الحمدُ للهِ الذي خَلَقَ الأَشْكالَ والألوانَ ولا شَكْلَ ولا لَوْنَ لَه، والذي خَلَقَ الجِهَةَ والْمكانَ ولا جِهَةَ ولا مَكانَ لَه، سُبحانَهُ الأعلى مِنْ كُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا، والأكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ عَظَمَةً وَعِزَةً وَعِزًّا، سُبْحانَهُ غَنِيٌّ عَنِ العالَمين وَلا يُشْبِهُ الْمَخْلوقين، والصَّلاةُ والسَّلامُ على خاتَمِ وَأَفْضَلِ الأنْبِياءِ وَالْمُرْسَلين، سَيِدِنا مُحَمَّدٍ الصّادِقِ الأَمين، الذي جاءَ بِدينِ الإسْلامِ كَسَائِرِ إِخْوَانِهِ النَّبِيّين.
أما بعد فحلقتُنا اليوم خاصةٌ بسيدِنا إسحاق عليه السلام. هو إسحاقُ بنُ إبراهيمَ عليهما الصلاة والسلام، وهو الولدُ الثاني لإبراهيم الذي بشرتهُ بهِ الملائكة، وقيل: كانَ عمُرُ إبراهيمَ حين وُلِدَ إسحاق عليه السلام مائةً وعشرينَ سنة وكان عمُر سارة تِسعين سنة وقيلَ غيرُ ذلك، وقد ذكرَه الله تبارك وتعالى بالثناءِ عليه والمدحِ في أكثرَ من ءايةٍ من القرءانِ الكريم، وقد مدحَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم نبيَ الله إسحاق وأثنى عليه عندما قال عليه الصلاة والسلام:
"إنَّ الكريمَ ابنَ الكريمِ ابنِ الكريمِ ابنِ الكريمِ يوسفُ بنُ يعقوب بنِ إسحاق بنِ إبراهيم". فهؤلاء الأنبياءُ الأربع الذين مدحهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم هم أنبياءُ مُتناسلون، ولا يوجدُ بينَ الناسِ أنبياءُ متناسلون غيرُهم وهم يوسف ويعقوب وإسحاق وإبراهيم عليهمُ الصلاة والسلام. دعا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ عليهما السلام إلى دينِ الإسلام وإلى عبادةِ الله وحده، وقد أرسلَه الله تبارك وتعالى إلى الكنعانيين في بلاد الشام وفلسطين الذين عاش بينهم، وقد قيل:
إن إبراهيمَ عليه السلام أوصى ابنه إسحاق ألا يتزوجَ إلا امرأةً من أهلِ أبيه فتزوجَ إسحاقُ رِفقةَ بنتَ ابنِ عمِه، وكانت عاقرًا لا تُنجِب فدعا الله تعالى لها فحمَلت فولدت غلامين توأمين أحدُهما اسمُه العِيص، والثاني يعقوب وهو نبيُ الله إسرائيل. وقيل إن نبي الله إسحاق عليه السلام عاشَ مائةً وثمانينَ سنة ومات في حَبرون وهي قريةٌ في فلسطين وهي مدينةُ الخليلِ اليوم حيث كان يسكن إبراهيمُ عليه السلام، ودفنه ابناه العيصُ ويعقوب عليه السلام في المغارةِ التي دُفن فيها أبوه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام.
وقد وردَ كذبا في بعضِ الكتب وفي إسرائيلياتِ اليهودِ المفتراة أنّ عيصًا كان أحبَّ لأبيه من يعقوب وأنَّ يعقوبَ كان أحبَّ إلى أمه، فلما كبِر إسحاق عَمِيَ فقال لعيص: يا بني أطعمني لحمَ صيد واقترب مني وأدعو لك، فسمعت أمُهما ذلك فقالت ليعقوب: يا بني اذبح شاة واشوها وقربها إلى أبيك وقل له أنا ابنُك عيص ففعل ذلك يعقوب فأكلَ ودعا له أن يجعل اللهُ في ذريتِه الأنبياءَ والملوك، وهذا كذبٌ باردٌ سخيف من أكاذيبِ اليهود التي لا يجوز نِسبتُها إلى نبيٍ من أنبياءِ الله ولا عِبرةَ بروايتها في بعضِ الكتب فليس كل ما يروى صحيحًا فانتبهوا رحمكم الله. والله أعلم وأحكم. وهكذا انتهينا من الكلام عن سيدنا إسحاق عليه السلام، والحلقةُ القادمةُ إن شاء الله تعالى عن سيدنا لوط عليه السلام.
