الحمد لله الواحد العلاّم والصلاة والسلام على محمدٍ طه الإمام وعلى آله وأصحابه على الدوام. واجباتُ الحج هى ما ينجَبِرُ بالدم إذا تُرِكَ، ولا يُفْسِدُ تركُهُ الحجَّ وإن كان فيه إثم. فمن واجباتِ الحَجِّ أنْ يُحْرِمَ من الميقات يعنى أن لا يتجاوزَ الميقات من غير إحرام. والمواقيت هي أماكن عيَّنَهَا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حتى لا يتجاوَزَهَا مُريدُ الحجِ من غيرِ إحرام. فميقاتُ أهلِ المدينةِ ومَن يَمُرُّ بطريقِ المدينة إلى مكة هو ذُو الحُلَيفَة، ويقال له اليوم:

ءابار علىّ، وميقاتُ أهلِ الشام ومِصر والمغرب ومن يمر بطريقهم الجُحْفَة أو رابِغ، وميقاتُ أهلِ اليمن ومن يمرُّ بطريقهم يَلَمْلَم، وميقاتُ أهلِ العراق ومن يمرُّ بطريقهم ذاتُ عِرْق، وميقاتُ أهلِ نجد ومَن يمرُّ بطريقهم قَرْن الثعالب. فمَن جاوزَ إحدى المواقيت مُتوجهًا إلى مكة المكرمة بقصدِ النُسُك ثم أحرم من بعد الميقات لَزِمَهُ الدَّمُ.

ومن واجباتِ الحجِّ مَبيتُ مُزْدَلِفَةَ على قولٍ. أي أنّه يجبُ أنْ يكونَ الحاجُّ فى مزدلفةَ ولو للحظة بعد منتصَفِ ليلة العيد، يعنى الليلة التى تسبقُ يوم العيد، سواءٌ كان فى مزدلفة قائمًا أو قاعدًا أو نائمًا. وهذا قولٌ فى المذهب، والقول الثانى أنه سُنَّة ليس واجبًا. فعلَى القول الثانى من تركَه فليس عليه إثم ولا فدية.

ومن واجباتِ الحجِّ المبيتُ فى مِنَى أغلَبَ الليل، أى فى ليالِى أيامِ التشريق، أى يبيتُ هناك الليلةَ الأولى والليلةَ الثانية إذا نَفَرَ من مِنًى قبل غروب شمس اليوم الثانى من أيام التشريق وإلا يَـبيتُ ليلةً ثالثة حتى يرمِىَ فى اليوم الثالث. وهذا المبيت أيضًا هو سُـنَّة على قولٍ للإمام الشافعىّ، وعليه فمن ترَكَه فليس ءاثمًا ولا عليه فدية.

و من واجبات الحج رَمىُ جمرةِ العقبة يومَ العيد بسبْعِ حَصَياتٍ. وجمرَةُ العقبة هى الأقربُ إلى مكة من بين الجمرات الثلاث. ويدخلُ وقتُ الرمى بمنتصف ليلة العيد، ويستمرُ إلى ءاخر أيام التشريق.

و من واجبات الحج رمىُ الجَمَراتِ الثلاثِ أيامَ التشريقِ. أي أنّ الحاج يرمِى ثلاثَ جَمَرَاتٍ فى كلِّ يومٍ من أيّام التشريق، يَرمِى كلَّ جمرةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ. فواحدةٌ من الجمَرات تَلِى مسجدَ الخَيْف، وواحدة تلى مكة المكرمة كما ذكرنا وهى جمرة العقبة والوسطى بينهما. ولا بد أن يرمِىَ الشخصُ بنفسِهِ إلا لعذر، وأن يرمِىَ الحصَياتِ مُتَفَرّقَاتٍ. فلو رمى الحصيات معًا دفعة واحدة حُسِبَت جميعها حصاةً واحدة.

و من واجبات الحج طوافُ الوداعِ على قولٍ فى المذهبِ. أي أنّه بعد أن ينفرَ الحاجُّ من مِنًى (إمّا فى اليوم الثانى من أيام التشريق قبلَ غروبِ الشمس أو إذا غربت عليه الشمس وهو فى منى ففى اليوم الثالث بعد الرمى)، يجب عليه أن يطوف بالكعبة إذا كان يريدُ الرجوعَ إلى وطنه أو إذا أراد أن يقصِد مسافةَ قصرٍ أى يجب عليه أن يطوفَ سَبْعَ مراتٍ بالكعبة. وعلى قولٍ هذا الطوافُ سُنَّةٌ وليس واجبًا.

