رَوَى مُسْلِمٌ [فِي صَحِيحِهِ] مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ خَرَجَتْ مِنْهُ خَطَايَاهُ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظَافِرِهِ»
وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ [فِي صَحِيحِهِ] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ «مَنْ تَوَضَّأَ كَمَا أُمِرَ وَصَلَّى كَمَا أُمِرَ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
فَالْوُضُوءُ فِيهِ فَائِدَةٌ كَبِيرَةٌ لِمَنْ أَحْسَنَهُ أَيْ لِمَنْ أَتْقَنَهُ أَيْ تَوَضَّأَ وُضُوءًا يُوَافِقُ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَهُوَ أَوَّلُ مَقَاصِدِ الطَّهَارَةِ، فُرِضَ عِنْدَمَا فُرِضَتِ الصَّلاةُ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الأُمَّةِ بَلْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي غَيْرِ هَذِهِ الأُمَّةِ الْغُرَّةُ وَالتَّحْجِيلُ فَإِنَّهُمَا مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الأُمَّةِ، لِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ [فِي صَحِيحِهِ]،
أَيْ أَنَّهُمْ بِإِطَالَةِ الْغُرَّةِ أَيْ زِيَادَةِ شَىْءٍ مِمَّا حَوْلَ الْوَجْهِ فِي غَسْلِ الْوَجْهِ فِي وُضُوئِهِمْ، وَزِيَادَةِ شَىْءٍ مِمَّا فَوْقَ الْمِرْفَقَيْنِ وَالْكَعْبَيْنِ فِي غَسْلِ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلِهِمْ تُنَوَّرُ لَهُمْ هَذِهِ الْمَوَاضِعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَعْرِفُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ كَانَ مِنْ أُمَّتِهِ بِهَذِهِ الْعَلامَةِ. وَأَمَّا التَّيَمُّمُ فَهُوَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الأُمَّةِ فَمَنْ فَقَدَ الْمَاءَ قَبْلَ هَذِهِ الأُمَّةِ مِنَ الأُمَمِ مَا كَانَ يَتَيَمَّمُ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (فَصْلٌ): وَمِنْ شُرُوطِ الصَّلاةِ الْوُضُوءُ.
الشَّرْحُ وَالشَّرْطُ فِي اصْطِلاحِ الْفُقَهَاءِ غَيْرُ الرُّكْنِ وَهُوَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ الشَّىْءِ وَلَيْسَ جُزْءًا مِنْهُ كَالطَّهَارَةِ وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلاةِ، وَأَمَّا الرُّكْنُ فَهُوَ جُزْءٌ مِنَ الشَّىْءِ وَيَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الشَّىْءِ عَلَيْهِ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَفُرُوضُهُ سِتَّةٌ.
الشَّرْحُ أَنَّ فُرُوضَ الْوُضُوءِ سِتَّةٌ، أَرْبَعَةٌ عُرِفَتْ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَاثْنَانِ بِالسُّنَّةِ، فَغَسْلُ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَمَسْحُ الرَّأْسِ وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ هَذِهِ الأَرْبَعَةُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، أَمَّا النِّيَّةُ وَالتَّرْتِيبُ فَبِالْحَدِيثِ. أَمَّا حَدِيثُ النِّيَّةِ فَهُوَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ [فِي صَحِيحِهِ] وَغَيْرُهُ، وَأَمَّا التَّرْتِيبُ فَبِحَدِيثِ «إِبْدَأُوا بِمَا بَدأَ اللَّهُ بِهِ» [أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ]، فَهَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ وَارِدًا فِي السَّعْيِ لِلْبَدْءِ بِالصَّفَا فَإِنَّهُ عَامُّ الْمَعْنَى لَهُ وَلِغَيْرِهِ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: الأَوَّلُ: نِيَّةُ الطَّهَارَةِ لِلصَّلاةِ، أَوْ غَيْرُهَا مِنَ النِّيَّاتِ الْمُجْزِئَةِ عِنْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ أَيْ مُقْتَرِنَةً بِغَسْلِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَتَكْفِي النِّيَّةُ إِنْ تَقَدَّمَتْ عَلَى غَسْلِ الْوَجْهِ بِقَلِيلٍ عِنْدَ مَالِكٍ.
الشَّرْحُ الْفَرْضُ الأَوَّلُ مِنْ فُرُوضِ الْوُضُوءِ النِّيَّةُ وَلا بُدَّ فِيهِ لِصِحَّتِهِ مِنْ نِيَّةٍ مُجْزِئَةٍ كَأَنْ يَنْوِيَ الطَّهَارَةَ لِلصَّلاةِ بِقَلْبِهِ فَلا يَكْفِي التَّلَفُّظُ بِهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِحْضَارِهَا بِقَلْبِهِ، وَيَكْفِي أَنْ يَنْوِيَ فَرْضَ الْوُضُوءِ أَوِ الْوُضُوءَ فَقَطْ، أَوْ يَنْوِيَ اسْتِبَاحَةَ مُفْتَقِرٍ إِلَى وُضُوءٍ كَأَنْ يَنْوِيَ اسْتِبَاحَةَ الصَّلاةِ أَوِ اسْتِبَاحَةَ مَسِّ الْمُصْحَفِ، فَمَنْ تَوَضَّأَ بِنِيَّةِ شَىْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ اسْتَبَاحَ الصَّلاةَ وَغَيْرَهَا أَيْ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَى الطَّهَارَةِ.
