الحمدُ للهِ الذي خَلَقَ الأَشْكالَ والألوانَ ولا شَكْلَ ولا لَوْنَ لَه، والذي خَلَقَ الجِهَةَ والْمكانَ ولا جِهَةَ ولا مَكانَ لَه، سُبحانَهُ الأعلى مِنْ كُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا، والأكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ عَظَمَةً وَعِزَةً وَعِزًّا، سُبْحانَهُ غَنِيٌّ عَنِ العالَمين وَلا يُشْبِهُ الْمَخْلوقين، والصَّلاةُ والسَّلامُ على خاتَمِ وَأَفْضَلِ الأنْبِياءِ وَالْمُرْسَلين، سَيِدِنا مُحَمَّدٍ الصّادِقِ الأَمين، الذي جاءَ بِدينِ الإسْلامِ كَسَائِرِ إِخْوَانِهِ النَّبِيّين. بعد أن تكلمنا عن آدم وشيثٍ وإدريسَ عليه السلام نتكلم اليومَ عن نوحٍ عليه السلام. كان بين نوحٍ وءادم عشرةُ قرون كما جاء ذلك في حديث ابن حبان.
وبالجملة فنوح عليه السلام أرسله الله إلى قوم يعبدون الأوثان وكَانَ سَيِّدُنَا نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ أَوَّلَ رَسُولٍ أُرْسِلَ إِلَى الْكُفَّارِ، قال تعالى إخبارًا عنهم: {وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ ءالِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا}. وقد تقدّم أنّ هذه أسماءُ رجال صالحين من قوم إدريس، ووسوس إبليس اللعينُ للناس أنِ اعبدوهم فعبدوهم من دون اللهِ والعياذ بالله. بعث الله نوحًا عليه السلام إلى هؤلاء الكفار ليدعوَهم إلى الدين الحقّ وهو الإسلام والعبادةِ الحقّة وهي عبادةُ الله وحده وتركُ عبادة غيره، ودعاهم إلى الله بأنواع الدعوةِ في الليل والنهار والسرّ والإجهار وبالترغيب تارةً وبالترهيب أُخرى،
لكنَّ أكثرَهم لم يؤمن بل استمروا على الضلالة والطُغيان وعبادة الاوثان ونصبوا له العداوةَ ولمن ءامن به وتوعدوهم. لبِث سيدنا نوحٌ في قومه يدعوهم إلى الإسلام ألفَ سنةٍ إلا خمسينَ عامًا، وكان قومه يبطِشون به فيخنِقونه حتى يُغشى عليه، حتى تمادَوا في معصيتهم وعَظُمت منهمُ الخطيئة فلا يأتي قرنٌ إلا كان أخبثَ من الذي كان قبلَه، حتى إنْ كانَ الآخِرُ ليقول: قد كان هذا مع ءابائنا وأجدادنا مجنونًا لا يقبلون منه شيئًا، ولكنَّ اليأس لم يدخل قلبَ نوح بل أخذَ يجاهد في إبلاغ الرسالة ويبسُطُ لهم البراهين، ولم يؤمن به إلا جماعةٌ قليلة استجابوا لدعوته وصدّقوا برسالته.
ثم إنَّ الله تعالى أوحى إليه أنه لن يؤمنَ من قومك إلا مَن قد ءامن، فلما يئس من إيمانهم دعا عليهم فقال: ربِّ لا تذر على الأرضِ مِنَ الكافرينَ دَيَّارًا، فلما شكا إلى الله واستنصره عليهم أوحى الله إليه: {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ}. فأقبل نوحٌ على عمل السفينة وجعل يُهيءُ عَتادَ الفُلك من الخشب والحديد والقار وغيرِها، وجعل قومُه يمرون به وهو في عمله فيسخرون منه وكانوا لا يعرفون الفُلك قبلَ ذلك، ويقولون:
يا نوحُ قد صِرتَ نجارًا بعدَ النبوة؟! وأعقم الله أرحام النساء فلا يولدُ لهن. وصنع الفلكَ عليه السلام من خشب الساج وقيل غيرُ ذلك، ويقال إنّ الله أمره أن يجعل طولَه ثمانين ذراعًا وعرضَه خمسين ذراعًا، وطولَه في السماء ثلاثين ذراعًا. وقيل: كان طولُها ألفًا ومائتي ذراع وعرضُها سِتمائة ذراع وقيل غيرُ ذلك والله تعالى أعلم. ويقال إنّ نوحًا جعل الفلك ثلاث طبقات: سفلى ووسطى وعليا، السفلى للدواب والوحوش، والوسطى للناس، والعليا للطيور، حتى إذا فرَغ منه وقد جعلَ اللهُ التنورَ ءاية، فار التنور فحمل نوحٌ مَنْ أمر الله تعالى بحمله وكانوا ثمانينَ رجلًا، وقيلَ غيرُ ذلك.
