الحمد لله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. والصلاة والسلام على سيدنا محمد الداعي إلى الرَشَد وعلى آله وأصحابه أولي الفضلِ والمدد، وبعد ليعلم أنّ أولَ نصابِ الإبلِ خَمْسٌ. فمن مَلَكَ أقلَّ من خمسٍ من الإبل لا زكاةَ فى إبلِهِ هذه، فإذا بَلَغَت إبِلُهُ خَمْسًا ففيها الزكاة. هذا هو أوّل النصاب. فمَنْ كان عندَه خَمسٌ من الإبل فالزكاةُ الواجبةُ فيها شاةٌ جَذَعَةُ ضأنٍ، يعنِى أجْذَعَت أى أسقطت مُقدَّمَ أسنانِهَا أى أُنْثَى تَمَّ لها سنةٌ.
ويجزِئُ أن يُخْرِجَ أيضًا ثَنِيَّةً منَ الْمَعَز، يعنِى أُنْـثَى من الـمَعَز أتّمت سنتين. ومن زادت إبِلُهُ على النصاب الذى ذكرناه لا بد أن يتعلَّم ماذا يكون حكم الزكاة فى هذه الزيادة ثم على حسبِ ذلك يُؤَدِّى الزكاة. لأنّ بعد النصاب الأول أنْصِبَةٌ أخرى وهي عشرةٌ، ثم خمسَ عَشْرة، ثم عشرون، ثم خمسٌ وعشرون، ثم ستٌ وثلاثون، ثم ستٌ وأربعون، ثم إحدى وستون، ثم ستٌ وسبعون، ثم إحدى وتسعون، ثم مائةٌ وإحدى وعشرون، ثم فى كل أربعين بنتُ لبون وفى كل خمسين حِقَّة.
وليعلم أنّ أولَ نصابِ البقرِ ثلاثونَ. فمن كان عنده دون الثلاثينَ من البقر فلا زكاةَ فى بقَرِهِ. فأوّل النصاب ثلاثون، ففى كلِّ ثلاثينَ من البقرِ يجبُ أن يُخْرِجَ تَبِيعًا على أنّه زكاةٌ. والتبيعُ هو الذكر من البقر الذى أتـمَّ سنةً وصار يَتْبَعُ أمَّهُ فى المرعى (لذلك يُسمونَه تبيعًا). من زادت بقرُهُ على النصاب الذى ذكرناه لا بد أن يتعلَّم ماذا يكون حكم الزكاة فى هذه الزيادة ثم على حسبِ ذلك يُؤَدِّى الزكاة لأنّ بعد النصاب الأوّل أنْصِبَةٌ أخرى وهي أربعون، ثم بعد ذلك فى كلّ ثلاثين تَبيعٌ وفى كلّ أربعين مُسِنَّة.
وليعلم أنّ أولَ نصابِ الغنمِ أربعون. فالأغنام لا زكاةَ فيها حتى تبلُغَ الأربعين. والغنم جنسٌ يشمَلُ الضأن والْمَعَز على أنواعِهِمَا. فأول نصابها أربعون، وفيها شاةُ ضأنٍ أو ثنية معز. ومن زادت غنمُه على النصاب الذى ذكرناه لا بد أن يتعلَّم ماذا يكون حكم الزكاة فى هذه الزيادة ثم على حسبِ ذلك يُؤَدِّى الزكاة لأنّ بعد النصاب الأوّل أنْصِبَةٌ أخرى وهي مِائةٌ وإحدى وعشرون، ثم مائتان وواحدة، ثم أربعُ مائة، ثم فى كلّ مائة شاة.
وليعلم أنّ الزكاة لا تجب على من كان عنده دون النصاب من الأنعام. والأنعامُ اسمٌ يَشمل هذه الأصناف الثلاثة التى ذكرناها، الإبل والبقر والغنم. ولا بدّ أن يمرَّ عليها فى مِلْكِهِ سَنَةٌ كاملةٌ حتى تجبَ الزكاةُ فيها. فإن باعَ مواشِيَهُ قبلَ اكتِمالَ السنةِ القمريةِ فلا زكاةَ فيها، ولو باعها قبلَ مرورِ الحولِ بيومٍ.
