كان نبيُ الله موسى عليه السلام قد وَعدَ بِني إسرائيلَ الذين ءامنوا بهِ واتّبَعوهُ أن يأتِيَهم بكتابٍ فيه تبيانُ معالِم الشريعةِ وما يأتونَ وما يَتركون، فلمّا أهلَكَ الله تبارك وتعالى فِرعونَ مصر ومَن اتَّبَعَهُ مِن جنودِه في البحرِ وأنجى بني إسرائيل، قالوا لنَبيهِم موسى عليه السلام: ائتِنا بالكتابِ الذي وعَدتنا، فصامَ موسى عليه السلامُ أربعينَ يومًا استَكمَلَ فيها الميقاتَ الذي وعدَه فيه الله تبارك وتعالى، ولما عزمَ على الذهابِ لميقاتِ الله تعالى استَخلَفَ في غِيابِه أخاهُ هارونَ عليه السلام على بَني إسرائيلَ فَوَصّاهُ وأمرَه أن يَخلِفَهُ في بني إسرائيلَ في غِيابِه معَ أنَ هارونَ كانَ معَه نبيًا ورسولًا في ذَلكَ الوقت،

ولما جاءَ موسى عليهِ السلام في الوقتِ الذي أمرَهُ تعالى بالمجيءِ فيهِ، وطلبَ موسى من ربِه عزَّ وجلّ أن يراهُ فعلَّقَ الله تعالى رؤيةَ موسى لهُ بثباتِ الجبلِ عندَ رؤيتِه تعالى، فلما تَجلّى الله تعالى للجَبلِ بعدَ أن خَلقَ فيه الإدراكَ والرؤيةَ، اندَكّ الجبلُ دَكًّا وموسى عليه السلامُ ينظرُ إليه حتى خرَّ عليه السلام مَغشيًا عليه من هَوْلِ ما رأى من اندِكاكِ الجبل، فلما أفاقَ عليه السلامُ من غَشيَتِه قالَ: سُبحانَك تُبْتُ إليك وأنا أوَّلُ المؤمنين، أي وأنا أولُ المؤمنينَ بأنكَ لا تُرى بالعينِ في الدنيا وذلكَ لأنّ الله لم يوحِ إلى موسى وإلى مَن قبلَهُ من الأنبياءِ أنه لا يُرى بالعينِ في الدنيا.

واعلم رحمك الله أنّ اللهَ تعالى أنزل على نبيِه موسى عليه السلام التوراة وكانت مكتوبةً على ألواح، وكان فيها تَشريعاتٌ ومَواعظُ وتفصيلٌ لِكُلِ ما يَحتاجُ إليه بنو إسرائيلَ من أمورِ الحلالِ والحرام، وقد أمرَهُ الله تعالى أن يأخُذَ ألواحَ التَوراةِ بِعَزمٍ ونِيةٍ صادقةٍ قَويةٍ، ويأمُرَ قومَهُ من بني إسرائيل بالعملِ بها على الوجهِ الأكملِ مُحَذِّرًا إياهُم من مُخالفةِ أوامرِ الله سبحانه وتعالى. وهنا فائدةٌ جليلة: ليُعلَم أنَ الله سبحانَه وتعالى لا يُرى بالعينِ الفانيةِ في الدنيا لقولِه الله تبارك وتعالى لكليمِه موسى عندما سألَه الرؤيةَ:

{لَن تَرَانِي}، وإنما يُرى الله سبحانه وتعالى في الآخرةِ بالعينِ الباقيةِ، يَراهُ المؤمنون الذينَ ءامنوا بالله تعالى ورُسلِه وهم في الجنةِ لا يُشبِهُ شيئًا من الأشياءِ، موجود بلا مكانٍ ولا جهةٍ ولا مُقابلةٍ ولا ثُبوتِ مَسافةٍ ولا اتِصالِ شُعاعٍ بينَ الرائي وبينَ الله عزّ وجلّ، يقولُ الله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}. والله أعلم وأحكم. نقف هنا ونستكمِلُ ما حصلَ معَ بني إسرائيلَ وقصةِ موسى السامريّ في الحلقةِ المقبلةِ بإذنِ الله تعالى فتابِعونا وإلى اللقاء.