فَتَلَخَصَ من ذلك أنّ هناك أمورًا سِتَّةً هى واجبةٌ فى الحج، من تركَ واحدًا منها لم يَفْسُدْ حجُّهُ إنما يكونُ عليهِ إثمٌ وفديةٌ والفدية هى: ذبح شاة، فإن عجز صام عشرةَ أيام، ثلاثة فى الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله. والله تعالى أعلم وأحكم، نسأل الله تعالى أن يُكرمنا بالحج وزيارة النبي محمد صلى الله عليه وسلم والحمد لله رب العالمين.

0035 3-1 *بيان لبعض المعاملات المحرمة*

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي العربي الأميّ الأمين وعلى آله وأصحابه إلى يوم الدين. أما بعد يجبُ على كلِّ مسلِمٍ مُكَلَّفٍ أنْ لا يدخُلَ فِى شىءٍ حتى يعلمَ ما أحلَّ اللهُ تعالى منهُ وما حرَّمَ لأنّ اللهَ سبحانَهُ تَعَبَّدَنَا أَى كَلَّفَنَا بأشياءَ فلا بدَّ من مُراعاةِ ما تَعَبَّدَنَا.

يجب على العبدِ أن يُطيعَ خالقَهُ سبحانَهُ بأداءِ ما أمر به واجتنابِ ما حرَّم، لأنَّ اللهَ سبحانه أهْلٌ لأَن يُطَاعَ. وسواءٌ فى هذا ما عَقِلْنَا الحكمةَ منه وما لم نَعْقِل، لأنّ بعضَ الأشياء التى تَعَبَّدَنَا اللهُ تعالى بهَا أى أَمَرَنَا بها أو نهانا عنها نعرف الحكمةَ منها وأشياءُ أخرى لا نعرِفُ الحكمة منها. وهذا ابتلاءٌ أى اختبارٌ من اللهِ عزّ وجلّ للعباد حتى يظهرَ العبدُ الْمُسْرِعُ بالطاعة والعبدُ الْمُبْطِىءُ فى الطاعة أى حتى يَتَمَيـَّزَا. فيجبُ علينا أن نُسَلّـِمَ لخالِقِنَا فى كلِّ ما أمر به سبحانه وما نهى عنه.

وقَد أحلَّ اللهُ تعالى البيعَ وحرَّم الرِبا. وقد قَيَّدَ الشرعُ هذا البيعَ بآلةِ التعريفِ لأنه لا يَحلُّ كُلُّ بَيْعٍ إلا ما استوفَى الشروطَ والأركانَ، فلا بُدَّ لِمَن يريدُ تَعاطِىَ البيعِ والشراء أن يتعلمَ أحكام البيع والشراء حتى لا يقعَ فى ما حرَّم اللهُ تعالى، وإلا فإنّه يقعُ فى المحرمات شاءَ أمْ أَبـَى عَرَفَ ذلك أو لَم يَعْرِفْ. وقد كان سيدُنا عُمَر لأهمية هذا الأمر يَمُرُّ فى السوقِ فيَمْتَحِنُ التُّجَار، فإنْ وَجَدَ واحدًا منهم ليس عندَه معرفةٌ كافيةٌ بأحكامِ البيعِ والشراء أقَامَهُ مِنَ السوقِ، وكان يقول رضي الله عنه:

لا يَقْعُدْ فِى سوقِنَا مَنْ لَم يَتَفَقَّهْ إهـ. يعنى لا يقعدْ فى السوق ليبيعَ الناس ويشتري منهم. وأما الإنسان الذى تَعَلَّم تلك الأحكام وطَـبَّقَهَا فاتَّقَى الله عزّ وجلّ، أى اجتنب ما حرَّم الله من أنواع المعاملات، يُحشر يومَ القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء، كما ثبتَ فى حديثِ الترمذى وغيرِهِ عن سيدنا رسولِ الله صلى الله عليه وسلم. وهذه بِشَارَة للتاجر الصدوق بأنّه يومَ القيامةِ يكون من الذين لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون، أى يكون يوم القيامة من أهل النجاة، وما ذاكَ إلا لأجلِ ما يلقَاهُ مِنْ مُجاهدةِ نفسِهِ وهواهُ وقهرِهَا على إجراءِ العُقُودِ على ما أمرَ اللهُ تعالى.