ولا بدّ حتى تجبَ الزكاةُ فيها من السَّومِ فِى كَلأٍ مباحٍ أى أنْ يرعاهَا مالكُهَا أو مَنْ أَذِنَ له فِى كلأٍ مباحٍ أى مرعًى لا مالكَ لَهُ. فإذا كانت المواشى تخرج بنفسها فترعَى من غير أن يُسِيمَهَا المالكُ ولا وكيلُهُ فلا زكاة فيها، ولو كانت ءالافًا. وكذلك لو أنّ مالِكَهَا كان يَعْلِفُهَا بمالٍ أى يَشْتَرِى لها الأكلَ فَيَعْلفُهَا ولا يُسِيمُهَا فى كلأٍ مباح فلا زكاة فيها.
ولا بد حتى تجبَ الزكاةُ فيها أَنْ لا تكونَ عاملةً، فالعاملةُ فِى نحوِ الحَرْثِ لاَ زكاةَ فيهَا. فالجمل مثلًا إذا كان عاملًا يستَعْمِلُهُ مالكُه لنقلِ الماءِ للناسِ بأجرة، أو كان يستعملُ الثيرانَ التى عندَه ليحرُثَ أرضَه أو أرضَ غيرِه بأجرة، أو يستعملُ الجاموس لإخراجِ الماء من البئر فهذه كلّها مواشٍ عاملةٌ لا زكاة فيها.
و لا بُدَّ لصحة أداء الزكاة أن تكون نيتُهُ أنَّ هذا المال الذى يدفعُهُ يدفَعُهُ زكاةً واجبةً. مثلًا يقول فى قلبه هذا زكاةُ مالِى. أما لو مَرَّ بفقيرٍ فدفعَ له مالًا على أنّه صدقَةُ تَطوع لا يجوزُ له بعد ذلك أن يَحْسِبَ هذا القَدْر من الزكاةِ الواجبة، لأنّه لما دفعَ له هذا المال لم تكن نيتُهُ الصدقةَ الواجبة. والله تعالى أعلم وأحكم والحمد لله رب العالمين أولا وآخرا وأبدا.
زكاة الزروع والثمار
الحمد لله مكون الأكوان الموجود أزلا وأبدا بلا مكان والصلاة والسلام على أفضل إنسان محمد عليه الصلاة وأتم السلام ، أما بعد أوّل نصاب التمرِ والزبيبِ والزروعِ المقتاتة حالة الاختيار خمسةُ أوسُقٍ. فمن كان عنده أقلُّ من خمسةِ أوسق من الزروع والتمر والزبيب فلا زكاةَ فيها. والوَسْقُ ستونَ صاعًا، والصاعُ أربعةُ أمداد، والْمُدُّ سَعَةُ كفَّينِ معتَدِلَتين، فيكون مجموعُ خَمْسَةِ أَوْسُق ثلاثَمِائَةِ صاعٍ بصاعِهِ عليه الصلاة والسلام أى ألفًا ومِائتَى مُدٍّ.
ويُضَمُّ زرعُ العامِ بعضُه إلى بعضٍ فى إكمالِ النصابِ. فإذا حصدَ القمحَ مرتين فى السنة أى فى سنةِ الزرع، وفى كلِّ مرة كان ما حصدَه أقلَّ من النصاب، لكن مجموعُ المحصود فى المرتين فى العام الواحد يبلغ النصاب، عند ذلك يجب عليه أن يُخْرِجَ الزكاة. وليس له أن يقول إنّه فى كلِّ مرة كان المحصول أقلّ من النصاب فلا زكاة عليه، وذلك لأنّ مجموعَهُمَا فى عامٍ واحد يبلُغُ النصاب فوجب عليه الزكاة.
