الحمد لله مكوّر الليل على النهار والصلاة والسلام على رسول الله المختار وعلى ءال بيته الأبرار وأصحابه الأطهار. أما بعد درسنا الآن إن شاء الله تعالى في بيانِ معاصى الأذن. ومنها الاستماعُ إلى كلامِ قومٍ أَخْفَوْهُ عنه. فمن استمع إلى كلامِ قومٍ أَخْفَوْهُ عنه بغير عذرٍ شرعىٍّ فهو ءاثم لأنّ هذا نوعٌ من التجسُّسِ المحرَّم، لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنِ استَمَعَ إلى حديثِ قومٍ وهم له كارهون صُبَّ فى أُذُنيهِ الآنُكُ يوم القيامة". والآنُك يعنى الرصاص الْمُذَاب، والحديث رواه البخارى.

و من معاصى الأذنِ أن يتعمَّدَ الشخصُ الاستماعَ إلى ءالات اللّهوِ المحرمة كالعود والمزمار وما شابه ذلك. والمقصودُ بذلك كلُّ ءالةٍ تُطْرِبُ بمفردِها أى تُحدث خِفَّةً فى الشخص، فلا يدخل فى ذلك الدُّفُ والطّبلُ والصُّنجُ وما شابَهَها. وأمّا لو دخل السَّماعُ قهرًا على الشخص ولم يتعمد هو الإصغاءَ فليس عليه ذنب. ويُفهمُ مما سبق أنّ الدُّف ولو كان فيه جلاجل لا يحرُمُ استعمالُهُ كما ذكر ذلك الإمامُ النووىُّ وقبلَه إمامُ الحرمين الجوينِىُّ وغيرُهُمَا، خِلافًا لما قالَه بعضُ الناس، فإن الدُّفَّ والطبلَ وما شابَهَهُمَا يحركان القلب ولا يَنْشَأُ عنهما فى النفسِ طربٌ.

وقد ضُرِبَ الدُّفُّ بحضرة رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فلم يُنْكِر. وما قاله بعضُ الناس بأنّ استعمالَه خاصٌّ بالنساء فليس للرجلِ أن يستعملَهُ لأنّه عندئذٍ يكون فيه تَشَبُّهٌ بهنَّ قولٌ غيرُ صحيح. فإنّ من جال فى بلاد المسلمين عَرَفَ كم وكم من الرجالِ يستعملونَ الدُّفَّ. ولم يأتِ فى الحديث ما يُخَصّصُهُ بالنساء. روى ابن مَاجَهْ أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ فى بعضِ طُرق المدينة فسمع صوتَ جوارٍ من بنى النجار من الأنصار ينشدن ويقلن: نحن جوار من بني النجار يا حبذا محمدٌ من جار.

فقال عليه الصلاة والسلام: "واللهِ إِنّـِى لأُحِبُّكُن". ففى هذا الحديثِ دليلٌ على أنّ استعمال الدف جائز وعلى أنّ صوت المرأة ليس بعورة. وما قاله بعضُ الناس من أنّ المقصودَ بالجوارى البنات الصغار غيرُ البالغات هو جهلٌ باللغة، لأنّ الجاريةَ فى لغةِ العرب معناها المرأةُ بالغةً كانت أو غيرَ بالغة.

ومن معاصي الأذن الاستماعُ إلى الغيبة والنميمة ونحوِهما، بخلاف ما إذا دخل عليه السماعُ قهرًا وكرهه. ولزمه الإنكارُ إن قدر. معناه أنّ الشخصَ إذا استمع إلى الغيبة والنميمة فهو ءاثم مثلَ الذى يَغْتَابُ أو يَنُمُّ، وسبيل الخلاص أن يُنْكِرَ على فاعلِ ذلك إن استطاع، فإن لم يستطع كره بقلبِهِ وفارق ذلك المجلس. ويجب عليه مع ذلك أن يكرَه هذا الأمرَ بقلبه، وهذا أقلّ ما يلزَمُهُ عند العجز. والله تبارك وتعالى أعلم وأحكم والحمد لله رب العالمين .