والآن نتكلم إن شاء الله في بيان أنواعٍ محرمةٍ من البيوعِ والمعاملات. نبدؤه بذكرِ الرّبا. وأكثرُ أنواعِهِ شُيُوعًا هو رِبَا القَرض. ويَجْمَعُ مسائِلَهُ الحديثُ الذى رواه البيهقىُّ: "كُلُّ قَرْضٍ جَرّ منفعةً فهو ربا"، يعنِى أنّ كُلَّ قرضٍ كان فيه شرطُ جَرّ المنفعةِ للمُقرِضِ وَحْدَهُ أو له وللمُقتَرِضِ فهو ربا. فإذا أقرضَ الشخصُ إنسانًا ءاخرَ مالًا إلى مدةٍ معلومةٍ على أنّه إذا تأخرَ فى ردِّ المالِ عن تلك المدةِ يرُدُّهُ له مع زيادةٍ فهذا هو رِبَا القَرْضِ.

وكذلك لو أقرَضَهُ مبلغًا من المال على أنّه يرُدُّهُ له وقتَ كذا معَ زيادة. وكذلك لو أقرضَهُ مبلغًا من المال على أن ينتَفِعَ بِبَـيْـتِهِ مجانًا إلى أن يرُدَّ له المال، فإنّ هذا ربا أيضًا، ولو لَم يُشْتَرَط فيه زيادةٌ لأنّ فيه شرطَ جَرِّ منفعةٍ إليه.

وأما باقِى مسائلِ الرّبا فيُبَـّيِنُهَا حديثُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الذى رواه مسلمٌ وغيرُه: "الذهبُ بالذهبِ والفضةُ بالفضةِ والبُرُّ بالبرِ والشعيرُ بالشعيرِ والمِلْحُ بالمِلْحِ والتمرُ بالتمرِ رِبا إلا مِثلًا بمثل يدًا بيد سواءً بسواء. فإذا اختَلَفَت هذه الأصنافُ فَبِيعُوا كيفَ شِئْـتُم إذا كان يدًا بيدٍ". معنى ذلك الحديث أنّ الإنسانَ إذا أراد أن يبيعَ ذَهَبًا مقابِلَ ذهب أو فضةً مقابل فضة فلا بدّ أن يكونَ القَدْرُ الصافِى من النقد متساويًا من الجانبين.

ولو كان أحدُهُمَا مشغولًا والآخرُ غيرَ مشغول فلا بدّ فيهما من التساوِى. ولا بدّ أيضًا أن يَتِمّ التقابضُ فِى المجلِسِ، من غير أن يكونَ العقدُ مُتَضَمِنًا لتأجيلِ التسلِيمِ ولو لمدةٍ قَصِيَرة. فلو قال شخصٌ لآخر: بعتُكَ هذا الرِطل من الذهب بذاك الرِطل الذى معك على أن أُسَلّـِمَكَ ما معِى بعدَ نصفِ ساعة فالعقدُ فاسدٌ وهو رِبا والعياذ بالله. وكذا لو لم يشترط التأجيل بل قال له: بعتُكَ هذا الرِطل الذى معى بهذا الرطل الذى معك لكن افترقا من المجلس قبل أن يتقابضا، أو واحدٌ منهما قبض والثانى لم يقبض، فإنّ هذا أيضًا ربا.

وكذلك لو قال له: بعتك هذا الرطل من الذهب غير المغشوش برطلٍ ونصف من الذهب المغشوش مما معك فهو ربا إن لم يُعْلَمْ تساوِى الصافِى من الجانبين. فالمثالُ الأخيرُ من الربا وهو بيعُ الذهبِ بالذهبِ مُتفاضلًا أى مع الزيادة فى أحد الجانبين يقال له: ربا الفَضل أى ربا الزيادة. والمثالُ الثانِى الذِى فيه الافتراقُ من غيرِ تقابضٍ يقال له: ربا اليد لأنه لم يتمَّ التقابضُ يدًا بيد. والمثالُ الثالثُ الذى فيه اشتراطُ التأجيلِ يقال له: ربا النَّسَاء (والنَّساءُ هو التأجيل).

