الحمدُ للهِ الذي خَلَقَ الأَشْكالَ والألوانَ ولا شَكْلَ ولا لَوْنَ لَه، والذي خَلَقَ الجِهَةَ والْمكانَ ولا جِهَةَ ولا مَكانَ لَه، سُبحانَهُ الأعلى مِنْ كُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا، والأكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ عَظَمَةً وَعِزَةً وَعِزًّا، سُبْحانَهُ غَنِيٌّ عَنِ العالَمين وَلا يُشْبِهُ الْمَخْلوقين، والصَّلاةُ والسَّلامُ على خاتَمِ وَأَفْضَلِ الأنْبِياءِ وَالْمُرْسَلين، سَيِدِنا مُحَمَّدٍ الصّادِقِ الأَمين، الذي جاءَ بِدينِ الإسْلامِ كَسَائِرِ إِخْوَانِهِ النَّبِيّين. هو إبراهيمُ بنُ ءازر وكان يُكنّى أبا الضيفان لأنه كان مِضيافًا كثيرَ الكرم لمن استضافه.

كان أهلُ بابلَ في العراق يتنعمون برَغَدِ العيش ويتَفَيَّئُونَ ظلالَ النعمِ الكثيرة التي أنعمها الله تعالى عليهم، ولكنهم كانوا يتخَبطونَ في دَياجيرِ الظلام ويَتَردَّوْنَ في وِهاد الضلالِ والكفر، فقد نحتوا بأيديهمُ الأصنامَ واتّخذوها من دون الله ءالهةً وعَكفوا على عِبادتها، وكان عليهم حاكمٌ ظالمٌ مُستَبِدٌ يُقالُ له نُمرودُ بنُ كنعان، وكان أحدَ الملوكِ الذين مَلكوا الارضَ وأحاطَ مُلكُه مشارقَ الأرض ومغاربِها، فلما رأى ما هو عليه من الزعامة وما يَتمتّعُ به من سَطوةِ الْمُلك وقوةِ السلطان، ورأى ما أطبقَ على قومِه من الجهلِ والفساد إدّعى الألوهيةَ ودعا قومَه إلى عبادتِه، وقيل:

كان قومُ إبراهيمَ يعبدونَ الكواكبَ السبعة وكانَ لهم أصنامٌ بشكلِ الشمسِ والقمرِ وأصنامٌ بشكلِ الكواكب. في وسطِ هذه البيئةِ المنحَرفةِ وفي زمنِ وعهدِ هذا الملكِ الجبارِ الكافرِ النُمرود كان مولدُ إبراهيمَ عليه السلام، والمشهورُ عند أهلِ السير والتواريخِ أنه ولد ببابل. قال أهلُ التواريخ والسِّير: أَنَّه لما أرادَ الله عزّ وجلّ أن يَبعثَ إبراهيمَ عليه السلام وأن يجعلَه حجةً على قومِه ونبيًا رسولا اليهم، ولم يكن فيما بين نوحٍ وإبراهيمَ عليهما السلام من نبيٍ قبلَه إلا هودًا وصالحًا عليهما السلام، ولما تقارَب زمانُ إبراهيم أتى المنجمونَ الى هذا الملكِ نُمرود وقالوا له: إعلم إِنَّا نجدُ في عِلْمنا أنَّ غلامًا يولدُ في قريتِك هذه يقالُ له إبراهيم، يُفارِقُ دينَكم ويَكسِرُ أوثانَكم في شهر كذا وكذا من سنةِ كذا وكذا.

فلمّا دخلتِ السنةُ التي وَصفَ أصحابُ النجومِ لنمرودَ بعثَ نمرودُ هذا إلى كلِ امرأةٍ حُبلى بقريتِه فحبَسها عندَه إلا ما كان من أمِ إبراهيم زوجةِ ءازَر والدِ إبراهيمَ عليه السلام فإنّه لم يَعلَم بِحَبَلِها، وذلك أنها كانت جاريةً لم يُعرفِ الحَبَلُ في بطنها، فجعلَ هذا الملكُ الطاغيةُ لا تلِدُ امرأةٌ غُلامًا في ذلك الشهرِ مِن تلكَ السنة إلا أمرَ بهِ فذُبح، فلما وَجدت أمُ إبراهيمَ عليه السلام الطلقَ خرجت ليلًا إلى مَغارةٍ كانت قريبةً منها فوَلدت فيها إبراهيمَ عليه السلام وأصلحت من شأنه ما يُصنَعُ بالمولود، ثم سدَّت عليه المغارة ورَجَعَت إلى بيتها.