1\3 قصة سيدنا لوط عليه السلام
بعد أن حدثناكم عن سيدنا إسحاق عليه السلام هذا أوانُ الكلام عن سيدِنا لوطٍ عليه السلام. لوطٌ عليه السلام هو من الأنبياءِ والرسلِ الكرام، وقد ذكره الله تبارك وتعالى في القرءان الكريم سبعًا وعشرين مرة، هذا وقد ذُكِرت قِصتُه مع قومِه مُفصّلةً في بعض السُوَر ومُجملةً في البعضِ الآخر. هو لوطُ بنُ هاران ابنِ ءازر وقد بعثَه الله تعالى في زمنِ إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام، وهو ابنُ أخيه لأنّ هاران هو أخو إبراهيم. واسمُ لوطٍ عجميٌ ليس عربيًا وليس مشتقًا من اللواط لأنّ اللواط لفظٌ عربيٌ ولوط لم يكن عربيًا واسمه أيضًا ليس عربيًا ولا يليقُ بمنصِبِ الأنبياء أن يكونَ اسمُ أحدِهم مشتقًا من لفظٍ معناهُ خبيث، فانتبهوا رحمكم الله تعالى.
وقد صدَّق لوطٌ بدعوةِ عمِه إبراهيمَ عليهما الصلاة والسلام واهتدى بهديه. وقد هاجرَ لوطٌ عليه السلام مع عمِه إبراهيمَ عليهما السلام من العراقِ وتبِعَه في جميعِ أسفارِه ورِحْلاته، ثم بعثَه الله تبارك وتعالى إلى أهلِ سدوم في الأردن قُرب البحرِ الميت. كان نبيُ الله لوطٌ عليه الصلاة والسلام قد نزَحَ عن مَحلَّةِ عمِه إبراهيمَ الخليل بإذنِه فنزلَ بمدينةِ سدوم كما أمرَه الله تعالى وهي في أطرافِ شرقِ الأردن قُربَ البحرِ الميت، وكانت هذه المدينة لها قُرىً مضافةٌ اليها.
وكان قومُ سدوم من أكفرِ الناس وأفجَرِهم وأخبثِهم طَويّة وأقبحِهم سيرة، فقد كانوا ذَوي أخلاقٍ رديئةٍ ونفوسٍ خبيثةٍ لا يستحون من مُنكر ولا يَتعفّفونَ عن معصية، وكانوا يقطعونَ السبيلَ على المسافرين ويأتونَ في ناديهم المنكرَ ولا يَتناهوْنَ عن المنكرات فيما بينهم، وكانوا ابتدعوا جريمةً نكراء وذنبًا شنيعًا اشتُهروا به، لم يسبِقهم إليه أحدٌ من أهلِ الأرض وهي إتيانُ الذكور - أي اللواط -. ولقد كان قومُ لوطٍ من قساوةِ قلوبِهم وفسادِ أخلاقِهم يتجاهرون بفعلِ فاحشةِ اللواط ولا يستترون ولا يستحون، فلمّا بعث الله تعالى نبيَه لوطًا إليهم دعاهم إلى دينِ الإسلام العظيم وعبادةِ الله وحدَه لا شريكَ له ونهاهُم عن تعاطي هذه المحرماتِ والمنكراتِ وتلكَ الأفاعيلِ المستقبحة،
ولكنّهم استَمروا على كفرِهم وإشراكِهم وتمادَوْا في ضلالهم وطُغيانِهم وفي المجاهرةِ بفعل اللواط والعياذ بالله . وقيل: إنّ الذي حملَهم على إتيانِ الرجالِ دونَ النساء أنهم كانت لهم بساتينُ وثمارٌ في منازلهم وبساتينُ وثمارٌ خارجةٌ على ظهرِ الطريق وأنهم أصابهم قحطٌ شديدٌ وجوعٌ فقال بعضُهم لبعض: إنْ منعتُم ثمارَكم هذه الظاهرة عن أبناءِ السبيلِ والمسافرين كان لكم فيها معاش، فقالوا: كيف نَمنَعُها؟ فأقبلَ بعضُهم على بعضٍ فقالوا: اجعلوا عادتَكم أنّ من وجدتموه في بلادكم غريبًا فاسلُبوه وانكِحوه فإنَّ الناسَ لا يطئونَ أرضَكم بعد ذلك، وزيّنَ لهم الشيطانُ الخبيث هذا الفعلَ الخبيث، فكانوا كذلك حتى بعثَ الله لهم لوطًا عليه الصلاة والسلام فدعاهم إلى عبادةِ الله وتركِ هذه المحرماتِ والفواحِش،