ومِثل بيعِ الذهب بالذهب والفضة بالفضة فى الحكم بيعُ المطعومِ بجنسه أى بيعُ القمحِ بالقمحِ أو الشعير بالشعير أو الذُّرَة بالذرة أو العدس بالعدس وهكذا. أما لو باعَ ذهبًا بفضة فلا يُشترطُ التماثُلُ فى الجانبين لأنّ الجنسين مختلفان. لكن يُشترَطُ أن يتمَّ التقابُضُ فى المجلسِ من غيرِ اشتراطِ التأجيلِ. ومثل ذلك بيعُ أحدِ المطعوماتِ بجنسٍ ءاخر من المطعوماتِ.

أما لو باعَ مطعومًا بذهب أو فضة كشعيرٍ بذهبٍ أو فضةٍ فهُنا لا يُشترَطُ التماثل ولا يشترط التقابُضُ فى المجلس بل يجوزُ أيضًا اشتراطُ التأجيل. فيجوز بيعُ مِائَةِ رِطلٍ من القمحِ بدينارين مؤجلَين إلى شهرٍ مثلًا. وما كان يُوزَنُ فى زمنِ رسول الله صلى الله عليه وسلم فالعِبرةُ للتساوِى فيه الوزنُ كالذهبِ والفضّةِ. وما كان يُكَالُ فى زمنِ الرسولِ عليه الصلاة والسلام فالعِبرَةُ فيه بالكيلِ كالقمحِ والشعيرِ ونحوِهِمَا. نقف هنا الآن إن شاء الله ونتابع الكلام في بيانِ أنواعٍ محرّمةٍ من البيوعِ والمعاملات في حلقة مقبلةٍ إن شاء الله تعالى فتابعونا وإلى اللقاء.

0036 3-2 *بيان لبعض المعاملات المحرمة*

الحمد لله الذي أنار الوجودَ بطَلعةِ خير البرية والصلاةُ والسلام على صاحبِ المراتبِ العلية وعلى آله وصحبه أهلِ الفضلِ والصِدقِ والأخلاقِ الرضية. أما بعدُ نتابعُ الكلام في بيانِ أنواعٍ محرمةٍ من البيوعِ والمعاملات فنقولُ بتوفيق الله تعالى أنّ مِنْ أنواعِ البيوعِ المحرمةِ بيعَ شىءٍ قبل أن يَقْبِضَهُ الشخْصُ، وذلك شاملٌ للطعامِ وغيرِهِ. ويحصُلُ القَبْضُ بتمكِينِ الْمُشْتَرِى من العَقَارِ، أو بتفريغِ البيتِ له وتسلِيمِهِ مفاتِيحَهُ، أو بنقلِهِ فى الشىء الذى يُنْقَل، أو بأخذِهِ باليدِ فى نحوِ كتابٍ وثوبٍ وما شابَهَهُمَا.

ومِنْ أنواعِ البيوعِ المحرمةِ بيعُ الدَّين بالدَّين، وله صُوَرٌ مُتَعَدّدَة. من ذلكَ أن يكونَ لزيدٍ دينٌ فى ذِمَّةِ عمرو، فيقول زيدٌ لإنسانٍ ثالث بعتُكَ دَينِى الذى لِى على عمرٍو بكذا من المال تُعْطِينـِى إياه بعد يوم أو بعدَ يومين، فهذا حرام نَهَى عنه رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم. وقال أحمدُ "إجماعٌ أنَّه لا يجوزُ بيعُ الدّينِ بالدّينِ."

ومِنْ أنواعِ البيوعِ المحرمةِ بيعُ الفُضُولِىِّ، أَى بيعُ ما ليس له عليه مِلْكٌ ولا ولايةٌ. والفضولَّى هو الشخصُ الذى يبيعُ ما ليس مِلكًا له ولا له عليه ولايةٌ بالتصرُفِ، أى ليس له عليه ولاية بطريقٍ شرعِى. ومثلُ هذا البيعِ لا يَقَع. أما مَنْ له ولاية على مال غيرِه كولِىٍّ على مالِ يتيم فإنّه يجوزُ له أن يبيعَ من مالِ اليتيم لمصلَحَتِهِ أى لمصلحة اليتيم.

واعلموا رحمكم الله أنَّ المجنونَ لا يصِحُّ أن يبيعَ مالَهُ مِنْ غيرِهِ ولا يصِحُ أن يشتَرِى. وكذلك الصَبِىُّ الذِى لم يَبْلُغْ بعدُ ولو كان مُمَـيّـِزاً، إلا أنّه يجوزُ فى مذهب الإمام أحمد للصَبِىِّ المميّزِ أن يشتَرِىَ بإذْنِ وَلِيّهِ.

