الحمدُ للهِ الذي خَلَقَ الأَشْكالَ والألوانَ ولا شَكْلَ ولا لَوْنَ لَه، والذي خَلَقَ الجِهَةَ والْمكانَ ولا جِهَةَ ولا مَكانَ لَه، سُبحانَهُ الأعلى مِنْ كُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا، والأكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ عَظَمَةً وَعِزَةً وَعِزًّا، سُبْحانَهُ غَنِيٌّ عَنِ العالَمين وَلا يُشْبِهُ الْمَخْلوقين، والصَّلاةُ والسَّلامُ على خاتَمِ وَأَفْضَلِ الأنْبِياءِ وَالْمُرْسَلين، سَيِدِنا مُحَمَّدٍ الصّادِقِ الأَمين، الذي جاءَ بِدينِ الإسْلامِ كَسَائِرِ إِخْوَانِهِ النَّبِيّين.

بعد أن تكلمنا عن سيدنا عيسى ابن مريم عليه السلام نتكلم اليومَ عن سيدنا وقائدنا وحبيبنا ونور أبصارنا وقرّة أعيننا محمد صلى الله عليه وسلم. وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عامِ الفيلِ وهُوَ الْعَامُ الَّذِي غَزَا فِيهِ أَبْرَهَةُ الْحَبَشِيُّ الْكَعْبَةَ فَأَهْلَكَهُ اللَّهُ وَجَيْشَهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ. وَكَانَ أَبْرَهَةُ قَدْ بَنَى فِي الْيَمَنِ كَنِيسَةً سَمَّاهَا الْقُلَّيْس، فَلَمَّا وَجَدَ أَنَّ قُلُوبَ الْعَرَبِ مَا زَالَتْ مُتَعَلِّقَةً بِالْكَعْبَةِ سَارَ بِجُنُودِهِ إِلَيْهَا لِيَهْدِمَهَا، وَكَانَ مَعَهُ فِيلٌ كَبِيرٌ، فَلَمَّا دَنَا مِنْ مَكَّةَ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالْغَارَةِ عَلَى الْمَوَاشِي فَأَصَابُوا إِبِلًا لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ،

وَبَعَثَ أَحَدَ جُنُودِهِ إِلَى مَكَّةَ فَلَقِيَ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بنَ هَاشِمٍ فَقَالَ: إِنَّ الْمَلِكَ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ لِأُخْبِرَكَ بِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ لِقِتَالٍ إِلَّا أَنْ تُقَاتِلُوهُ، وَإِنَّمَا جَاءَ لِهَدْمِ هَذَا الْبَيْتِ ثَمَّ يَنْصَرِفُ عَنْكُمْ. فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: «مَا لَهُ عِنْدَنَا قِتَالٌ وَمَا لَنَا بِهِ يَدٌ إِنَّا سَنُخْلِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا جَاءَ لَهُ». رَجَعَ مَبْعُوثُ أَبْرَهَةَ وَمَعَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إِلَى أَبْرَهَةَ، فَلَمَّا دَخَلَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ عَلَى أَبْرَهَةَ عَظَّمَهُ وَكَرَّمَهُ ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ:

قُلْ لَهُ مَا حَاجَتُكَ إِلَى الْمَلِكِ، فَسَأَلَهُ التَّرْجُمَانُ، فَقَالَ: «حَاجَتِي أَنْ يَرُدَّ عَلَيَّ مِائَتَيْ بَعِيرٍ أَصَابَهَا». فَقَالَ أَبْرَهَةُ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ لَقَدْ كُنْتَ أَعْجَبْتَنِي حِينَ رَأَيْتُكَ وَلَقَدْ زَهِدْتُ الآنَ فِيكَ، جِئْتُ إِلَى بَيْتٍ هُوَ دِينُكَ لِأَهْدِمَهُ فَلَمْ تُكَلِّمْنِي فِيهِ وَتُكَلِّمُنِي فِي إِبِلٍ أَصَبْتُهَا. فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: «أَنَا صَاحِبُ هَذِهِ الإِبِلِ وَلِهَذَا الْبَيْتِ رَبٌّ سَيَمْنَعُهُ»، فَأَمَرَ بِإِبِلِهِ فَرُدَّتْ عَلَيْهِ فَخَرَجَ فَأَخْبَرَ قُرَيْشًا وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَتَفَرَّقُوا فِي الشِّعَابِ وَرُءُوسِ الْجِبَالِ خَوْفًا مِنْ أَذَى الْجَيْشِ إِذَا دَخَلَ فَفَعَلُوا.

