الحمد لله رب العالمين أما بعد هناك صفات مِنْ صِفَاتِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى تَكَرَّرَ ذِكْرُهَا فِى الْقُرْءَانِ وَالْحَدِيثِ كَثِيرًا. الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ كَانَ يُكَلّـِمُ النَّاسَ عَنْهَا كَثِيرًا إِمَّا بِالنَّصِّ وَإِمَّا بِالْمَعْنَى. وَمِنْ هنا أَخَذَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ هَذِهِ الصّـِفَاتِ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ أَنْ يَعْرِفَهَا. وَهِىَ ثَلاَثَ عَشْرَةَ صِفَةً. وَالصّـِفَةُ الأُولَى مِنْ هَذِهِ الصّـِفَاتِ هِىَ الْوُجُودُ:
أَىْ أَنَّ اللهَ تَعَالَى مَوجُودٌ لاَ يُشْبِهُ الْمَوجُودَاتِ، مَوْجُودٌ بِغَيْرِ بِدَايَةٍ وَبِغَيْرِ نِهَايَةٍ وَبِغَيْرِ مَكَانٍ. الصّـِفَةُ الثَّانِيَةُ الْوَحْدَانِيَّةُ: أَىْ أَنَّ اللهَ لاَ شَرِيكَ لَهُ فِى الأُلُوهِيَّةِ، لاَ ذَاتُهُ يُشْبِهُ ذَوَاتِ الْخَلْقِ وَلاَ صِفَاتُهُ تُشْبِهُ صِفَاتِ الْخَلْقِ وَلاَ فِعْلُهُ يُشْبِهُ فِعْلَ الْخَلْقِ. الصّـِفَةُ الثَّالِثَةُ الْقِدَمُ: أَىْ أَنَّ اللهَ لاَ بِدَايَةَ لِوُجُودِهِ. الصّـِفَةُ الرَّابِعَةُ الْبَقَاءُ:
أَىْ أَنَّ اللهَ لاَ يَطْرَأُ عَلَيْهِ فَنَاءٌ وَلاَ عَدَمٌ. الصّـِفَةُ الْخَامِسَةُ الْقِيَامُ بِالنَّفْسِ: يَعْنَى أَنَّ رَبَّنَا عَزَّ وَجَلَّ مُسْتَغْنٍ عَنْ غَيْرِهِ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ كُلُّ مَنْ سِوَاهُ. الصّـِفَةُ السَّادِسَةُ الْقُدْرَةُ: أَىْ أَنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ لاَ يُعْجِزُهُ شَىْءٌ. الصّـِفَةُ السَّابِعَةُ الإِرَادَةُ: فَكُلُّ مَا شَاءَ اللهُ وُجُودَهُ لاَ بُدَّ أَنْ يُوْجَدَ فِى الْوَقْتِ الَّذِى شَاءَ اللهُ وُجُودَهُ فِيهِ.
وَكُلُّ مَا لَمْ يَشَأْ وُجُودَهُ لاَ يُوْجَدُ ولا يكون. الصّـِفَةُ الثَّامِنَةُ الْعِلْمُ: فَاللهُ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَىْءٌ. الصّـِفَةُ التَّاسِعَةُ السَّمْعُ: أَىْ أَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَسْمَعُ كُلَّ الْمَسْمُوعَاتِ مِنْ غَيْرِ أُذُنٍ وَلاَ ءَالَةٍ أُخْرَى، ومِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ شَىْءٌ مِنْهَا. الصّـِفَةُ العَاشِرَةُ البَصَرُ: أَىْ أَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَرَى كُلَّ الْمُبْصَرَاتِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى ضَوْءٍ وَلاَ حَدَقَةٍ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَىْءٌ مِنْهَا.
الصّـِفَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ الْحَيَاةُ: وَهِىَ حَيَاةٌ لاَ تُشْبِهُ حَيَاتَنَا، حَيَاةٌ لَيْسَ لَهَا بِدَايَةٌ وَلاَ نِهَايَةٌ. وَلَيْسَتْ هِىَ حَيَاةٌ بِرُوحٍ وَجَسَدٍ. الصّـِفَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ الْكَلاَمُ: وَهُوَ كَلاَمٌ لاَ يُشْبِهُ كَلاَمَنَا، لَيْسَ حَرْفًا وَلاَ صَوْتًا وَلاَ لُغَةً. الصّـِفَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ التَّنَزُّهُ عَنِ الْمُشَابَهَةِ لِلْحَادِثِ: أي أن اللهَ لا يشبه شيئًا من المخلوقاتِ بأي وجه من الوجوه سبحانه وتعالى والله تعالى أعلم وأحكم.
