا النّـِفَاسُ فهو دَمٌ يَخْرُجُ مِنْ فَرْجِ المرأَةِ بعدَ الولادةِ بسببِ الولادة. وأقلُّهُ مَجَّةٌ يعنى دُفعة واحدة، وأقصاهُ ستونَ يومًا.

وأما الولادة فإنها تُوجِبُ الغُسلَ أيضًا ولو لم يَعْقِبِ الولادةَ دَمٌ. فلو وَلَدَت المرأةُ ثم نَزَلَ بعد الولادة دمُ النفاس يجب عليها أن تغتسلَ لأجل الصلاة عندما ينقطع هذا الدم. لكن لو فَرَضْنَا أَنْ امرَأَةً وَلَدَت ثم لم ينـزلْ منها دَمُ النفاس فهذه يجبُ عليها أيضًا أن تغتسلَ لأجل الصلاة، لأنَّ خُرُوجَ الوَلَدِ فى هذه الحال مِثْلُ خروجِ الْمَنِىّ، لأنّ أصلَ الولد مَنِىٌّ مُنْعَقِدٌ.

وليُعلم يا أحبابنا أن فروضَ الغُسْلِ اثْنَانِ. أي أَنَّ هناك شَيئَينِ اثنين فقط هما ركنا الغسل، وكل ما عداهُمَا ليس من أركانه.

الركنُ الأولُ من أركانِ الغسلِ النية، ومحلُّها القلب. فينوِى بقلبِه رفعَ الحدث الأكبر عندما يلامِسُ الماءُ بَدَنَهُ، فلا بُدَّ أَنْ تكونَ النيةُ مقترنةً بملاقاةِ الماءِ للبَدَن. فإذا نوى قَبْلَ البَدْءِ بِصَبِّ الماء ثم لَمَّا بَدَأَ بصب الماء لم يستحضرْ بقلبه النية بالمرة فهذا الصَبُّ لا يكون مجزئًا، حتى يُجَدِّدَ النيةَ مَعَ ملاقاةِ الماءِ للجَسَدِ. ومعنى النية أنْ يَستحْضرَ بقلبه أنَّه الآن يغتسل الغسل الواجب، أو أن يستحضرَ بقلبِهِ أَنَّه الآنَ يَرْفَعُ الحدثَ الأَكْبَر، أو ما شَابَه ذلك من النيات.

هذا هو الفرض الأول. والفرضُ الثانى أن يُعَمّمَ كُلَّ البدن بما يَشْمَلُ كُلَّ الشَعر والجلد مرةً واحدةً بالماء. ولو كانَ الشَعرُ كثيفًا فإنه لا بُدَّ أن يُوْصِلَ الماءَ إلى الباطن مرةً واحدةً، وأما التَّثـْلِيثُ فَسُنَّة. وبهذا نكون انتهينا من الكلام عن موجبات الغسل وأركانه، نسأل الله تعالى أن يتقبل منا الأعمال الصالحة وأن يرزُقَنا حسنَ الخِتام والحمد لله رب العالمين.

شروط صحة الطهارة

الحمد لله الذي دلّ على وُجودِه بِجودِه وأُصلي وأسلِم على سيدِنا محمدٍ فخرِ آبائه وجُدودِه وعلى آلهِ وأصحابِه وأزواجهِ وأتباعِه أما بعد فإنَّ شروطَ صحةِ الطهارةِ خمسةٌ أولُها الإسلام، فالكافرُ لا تصِحُ منه الطهارة، ونَعْنِى بذلك الوضوءَ و الغسلَ و التيمم. وثانيها التمييز فالصغيرُ غيرُ الْمُمَيّزِ والمجنونُ لا تصِحُّ منهما الطهارةُ. وثالثها عَدَمُ المانِعِ مِنْ وُصُولِ الماءِ إِلَى المَغْسُولِ. فمِنْ شروط صحةِ الطهارة أن لا يكون مانِعٌ يمنعُ من ملاقاةِ الماء للعضو الذى يجبُ غَسْـلُـهُ أو مَسْحُهُ فى الطهارة، فإن وُجِدَ ذلك لا بُدَّ من إِزَالَتِهِ حتى يصلَ الماءُ إلى ما تَحْتَهُ من الجلدِ. ويُفْهَمُ من ذلك أنَّ طِلاَءَ الأظافر الذى تضعُهُ النساءُ لا بُدَّ من إزالتِهِ قبلَ الوضوءِ أو الغسلِ ليَصِحَ لها الوضوءُ أو الغُسْلُ، لأنه يمنعُ مِنْ وُصُولِ الماءِ إلى الظُّفْرِ.

ورابع شروط صحة الطهارة السَّيَلاَنُ فلا بدّ فى غُسْلِ الطهارةِ من أن يَجْرِىَ الماءُ على الجلد بطبْعِهِ ولو مع إمرار اليد. أما مجردُ المسحِ الذى لا يُسمى غَسلًا فهذا لا يُجْزِئ، أى إذا بلَّـلَ شخصٌ يدَه بالماءِ ثم مَسَحَ بها وَجهَهُ فى الوضوءِ بَدَلَ أن يَغسِلَه لا يُجْزِئ.

وخامس شروط صحة الطهارة أنْ يكونَ الماءُ مُطَهّـِرًا أي طاهرًا بنفسِه غيرَ نَجِسٍ ومُطَهّـِرًا لغيره. فَلِكَى يُجزئَ استعمالُه فى رفع الحدث أو إزالة النجَس لا بد من أن يجمعَ الصفتين أى لا بد أن يكون طاهرًا مطهرًا مثلَ ماء المطر والنهر والبحر والبئر والعين، فإن كان طاهرًا لكن لا يُطَهّـِرُ غيرَهُ فلا يكفى. ومثال الماءِ الطاهرِ الذي لا يُطهّر غيره الشاي وقهوةُ البن وشرابُ التوت وشرابُ الليمون وما أشبه ذلك. وفي الختام نسأل الله العلي القدير أن ييسر لنا سبلَ الخير وأن يوفقنا لأن نعمل بعمل أهل الجنة الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون والحمد لله رب العالمين.