0052 2-1 *معاصي اليدين*

الحمد لله حمد الشاكرين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد النبي السيد الهمام وإمام كل إمام وعلى ءاله الأخيار وصحبه الأطهار ما توالى الليل والنهار أما بعد درسنا الآن إن شاء الله تعالى في بيانِ معاصى اليدين. من معاصى اليدين التطفيفُ فى الكَيل والوَزن والذَّرْع. بعضُ الناس لَمّا يشترِى بِضَاعَةً من غيره يَستوفِى الكيلَ أو الوزنَ أو العدّ أو القياسَ بالأذرع. فيأخذ ما جرَى عليه العقد كاملًا، لكن لَمّا يَبيع يوهمُ المشترِى أنّه أعطَاه كلَّ ما يستحق وفى الحقيقة يكون أنقص من ذلك، فهذا هو التطفيف. ولفعله طرق عديدة من الاحتيال لكن كلُّها من كبائر الذنوب. قال ربُّنا عزّ وجلّ: {وَيْلٌ للمطففين}، يعنى أَنّ المطففين يَسْتَحِقُونَ العذابَ الأليم. والويل هو شدّة الهلاك.

ومن معاصي اليدين السَّرِقةُ وهي ذنبٌ مجمعٌ على تحريمه، حرمَتُهُ معلومةٌ من الدِين بالضّرورة. وأصلُ معناها أخذُ مالِ الغير خُفْيَةً، ليس اعتمادًا على القوة. فحدُّ السّرِقَةِ إذا سَرَقَ الشخصُ ما يُساوى ربُعَ دينارٍ ذهبًا من حرزِه، أى من المكان الذى يُحفظُ فيه مثلُ هذا الشىء، أن تُقطعَ يدُه اليمنى، ثم إن عاد إلى السرقة بعد ذلك تقطع رجلُه اليسرى، ثم إن عاد فيَدُهُ اليسرى، ثم إن عاد فرجلُه اليمنى، ثم إن عاد يُعَزَّرُ ولا قَطْعَ عليه.

وأما إن سرقَ أقلَّ من ربعِ دينار فإنّه يُعَزَّرُ ولا يُقْطَع. وكذلك لو سَرَقَ مالًا من غيرِ حِرْزِهِ أى من غير المكان الذى يُحفَظُ فيه ذلك المالُ عادةً، فإنّ السارق لا يقطَعُ بذلك وإنما يعزر. كأن يسرِق كيسًا فيه خمسمائة دولاد وضعه صاحبه على ظهر سيارته في الشارع العام ففي هذه الحالة يُعزّر السارق ولا يُقطع لأنّه ما سرق من حرز المثل فإنّ حرز مثل الخمسمائة دولار صندوق مقفل في البيت مثلًا.

ومن معاصى اليدِ أخذُ المال بطريقةٍ حرَّمَها الشرع، سواءٌ كانت هذه الطريقة أخذَ مال الغير بغير حق اعتمادًا على الهرب، أو كان ذلك اعتمادًا على القوة، أو كان ذلك بالمكسِ الذى يُؤخَذُ من التجار بغير وجه حقّ على بضائِعِهِم، أو كان ذلك بأخذ ما لا يحلُّ للشخصِ من مال الغنيمة، كأن يأخُذَ الشخص من مال الغنيمة شيئًا لنفسه قبل أن تُقْسَم الغنائِم القسمة الشرعية. وهذا الأخير يقال له الغلول وهو من الكبائر، ولو كان الشىء الذى غلَّهُ الشخصُ قيمتُهُ قليلة.

ومن معاصى اليدين قتلُ مسلمٍ عمدًا بغير حق. وهذا أكبرُ الذنوبِ بعد الكفرِ بالله عزّ وجلّ. فإنْ قَتَلَهُ لإسلامِهِ أى قتله لأنّه مسلم فهو كافر. فإن لم يرجع إلى الإسلام ومات على ذلك خُلِّدَ فى نار جهنَّم. وهذا معنى قولِ الله تعالى: {ومن يَقْتُلْ مؤمِنًا مُتَعَمّـِدًا فجزاؤه جهنّمُ خالِدًا فيها} يعنِى إذا تعمّدَ قتلَه لإيمانه أى قتله لأنّه مسلم.