ومن البيعِ المحرَّمِ أن يبيعَ ما لا يقدِرُ على تسلِيمِهِ للمُشتَرِى. لكن إن كان المشترى قادرًا على أن يَتَسَلَّمَهُ من غيرِ كَبيرِ مؤْنةٍ صَحَّ البيع. مثالُ ذلك إذا إنسانٌ كان عنده بيت فَغُصِبَ هذا البيت وهو لا يقدِرُ على إخراجِ الغاصِبِ منه فبَاعَهُ إلى مَن يَقْدِرُ على ذلك هنا صَحَّ البيعُ. ويَدْخُلُ تحتَ هذا الباب، أى ما لا قدرة على تسليمه، بيعُ ما فِى بُطُونِ البهائِمِ على انفرَادِهِ، وبيعُ اللَّبَن وهو ما زالَ فى ضَرْعِ الحيوانِ، وبيعُ السَمَك وهو فى البحر، وبَيْعُ الطيرِ فى السماء، والبَعيرِ النَادّ أي الهارب، وما شابَهَ ذلك.

واعلموا رحمكم الله أنَّه لا يجوزُ شِراءُ ما لا منفعةَ فيه، أى ما ليس فيه منفعةٌ حسية أو شرعية. مثالُ ذلك الخُبْزُ المحتَرِق لا يصحُ بيعُهُ للأكلِ، لأنّه ليس فيه منفعَةٌ حِسِيّة، ومثالٌ ءاخرُ بيعُ الصُّلبانِ فإنَّه لا يصح، لأنه لا منفعةَ شرعًا فيها. ومثلُهَا ءالاتُ اللّهو المحرمة، والحشراتُ الصغيرة، كالنملةِ وما شابهها وإن كان أصحابُ الخصائص يذكرون لها منافع، إلا ما كان له منفعَةٌ مُعتَبَرَةٌ فى شرع الله، كالعَلَقِ لامتصَاصِ الدم.

واعلموا رحمكم الله أنّ الإمامَ الشافِعِىَّ رَضِى الله عنه نَصّ علَى أنه شَرْطٌ لصحَةِ البيع الصيغةُ من الجانبينِ، كأن يقولَ المشتَرِى للبائِعِ: اشتريتُ منك هذا بكذا فيقول له البائع: بعتُكَ أو قبِلْتُ. لكن اختار بعضُ أصحابِ الشافعىِّ رضى الله عنه صِحَّةَ البيعِ بالمعاطاةِ من غيرِ لفظٍ أى بِكُلِّ ما يُفْهَمُ منه البيعُ ولو كان من غيرِ لفْظٍ. نقف هنا الآن إن شاء الله ونتابع الكلام في بيان أنواعٍ محرمةٍ من البيوعِ والمعاملات في حلقة مقبلة إن شاء الله فتابعونا وإلى اللقاء.

0037 3-3 *بيان لبعض المعاملات المحرمة*

الحمد لله المجيد والصلاة والسلامُ على سيدِنا محمدٍ الحكيمِ الرشيدِ وعلى آلهِ وأصحابِه إلى يومِ القيامةِ الأكيد أما بعد نتابع الكلام في بيانِ أنواعٍ محرمةٍ من البيوعِ والمعاملات فنقول بتوفيق الله تعالى يحرم بيع ما ليس مملوكًا، فلا يصحُ بيعُ الإنسانِ الحُرِّ، ولا يصحُّ بيعُ البحرِ لأنّه لا يدخل تحت المِلكِ، ولا بيعُ الأرضِ الْمَوَاتِ قبلَ إحيائِهَا أى قبل أن يتملكها الشخص بالطريق الشرعىّ.

و يحرم بيعُ المَجْهُولِ لأنّ من شروطِ صحة البيعِ أن لا يكون المَبِيعُ مجهولًا، وأن لا يكونَ الثَمَنُ مجهولًا. مثالُ البيعِ المجهول الذى لا يصح أن يقول له: بعتُك إحدى سيارَتَىَّ هاتينِ من غيرِ تحديدِ واحدةٍ منهما، أو أن يقولَ له: بعتُكَ عَشْرَةَ صناديقَ من هذه البِضَاعَةِ التى عندى من غيرِ تعيين العشرة له.