ولكنّهم تمادَوْا في غِيِّهم وضلالِهم ولم يزدهم وعظُ نبيِهم وأمرُه لهم بالمعروف ونهيُه لهم عنِ المنكر إلا تَماديًا وتَكبرًا وطُغيانًا واستِعجالًا لعقابِ الله إنكارًا منهم لوعيده وتكذيبًا منهم لنبي الله لوطٍ عليه السلام، فقد كانوا يقولون له: ائتنا بعذابِ الله إن كنتَ من الصادقين، ولم يكتفوا بهذا التكذيبِ والاستكبار بل أخذوا يهددونَه بالطردِ من قريتِهم وهمّوا بإخراجِ نبيِ الله من بينِ ظهرَانِيهم وهذا مُنتهى السفهِ والعناد والتكبر. والله تعالى أعلم وأحكم. نقف هنا لنتكلم في الحلقة المقبلة بإذن الله تعالى عن ضيوف سيدنا لوطٍ عليه السلام وكيفَ أُهلِك قومُه الظالمون فتابعونا وإلى اللقاء.
2\3 قصة سيدنا لوط عليه السلام
الحمد لله مكوّن الأكوان الموجود أزلا وأبدًا بلا مكان أما بعد زوجة لوط عليه السلام لم تؤمن به ولم تدخل في دينِ الإسلام، بل بقيت كافرةً مع قومِها راضيةً بأفعالهمُ الخسيسة وصفاتِهمُ المذمومة، فحلَّ بها من السَخطِ والعذاب ما حلَّ بقومِها جزاءً لها على كفرِها وتعاطُفِها مع قومِها، ولم ينفعْها عندَ الله أنها كانت زوجةَ نبيِ الله لوط عليه السلام وهي باقيةٌ على الكفرِ والضلال. يقولُ الله تعالى في القرءان الكريم: {فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ} ويقول عزّ وجلّ:
{ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ}. والمرادُ بالخيانةِ هنا الخيانةُ في الدّين، فإنهما لم تتبعَاهما في دين الإسلام العظيم، بل بقِيتا على الكفرِ والضلال ولم ينفعْهما أنهما زوجتا نبيين من أنبياء الله عظيمَين وهما نوحٌ ولوطٌ عليهما الصلاة والسلام، وليسَ المرادُ بالخيانةِ هنا في الآية الزنى فانتبهوا رحمكم الله.
واعلموا رحمكم الله أنّ الله تبارك وتعالى أراد نصرَ نبيِه لوطٍ وإهلاكَ أولئك الكفارِ الخبثاء فأرسلَ الله عزّ وجلّ إلى قومِ لوطٍ ملائكةً كرامًا لإهلاكهم وهم جبريلُ وميكائيلُ وإسرافيلُ ليَقلِبوا قُراهم عالِيَها سافِلَها ويُنْزِلوا العذابَ بهم وكانت لهم مدائنُ أربع، وكان عددُهم يزيدُ على أربعَمِائةِ ألف. فمرَّ هؤلاء الملائكةُ الكرامُ في طريقهم إلى قُرى قومِ لوطٍ على إبراهيمَ الخليلِ عليه السلام بأمرِ الله تعالى وكانوا قد تشكّلوا بصورةِ رجالٍ حِسانِ الوجوهِ فبشّروا إبراهيم بغُلامٍ حليم وهو إسحاقُ عليه السلام ومن وراء إسحاقَ يعقوب، وأخبروه أنهم ذاهبون للانتقام من قوم لوط أهلِ سدوم وتوابِعِها.