وأما قَتْلُ المسلم لأجل الدنيا فهو ذنبٌ كبير لكن لا يصلُ إلى حدّ الكفر. ثم من الأحكام بالنسبة للقتل أنّ من قَتَلَ على الإطلاق عمدًا أو خطئًا أو شِبْهَ خطإ يجبُ عليه الكفارة، وهِىَ عِتْقُ رقبةٍ مؤمنةٍ سليمةٍ من العيوب المضرةِ بالعمل، فإن عَجَزَ فصيامُ شهرينِ متتابعينِ، ولا إطعام هنا. ثم إنّ القتل ثلاثة أنواع: إِما عَمْد وإما خطأ وإما شبْهُ العمد، ويُسَمَّى الأخيرَ أيضًا شبه الخطإ لأنه من ناحيةٍ يشبهُ العمدَ ومن ناحية يشبه الخطأَ.

* فالأول أى العمد مثلُ أن يَعْمَدَ إلى ضربه بما يقتُلُ فى الغالب قاصدًا قتلَهُ، فهذا قتلٌ عمد. كأن يَضْرِبَه بالسيف على أُمِّ رأسه قاصدًا قتلَه فيقتُلَه، فهذا قتلُ عَمْد.

* والثانِى أن يُريدَ غيرَه، كأن يُريدَ اصطيادَ بهيمة فيُصيبَ السلاح مُسلِمًا خطئًا فيقتُلَه، فهذا يقال له القتل الخطأ.

* والثالث شبه العمد أى أن يضربَهُ عمدًا أى أن يقصدَه بالضرب لكن بما لا يقتُلُ غالبًا فيموت، كأن يغرُزَ إبرةً فى فخِذِهِ فيموت بسبب ذلك.

ففى الحال الأولى أى القتل العمد عقوبَتُه القِصاص أى أن يُقْتَلَ، إلا إن عفا عنه أهل القتيل إما على دِيَةٍ أو مجانًا فلا يُقتل عند ذلك. فإن لم يعفوا عنه يُمَكّـِنُ الحاكمُ ورثةَ القتيل من قتله، فيكون الأمر تحت إشراف الحاكم حتى لا يؤدىَ إلى ثاراتٍ وسفكِ دماءٍ بغير حق. وأما فى غير حالِ القتل العمد فلا قِصاص وإنما الدية. والديةُ مِائَةٌ من الإبل فى الرجل الحر المسلم، ونصفها فى الأنثى.

وتختلف صفات الدية بحَسَبِ صفاتِ القتل. ففى القتل العمد تكون حالَّـةً فى مال القاتل مُثلَّثةً، يعنى أنّ الإبل تكون ثلاثةَ أنواع ثلاثين حِقَّة وثلاثين جَذَعَة وأربعينَ حوامل فى بطونها أولادُها.

أما فى حال شبهِ العمد فالديةُ مُثلَّثةٌ كذلك، لكنها مؤجَّلة.

وأما دية الخطأ فهى مُخَمَّسَة: عشرون بنتَ لبونٍ وعشرون بنتَ مَخَاضٍ وعشرون حِقَّةً وعشرون جَذَعَةً وعشرون ابنَ لبونٍ. تكون مخمّسة على العاقلة ليس فى مال القاتل، ومؤجلةً فى ثلاث سنين.

ومن معاصى اليد ضربَ المسلمِ بغيرِ حق. وقد روى أبو داود وغيرُه فى الحديث الصحيح: "إنَّ الله يُعَذّبُ الذينَ يُعَذِّبـُونَ الناسَ فى الدنيا"، يعنى الذين يعذبون الناسَ بغير حقّ فى الدنيا يستحقون فى الآخرة عذابَ الله عزّ وجلّ. وَمِثْلُ الضَّرْبِ تَرْوِيعُ الْمُسْلِمِ وَالإِشَارَةُ إِلَيْهِ بِنَحْوِ سِلاحٍ فَفِي الصَّحِيحِ «مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ فَإِنَّ الْمَلائِكَةَ تَلْعَنُهُ وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ» رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ [فِي صَحِيحِهِ]. هَذَا إِنْ قَصَدَ تَرْوِيعَهُ أَمَّا إِنْ لَمْ يَقْصِدْ تَرْوِيعَهُ وَكَانَ الآخَرُ لا يَتَرَوَّعُ فَرَفَعَ عَلَيْهِ نَحْوَ حَدِيدَةٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ والله تبارك وتعالى أعلم وأحكم.