16\24 قصة سيدنا موسى وهارون عليهما السلام

ذهبَ نبيُّ الله موسى عليه السلام إلى جبلِ الطورِ ليسمع كلام الله تعالى وبقي في ذَلِكَ الْمَكَانِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ، وفي أثناءِ ذلك عمَدَ رجلٌ من بني إسرائيلَ يقالُ له موسى السامري مُنتهِزًا غِيابَ موسى عليه السلام حيثُ أخذَ موسى السامري ما كان معهم من ذهب ءالِ فرعونَ وأتباعِه، فصاغَ منه شكلَ عِجلٍ ثم ألقى فيه قَبضةً من الترابِ كان أخذَها من أثرِ فرسِ جبريلَ عليه السلام حيثُ رءاه يومَ أغْرقَ الله عزّ وجلّ فرعونَ وجنودَه في البحر، فلمّا ألقاها في فمِ هذا العِجلِ الذي صاغَهُ من الذهب صارَ يَخُورُ كما يَخورُ العِجلُ الحقيقيُّ بِقُدرةِ الله تعالى ومشيئتِه ابتِلاءً منهُ تعالى واختِبارًا، ثم قالَ السامريُ ومن وافقَهُ من الذين افتُتِنوا بهذا العِجلِ:

إنَّ هذا العِجلَ الذي خَارَ هو إلهُكُم وإلهُ موسى والعياذ بالله من كفرهم. ولما رجَعَ نبيُّ الله موسى عليه السلام إلى بني إسرائيلَ وفيهِم هؤلاءِ الذينَ عبَدوا هذا العِجلَ، ورأى عليه السلام ما هُم عليه، غَضِب غَضَبًا شديدًا وأقبلَ على هؤلاءِ الذين عبَدوا العِجلَ يُعنِّفُهم ويُوبِّخُهم على كفرهم. ثم أقبلَ عليه السلامُ على أخيهِ هارونَ الذي كانَ قدِ استَخْلَفهُ عليهم في أثناءِ غَيبتِه وأخذَ برأسِهِ ولِحيتِه ليُدنِيَه إليه ويَتَفَحَّصَ الواقعةَ والأخبارَ منهُ من غَيْرِ أن يَقصِد موسى عليه السلام أن يُهينَهُ ويَستَخِفَّ به، وصارَ عليه السلام يسألُه عمّا منعَه أن يتبَعَه ليُخبِرَهُ بما فعلَه هؤلاء من عبادةِ العجلِ،

فبيّنَ هارونُ لأخيهِ موسى أنهُ خشي إن تركَهم وجاءَه ليُخبِرَهُ بأمرِهم أن يقولَ له موسى عليه السلام: "تركتَهم وجئتني" وهو قدِ استخلَفَهُ عليهِم في فَترةِ غِيابِه، عند ذلكَ دعا موسى عليه السلام ربَّه وكانَ قد هَدَأَ غَضَبُه: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} وقد كانَ نبيُّ الله هارونُ عليه السلام نهى هؤلاءِ الذينَ عبَدوا العِجلَ عن عبادتِهِ أشدَّ النهي وزَجرَهم عنه زَجرًا شديدًا، ولكنهم أخبروه أنهم مصرين على عبادته حتى يرجع إليهم موسى عليه السلام.

وبعدَ أن سَمِعَ موسى عليه السلام مقالَةَ أخيهِ هارونَ عليه السلام تَركَهُ وأقبلَ غاضبًا على السامِريِ ووبّخَهُ وعنَّفَهُ بِشِدةٍ على عِبادتِه لغيرِ الله تعالى، ثمَّ دعا عليهِ أن لا يمَسَّ أحدًا وأن لا يَمَسَّه أحدٌ ما دامَ في حياتِه، فقد عاقبَه الله تعالى في دُنياهُ بذلك وألهمَه أن يقولَ "لا مَساس لا مَساس" فكانَ السامِريُّ إذا لقيَ أحدًا يقولُ: "لا مَساس" أي لا تَقرَبني ولا تَمسَّني، وصارَ يَهِيمُ في البَرِّية معَ الوحوشِ والسباعِ لا يَمَسُّ أحدًا ولا يَمَسُّه أحدٌ، وكان نبيُّ الله موسى عليه السلام قد توعَّدَه على كفرِهِ بالعذابِ الأليمِ في الآخرَة.