ولا يُكَمَّلُ جنسٌ بجنسٍ كالشعيرِ مع الحنطَةِ. فإذا حصدَ فى عام واحد جنسين كقمحٍ وشعيرٍ، وكلّ منهما كان أقلَّ مِنَ النصاب، لكن لو جُمِعَا معًا لبلغا النصاب، فى هذه الحال لا زكاةَ عليه، لأنّ زكاةَ كلِّ جنسٍ تُعْتَبَرُ على حِدَةٍ. أما لو كان زَرَعَ نوعين مختلفين من جنسٍ واحد-كنوعين من الشعير-وكلُّ نوعٍ على حدةٍ كان لا يبلغ نصابًا أمّا المجموعُ فيبلُغ، فهنا يجب عليه الزكاة لأنّهما من جنسٍ واحد وهو الشعير.
وتجبُ الزكاةُ في التمر والزبيب ببدُوّ الصلاحِ بأن يبلُغَ حالةً يُقْصَدُ للأَكْلِ فيها فلا زكاةَ فى الحِصْرِمِ والبلحِ. فالإنسان إذا حَصَدَ الثمارَ قبلَ أن تبلُغَ الحالةَ التى تُقصَدُ فيها للأكل عادةً لا يجب عليه أن يدفعَ الزكاةَ فيها، وذلك قبلَ أنْ يَصِيرَ ثَمَرُ النخلِ رُطَـبًـا، وقبلَ أنْ يصيرَ ثَمَرُ الكَرْمِ عِنَبًا. أما لو بلغَ بعضُ الثَمَرِ الحالةَ التى يُقصدُ فيها للأكل وجبت الزكاة عند ذلك فى الكل، حتى لو فى حبةٍ واحدة بَدَا الصلاح فإنّه عندئذ ينتظر حتى تصيرَ تمرًا أو زبيبًا ليُخرِجَ الزكاةَ عنها، لأنّ الزكاةَ صارت واجبةً فيها.
وتجب الزكاة في الزروع عند اشتدادِ الحـبِّ فلو حصدَ القمح قبلَ أن يشتَدَّ حَبـُّـهُ فلا زكاة عند ذلك فيه.
وَيَجِبُ في التمر والزبيب والزروع العُشْرُ إِنْ لَمْ تُسْقَ بِمُؤْنَةٍ ونصفُهُ إِنْ سُقِيَتْ بِهَا. شرح ذلك أنّ الثمار والزروع إن سُقِيَت بمؤنة أى بكُلْفَة فَفِيهَا نِصْفُ العُشْرِ. أمّا إذا كانت تُسْقَى بغيرِ مؤْنَةٍ كأن كانت تُسْقَى بماءِ السماء فالزكاةُ فيها العُشْر. وما زادَ على النصاب فى الزروعِ والزبيبِ والتَمْرِ ففيه الزكاة بقسطه مهما قلَّ. ولا زكاةَ فيما دونَ النصابِ إلا أنْ يَتَطَوَّعَ. يعني أنّ ما كان من الحَبِّ والثَمَرِ دونَ النصاب لا تجبُ فيهِ الزكاة. لكنه يجوزُ أن يتطوعَ الشخصُ بدفعِ صدقة عما دون النصاب من بابِ التطوع لا من باب الوجوب، يعني يدفعُ هذا المال ونيَتُه أنّه صدقةُ تطوع ليس الصدقةَ الواجبة، خلافًا لأبِى حنيفة فإنّه يُوجِبُ الزكاةَ فِى الزُروعِ والثِمارِ ولو كانت دونَ النصاب.
و لا بُدَّ لصحة أداء الزكاة أن تكون نيتُهُ أنَّ هذا المال الذى يدفعُهُ يدفَعُهُ زكاةً واجبةً. مثلًا يقول فى قلبه هذا زكاةُ مالِى. أما لو مَرَّ بفقيرٍ فدفعَ له مالًا على أنّه صدقَةُ تَطوّع لا يجوزُ له بعد ذلك أن يَحْسِبَ هذا القَدْرَ من الزكاةِ الواجبة، لأنّه لما دفعَ له هذا المال لم تكن نيتُهُ الصدقةَ الواجبة. والله تبارك وتعالى أعلم وأحكم أسأل الله تعالى أن يزيدنا علمًا وأسأل الله تعالى أن يكرمنا بالإخلاص في القول والعمل والحمد لله رب العالمين أولا وآخرًا وأبدا.