ولا يصح بيعُ النَّجِسِ كالدَّمِ. ويحرم بيعُ كُلِّ مُسْكرٍ أي أنَّ كُلَّ ما يُغَـيّرُ العقلَ مَعَ نَشْوَةٍ وطَرَب يحرم بيعه، سواء كان مصنوعًا من عِنَبٍ أو شعيرٍ أو عسلٍ أو تَمْرٍ أو غيرِ ذلك.

ومِنَ البيوعِ المحرمةِ بيعُ كلِّ ءَالةِ لَهْوٍ محرّمة، كالعُودِ والكُوبَة وهو الطبل الضيقُ الوَسط والنَّرْد. وَيَحْرُمُ بيعُ الشىءِ الحلالِ الطاهرِ على مَنْ تَعْلَمُ أنَّه يُريدُ أن يَعْصِىَ به كالعِنَبِ لمن يُرِيدُهُ للخَمْرِ والسلاحِ لمن يَعتَدِى به على الناسِ. بيعُ الشىءِ الحلالِ الطاهر حرامٌ إذا كان البائعُ يعلم أنَّ المشترِىَ يريدُ أن يستعمِلَهُ فى معصيةِ الله، لأنّ فى ذلك إعانةً على المعصية وربُّـنَا قال: {ولا تَعاوَنوا على الإثمِ والعُدوان}. فيحرُمُ بيعُ العنب لمن يريد أن يعصرَهُ خمرًا، وبيعُ السلاحِ لمن يريدُ أن يعتَدِىَ به على الناس بغير حق، وبيعُ الخشب لمن يتّخِذُ منه ءالةَ لهوٍ مُحَرَّمَة.

وَيحرم بَيْعُ الأشياءِ الْمُسْكِرَةِ، فهو حرام سواءٌ كان للشربِ أو لغيرِ الشربِ من أمور الاستعمال، كالذى يشترى الإسبيرتو ليستَعْمِلَهُ وَقُودًا، فإنّ هذا البيعَ حرام ولو كان لا يريدُه للشُربِ لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ اللهَ ورسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الخمرِ والْمَيْتَةِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ والأصنامِ". قيل يا رسولَ اللهِ أرأيتَ شحومَ الميتَةِ تُطْلَى بها السفن ويَستصبِح بها الناسُ (يعنى إذا باعها الإنسان لأجل ذلك هل يجوز)؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "لا، هو حرام" رواه البخارىُّ ومسلم. وهذا شاهدٌ لحُرمَةِ بيعِ الإسبيرتو ونحوِه ولو لغير الشرب.

وَيحرم بيعُ الْمَعِيبِ بِلاَ إِظهارٍ لِعَيْبِهِ. فالإنسان إذا أراد أن يبيعَ شيئًا فيه عيب وهو يعرف أنّ هذا العيبَ فيه، يجبُ عليه أن يُخْبِرَ الْمُشْـتَرِىَ عن هذا العَيْب قبل أن يَبِيعَهُ، فإن كَتَمَ العيبَ فهو ءاثمٌ وصَحَّ البيعُ، لكن المشتَرِى له خِيَارُ الرّد لَمَّا يَرَى العيب.

واعلموا رحمكم الله أنّه إذا اتّفق اثنانِ على إيقاع بيعٍ، واتّفقا على الثمن، ثم قبل أن يُوقِعَا البيعَ عَرَفَ إنسانٌ ثالثٌ بالأمر فقال للبائع: لا تبعْهُ، أنا أشترِى منك بأغلَى، أو قال للمُشترِى: لا تشترِ من ذلك الإنسان أنا أبيعُك بأرخص، أو أبيعُك خيرًا منه بمثلِ سعرِهِ، فهذا حرام لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن السَّوْمِ على سَوْمِ أخيه. والحديثُ رواه البخارىّ.

وإذا تمّ العقدُ بين البائع والمشترى لكن اشْتَرَطَا مدةَ خِيَار لكلَيهِمَا أو لواحدٍ منهما ثم جاء ثالثٌ ليفتّـِر رغبة مَن له الخيار ليفسخ البيع فيبيعَه هو أو يشترىَ منه فهو ءاثم أيضا، لحديث البخارىِّ فى تحريم البيع على بيع أخيه أى إلا إن أذِنَ من يَلْحَقُهُ الضرر فلا إثم عند ذلك.