أَصْبَحَ أَبْرَهَةُ بَعْدَ أَنْ كَلَّمَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ مُتَهَيِّئًا لِدُخُولِ مَكَّةَ فَبَرَكَ الْفِيلُ، فَحَرَّكُوهُ لِلنُّهُوضِ فَأَبَى، فَضَرَبُوهُ فَأَبَى، فَوَجَّهُوهُ إِلَى الْيَمَنِ رَاجِعًا فَقَامَ يُهَرْوِلُ، وَوَجَّهُوهُ إِلَى الشَّامِ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَإِلَى الْمَشْرِقِ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَوَجَّهُوهُ إِلَى الْحَرَمِ فَأَبَى وَأَرْسَلَ اللَّهُ طَيْرًا أبابيل مِنَ الْبَحْرِ جَمَاعَاتٍ جَمَاعَاتٍ. وَكَانَ مَعَ كُلِّ طَيْرٍ ثَلاثَةُ أَحْجَارٍ، حَجَرَانِ فِي رِجْلَيْهِ وَحَجَرٌ فِي مِنْقَارِهِ، وَكَانَ كُلُّ حَجَرٍ فَوْقَ حَبَّةِ الْعَدَسِ وَدُونَ حَبَّةِ الْحِمَّصِ مَكْتُوبٌ عَلَى كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ رَجُلٍ مِنْ جَيْشِ أَبْرَهَةَ يَنْزِلُ عَلَى رَأْسِهِ الحجر وَيَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ،

فَهَلَكُوا وَلَمْ يَدْخُلُوا الْحَرَمَ وجعلهم ربنا كعصف مأكول. وَمِرِضَ أَبْرَهَةُ فَتَقَطَّعَ أَنْمُلَةً أَنْمُلَةً وَمَا مَاتَ حَتَّى انْصَدَعَ صَدْرُهُ عَنْ قَلْبِهِ. وَقِيلَ كَانَ الْعَسْكَرُ سِتِّينَ أَلْفًا لَمْ يَرْجِعْ مِنْهُمْ إِلَّا أَمِيرُهُمْ فِي مَجْمُوعَةٍ قَلِيلَةٍ.

2\25 مختصر السيرة النبوية الطاهرة - ذِكْرُ رَضَاعَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

الحمد لله مكوّن الأكوان الموجود أزلا وأبدا بلا مكان والصلاة والسلام على سيدنا وحبيبنا محمد عليه الصلاة والسلام. أما بعدُ وَلَدَتْ ءَامِنَةُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَامِ الْفِيلِ وَأَرْضَعَتْهُ أَوَّلَ الأَمْرِ. وَكَانَ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ أَنْ يَجْلِبُوا الْمُرْضِعَاتِ لِأَوْلادِهِمْ، وَكَانَ بَنُو سَعْدٍ فِي ضِيقٍ مِنَ الْعَيْشِ فَقَدِمُوا إِلَى قَبِيلَةِ قُرَيْشٍ لِيَأْخُذُوا الأَوْلادَ لِلإِرْضَاعِ بِالأُجْرَةِ، فَعُرِضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمُرْضِعَاتِ فَلَمْ تَرْضَ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ بِأَخْذِهِ لِأَنَّهُ كَانَ يَتِيمًا، وَكَانَتْ كُلُّ مُرْضِعَةٍ تَأْمَلُ أَنْ تَحْظَى بِوَلَدٍ مِنْ أَوْلادِ الأَغْنِيَاءِ،

فَأَخَذَتْ كُلُّ مُرْضِعَةٍ وَلَدًا وَلَمْ يَبْقَ سِوَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخَذَتْهُ حَلِيمَةُ. وَقَدْ ذَكَرَتْ حَلِيمَةُ أَمْرَ رَضَاعِهِ مِنْهَا عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ فَقَالَتْ: خَرَجْتُ فِي نِسْوَةٍ مِنْ بَنِي سَعْدِ بنِ بَكْرٍ نَلْتَمِسُ الرُّضَعَاءَ بِمَكَّةَ عَلَى أَتَانٍ لِي أَيْ أُنْثَى الْحِمَارِ فِي سَنَةِ قَحْطٍ لَمْ تُبْقِ لَنَا شَيْئًا وَمَعِي زَوْجِي، وَمَعَنَا نَاقَةٌ وَاللَّهِ لا نَحْلُبُ مِنْهَا قَطْرَةَ لَبَنٍ وَاحِدَةً، وَمَعِي صَبِيٌّ لِي لا نَنَامُ لَيْلَتَنَا مِنْ بُكَائِهِ وَمَا فِي ثَدْيَيَّ مَا يُشْبِعُهُ.

فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ لَمْ يَبْقَ مِنَّا امْرَأَةٌ إِلَّا عُرِضَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَأْبَاهُ، لِأَنَّنَا كُنَّا نَرْجُو كَرَامَةَ الرَّضَاعَةِ مِنَ الْوَالِدِ وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتِيمًا، وَكُنَّا نَقُولُ: يَتِيمٌ مَا عَسَى أَنْ تَصْنَعَ أُمُّهُ بِهِ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْ صَوَاحِبِي امْرَأَةٌ إِلَّا أَخَذَتْ صَبِيًّا غَيْرِي فَكَرِهْتُ أَنْ أَرْجعَ وَلَمْ ءَاخُذْ شَيْئًا وَقَدْ أَخَذَتْ صَوَاحِبِي فَقُلْتُ لِزَوْجِي:

وَاللَّهِ لَأَرْجِعَنَّ إِلَى ذَلِكَ الْيَتِيمِ فَلَآخُذَنَّهُ. قَالَتْ حَلِيمَةُ: فَأَتَيْتُهُ فَأَخَذَتْهُ وَرَجَعْتُ إِلَى رَحْلِي، فَقَالَ زَوْجِي: قَدْ أَخَذْتِهِ فَقُلْتُ: نَعَمْ وَاللَّهِ، وَذَلِكَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ غَيْرَهُ، فَقَالَ أَصَبْتِ فَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ فِيهِ خَيْرًا. قَالَتْ حَلِيمَةُ السَّعْدِيَّةُ: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ جَعَلْتُهُ فِي حِجْرِي حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى ثَدْيِي بِمَا شَاءَ اللَّهُ مِنَ اللَّبَنِ، فَشَرِبَ حَتَّى رَوِيَ، وَشَرِبَ أَخُوهُ (تَعْنِي ابْنَهَا) حَتَّى رَوِيَ، وَقَامَ زَوْجِي إِلَى نَاقَتِنَا مِنَ اللَّيْلِ فَإِذَا بِهَا حَافِلٌ أَيْ ضَرْعُهَا مَلْآنُ بِاللَّبَنِ،

فَحَلَبْنَا مِنَ اللَّبَنِ مَا شِئْنَا وَشَرِبْنَا حَتَّى رَوِينَا وَبِتْنَا لَيْلَتَنَا تِلْكَ شِبَاعًا وَقَدْ نَامَ صَبِيَّانَا. فَقَالَ لِي زَوْجِي: وَاللَّهِ يَا حَلِيمَةُ مَا أَرَاكِ إِلَّا قَدْ أَصَبْتِ نَسَمَةً مُبَارَكَةً، وَقَدْ نَامَ صَبِيَّانَا وَرَوِيَا. قَالَتْ: ثُمَّ خَرَجْنَا، فَسَبَقَتْ حِمَارَتِي الرَّكْبَ كُلَّهُ حَتَّى إِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ وَيْحَكِ تَمَهَّلِي أَلَيْسَتْ هَذِهِ حِمَارَتُكِ الَّتِي خَرَجْتِ عَلَيْهَا؟ فَأَقُولُ بَلَى وَاللَّهِ، وَهِيَ لا تَزَالُ قُدَّامَنَا حَتَّى قَدِمْنَا مَنَازِلَنَا مِنْ حَاضِرِ بَنِي سَعْدِ بنِ بَكْرٍ فَقَدِمْنَا عَلَى أَجْدَبِ أَرْضٍ [وَالْجَدْبُ ضِدُّ الْخِصْبِ]،

فَوَالَّذِي نَفْسُ حَلِيمَةَ بِيَدِهِ إِنْهُمْ كَانُوا لَيَسْرَحُونَ أَغْنَامَهُمْ إِذَا أَصْبَحُوا وَيَسْرَحُ رَاعِي غَنَمِي. فَتَرْجِعُ غَنَمِي سَمِينَةً ضُرُوعُهَا مَلِيئَةٌ بِاللَّبَنِ، وَتَرْجِعُ أَغْنَامُهُمْ جِيَاعًا مَا بِهَا مِنَ اللَّبَنِ. فَنَشْرَبُ مَا شِئْنَا مِنَ اللَّبَنِ وَمَا فِي الْحَاضِرِ أَحَدٌ يَحْلُبُ قَطْرَةً وَلا يَجِدُهَا.