0053 2-2 *معاصي اليدين*

الحمد لله علّام الغيوب غافر الذنوب ستّار العيوب كاشف الكروب والصلاة والسلام على محمد الحبيب المحبوب أما بعد نكمل الكلام عن معاصي اليد إن شاء الله. فمن معاصى اليد أن يأخذ الإنسان رِشوةً وكذا أن يُعْطِيَها. والرِّشوة هى المال الذى يُعْطَى لإنسان لإبطال حقّ أو لإحقاق باطل. ففى هذه الحال الآخذُ والْمُعطِى عاصيان. أما لو منعك إنسان ما هو حق لك ولا تستطيع أن تصل إليه إلا إذا دفعتَ له مالًا ففعلتَ لأخذ حقك، فهذا ليس معصية منك، وأما هو فآثم.

ومن معاصى اليد إحراقُ الحيوان أى ما فيه روح ولو كان مؤذيًا، إلا إذا كنت لا تستطيعُ أن تَحْمِىَ نفسك من أذاهُ إلا بالحرق، وذلك لحديث: "لا يُعَذِّبُ بالنارِ إلا ربُّها". رواه أبو داود.

ومن معاصى اليد التمثيلُ بالحيوان، أى أن يُقْطَعَ أنفُهُ وتُشْرَمَ أُذُنُهُ ونحوَ ذلك من التشويه، هذا حرام.

ومن معاصى اليد اللعبُ بالنردِ وما شابَهَهُ من الألعاب التى تعتمدُ على الحَزْرِ والتخمينِ لا على الحساب. وقد روى مسلم والطبرانِىُّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "مَن لَعِبَ بالنردَشِيرِ فكأَنما غَمَسَ يدَهُ فِى لَحمِ خنـزيرٍ ودمِهِ"، يعنى أنه ءاثم بذلك. ويؤخذ من ذلك حُرْمَةُ اللعب بهذه الأوراق المزَوّقة التى تسمى بالعامية فى بعض البلاد (ورق الشَدَّة) لأنها تعتمد على الحزر والتخمين لا على الحساب. والمعنَى فى تحريمها أنها تؤدّى إلى تخاصمٍ بلا غاية، لذلك حُرّمت. أما ما يَعتمِدُ على الحساب مثلُ الشّـِطْرَنْجِ فهو جائز مع الكراهة. فلا يجوزُ تمكينُ الأولاد الصغار غير البالغين من أمثال هذه الألعاب التي تعتمد على الحزر والتخمين والألعابِ التى فيها مقامرة، فمن مَكَّنَهُمْ من ذلك فهو ءاثم.

ومن معاصي اليدين اللعبُ بآلات اللهو المحرمةِ كالمزمار والرَّباب والأوتار.

ومن معاصى اليدين أن يَمَسَّ الإنسانُ ببشرته عمدًا بشرةَ أجنبيةٍ سواءٌ كان ذلك بشهوةٍ أو بغيرِ شهوة. وكذا لمسُ سائرِ أجزاءِ بَدَنِهَا كشعَرها وسنّـِها وظفرها، وذلك لحديث رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "واليدانِ زناهُمَا البطشُ" أى اللمسُ، و الحديثُ رواه مسلم. والحكمُ مجمعٌ عليه. هذا إذا كان اللمسُ بغير حائل،

أما لو كان حائلٌ فصافحَ رجلٌ امرأةً وهو يلبَسُ قفازًا أو هى تَلْبَسُ قفازًا فلا حرمةَ لوجودِ حائلٍ بينهما. لكن إذا حَصَلَ مثلُ ذلك بشهوةٍ فهو حرام ولو كان بحائل. ويَحْرُمُ التَّضَامُّ والتلاصُقُ بين الرجال والنساء الأجانب ولو كان بحائلٍ كأن يضمَ رجلٌ إلى صدره أمرأة أجنبية لا تحل له (أو يُلصِقَ جسمَه بجسمِها). ويحرم مسُّ جلدِ الرَّجُلِ للرجل والمرأة للمرأة إذا كان بشهوة، وكذلك الحكم بين المحارم.