ويحرم أنْ يَشْتَرِىَ الطعامَ وقتَ الغلاءِ والحاجةِ ليحبسَهُ وَيَبِيعَهُ بأَغْلَى. وهذا هو الاحتكار المحرم الذى قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ احْتَكَرَ فَهُوَ خاطىء" أى ءاثم. ومعنى ذلك أن يشتَرِىَ الطعامَ فى وقتِ الغلاءِ والحاجةِ أى عندما يكونُ سعرُ الطعامِ عاليًا والناسُ فى حاجةٍ إليه وذلك ليحبِسَهُ حتى يَبِيعَه بأغلى. هذا هو الاحتكارُ الْمُحَرَّم، وقال بعضُ الشافعيةِ: كلُّ ما تَعُمُّ حاجةُ الناسِ إليه هو مثلُ الطعام يحرمُ احتكارُه، وقَصَرَ بعضُهم تحريم الاحتكار على القوتِ.

ومن المحرمات أَنْ يَزِيدَ فِى ثَمَنِ سِلْعَةٍ لِيَغُرَّ غَيْرَهُ. وهذا هو النَّجَشُ الذى نهى عنه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "ولا تَنَاجَشُوا"، والحديثُ متفقٌ عليه -أى رواه البخارى ومسلم- ومعناه أن يزيدَ فى ثمنِ السّلعَة حتى يُوهِمَ المشترِىَ أنّ ثَمَنَهَا فى السوقِ أعلى وهو ليس كذلك. مثال ذلك أن يتفقَ معَ إنسان فيقولَ له كُلَّمَا رأيتَ إنسانًا جاء يشترِى مِنّـِى البضَاعة تبذُل أنت ثمنًا أغلى فى البِضاعة حتى يظنَّ المشترِى أنها تساوى ذلك الثمن الأعلى (وهى لا تساوى). فهذا هو النَّجَشُ الْمُحَرَّم. ومثلُه فى التحريم إذا مدحَ السلعةَ بالكذِبِ لِيُرَوِّجَهَا.

وليعلم أنّ الغِشَ حرامٌ فى البيع، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "منْ غَشَّنَا فَلَيسَ مِنَّا" رواه مسلم. فالذى يخون فى الكيل أو الوزن أو الذرع -أى القياس بالأذرع- أو يخونُ فى العدّ كأن يوهم المشترى أنّه يعطيه عشر بيضات وهى فى الحقيقة تسعة أو ثمانية فهو واقعٌ فى الإثم. وقد قال تعالى: {ويل للمطففين} والويلُ هو الهلاكُ الشديد، والمطفّـِف هو الذى له مِكيَالان يَستوفِى بمكيالٍ تامٍ ويبيع بمكيالٍ ناقصٍ، أو له عياران للوزن يَستوفى بعيارٍ تامٍ ويبيع بعيارٍ ناقصٍ، فالله تعالى تَوَعَّدَ هؤلاء بالويل أى أنهم يستحقون بذلك عذاب النار. وهذا يدلُّ على أنّ هذا الفعلَ من كبائر الذنوب.

وكَذَا يحرم جُمْلَةٌ مِنْ معاملاتِ أهلِ هذا الزمانِ، وأكثرُهَا خارجةٌ عن قانونِ الشرع. أي أنّ كثيرًا جدًا من معاملاتِ أهلِ هذا الزمن لا توافقُ شرعَ الله تعالى. فمن أراد رِضَا اللهِ تعالى فعليه أن يَتَجَنَّبَهَا. ولا يستطيعُ أن يَتَجَنَّبَهَا إلا إذا تعلَّم ما يحتاج إلى تَعَلُّمِهُ من علمِ الدين مما يَتَعَلَّق بالمعاملات فإنه لا يجوزُ تناوُلُ رِزْقٍ من حرام.

فَعَلَى مريد رِضا اللهِ سبحانَهُ وتعالى وَسَلاَمَةِ دِينِهِ وَدُنْياهُ أَنْ يَتَعَلَّمَ مَا يَحِلُّ ومَا يَحْرُمُ مِنْ أهل المعرفة والثقة فلا يجوز استفتاءُ العالِمِ الفاسِق، ولا يجوز استفتاءُ مَنْ لَيسَ له كَفَاءَةٌ فِى العلم. فيا أيها الناس إنَّ هذا العلمَ دينٌ فانظروا عمَّن تأخذون دينَكم رحمكم الله. أسأل الله تعالى أن يوفقنا لما يحب ويرضى وأن يرزقنا رزقا حلالا واسعا طيبا مباركا فيه والحمد لله رب العالمين.