محمد رسول الله خاتم النبيين
الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله، اعلم رحمك الله أن نَبِيَّنَا محمد عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ يَرْجِعُ نَسَبُهُ إِلَى هَاشِمِ بنِ عبدِ مناف. فَهُوَ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ الْهَاشِمِىُّ-يَعْنِى مِنْ بَنِى هَاشِمٍ- القُرَشِىُّ-يَعْنِى مِنْ قَبِيلَةِ قُرَيْشٍ- فَهَاشِمٌ بَطْنٌ مِنْ بُطُونِ قُرَيْشٍ، وَقُرَيْشٌ أَشْرَفُ قَبَائِلِ الْعَرَبِ. وَهُوَ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ إِلَى كُلِّ الإِنْسِ وَالْجِنِّ، لَيْسَ إِلَى العَرَبِ فَقَطْ، وَلاَ إِلَى العُجْمِ فَقَطْ، وَلاَ إِلَى الإِنْسِ فَقَطْ، إِنَّمَا أَرْسَلَهُ رَبُّهُ إِلَى الإِنْسِ وَالْجِنِّ جَمِيعًا.
ورَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلّمَ وُلِدَ فِى مَكَّةَ فِى عَامِ الْفِيلِ، أَىْ فِي العَامِ الذِي غَزَا فِيْهِ أَبْرَهَةُ مَكَّةَ يُرِيدُ تَدْمِيرَ الْكَعْبَةِ هُوَ وَجُنْدُهُ وَمَعَهُمُ الأَفْيَالُ، فأَهْلَكَهُ اللهُ وَجَيْشَهُ. وبُعِثَ أي نزل عليه الوحيُ لَمَّا كَانَ فِى سِنِّ الأَرْبَعِينَ. فَنَزَلَ الْوَحْىُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَوَّلَ مَا نَزَلَ ونبينا محمد عليه الصلاة والسلام يسكن مَكَّةَ، ثُمَّ مَكَثَ فِي مكة بَعْدَ الْوَحْىِ نَحْوَ ثَلاَثَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَمَكَثَ فِيهَا نَحْوَ عَشْرِ سِنِينَ، ثُمَّ تُوُفّـِىَ فِيهَا عَنْ ثَلاَثٍ وَسِتّـِينَ سَنَةً ودُفِنَ فِيهَا.
وَمَعْرِفَةُ نَسَبِ رَسُولِ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلّمَ وَمَعْرِفَةُ مَكَانِ وِلاَدَتِهِ وَمَكَانِ وَفَاتِهِ مِنَ الْمُهِمَّات. وَأَمَّا قَبِيلَةُ قُرَيْشٍ فَيَرْجِعُ نَسَبُهَا إِلَى إِسْمَاعِيلَ نَبِىِّ اللهِ ابْنِ إِبْرَاهِيمَ نَبِىِّ اللهِ. وسيدنا محمدٌ صلى الله عليه وسلم هُوَ ءَاخِرُ نَبِىٍّ بَعَثَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَلاَ يُبْعَثُ بَعْدَهُ نَبِىٌّ. فَسَيّـِدُنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلام وَإِنْ كَانَ يَنْزِلُ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، فَإِنَّهُ بُعِثَ قَبْلَ مُحَمَّدٍ صلّى اللهُ عليهِ وسلّمَ ، ثُمَّ عيسى لَمَّا يَنْزِلُ يَحْكُمُ بِشَرْعِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ.
أَمَّا ءَاخِرُ الأَنْبِيَاءِ بَعْثًا فَهُوَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ كَمَا قَالَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيّـِينَ}. وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ نَبِيًّا يُبْعَثُ بَعْدَ مُحَمَّدٍ فَهُوَ كَافِرٌ، وَذَلِكَ مِثْلُ الْقَادِيَانِيَّةِ، الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ غَلاَم أَحْمَد نَبِىٌّ بَعْدَ مُحَمَّدٍ. غُلاَم أَحْمَد رَجُلٌ كافرٌ عَاشَ مُنْذُ نَحْو مِائَةِ سَنَةٍ وَادَّعَى النُّبُوَّةَ، وَصَدَّقَهُ عَلَى ذَلِكَ بَعْضُ النَّاسِ الَّذِينَ يُقَالُ لَهُمُ الآنَ الْقَادِيَانِيَّةُ نِسْبَةً لِبَلَدِهِ قَادِيَانَ.