ومن معاصي اليد منعُ الزكاة أو بعضِها بعد الوجوب والتمكن، وإخراجُ ما لا يجزئ أو إعطاؤها من لا يستحقها فمَن وَجَبَت عليه الزّكاةُ وتمكن من إخراجِهَا يجبُ عليه أن يُخْرِجَهَا على الوجه الذى أمر الله تبارك وتعالى به. فلا يجوز له منعُها، ولا يجوزُ له أنْ يُؤَخّـِرَها بدون عذر شرعى، ولا يجوز له أن يَدْفَعَ ما لا يكونُ مجزئًا. فإذا كان الفرضُ عليه أن يخرج جملًا فأخرج شاةً، أو كان الفرض عليه أن يخرج شاةً فأخرج عُمْلَةً فإنه لا يجزئه ولو كانت قيمة ما أخرجه أكثر من قيمة ما وجب عليه.

ولا يجوز ولا يجزئ ولا تبرأ ذمتُه إذا أَعْطَى الزكاةَ لمن لا يستحقُها أى لغير الأصناف الثمانية الذين ذكرهم الله تعالى فى القرءان، كالذى يدفعُ الزكاةَ فى بناء مسجدٍ، فإنّ الزكاة ما زالت فى ذمتِه، والمال الذى دفعَه هو فى غير محله ليس له فيه أجر، بل وعليه فيه إثم. ومنع الزكاة من كبائر الذنوب والعياذ بالله تعالى.

ومن معاصى اليد تركُ إعطاءِ الأجيرِ أُجرتَه. يعنى إذا أَدّى العملَ المتفقَ عليه فلم يدفع له المستأجِرُ الأجرة المتفَق عليها فالمستأجِر ءاثم.

ومن معاصى اليدِ منعُ المضطرِ ما يَسُدُّ حاجَتَهُ من غير عذرٍ فى ذلك. ولا فَرْقَ فى هذا بين القريبِ وغيرِهِ. ويَشْمَلُ المضطرُ أيضًا من اضطُر لكِسوةٍ أو طعامٍ لدفع الهلاكَ عن نفسه، فمَن قَصّرَ فى ذلك فهو ءاثم. فإن كان عنده طعام يَحْتَاجُ فيما بعد إليه لكن هو غيرُ محتاج إليه الآن يجب عليه أن يسُدَّ حاجةَ من هو مضطرٌ إليه الآن. فالمسلمون ينبغى أن يكونوا كالجسد الواحد إذا مرضَ منه عضو تداعى له سائرُ الأعضاءِ بالسهرِ والحمَّى، كما صح فى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم.

ومن معاصي اليد كتابةُ ما يحرُمُ النطقُ به. فالقلم كلسانٍ ثانٍ للإنسان، فيجبُ أن يصونَه الشخصُ عما يصون منه لسانَهُ. فكما يَحْفَظُ لسانَه عن الغيبة يجبُ أن يحفَظَ قَلَمَهُ عن الغيبة، وكما يصونُ لسانَه عن الكفر عليه أن يصونَ قلمه عن الكفر وهكذا.

ومن المعاصى الخيانةُ. والخيانة هى ضدُّ الأمانة، كما لو ائْتَمَنَكَ إنسانٌ على مال يجب عليك أن تحفظَه له. فلا تصرِفَ هذا المال على نفسِكَ ولو كان فى نيتِكَ أن تعوّضَ له فيما بعد، إنما تحفَظُهُ كما هو فى المكان الذى يُحفظ فيه مثله. وإذا ائْتَمَنَكَ إنسانٌ على عمله فلا يجوزُ أن تخونَهُ، وإذا استنصحَك فليس لك أن تخونَه فى النصيحة. وكذلك إذا صَلَّيتَ عليك أن تُرَاعِىَ الأمانَةَ فى ذلك فلا تدخلُ فى الصلاة من غير طهارة. فكل هذه وأمثالُهَا وجوهٌ للأمانة، وتضييعُ الأمانةِ فيها وجوهٌ من الخيانة.

مثل الشخص الذى يُظْهِرُ نفسَه بأقواله أو بتصرفاته أنّه هو أهل لتحمُّل عِبء وظيفة معينة وهو يعلم أنه ليس أهلًا لها، فهذه خيانة فى الأحوال. والخيانة من أرذَلِ الصفات، حتى إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا إيمانَ لمن لا أمانةَ له" رواه ابن حبان من حديث أنسٍ. يعنى أنّ الذى لا يحافظُ على الأمانة لا يكون إيمانه كاملًا، ومعنى "لا إيمان" أى لا إيمانَ كاملًا له أى أنّ هذا ذنبٌ ليس بالهين. والله تبارك وتعالى أعلم وأحكم.