وبعد خروج الملائكة من عند نبي الله إبراهيمَ الخليلِ عليه السلام توجهوا نحو قريةِ سَدوم وهي أكبرُ قرى قومِ لوطٍ في الأردن، وكانوا قد جاءوا بصُوَرِ شُبّانٍ جميلي الصورةِ اختبارًا من الله تعالى لقومِ لوط وإقامةً للحُجةِ عليهم، ولما وصلوا القريةَ عندَ الظهيرةِ جاءوا إلى نبيِ الله لوط فدخلوا عليه في صورةِ شُبّان مُردٍ جميلين تُشرِقُ وجوهُهم بنَضارةِ الشبابِ والجمال ولم يُخبِروه في البدايةِ بحقيقتِهم، فظنَّ نبيُ الله لوطٌ أنهم ضيوفٌ جاءوا يستضيفونه فرحَّب بهم ولكنّه عليه الصلاة والسلام اغتمَّ من دخولهم عليه وقتَ الظهيرة وأشفقَ عليهم لأنّه خشي عليهم من أولئك الأشرارِ المجرمين، ولا سيما أنهم كانوا من حيث الصورة في غاية من الحسنِ والجمال،
وخَشِيَ عليه السلام أن يكونَ قد رءاهم واحدٌ من قومِه حين دخلوا عليه فيذهب فيُخبِرَ قومَه فيعتدوا عليهم، حيثُ كان يُدرِكُ خُبثَ نفوسِ قومِه وفسادَ طَوِيَتِهِم، وكان قومُه عليه السلام قد اشترطوا عليه أن لا يُضيفَ أحدًا، ولكنه رأى أنّ استضافةَ من جاءه أمرٌ لا مَحيدَ عنه خوفًا عليهم من شرِّ قومِه وفسادِهم وشذوذِهم. وسُرعان ما حصلَ ما كان يخشاه إذ خرجتِ امرأتُه وكانت امرأةً كافرةً خبيثةً تتبَعُ هوى قومِها، فأخبرت قومَها وقالت لهم: إنّ في بيتِ لوطٍ رجالا ما رأيتُ مثلَ وُجوهِهم قطّ، وما إن سمِعَ قومُ لوطٍ الخبرَ حتى أقبلوا مُسرعين يُهْرَعونَ إلى بيتِ نبيِ الله لوطٍ عليه السلام يريدونَ الاعتداءَ على ضيوفِ لوطٍ عليه السلام،
وأخذَ نبيُ الله لوطٌ عليه السلام يُجادِلُ قومَه المفسدين بالحسنى ويناقشُهم باللطف واللين لعلَّ فيهم من يرتدعُ عن غِيِه وضلالِه، ودعاهم عليه السلام إلى سلوكِ الطريقِة الشرعيةِ المباحةِ وهي أن يتزوجوا بناتِ القرية وأن يكتفوا بنسائِهم ولا يعتدوا. ولكنَّ قومَه الخبثاء رفضوا نصيحتَه، وصارَحوهُ بغرضِهِمُ السيء من غيرِ استحياءٍ ولا خَجل وقالوا له: ما لنا في بناتك من حقّ -يريدون أنهم ليسوا في حاجة إلى بنات القرية- وأخبروه أنهم لا يرغبونَ إلا في أولئك الشُبانِ الحِسان الذين هم في بيتِه ضيوفًا. والله تعالى أعلم وأحكم. نقف هنا لنتكلم في الحلقة المقبلة بإذن الله تعالى كيفَ أُهلِك قومُ لوط عليه السلام فتابعونا وإلى اللقاء.