كانت تزورُه وتطالعُه في المغارة لتنظُرَ ما فعل وكانت تأتي فتجِدُه حيًا يَمُصُ إبهامَه، فقد جُعل رزقُ إبراهيمَ عليه السلام في إبهامه فيما يَجيئُه من مَصِّه، ولم يمكث إبراهيمُ عليه السلام في المغارة إلا خمسةَ عَشَرَ شهرًا، ثم تَرَعْرَعَ وكَبُرَ واصطفاهُ الله تعالى لحملِ رسالتِه وإبانةِ الحقِ ودعاءِ قومِه إلى عبادةِ الله وحدَه وإلى العقيدةِ الصافيةِ مِن الدَّنسِ والشِرك، وإلى تركِ عبادةِ الكواكبِ والأصنامِ وإلى الدخولِ في دينِ الإسلام الذي هو دينُ جميعِ الأنبياء.

وقد ذُكِرت قصةُ إبراهيمَ في عِدةِ مواضعَ من القرءان الكريم، تارةً باختصار وتارةً بالتطويل وتارةً بذِكرِ شأنٍ من شئونه في سورة ثم شأنٍ ءاخَرَ من شئونِه في سورةٍ أُخرى. وقد كان إبراهيمُ عليه الصلاة والسلام كغيرِه من الأنبياء منذُ صِغَرِه ونشأته مسلمًا مؤمنًا عارفًا بربه معتقدًا عقيدةَ التوحيدِ مُنَزّهًا ربَه عن مُشابهة المخلوقات، ومُدركًا أنّ هذه الأصنامَ التي يعبُدُها قومُه لا تُغني عنهم من الله شيئًا، وأنها لا تَضُرُ ولا تنفعُ لأنّ الضارَّ النافِعَ على الحقيقة هو الله تعالى وحدَه.

يقولُ الله تعالى في حقِ إبراهيمَ: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}، وقال الله تعالى: {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ}. ولقد كانَ نبيُ الله إبراهيمُ عليه السلام مُفعَمَ النفسِ بالإيمانِ بربِه وعارفًا به مُمتلىءَ الثقةِ بقدرةِ الله وأنّ الله تعالى قادرٌ على كل شيء لا يُعجزه شيء، وكان غيرَ شاكٍ ولا مُرتابٍ بوجودِ الله سبحانه، وكان مؤمنًا بما أوحي اليه مِن بعثِ الناسِ بعدَ موتِهم يومَ القيامة وحسابِهم في الحياةِ الأُخرى على أعمالِهم وما قدّموا في هذه الحياةِ الدنيا.

وأما قولُ الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}. أي ليطمئنَ قلبي بإجابةِ طلبي، لأنه من الجائز أن يُعطيَ الله تعالى بعضَ الأنبياءِ جميعَ ما طلب أو أن يُعطيَهُ بعضَ ما طلب ولا يُعطيَه بعضًا، وإبراهيمُ عليه الصلاة والسلام ما كان جازمًا وقاطعًا في نفسِه بأنَّ الله يُعطيهِ ما سأل، لكنَّه كان مؤمنًا بأنّ الله تبارك وتعالى قادرٌ على ذلك، لكنْ كانَ عندَه احتِمالٌ أنّ الله يُريهِ كيف يُحيي الموتى واحتمالٌ أنّه لا يُريه، فأجابَ الله تبارك وتعالى سؤالَ إبراهيمَ عليه السلام وأمرَه أن يأخُذَ أربعةً من الطيرِ ويتعرّفَ على أجزائها ثم يُفَرِقَها أشلاءَ وأجزاء ويجعلَ على كُلِ جبلٍ منهُنَّ جُزءا ثم يدعوهُنَّ إليه فيأتينَهُ سعيًا بإذنِ الله،