وقد عمدَ نبي الله موسى عليه السلام إلى العجلِ الذي عبدَه بعضُ بني إسرائيلَ بإشارَةٍ وطلَبٍ من السامريِّ فأحرقَهُ بالنارِ ورمى رمادَه في البحر، ثم توجَّه نَحوَ بني إسرائيلَ وأخبرَهم أنَّ الله تبارك وتعالى هو الإلهُ الذي يَستَحِقُّ العِبادةَ وحدَه ولا إله غيرُهُ، ولم يقبلِ اللهُ تعالى توبَةَ عابدي العجلِ إلا بالقتل، فدَخلوا في الإسلام ونَدِموا على ما فَعلوا وصاروا يَقتلُونَ أنفسَهم. ولما ذَهبَ ما كانَ في موسى عليه السلامُ من غَضَبٍ أخذَ الألواحَ التي كُتِبَ عليها التوراةَ وأمرَهُم بقَبولِها والأخذِ بها بقوةٍ وعزْمٍ، فقالوا له:

انشُرها علينا فإن كانت أوامِرُها ونَواهِيها سَهلةً قبِلناها، فعندئِذٍ قال لهم: اِقبَلوها بِما فيها، فلما راجَعُوه مِرارًا أمرَ الله تعالى الملائكَةَ فقلعوا جَبلَ الطّورِ وصارَ فوقَ رؤوسِهم يُظِلُّهم، خافوا أن يَهلِكوا ورأَوا أن لا مَهرَبَ لهم فقَبِلوا ذلك وسجَدوا على شِقِّ وُجوههم وجَعلوا يلاحِظونَ الجبلَ وهم سُجودٌ فصارت عادةً في اليهودِ أنهم يَسجدونَ على جانِبِ وجوهِهم وقالوا: سمعنا وأطعنا سمعنا وأطعنا. والله أعلم وأحكم، وبهذا نصل إلى نهاية حلقة اليوم، وكلامنا في الحلقةِ القابلةِ بإذنِ الله يكون عن قصةِ بقرةِ بني إسرائيل فتابعونا وإلى اللقاء.

17\24 قصة سيدنا موسى وهارون عليهما السلام

الحمد لله مكوّن الأكوان الموجود أزلا وأبدا بلا مكان أما بعد فهذهِ قصةُ بقرةِ بني إسرائيل. إن قصةَ بقرةِ بني إسرائيل تَتلخصُ في أنّ رجلًا من بني إسرائيلَ كانَ كثيرَ المالِ وكانَ شيخًا كبيرًا ولهُ بنو أخٍ يَتَمَنَوْنَ موتَه ليرِثوه، فعمَدَ أحدُهم فقتَلَهُ في الليلِ وطَرحَهُ في مَجْمَعِ الطُرُقِ وقيلَ على بابِ رجُلٍ منهم، فلمّا أصبحَ الناسُ اختَصموا فيه، وجاءَ ابنُ أخيهِ فجَعلَ يَصرُخُ ويتَظلّمُ فقالوا: ما لكم تَختَصِمونَ ولا تأتونَ نبيَ الله؟ فجاءَ ابنُ أخيه هذا وشكا أمرَ عَمِهِ إلى رسولِ الله موسى عليه السلام، فقالَ موسى عليه السلام لما سَمِعَ الخبرَ:

أُنشِدُ الله رجُلًا عندَه عِلمٌ من أمرِ هذا القتيلِ إلا أعلمَنا به، فلم يكُن عندَ أحدٍ منهم عِلمٌ منه، ثم طلبوا منه أن يسألَ في هذهِ القَضيةِ ربَّه عزّ وجلّ، فسألَ موسى عليه السلام في هذهِ القَضيةِ ربَّه عزّ وجلّ فأمرَهُ الله تعالى أن يأمُرَهم بذَبحِ بقرةٍ، فقالوا له: نَحنُ نسألُكَ عن أمرِ هذا القتيل وأنت تقولُ لنا هذا؟ {قَالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} أي أعوذُ بالله أن أقولَ غيرَ ما أوحيَ إليّ، ولو أنهم عمَدوا إلى أيِّ بَقرةٍ فذَبَحوها لحصلَ المقصودُ منها، ولكنهم شَدّدوا فشَدَّدَ الله عليهم، فقد سألوا عن صِفتِها ثم عن لونِها ثم عن سِنّها فأُجيبوا بِما عَزَّ وجودُه فيهم.

والمقصودُ أنهم أُمروا بِذَبحِ بَقَرةٍ عَوانٍ وهي الوَسَطُ النِصفُ بين الفارِضِ وهي الكبيرة والبِكرِ وهي الصغيرة، ثم شَدّدوا وضَيّقوا على أنفُسِهم فسألوا عن لونِها، فأُمِروا بصَفراءَ فاقعٍ لونُها أي مُشرَبٌ بِحُمرةٍ تُسِرُّ الناظرين، وهذا اللونُ عزيزٌ يَصعُبُ وجودُه، ثم شدَّدوا على أنفُسِهم أيضًا مدّعين أنّ البقر تشابه عليهم وطلبوا من موسى أن يدعوَ ربه ليبين لهم ما هي، فأجابَهم موسى عليه السلام بِما أَخبَرَ الله سبحانَه وتعالى: {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا}.

وهذهِ الصِفاتُ أَضيَقُ مما تَقدَّم، حيثُ أُمِروا بِذَبحِ بَقَرةٍ ليسَت بالذَلولِ وهيَ الْمُذَلَّلَةُ بالحِراثةِ وسَقيِ الأرضِ بالساقِية، مُسَلّمةٌ وهي الصَحيحةُ التي لا عَيبَ فيها، وقيلَ معنى {لاَّ شِيَةَ فِيهَا} أي ليسَ فيها لونٌ يُخالِفُ لَونَها، بل هي مُسَلَّمَةٌ منَ العُيوبِ ومِن مُخالَطةِ سائرِ الألوانِ غيرِ لونِها، فلما حدَّدَها بهذهِ الصفاتِ {قَالُواْ الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ} ويقالُ: إنهم لم يَجِدوا هذهِ البقرةَ بهذهِ الصِفةِ إلا عندَ رجُلٍ منهم كانَ بارًا بأمِه فطَلبوها منهُ فأبى عليهم فأرغبوهُ في ثَمَنِها حتى أَعطَوْهُ بوزنِها ذهبًا فأبى عليهم، ولم يَقبَلْ حتى أعطَوْهُ بِوزنِها عشرَ مرات فبَاعَها لهم،

فأتَوا إلى موسى عليه السلام فأمرَهم بِذَبْحِها {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ} أي وهُم يَتردَدونَ في أمرِها، ثم أمرَهم موسى عليه السلام أن يَضرِبوا ذلكَ القَتيلَ بِبَعضِ هذه البَقرةِ التي ذبَحوها قيل بِلَحمِ فَخِذِها، وقيلَ بالعَظمِ الذي يَلي الغُضروف، وقيلَ بغيرِ ذلك، فلما ضَربوا القتيلَ ببَعضِ هذهِ البقرةِ كما أمرَهم نبيُهم عليه السلام أحياهُ الله تعالى فسألَهُ نبيُ الله موسى: مَن قتلَك؟ فقال: قتَلني ابنُ أخي، وعرَّفَه ثم عادَ ميتًا كما كان. والله تبارك وتعالى أعلمُ وأحكم، في الحلقةِ المقبلةِ إن شاءَ الله نكلمكم عن قصةِ نبيِ اللهِ موسى عليه السلام مَعَ الخضِرِ عليه السلام. فتابِعونا وإلى اللِقاء.