وكان فيها نوحٌ وثلاثةٌ من بنيه سام وحام ويافِث وأزواجُهم وتخلّفَ عنه ابنُه كنعان وكان كافرًا. ثم إنّ المطر جعل ينزل من السماء كأفواه القُرَبِ، فجعلتِ الوحوشُ يطلبن وسط الأرض هربًا من الماء حتى اجتمعت عند السفينة فحينئذٍ حمل فيها عليه السلام من كلٍّ زوجين اثنين وجعلتِ الفُلكُ تجري بهم في موجٍ كالجبال، والله تبارك وتعالى أعلم وأحكم.
2\2 قصة سيدنا نوح عليه السلام
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد سيد المرسلين أما بعد نكمل ما قد قدّمناه وبدأنا به عن الطوفان في زمن نوحٍ عليه السلام. قالَ جماعةٌ من المفسرين: أرسلَ الله المطرَ أربعين يومًا، ويقال إنهم ركبوا فيها لعشرِ ليالٍ مَضَيْنَ من رجب وخرجوا منها يومَ عاشوراء منَ المحرم، وكان الماءُ نِصفينِ نصفًا من السماءِ ونِصفًا من الأرضِ وقد ارتفعَ الماءُ على أعلى جبلٍ في الأرضِ قيل خمسةَ عشرَ ذراعًا، وقيلَ ثمانينَ والله أعلم، وقد عمّ جميع الأرض سهلِها وحَزْنِها وجبالِها وقِفارِها، فلم يبق على وجه الأرض أحدٌ ممن عبد غير الله عزّ وجلّ، وطافتِ السفينةُ بالأرض كلِّها لا تستقرُ حتى أتت الحرمَ فدارت حولَه أسبوعًا،
ثم ذهبت في الأرض تسيرُ بها حتى انتهت إلى جبلِ الجودي وهو بأرضِ الموصل في العراق فاستقرت عليه. ثُمَّ بَلَعَتِ الأَرْضُ مَاءَهَا وَالسَّمَاءُ أَمْسَكَتْ عَنِ الْمَطَرِ، فَنَشَفَتِ الأَرْضُ بَعْدَ مُدَّةٍ مِثْلَمَا كَانَتْ قَبْلَ الطُّوفَانِ وَنَزَلَ مِنْهَا نُوحٌ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى وَجْهِ الأَرْضِ. يقال: ركبوا في السفينة في اليوم العاشر من شهر رجب فساروا مائةً وخمسين يومًا واستقرت بهم على الجوديِّ شهرًا، وكان خروجُهم من السفينة في يوم عاشوراء من المحرم، وأنهم صاموا يومَهم ذلك.
ثم إنّ نسلَ أهلِ السفينة انقرضوا غيرَ نسلِ ولدِ نوح عليه السلام فالناسُ كلُهم من ولد نوح، ولم يُجعل لأحد ممن كان معه من المؤمنين نسلٌ ولا عقِبٌ سوى نوحٍ عليه السلام، فكلُ من على وجه الأرض اليوم من سائر أجناس بني ءادم يُنسبون إلى أولاد نوحٍ الثلاثة وقيل بُعِثَ سيدنا نوح وله أربعُمائة وثمانون سنة وإنه عاش بعد الطوفان ثلاثمائةٍ وخمسين سنة فيكون قد عاش على هذا ألف وسبعَمائة وثمانين سنة والله تعالى أعلم. ويروى أنّ نوحًا عليه السلام لما حضرته الوفاة قيل له:
كيف رأيت الدنيا؟ قال: "كبيت له بابان دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر". وأما قبرُه عليه السلام فقيل إنه بالمسجد الحرام وهو الأقوى، وقيل إنه ببلدةٍ في البقاع تُعرف اليوم "بكَرَكِ نوح" وهناك جامع قد بُني بسبب ذلك فيما ذُكر، وقيل إنه بالموصل والله تبارك وتعالى أعلم وأحكم. والحمد لله ربِّ العالمين وبهذا نكون انتهينا من الكلام عن نبي الله نوح وسيكون كلامنا في الحلقة القادمة عن نبي الله هود.