فلمّا فعلَ إبراهيمُ خليلُ الرحمـٰن ما أمرهُ الله تعالى صارَ كُلُ جُزءٍ ينضمُ إلى مثلِه وعادتِ الأشلاءُ والأجزاءُ كما كانت وعادتِ الروحُ إلى كلِ طير، ورجعَتِ الطيورُ الأربعةُ بقدرةِ الله ومشيئتِه إلى إبراهيمَ عليه السلام، وهو يرى ءاياتِ الله البينات وءاثارَ قدرتِهِ العظيمةِ التي تَدُلُ أنّه تعالى لا يُعجزُه شيء في الأرض ولا في السموات فتباركَ الله أحسنُ الخالقين أي أحسنُ المقدّرين.

نتوقَف هنا ونُتابع في الحلقة القادمةِ بإذن الله تعالى ماذا حصل حين دعا إبراهيمُ عليه السلام أباه إلى الإسلام.

2\7 قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام

ذكرَ أهلُ التواريخ أنَّ إبراهيمَ انطلقَ بزوجتِه سارة وابنِ أخيه لوطٍ فخرَجَ بهم من أرضِ الكِلدانيين إلى أرضِ الكَنعانيين وهي بلادُ بيتِ المقدس، فنَزَلوا حرَّان وكان أهلُها يعبدونَ الكواكبَ السبعة، فقامَ الخليلُ إبراهيمُ عليه السلام يدعو قومَه إلى دينِ الله وتركِ عبادةِ الأصنام التي لا تَضُرُ ولا تَنفع، وكانَ أولُ دعوتِه لأبيه ءازر الذي كان مشركًا يصنَعُ الأصنامَ ويَعبُدُها ويَبيعُها للناسِ ليَعبُدوها فدعاهُ إلى عبادةِ الله وحدَهُ لا شريك له وإلى دينِ الحقِ الإسلام العظيم بألطفِ عبارةٍ وبأحسنِ بيان وبالحكمةِ والموعظةِ الحسنة، وبيَّنَ لهُ بُطلانَ ما هو عليه من عبادةِ الأوثانِ.

ولكن لم يقبل ءازرُ نصيحةَ نبيِ الله إبراهيمَ ولم يستجب لدعوتِه بل استكبرَ وعانَد وتوعَد وهددَ ابنَه إبراهيمَ بالشرِ والرجمِ والقتلِ فعندها قال له إبراهيمُ ما حكاه الله عنه: {قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ} أي سلامٌ عليك لا يصِلُك مني مكروهٌ ولا ينالُك مني أذى، وزادَه بأن دعا له بالخير فقال: {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي} أي سأطلبُ من الله أن يغفِرَ لك كُفركَ بالدخولِ في الإسلام وليس معناه إني أطلبُ لك باللفظِ كما يستغفرُ المسلمُ للمسلمِ بقوله: الله يغفرُ لك أو أستغفرُ الله لك.

ثم لما عَلِمَ إبراهيمُ أنَّ أباه لا يُسلم بل يموتُ على الكُفر تبرأَ منه. وهذه الغِلْظَةُ والاستِكبارُ مِن والِدِ إبراهيمَ عليه السلام لم تُقْعِدْهُ وتَمْنَعْهُ مِنْ مُتابَعَةِ دعوتِه إلى الله سبحانه وتعالى ولم تُثْنِه عدمُ استجابةِ أبيه لنُصحِه ودعوتِه إلى عبادةِ الله وحدَه عن متابعةِ دعوتهِ لقومهِ إلى هذا الدينِ الحقِ العظيم وتركِ عبادةِ الكواكبِ والأصنام. أرادَ إبراهيمُ عليه السلام أن يُبَيِّنَ لِقَوْمِهِ أنّ عبادَةَ الكواكبِ باطلةٌ وأنها لا تصلُح للعبادةِ أبدًا لأنها مَخلوقةٌ مُسَخَّرَةٌ مُتغيرة تطلُعُ تارةً وتَغيبُ تارةً أُخرى، وأنها تتغيرُ من حال إلى حال وما كان كذلك لا يكونُ إلهًا، لأنها بحاجة إلى من يغيرُها وهو الله تبارك وتعالى الدائمُ والباقي الذي لا يتغيرُ ولا يزولُ ولا يفنى ولا يَموت، لا إله الا هو ولا ربَّ سِواه، فبَيَّن إبراهيمُ عليه السلام لقومِه أولًا أنّ الكوكبَ لا يصلُح للعبادة فقال لهم هذا ربي؟!!

