الحمد لله مكوّن الأكوان الموجود أزلا وأبدا بلا مكان نكمل إن شاء الله قصة سيدنا موسى وهارون عليهما السلام وما حصل معهم مع سحرة فرعون. ألقى سحرة فرعون حبالَهم وعِصِيَّهُم التي كانت معَهم وإذا بهذه الحبالِ والعِصِيّ يُخَيَّلُ للناسِ الحاضرين أنها حياتٌ وثَعابين تتحركُ وتَسعى، وأمامَ هذا الموقفِ الْمُثيرِ المستغرَبِ خافَ موسى على الناسِ أن يُفتَنوا بسحرِ السَحَرَةِ قبلَ أن يُلْقِيَ ما في يدِه، ولكنَّ الله تعالى ثبّتَهُ أمامَ هذا الجمعِ الزاخِرِ من السحرةِ وأوحى إليه أن لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأَعْلَى أيِ الغالبُ المنتصرُ عليهم.

وأمرَه الله تعالى أن يُلقِيَ عصاهُ التي كانت في يَدِه، فلما ألقاها عليه السلام إذا هيَ تنقلِبُ إلى حيةٍ حقيقيةٍ عظيمةٍ ذاتِ قوائمَ وعُنُقٍ عظيمٍ وشَكلٍ هائلٍ مُزعج، بحيثُ إنَّ الناس الذين كانوا بالقُربِ منها انحازوا وهربوا سِراعًا وتأخّروا عن مكانِها، وأقبلَت هذهِ الحيةُ على ما ألقاهُ السَحرةُ من الحبالِ والعِصِيّ والتي خُيِّلَ للناسِ الحاضرين أنها حياتٌ تسعى فَجَعَلَتْ تَلْقَفُهُ وتبتَلِعُهُ واحدًا واحدًا وفي حركةٍ سريعةٍ والناسُ يَنظرونَ إليها مُتَعَجِبينَ لهولِ ما رأوْا وشاهدوا أمامَهم،

وأما السَحَرةُ فإنهم رأوْا ما هالَهُم واطّلَعوا على أمرٍ لم يكن في بالِهم ولا يَدخُلُ تحتَ قُدرتِهم وتَحقَّقوا بما عندهم من العلم أنّ ما فعلَه موسى عليه السلام ليس بِسحرٍ ولا شَعوذةٍ وأنَّ ما يدعو إليه ليسَ زورًا ولا بُهتانًا، وكشَفَ الله تعالى عن قلوبِهم غِشاوةَ الغَفلةِ وخَلقَ في قلوبِهم الاهتِداءَ والإيمانَ فآمنوا وخرّوا له ساجدين وأقرّوا بوَحدانيةِ الله تعالى لأنهم أيقنوا أن ما جاءَ به موسى ليس من قَبيلِ السحرِ وإنما هو ءايةٌ من ءاياتِ الله تعالى الباهرةِ خلقَها الله تعالى وأظهرَها بقدرتِه على يدِ رسولِه موسى عليه السلام لتكونَ بُرهانًا ساطعًا على صِدقه فيما جاءَ به وبلَّغَهُ عن اللهِ تعالى،

لذلك أعلنوا إسلامَهم وإيمانَهم جهرةً أمام الحاضرينَ وفيهم ملِكُهُم فرعون وأهلُ دولتِه غيرَ ءابهينَ بفرعونَ وسَطْوَتِه وقالوا: ءامنّا بربِّ العالمين ربِّ موسى وهارون، ولما رأى فرعونُ هؤلاءِ السحرةَ قد أعلنوا على الملإ إسلامَهم وإيمانَهم وأشهروا ذِكْرَ موسى وهارونَ عليهما السلام في الناسِ على هذه الصِفَةِ الجميلةِ أفزَعَهُ ذلكَ وبَهَرَهُ وأعمى بَصيرتَه، وكانَ فيه كيدٌ ومَكرٌ وخِداعٌ في الصَدِّ عن سبيلِ الله، فأرادَ فرعون أن يَسْتُرَ هزيمَتَهُ ويَستَعيدَ هَيْبتَه فقالَ مُخاطِبًا السحرة بمكرٍ وخِداعٍ وبحضرةِ الناس:

{ءامَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن ءاذَنَ لَكُمْ} ومع ذلك ثَبتَ السحرةُ على الإيمانِ والإسلامِ ولم يُبالوا بوعيدِ فرعونَ وتهديداتِه بلْ واجهوهُ بكلِ جُرأةٍ رافضينَ تَسَلُطَهُ وهَيْمَنَتَهُ، وءاثروا الحقَ الذي جاءَ به موسى وهارون على فرعونَ وجَبروتِه، وءاثروا الآخِرةَ الباقيةَ ودارَ النعيمِ الدائمِ على الدنيا الفانيةِ الزائلةِ، ونفّذَ فرعونُ الطاغيةُ تهديدَه ووعيدَه فصَلبَ هؤلاء السحرةَ الذين ءامنوا وتابوا وقطّعَ أيديَهم وأرجلَهم وقتلَهم ليُروِيَ غليلَه الحاقِدَ دونَ أن يستطيعَ ثَنْيَهُم عن الإيمانِ والإسلام، فماتوا شهداءَ أبرارا قد نالوا الدرجاتِ العُلى رِضوانُ الله عليهم أجمعين، فقد كانوا أولَ الأمرِ سَحرةً فُجّارًا ثم صاروا بعدَ قتلِهِم ظُلْمًا شُهداءَ بَررة، والله تعالى يُعطي الفضلَ من يشاء، والله تعالى ذو الفضلِ العظيم. والله تعالى أعلم وأحكم، نتوقفُ هنا لنتابعَ في الحلقةِ القادمةِ بإذنِ الله بعضَ القضايا والقَصَصِ المهمةِ في نفسِ السياق فتابِعونا وإلى اللقاء.

11\24 قصة سيدنا موسى وهارون عليهما السلام

الحمد لله مكوّن الأكوان الموجود أزلا وأبدا بلا مكان أما بعد نتوقفُ معًا عند قِصةِ ماشطةِ بِنتِ فرعون. كانت ماشطةُ بنتِ فرعون مؤمنةً مسلمةً تكتُم إسلامَها، فبينما هي تَمْشُطُ شعرَ ابنةِ فرعونَ إذ وقعَ المِشطُ من يدِها فقالت: بسم الله، فقالت ابنةُ فِرعون: "أوَلَكِ إلهٌ غيرُ أبي؟" قالت الماشطةُ: ربي وربُك وربُ أبيكِ هو الله، فأخبرت بنتُ فرعونَ أباها بذلك، فدعا بها وبولدِها وقالَ لها: من ربُك؟ قالت: ربي وربُكَ الله، فأمرَ بتنّورِ نُحاسٍ فأُحْمِيَ لِيُعَذِبَها وأولادَها، فقالت:

لي إليكَ حاجة، قالَ: ما هي؟ قالت: تجمعُ عِظامي وعِظامَ أولادي فتَدفِنَها، فقال: لكِ ذلك، فأمرَ بأولادِها فأُلقوا في التَنّورِ واحِدًا واحِدًا، وكانَ ءاخرُ أولادِها صبيًا رضيعًا فقالَ لها: اصبري يا أماه فإنكِ على الحقّ، ثم أُلقِيَتْ في التَنّورِ معَ أولادها رَحمها الله ورحمهم الله. والآن ننتقِلُ إلى الكلامِ عن آسيةَ امرأةِ فرعون. كانت ءاسيةُ امرأةُ فرعون من بني إسرائيلَ وقيل كانت من غيرِهم وكانت مؤمنةً تكتُم إيمانَها، وقد دَخلَ عليها ذاتَ يومٍ فِرعونُ فأخبرَها خبرَ الماشطةِ فقالت لهُ ءاسيةُ زوجتُه:

الويلُ لك! ما أجرأكَ على الله! فقالَ لها: لعلَّكِ اعتراكِ الجنونُ الذي اعتَرى الماشِطة، فقالت له: ما بي جنونٌ ولكنّي ءامنتُ بالله تعالى ربِّ العالمين، فأقسمَ فرعونُ أنه سيُذيقُها الموتَ أو تكفر بإله موسى، فقالت له: أما أن أكفرَ بالله فلا والله! فأمرَ فرعونُ بتعذيبها فعُذِّبت حتى ماتت رحمها الله. ولما وقَعَ ما وقعَ منَ الأمرِ العظيمِ وهو انتِصارُ نبيِ الله موسى عليه السلام على السَحَرةِ الذينَ جمعَهم فِرعونُ من أنحاءِ مملكتِه، فكانَ الأمرُ على خِلافِ ما أرادوا وكانتِ الغَلَبَةُ والانتِصارُ لموسى عليه السلام في ذلِكَ الموقفِ الهائلِ وأسلَمَ السحرةُ الذين استَنْصرَ بهم فرعونُ وأتباعُه القِبط مما زاد فرعونُ وأتباعُه الكافرين غيظًا وحِقدًا،

أخذوا يُغرونَ فرعونَ ويُحرِضونَه على إيذاءِ موسى عليه السلام ومَن ءامنَ معَه لائمينَ ومنكرينَ عليه تركَ موسى عليه السلام وقومِهِ الذين ءامنوا بما جاءَ به يُفسدونَ على زعمِهم في الأرض، فوعدَهم فرعونُ أنه سيقتُلُ أبناءَهم ويَستَحيى نِساءَهم أي يُسَخِّرُهُنَّ في خِدمتِه مُعتَزًا بما له عليهم من القَهرِ والغَلَبةِ والسُلطان، فأخذَ يَبْطُشُ ويَفْتِكُ ببني إسرائيلَ الذين ءامنوا بموسى عليهِ السلام وبما جاءَ به، فعندَ ذلكَ ضجَّ بنو إسرائيلَ بالشكوى مما حاقَ بهم منَ الظُلمِ والتعذيبِ وأخذوا يَشكونَ ذلك لموسى عليه السلام، فأوصاهم عليه السلام بالصَّبرِ وبَشّرَهم بالنصرِ الأكيد ووعدَهم على ذلك بِحُسنِ العاقِبة. والله تبارك وتعالى أعلمُ وأحكم تَرقبوا في الحلقةِ القادمةِ بإذن الله أخبارَ الآياتِ التِسِع فتابعونا وإلى اللقاء.

12\24 قصة سيدنا موسى وهارون عليهما السلام

نكلمُكم في هذه الحلقة إن شاء الله عن الآياتِ التسع التي آتاها الله تبارك وتعالى لنبيه موسى. تمادى فرعونُ في تكذيبِ موسى وإيذاءِ بني إسرائيل، فأخبرَ موسى عليه السلامُ بوحيٍ من الله تعالى فرعونَ وقَومَه بأنه سيوقَعُ عليهمُ العذابُ الشديدُ جَزاءً لكفرِهم وتكذيبِهم ما جاءَهم به نبيُهم موسى عليه السلام، وقد أرسلَ الله تبارك وتعالى عليهم أنواعًا من العذابِ وصنوفًا منَ البلاءِ كانت بِمثابةِ إنذارٍ لهم من الله تعالى ليعودوا إلى رُشدِهم ويَسيروا على الصراطِ المستقيم الذي جاءَهم بهِ نبيُهم موسى عليه السلام.

وقد كانوا كُلّما وقعَ عليهمُ العذاب جاءوا إلى موسى يَطلبونَ منه أن يسألَ ربَه أن يَرفَعَ عنهمُ العذاب، ويعِدونَه بالإيمانِ وتركِ إيذاءِ المؤمنينَ من بني إسرائيل، فكانَ موسى عليه السلام يَدعو ربَه أن يَكشِفَ عَنهمُ العذاب، فإذا كَشفَ الله تعالى عنهم ما نَزلَ بهم من العذابِ غدَروا بعهدِهِم واستمَروا وعادوا إلى طُغيانهم. يقولُ الله تبارك وتعالى: {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ ءايَاتٍ بَيِّنَاتٍ}، والآياتُ البيّناتُ التِسعُ التي أرسلَها الله تعالى على قومِ فرعونَ وأتباعِه القبط هي ما يلي:

الآية الأولى القَحطُ والجدب: وهي أعوامُ الجدبِ والقَحطِ التي أصابَتهم حيثُ كان لا يُستَغلُ فيها زَرعٌ ولا يُنتفَعُ بِضَرِع. الآية الثانية النقصُ من الثمرات: وهي قِلةُ الثِمارِ من الأشجارِ بسَببِ الجوائِحِ والعاهاتِ التي كانت تُصيبُها. الآية الثالثة الطُّوفان: وهو كَثرةُ الأمطارِ الْمُتْلِفَةِ للزُروعِ والثِمارِ، وقيل: المرادُ بالطوفانِ فَيَضانُ نهرِ النيلِ عليهم حيثُ فاضَ الماءُ على وَجهِ الأرضِ ثم رَكَدَ فلا يَقدِرونَ أن يَحْرُثوا أرضَهم ولا أن يَعملوا شيئًا حتى جَهِدوا جوعًا وأصابَهُمُ الضيقُ الشديد.

الآية الرابعة الجراد: وقد أرسلَهُ الله تبارك وتعالى على قومِ فرعونَ بِشكلٍ غيرِ مَعهود، فكان يُغطّي الأرض ويَحْجُبُ ضوءَ الشَمسِ لِكَثرتِه، وكان لا يَتركُ لهم زَرعًا ولا ثِمارًا ولا شَجرًا حتى قيلَ: إنه كانَ يأكلُ مَساميرَ الأبوابِ من الحديدِ حتى تَقعَ دورُهم ومساكِنُهم. الآية الخامسة القُمَّل: وهو السوسُ الذي يُفْسِدُ الحبوب، وقيلَ: هو القُمَّلُ المعروف، وقيل: هو البَعوضُ الذي أقَضَّ مَضاجِعَهم ولم يُمكِنْهم معَه الغَمضُ والنَومُ والقَرار.

الآية السادسة الضَفادِع: وهي معروفة، وقد كَثُرَت عندَهم حتى نغَّصَت عليهم عيشَهم، حيثُ كانت تسقُطُ في أطعِمَتِهِم وأوانيهم وتَقْفِزُ على فَرشِهِم وملابِسِهِم وملأت بيوتَهم وأطعمَتَهم وءانيتَهم. الآية السابعة الدم: حيثُ صارت مياهُ ءالِ فرعونَ دمًا، فكانوا لا يَستَقونَ مِن إناءٍ ولا مِن بئرٍ ولا نَهرٍ إلا انقَلَبَ إلى دَمٍ في الحالِ بقُدرةِ الله تعالى، وكذَلِكَ كانوا لا يَستَقونَ من نهرِ النيلِ شيئًا إلا وَجدوه دمًا. الآية الثامنة العصا: وقد تَقدَّمَ ذِكرُها أنها كانت مِن مُعجزاتِ نبيِ الله موسى عليه السلام، حيثُ انقَلَبَت عندما ألقاها عليهِ السلام حيَّةً حَقيقيةً تسعى بِقدرةِ الله تعالى.

الآية التاسعة اليد: وقد تَقَدَّمَ ذِكرُها أنها مِن مُعجزاتِ موسى عليه السلام إذ كانَ عليه السلام يَضَعُ يَدَهُ في جَيْبِهِ ثم يُخْرِجُها بَيضاءَ مِن غَيْرِ سوءٍ ومَرض. ومع هذا كلِه استمر فرعون وأتباعه الضالين على الجهلِ والضَلالِ والكفر والاستِكبارِ عن تَصديقِ رسولِه موسى عليه السلام. فسبحان الله الذي يهدي من يشاء ويُضلُ من يشاء والحمد لله الذي هدانا والله تعالى أعلَم وأحكَم نقف هنا الآن لنكلمكم في الحلقة القابلة إن شاء الله تعالى عن خروج موسى ومن آمن به عليه السلام من مصر وانشقاقِ البحر لهم وغرق فرعون فتابعونا وإلى اللقاء.