كان الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدعو إلى الإسلام باللسان ولم يكن قد أُذن له بعدُ بالجهاد، ثم بعد هجرته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نزل الإذن بالقتال، فغزا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بنفسه سبعَ عشرة غَزوةً، وأرسل كثيرًا من السَّرايا. وفي السنة الثانية من الهجرة: كانت غزوةُ الأبواء وغزوةُ بُواطٍ وغزوةُ ذاتِ العشير وغزوةُ بدرٍ الكبرى يومَ الجمعة في السابعَ عشَرَ من رمضان. قدمت إلى قريشٍ قافلة من الشام مع أبي سفيان بن حربٍ ومعه ثلاثون رجلا، فوجّه وحثّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الناس إليها وبلغ أبا سفيان ذلك فبعث إلى مكة وأعلم قريشًا أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقصِدُهُ فخرج الناس من مكة سِراعًا وكانت عُدتُهم تِسعَمائة وخمسين رجلا فيهم مائةُ فرسٍ،
وخرج سيدنا محمدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من المدينة المنورة ومعه ثلاثُمائةٍ وثلاثةَ عشرَ رجلا، منهم سبعةٌ وسبعون من المهاجرين والباقون من الأنصار، ولم يكن فيهم إلا فارسان وكانت الإبِلُ سبعين يتناوبون في الركوب عليها. ونزل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مضيقَ الصفراء، وجاءته الأخبارُ بأنَّ العيرَ قد قاربت بدرًا وأنَّ المشركين قد خرجوا ليمنعوا عنها. ثم رحل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ونزل في بدرٍ على أدنى ماءٍ من القوم، وأشار سعدُ بنُ معاذٍ ببناء عريشٍ فعُمِلَ لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجلس عليه رسول الله ومعه أبو بكرٍ.
ثم أقبلت قريشٌ فلما رءاهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "اللَّهمَّ هذه قريشٌ قد أقبلت بخيلائها وفخرها تكذّبُ رسولك اللَّهم فنصرك الذي وعدتني". وخرج للمبارزة من المشركين عتبةُ بن ربيعة وشيبةُ بن ربيعة والوليدُ بن عتبة فأمر النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يبارز عبيدةُ بنُ الحارث بنِ المطلب عتبةَ، وأن يبارز حمزةُ عمُّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شيبةَ، وأن يبارز عليُّ بن أبي طالبٍ الوليدَ بنَ عتبة. فقتل حمزة شيبة وعليٌّ الوليد، وضرب كلُّ واحدٍ من عبيدة وعتبة صاحبَهُ، وكرَّ عليٌّ وحمزةُ على عتبة فقتلاهُ واحتملا عبيدة وقد قُطعت رجله ثم مات بعد ذلك.
وتزاحف القوم ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومعه أبو بكرٍ على العريش وهو يقول: "اللهم إن تُهلِكْ هذه العصابةَ (أي الجماعة من المسلمين) لا تُعبدْ في الأرض، اللهمَّ أنجز لي ما وعدتني" ولم يزل كذلك حتى سقط رداؤه فوضعه أبو بكرٍ عليه وخفق رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خفقةً ثم انتبه فقال: "أبشر يا أبا بكر فقد أتى نصر الله". ثم خرج رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من العريش يحرّضُ الناس على القتال وأخذ حَفنةً من الحصباء ورمى بها قريشًا وقال:
"شاهتِ الوجوهُ" ثم قال لأصحابه: "شُدُّوا عليهم" فكانت الهزيمة. وكانت الوقعةُ صبيحة الجمعة لسبعَ عشرةَ ليلةً خلت من رمضان. وقتل عبدُ الله بنُ مسعودٍ أبا جهلٍ بنَ هشام بنِ المغيرة. واستشهد من المسلمين أربعة عشر رجلا، ستةٌ من المهاجرين وثمانية من الأنصار. وكانت عُدةُ قتلى المشركين في بدرٍ سبعين رجلا، والأسرى كذلك.
15\25 مختصر السيرة النبوية الطاهرة - غزوةُ بني القَيْنُقاع
كانت غزوةُ بني القينقاع في السنة الثانية من الهجرة وكان من خبرها أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان قد وادع يهود المدينة على أن لا يُعينوا عليه أحدًا، وأنّه إن دهمهُ عدوٌ بها نصروهُ. فلما قتل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من قتل ببدرٍ من مشركي قريش أظهروا له الحسد والبغض وأظهروا نقض المعاهدة. فجمعهم الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بسوق قينقاع وقال لهم: "يا معشر اليهود احذروا من الله عزَّ وجلَّ مثل ما نزل بقريشٍ من النّقمة، وأسلموا فإنكم قد عرفتم أني نبيٌّ مرسلٌ تجدون ذلك في كتابكم".
ولكنَّ اليهود عاندوا وتكبروا عن قبول الحق. وكان يهود بني القينقاع من أغنياء المدينة، وكان لهم فيها حصونٌ، ورغم نصح النبيّ استمروا في غيهم وتحرٌّشهم إلى أن حدث ذات يومٍ أنَّ امرأةً من العرب قدمت ببضاعةٍ لها فباعتها بسوق بني القينقاع وجلست إلى صائغ، فاجتمع حولها نفرٌ من اليهود يتحرشون بها وطلبوا منها كشف شيءٍ من بدنها فأبت، فعمَدَ الصائغ إلى طرفِ ثوبها فعقدهُ إلى ظهرها، فلمّا قامت انكشفت سَوأتها فضحك اليهود منها وسخروا فصاحت فوثب رجلٌ من المسلمين على الصائغ فقتله فشدَّت اليهود على المسلم فقتلوه.