أي على تقديرِ الاستفهامِ الإنكارِيّ فكأنَه قال: أهذا ربّي كما تزعُمون؟! هذا لا يستحق العبادة!!، لذلك لَمّا غابَ الكوكبُ قال: {لا أُحِبُّ الآفِلِينَ} أي لا يَصْلُحُ أن يكونَ هذا الكوكبُ ربًا لأنه يأفُلُ ويَتَغَيرُ ومن كان كذلك لا يستحق العبادة، ولَمّا لم يفهموا مقصودَه وظلّوا على ما كانوا عليه، قال حينَ رأى القمرَ مِثلَ ذلك فلمّا لم يَجِد منهم بُغْيَتَهُ أظهرَ لهم أنه بريءٌ من عبادةِ القمر لأنّه لا يَصْلُحُ للعبادةِ ولا يصلُحُ للربوبية، ثم لما أشرقتِ الشمسُ وظهرَت قال لهم مثلَ ذلك، فلما لم ير منهم بُغيتَه أيضا وأنهم أصحابُ عقولٍ سقيمةٍ وقلوبٍ مُظلمةٍ مستكبرةٍ أيِسَ منهم وأظهرَ براءتَه من هذا الإشراكِ الذي وقعوا به وهو عِبادةُ غيرِ الله تعالى،

وأما إبراهيمُ عليه السلام فهو رسولُ الله ونبيُه فقد كان مؤمنًا وعارِفا بربِه كجميعِ الأنبياءِ لا يَشُكُ بوجودِ الله طرفَةَ عين، وكان يعلمُ أنّ الربوبيةَ لا تكون إلا لله وأنه لا خالقَ إلا الله ولا معبودَ بحقٍ إلا الله. ولم يكن كما يَفتري عليه بعضُ أهلِ الجهلِ والضلالِ من قولِهم إنه مرَّ بفَتَراتٍ وأوقاتٍ شكَّ فيها بوجودِ الله، لأنّ الأنبياءَ والرُسُلَ جميعَهم يَستحيلُ عليهمُ الكفرُ والضلالُ قبلَ النبوةِ وبعدَها، لأنهم بُعثوا هداةً مُهتدين ليعلّموا الناس الخير وما أمرهم الله بتبليغه، فقد كان إبراهيمُ عليه الصلاة والسلام قبلَ مناظرتِه لقومِه وإقامةِ الحجةِ عليهم وقبلَ دعوتِهم إلى الإسلام والإيمان يعلم علمًا يقينًا لا شك فيه أنّ له ربًا وهو الله تبارك وتعالى الذي لا يشبه شيئًا وخالقُ كل شيء،

وأنّ الأولوهيةَ والربوبيةَ لا تكونُ الا لله الموجود بلا مكان خالقِ السمواتِ والأرضِ وما فيهِما وهو مالكُ كلِ شيء وقادرٌ على كل شيء ولا يشبه شيئًا وعالمٌ بكلِ شيء ونافِذُ المشيئةِ في كلّ شيء، والدليلُ على ذلكَ من القرءان قولُه تعالى: {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ}، وقوله تعالى: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} واعلموا رحمكم الله أنه لا يجوز اعتقاد أنَّ إبراهيم عليه السلام شكّ في الله تعالى أو عبد غير الله، ومن اعتقد ذلك فقد وقع في الكفر والعياذ بالله تعالى ووجب عليه تصحيحُ عقيدته والنطقُ بالشهادتين للدخول في دين الإسلام.

ونصيحتي لكم يا أحبابنا أن تتعلموا علم الدين لا سيما علم العقيدة بالسند المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن طريق الثقات حتى تحفظوا دينكم وتميزوا بين الحلال والحرام والكفر والإيمان. قواكم الله وأعانكم على هذا الخير العظيم. نقف هنا ثم نتابع قصةَ تكسيرِ إبراهيمَ للأصنام في الحلقة القادمة إن شاء الله.