ثُمَّ إِنَّ نَبِيَّنَا عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ هُوَ أَفْضَلُ أَنْبِيَاءِ اللهِ، وَيَلِيهِ بِالْفَضْلِ نَبِىُّ اللهِ إِبْرَاهِيمُ، ثُمَّ مُوسَى، ثُمَّ عِيسَى، ثُمَّ نُوحٌ، صَلَوَاتُ رَبّـِى وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. نسأل الله تعالى أن يعلمَنا ما ينفعنا وأن ينفعَنا بما علمنا وأن يزيدَنا علما والله تبارك وتعالى أعلم وأحكم.
الدار الآخرة
الحمد لله مقسّم الأرزاق والصلاة والسلام على سيدنا محمد رفيع الأخلاق وعلى آله وأصحابه إلى اليوم الذي يفر فيه الظالم من الأهل والأصدقاء. أما بعد يجب اعتقادُ أَن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم صَادِقٌ فِى جَمِيعِ مَا أَخْبَرَ بِهِ وَبَلَّغَهُ عِنِ اللهِ. فَمِنْ ذَلِكَ عَذَابُ الْقَبْرِ وَنَعِيمُهُ وَسُؤَالُ الْمَلَكَيْنِ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ. أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أَنَّ الإِنْسَانَ بَعْدَمَا يُدْفَنُ تَرْجِعُ رُوحُهُ إِلَى جَسَدِهِ، فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ يُقَالُ لأَحَدِهِمَا مُنْكَرٌ وَلِلآخَرِ نَكِيرٌ فَيَسْأَلاَنِهِ عَنْ رَبِـّهِ وَنَبِيّـِهِ وَدِينِهِ.
فَالْمُؤْمِنُ التَّقِىُّ لاَ يَخَافُ مِنْهُمَا، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيَرْتَاعُ ارْتِيَاعًا شَدِيدًا. ثُمَّ النَّاسُ فِى الْقَبْرِ قِسْمَانِ، قِسْمٌ مُنَعَّمُونَ فِى قُبُورِهِمْ، قُبُورُهُمْ مُنَوَّرَةٌ مُوَسَّعَةٌ، وَقِسْمٌ مُعَذَّبُونَ فِى قُبُورِهِمْ. ثُمَّ هَؤُلاَءِ الْمُعَذَّبُونَ قِسْمَانِ، الْكُفَّارُ يَسْتَمِرُّ عَلَيْهِمُ الْعَذَابُ فِى الْقَبْرِ حَتَّى إِذَا بَلِىَ الْجَسَدُ تَعَذَّبَتْ أَرْوَاحُهُمْ. وَالْقِسْمُ الثَّانِى هُمُ الْمُؤْمِنُونَ الْعُصَاةُ الَّذِينَ لَمْ يُسَامِحْهُمُ اللهُ، فَيُعَذَّبُونَ مُدَّةً فِى القَبْرِ، ثُمَّ لاَ يَسْتَمِرُّ عَلَيْهِمُ الْعَذَابُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
بَلْ إِذَا بَلِيَتْ أَجْسَادُهُمْ تَكُونُ أَرْوَاحُهُمْ مُعَلَّقَةً بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَيُؤَخَّرُ لَهُمْ بَقِيَّةُ الْعَذَابِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ -أَىْ لِلَّذِينَ لَمْ يُسَامِحْهُمُ اللهُ مِنْهُمْ-. وَالإِيمَانُ بِعَذَابِ الْقَبْرِ وَنَعِيمِهِ وَاجِبٌ، وَمَنْ أَنْكَرَ عَذَابَ الْقَبْرِ عَلَى الإِطْلاَقِ مع علمه أنه واردٌ في دين الله فَهُوَ كَافِرٌ.
ومما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم و يَجِبُ الإِيمَانُ به أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُعِيدُ الأَجْسَادَ الَّتِى أَكَلَهَا التُّرَابُ، وَيُعِيدُ الأَرْوَاحَ إِلَيْهَا، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ الْمَوْتَى مِنْ قُبُورِهِمْ. ويجب اعتقاد أن الإِنْسَ وَالْجِنَّ وَالْبَهَائِمَ بَعْدَمَا يُبْعَثُونَ يومَ القيامة يُحْشَرُونَ كُلُّهُمْ إِلَى مَوْقِفٍ وَاحِدٍ. وَيوم القيامة طُولُهُ كَخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ مِنْ سِنِينِنَا هَذِهِ. أَوَّلُهُ مِنْ قِيَامِ النَّاسِ مِنَ الْقُبُورِ، وَءَاخِرُهُ بِاسْتِقْرَارِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِى الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ فِى النَّارِ.
