كانت غزوةُ حُنينٍ في شوّالٍ سنة ثمانٍ للهجرة، وفيها نصر الله رسولَه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن معه من المؤمنين على المشركين أهلِ الشرك والباطل وقد كان من أمرها أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعدما أقام بمكة عام الفتح نصف شهر لم يزد على ذلك، جاءت هوازنُ وثقيفٌ فنزلوا بحنين وهو وادٍ بين مكة والطائف، وهم يؤمئذٍ عامدون يريدون قتال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكانت الرياسة في جميع عسكر المشركين لمالك بن عوف النّصريّ.
فلما سمع بهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث إليهم عبدَ الله بنَ أبي حدردٍ الأسلميّ، وأمره أن يدخل في الناس فيقيم فيهم حتى يأتيَه بخبرهم، فأتى وأخبر رسولَ الله بما شاهد فيهم. فعزم الرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على قصدهم وخرج في اثني عشر ألفًا من المسلمين حتى أتى وادي "حنينٍ". وكانت هوازن قد كمِنت في جنبتيِّ الوادي وذلك في غَبَش الصباح فحملت على المسلمين حملة رجلٍ واحدٍ وثبت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومعه نفرٌ من المهاجرين والأنصار وأهلِ بيته منهم أبو بكرٍ وعمر وعليّ والعباس.
وكان عليه الصلاة والسلام على بغلته الشهباء واسمها "دُلدُلُ" يقودها أبو سفيان بن الحارث والعباس عمُّ النبيّ. وقد قال العلماء: إنّ ركوبه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ البغلة في موطن الحرب وعند اشتداد الناس هو النهايةُ في الشجاعة والثبات ولأنه يكون معتمَدًا يرجع المسلمون إليه وتطمئنُّ قلوبهم به وبمكانه وإنما فعل هذا عمدًا وإلا فقد كانت له أفراسٌ معروفة. فصار رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " أيها الناس أنا رسول الله وأنا محمد بن عبد الله" وأمر العباس وكان جهير الصوت أن ينادي:
"يا معشر الأنصار، يا معشر المهاجرين، يا معشر الخزرج"، فلما سمعوا الصوت أجابوا: "لبّيك، لبّيك" فلما ذهبوا ليرجعوا كان الرجل منهم لا يستطيع أن ينفُذَ ببعيره فكان يأخذ سيفه ودرعه ويقتحمُ عن بعيره ويُخلي سبيله ويَكُرُّ مُسرعًا على قدميه إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حتى إذا اجتمع حواليه مائةُ رجلٍ أو نحوُهم استقبلوا هوازن بالضرب. واشتدت الحرب، وكثر الطعن، فقام رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ركائبه فنظر إلى مكان عِراكهم فقال:
"الآن حمي الوطيس". ونزل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن بغلته وجعل يقول: "أنا النبيُّ لا كذب، أنا ابن عبد المطَّلب" فما رُئي من الناس أشدُّ منه، وقد غشاه المشركون، وهذه نهاية الثبات والشجاعة والصبر جزاه الله عنا خيرا. وقد أخبرت الصحابة بشجاعته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في جميع المواطن وأنهم كانوا يتّقون به في الحرب. وقد أراد النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقوله: "أنا النبيُّ لا كذب أنا ابن عبد المطلب" تذكيرهم وتنبيههم بأنه لا بد من ظهوره على الأعداء وأنّ العاقبة له، لتقوى نفوسهم، وأعلمهم أيضًا بأنه ثابتٌ ملازمٌ للحرب، وعرّفهم موضعه ليرجع إليه الراجعون.
وقذف الله عزَّ وجلَّ في قلوب هوازن الرعب حين وصلوا إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وذلك أنّ رسول الله إذا واجههم وواجهوه صاح بهم صيحةً ورمى في وجوههم بالحصا وقال: "شاهت الوجوه، شاهت الوجوه" فلم تبق عينٌ إلا دخلها من ذلك فلم يملكوا أنفسهم وَولَّوا مدبرين.
24\25 مختصر السيرة النبوية الطاهرة – غزوة تبوك
كانت غزوة تبوك في شهر رجبٍ سنة تسعٍ من الهجرة وهي ءاخر غزواته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. سببها أنه بلغ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّ هرقل والروم جمعوا له جموعًا يريدون غزوه في بلاده، وكان ذلك في زمن كثرة الناس وجدب البلاد وشدّة الحر، ومع ذلك أمر عليه الصلاة والسلام بالتجهيز للغزو وحثَّ الموسرين على تجهيز المعسرين فأنفق عثمان بن عفّان نفقةً عظيمةً لم ينفق أحدٌ أعظم منها، وجاء أبو بكرٍ الصديق بكل ماله، وجاء عمر بن الخطاب بنصف ماله، وجاء العباس وطلحة بمالٍ كثير، وأرسلت النساء بكل ما يقدرن عليه من حُليهنَّ، ولما اجتمع الرجال خرج بهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهم ثلاثون ألفًا والخيل عشرة ءالاف فرسٍ.
وقد روى العباس بن سهل بنِ سعدٍ الساعديُّ معجزةً لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في تبوك قال: "أصبح الناس ولا ماء معهم فشكَوا ذلك إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فدعا الله، فأرسل الله سحابةً فأمطرت حتى ارتوى الناس واحتملوا حاجتهم من الماء". ويستفاد من دروس هذه الغزوة أشياء منها: الصبرُ على مشاق الجهاد ابتغاء الأجر من الله. ومبادرةُ العدوّ قبل أن يدخل أرض المسلمين.
25\25 مختصر السيرة النبوية الطاهرة – مرض الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ووفاته
اشتد برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المرض وذلك في السنة الحاديةَ عشرة للهجرة فاستأذن نساءه أن يمرّض في بيت عائشة رضي الله عنها وعن أبيها، ولما تعذّر عليه الخروج إلى الصلاة قال: "مروا أبا بكر فليصلّ بالناس"، ثم خرج متوكئًا على عليّ والفضل حتى جلس في أسفل مِرقاة المنبر فحمد الله وأثنى عليه وخطب بصحابته خطبة طويلة فيها مواعظ. ولما كان يوم الأحد اشتدّ وجع النبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولما دخل يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول فارق الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الحياة الدنيا بعد أن أدّى الأمانة حقّ أدائها، ودعا الناس إلى الصراط المستقيم وكان قد لاقى من أجل ذلك مشقاتٍ جمّةً،
وأهوالاً عظيمةً فثبت غير مبال إلى أن جاء الحق وزَهق الباطل فجزاه الله عنا خيرا. ثم غُسّل عليه الصلاة والسلام بثيابه وكفّن في ثلاثة أثواب وصلّى عليه المسلمون أفرادًا بلا إمامٍ، ثم حُفِرَ له لحد في بيت عائشة رضي الله عنها وعن أبيها حيث توفي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فدُفن هناك. ولا يزال قبره الشريف الأنور مقصدًا للمسلمين إلى يومنا هذا يتوجهون للصلاة في مسجده ولزيارته عليه الصلاة والسلام وللتبرك به والدعاء عنده رجاء الإجابة. وبهذا نكون انتهينا من الكلام بشكل موجز عن سيرة نبينا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبهذا تنتهي سلسلة قصص الأنبياء التي أعددناها لكم سائلين الله تعالى أن يتقبّل منّا الأعمال الصالحة ويرزقنا الإخلاص في القول والعمل. والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيّد أهل الأرض والسماء ومصباح الدنيا وخاتم الأنبياء والحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.