1\2 قصة سيدنا هود عليه السلام
الحمدُ للهِ الذي خَلَقَ الأَشْكالَ والألوانَ ولا شَكْلَ ولا لَوْنَ لَه، والذي خَلَقَ الجِهَةَ والْمكانَ ولا جِهَةَ ولا مَكانَ لَه، سُبحانَهُ الأعلى مِنْ كُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا، والأكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ عَظَمَةً وَعِزَةً وَعِزًّا، سُبْحانَهُ غَنِيٌّ عَنِ العالَمين وَلا يُشْبِهُ الْمَخْلوقين، والصَّلاةُ والسَّلامُ على خاتَمِ وَأَفْضَلِ الأنْبِياءِ وَالْمُرْسَلين، سَيِدِنا مُحَمَّدٍ الصّادِقِ الأَمين، الذي جاءَ بِدينِ الإسْلامِ كَسَائِرِ إِخْوَانِهِ النَّبِيّين. بعد أن نجا الله تبارك وتعالى نبيَّهُ نوحًا ومن معه في السفينة وأغرق الذين كذّبوه من قومه بالطوفان العظيم الذي عمَّ جميع الأرض، نزل الذين ءامنوا من السفينة يعبدون الله تعالى وحده ويَعْمُرون الأرض،
وكثُرتِ الذرية من أولاد نوح الثلاثة سام وحام ويافث الذين كانوا على دين الإسلام، وكانوا يعبدون الله تعالى وحده ولا يُشركون به شيئًا. ثم بعد أن طال الزمن وعاد الفساد والجهل وانتشر في الأرض ورجَع بعض الناس إلى الإشراك بالله وعبادة غير الله، بعث الله تبارك وتعالى هودًا عليه السلام إلى قبيلة عاد. وذُكر هود عليه الصلاة والسلام في القرءان الكريم سبعَ مرات. وسيدنا هود عليه السلام هو عربي في أصله وقبيلة عاد قبيلةٌ عربية كانت باليمن، وكانت منازلُهم ومساكنُهم وجماعتُهم أرض الأحقاف، والأحقاف هي الرمْل فيما بين عُمان وحضرموت من أرض اليمن بأرض يقال لها الشِّحِر، وقيل كانوا ثلاثَ عشرة قبيلة وظلموا وقهروا العباد بسببِ قوتهم التي ءاتاهم الله تعالى إيّاها،
فقد زادهم الله في الخِلقة والقوة، وبسط لهم في أجسادهم وعِظامهم فكانوا طِوالًا في أجسامهم وقَوامِهم، حتى قيل كان أطولهم مائةَ ذراع وأقصرُهم ستين ذراعًا، وكانوا أصحاب أوثان وأصنام يعبدونها من دون الله. وأعطى الله تبارك وتعالى قبيلة عادٍ نِعَمًا كثيرة وافرة وخيراتٍ جليلة، فقد كانت بلادهم ذات مياه وفيرة فزرعوا الأراضي وأنشأوا البساتين وأشادوا القصورَ الشامخة العالية، إضافةً لما منحهمُ الله تعالى فوق ذلك من بَسْطة في أجسادهم وقوةٍ في أبدانهم لكنهم كانوا غيرَ شاكرين لله على نعمه، فاتخذوا من دون الله ءالهة وعبدوا الأصنام وصاروا يخضَعون لها ويتذللونَ ويقصِدونها عند الشدة، فكانوا أولَ الأمم الذين عبدوا الأصنام بعد الطوفان العظيم الذي عمَّ الأرض وأهلكَ الكافرين الذين كانوا عليها،
فبعث الله تبارك وتعالى إليهم نبيه هودًا عليه السلام ، فدعاهم إلى دين الإسلام العظيم وعبادة الله تعالى وحده وتركِ عبادة الأصنام التي لا تَضُر ولا تنفع، وأن يُوحدوا الله الذي خلقهم ولا يجعلوا معه إلهًا غيرَه، وأن ينتهوا ويكفوا عن الظلم والبغي والفساد بين الناس، ولكنهم عاندوا وتكبروا وكذّبوا نبي الله هودًا عليه الصلاة والسلام، وءامن به واتّبعه أناسٌ قليلون كانوا يكتُمون إيمانَهم خوفًا من بطش وظلم قومِهم الكافرين المشركين.