وسرعان ما لجأ اليهود إلى حصونهم استعدادًا للحرب واعتصموا فيها، فحاصرهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خمسَ عشرةَ ليلةً لا يطلَعُ منهم أحدٌ، ثم نزلوا على حكم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واستسلموا فشفع فيهم عبد الله بنُ أبيّ بنِ سلول وألحَّ في الرغبة حتى حقن له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دماءهم، ثم أمر عليه السلام بإجلائهم.
16\25 مختصر السيرة النبوية الطاهرة - غـزوةُ أُحُـدٍ
غزوة أحد وقعت في السنة الثالثة من الهجرة. وجاء في خبرها أنه لما أصيبت قريشٌ يوم بدرٍ ورجعوا منكسرين إلى مكة المكرمة ورجع أبو سفيان بِعِيره. ومشى رجالٌ من قريشٍ ممن أصيب ءاباؤهم وإخوانهم يوم بدر، فكلموا أبا سفيان بنَ حربٍ ومن كانت له في تلك العير من قريشٍ تجارةٌ، فاجتمعوا على حرب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ونزلوا ببطن الوادي الذي قبل أحد، فلما نزل أبو سفيان والمشركون إلى أحد فرح المسلمون بلقاء العدو وقالوا: قد ساق الله إلينا بأمنيتنا.
ثم إنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رأى ليلة الجمعة رؤيا فأصبح فجاءهُ نفرٌ من أصحابه فأخبرهم الرؤيا وأوَّلها بقتل بعضِ أصحابه ورجلٍ من أهل بيته، ثم قال لهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدَعوهم حيث نزلوا فإن أقاموا أقاموا بشر مَقامٍ، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها". فقال رجلٌ من المسلمين ممن أكرمهم الله بالشهادة في ذلك اليوم: يا رسول الله اخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون أنّا جَبِنّا عنهم وضعِفنا.
فقال عبد الله بنُ أبي: أقم بالمدينة ولا تخرج إليهم، فلم يزل الناس الذين كان من أمرهم حبُّ لقاء القوم برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى دخل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلبِس درعه، وذلك يومَ الجمعة حين فرغ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الصلاة، ثم خرج عليهم وقد ندم الناس فقالوا: استكرهناك يا رسول الله ولم يكن ذلك لنا فإن شئت فاقعد صلَّى الله عليك، فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ما ينبغي لنبيّ إذ لبس لامته (أي آلة الحرب) أن يضعها حتى يقاتل".
فخرج رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ألف رجلٍ من أصحابه حتى إذا كان بالشوط (وهو اسم مكان بين المدينة وأحد) انخزل (أي تراجع) عنه عبد الله بنُ أبيّ المنافقُ بثلث الناس، وكان لواء المسلمين مع عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه فلما سأل الرسول عن لواء المشركين وعلم أنه مع طلحة بن أبي طلحة أعطى اللواء لمصعب بن عمير. وأمَّر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على الرُّماة عبدَ الله بن جبير والرُماةُ خمسون رجلا وجعلهم نحوَ خيلِ المشركين وقال لهم:
"لا تَبرحوا مكانكم إن رأيتم أننا قد هزمناهم، فإنّا لا نزال غالبين ما ثبتُّم مكانكم". ثم التقى الجيشان وحملت خيلُ المشركين على المسلمين ثلاث مراتٍ كلُّ ذلك تُرمى بالنَبلِ فترجع مغلولةً، وحمل المسلمون فنهكوهم قتلا، فلما أبصر الرماة الخمسون أنّ الله عزّ وجلّ قد فتح لإخوانهم تركوا منازلهم التي عهِد إليهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ألا يتركوها وتنازعوا وفشِلوا، وعصوا الرسول عليه الصلاة والسلام. فلما أبصر المشركون ذلك اجتمعوا وأقبلوا وصرخ صارخٌ قد قُتل رسول الله فقُتل من المسلمين من قُتل.
وأولُ من عرف رسولَ الله بعد ذلك كعبُ بن مالكٍ فصاح يا معشر المسلمين هذا رسول الله فنَهَضوا. وكان أبيّ بنُ خلف قد حلف أن يَقتُل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلما دنا من رسول الله طعنه الرسول بحَربته فوقع عن فرسه ولم يخرج من طعنته دمٌ فمات قبل أن يقدِم مكة. وجميع من استشهد من المسلمين يوم أحد من المهاجرين والأنصار تسعةٌ وأربعون رجلا، وقُتل من المشركين يوم أحد ستة عشر رجلا. وهنا فائدة مهمة: ليُعلم أنه لم ينهزم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في معركة أحد ولا انهزم عنه أبو بكر ولا عمر ولا علي في رجالٍ من أمثالهم من المهاجرين السابقين والأنصارِ الأولين رضي الله عنهم أجمعين.