و كُلُّ إِنْسَانٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُعْرَضُ عَلَيْهِ أَعْمَالُهُ، فَمِنْ مَسْرُورٍ يَوْمَئِذٍ وَمِنْ مُسْتَاءٍ، كُلُّ إِنْسَانٍ يُعْطَى كِتَابَهُ الَّذِى فِيهِ مَا عَمِلَ. و أَعْمَالُ الْعِبَادِ تُوْزَنُ فِى الآخِرَةِ، الْحَسَنَاتُ فِى كَفَّةٍ وَالسَّيّـِئَاتُ فِى كَفَّةٍ. فَإِنْ رَجَحَتْ أي مالت كَفَّةُ الْحَسَنَاتِ فَالشَّخْصُ فَائِزٌ نَاجٍ، وَإِنْ رَجَحَتْ كَفَّةُ السَّيّـِئَاتِ فَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لِلْعَذَابِ. وَأَمَّا الْكَافِرُ فَلاَ يَكُونُ لَهُ فِى كَفَّةِ الْحَسَنَاتِ شَىْءٌ ويدخل النار ويبقى فيها إلى ما لا نهاية له.
فالنار هي مَكَانُ عَذَابِ الْكُفَّارِ وَقِسْمٍ مِنْ عُصَاةِ الْمُسْلِمِينَ فِى الآخِرَةِ. وَهِىَ نَارٌ حِسّـِيَّةٌ، شَدِيدَةُ الْحَرَارَةِ، لاَ تَنْطَفِىءُ وَلاَ تَنْتَهِى. يَمْكُثُ الْكُفَّارُ فِيهَا فِى الْعَذَابِ أَبَدًا، لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ يَنْقَطِعُ. أَمَّا عُصَاةُ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَهَا فَإِنَّهُمْ يُخْرَجُونَ مِنْهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَيُدْخَلُونَ الْجَنَّةَ، لأَنَّ اللهَ مَا جَعَلَ عَذَابَ الْمُسْلِمِ وَ عَذَابَ الْكَافِرِ سَوَاءً.
وليعلم أن هناك جسرٌ فوق جهنم يقال له الصراط، أَوَّلُهُ فِى الأَرْضِ الْمُبَدَّلَةِ وَءَاخِرُهُ قَبْلَ الْجَنَّةِ، يَرِدُهُ النَّاسُ. قِسْمٌ مِنَ النَّاسِ مِنَ أَوَّلِهِ يَقَعُونَ فِى النَّارِ وَهُمُ الْكُفَّارُ، وَقِسْمٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَمْشُونَ عَلَى الصّـِرَاطِ ثُمَّ يَقَعُونَ فِى النَّارِ، وَالْبَاقُونَ نَاجُونَ. ثم بعد عبور الصراط وقبل دخول الجنة يشرب كل مؤمن من حوض نبيه وَكُلُّ نَبِىٍّ لَهُ حَوْضٌ تَشْرَبُ مِنْهُ أُمَّتُهُ. فَتَشْرَبُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ مِنْ حَوْضِهِ قَبْلَ دُخُولِ الْجَنَّةِ.
وحوضُ النبي عليه الصلاة والسلام مَجْمَعُ مَاءٍ كَبِيرٌ، يَنْصَبُّ فِيهِ مِنْ مَاءِ الْجَنَّةِ. والجنة يَجِبُ الإِيمَانُ بها، وَهِىَ مَوْجُودَةٌ الآنَ، فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، وَسَقْفُهَا الْعَرْشُ (وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْهَا بِكَثِيرٍ). وَفِيهَا دَرَجَاتٌ. والمؤمنون وَهُمْ فِى الْجَنَّةِ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ عَزَّ وَجَلَّ بِأَعْيُنِ رُءُوسِهِمْ. يُعْطِيهِمُ اللهُ فِى أَعْيُنِهِمْ قُوَّةً يَرَوْنَهُ بِهَا، لاَ كَمَا يَرَوْنَ الْمَخْلُوقَاتِ. يَرَوْنَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِى جِهَةٍ ومكان، وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ مَسَافَةٌ، كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ.
اللهُ يَجْعَلُ فِى أَعْيُنِ أَهْلِ الْجَنَّةِ قُوَّةً يَرَوْنَ ذَاتَهُ الْمُقَدَّسَ بِهَا، فَيَحْصُلُ لَهُمْ مِنَ السُّرُورِ بِذَلِكَ مَا لاَ يُوْصَفُ، وَهَذَا أَعْظَمُ نَعِيمٍ يَتَنَعَّمُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ. أسأل الله تعالى أن يدخلَنا الجنة مع الأولين والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين والله تعالى أعلم وأحكم.