وَلا تُجْزِئُ نِيَّةُ اسْتِبَاحَةِ مَا تُسْتَحَبُّ لَهُ الطَّهَارَةُ كَقِرَاءَةِ الْقُرْءَانِ، فَمَنْ نَوَى اسْتِبَاحَةَ قِرَاءَةِ الْقُرْءَانِ لَمْ تُجْزِئْ نِيَّتُهُ، وَكَذَلِكَ تُجْزِئُ نِيَّةُ رَفْعِ الْحَدَثِ وَنِيَّةُ الطَّهَارَةِ عَنْهُ إِلَّا لِسَلِسِ الْبَوْلِ أَوْ مُسْتَحَاضَةٍ لِأَنَّ هَذَيْنِ لا يَرْتَفِعُ حَدَثُهُمَا فَلا تُجْزِئُ نِيَّةُ رَفْعِ الْحَدَثِ فِيهِمَا فَهُمَا يَنْوِيَانِ اسْتِبَاحَةَ الصَّلاةِ.
وَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ النِّيَّةُ فِي مَذْهَبِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ عِنْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ أَيْ مُقْتَرِنَةً بِغَسْلِ جُزْءٍ مِنَ الْوَجْهِ أَيْ عِنْدَ إِصَابَةِ الْمَاءِ لِأَوَّلِ جُزْءٍ مِنَ الْوَجْهِ فَإِذَا قَرَنَ النِّيَّةَ بِأَوَّلِ غَسْلِ الْوَجْهِ كَفَتْ تِلْكَ النِّيَّةُ، فَلَوْ غَسَلَ جُزْءًا مِنْ وَجْهِهِ قَبْلَ هَذِهِ النِّيَّةِ ثُمَّ نَوَى فِي أَثْنَاءِ غَسْلِ الْوَجْهِ وَجَبَ عَلَيْهِ إِعَادَةُ غَسْلِ ذَلِكَ الْجُزْءِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: الثَّانِي غَسْلُ الْوَجْهِ جَمِيعِهِ مِنْ مَنَابِتِ شَعَرِ رَأْسِهِ إِلَى الذَّقَنِ وَمِنَ الأُذُنِ إِلَى الأُذُنِ شَعَرًا وَبَشَرًا لا بَاطِنَ لِحْيَةِ الرَّجُلِ وَعَارِضَيْهِ إِذَا كَثُفَا.
الشَّرْحُ الْفَرْضُ الثَّانِي مِنْ فَرَائِضِ الْوُضُوءِ غَسْلُ الْوَجْهِ جَمِيعِهِ، وَالأَحْسَنُ أَنْ يَبْدَأَ بِغَسْلِ الْوَجْهِ مِنْ أَعْلاهُ وَالْمُرَادُ بِالْغَسْلِ مَا يَشْمَلُ الِانْغِسَالَ كَأَنْ يَقِفَ الشَّخْصُ تَحْتَ الْمِيزَابِ فَيُصِيبَ الْمَاءُ وَجْهَهُ فَهَذَا يُسَمَّى انْغِسَالًا لا غَسْلًا، وَيَحْصُلُ الْفَرْضُ بِالِانْغِمَاسِ فِي بِرْكَةٍ بِدَلْكٍ وَمِنْ غَيْرِ دَلْكٍ لِأَنَّ الدَّلْكَ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ. وَالْمُرَادُ غَسْلُ ظَاهِرِ الْوَجْهِ فَلا يَجِبُ غَسْلُ بَاطِنِ الْعَيْنِ وَالْفَمِ وَالأَنْفِ.
وَحَدُّ الْوَجْهِ مِنْ مَنَابِتِ شَعَرِ الرَّأْسِ بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ إِلَى الذَّقَنِ، وَالذَّقَنُ هُوَ مُجْتَمَعُ اللَّحْيَيْنِ وَهُمَا الْعَظْمَانِ اللَّذَانِ أَسْفَلَ الأُذُنِ يَجْتَمِعَانِ فِي أَسْفَلِ الْوَجْهِ فَيُسَمَّى مُجْتَمَعُهُمَا الذَّقَنَ هَذَا حَدُّ الْوَجْهِ طُولًا، وَأَمَّا حَدُّهُ عَرْضًا فَهُوَ مِنَ الأُذُنِ إِلَى الأُذُنِ أَيْ مِنْ وَتِدِ الأُذُنِ إِلَى وَتِدِ الأُذُنِ وَلا يَدْخُلُ الْوَتِدُ فِيمَا يَجِبُ غَسْلُهُ، وَلا يَدْخُلُ الأُذُنَانِ فِي الْوَجْهِ وَلا يَجِبُ غَسْلُهُمَا إِنَّمَا الَّذِي يَجِبُ غَسْلُهُ مَا بَيْنَهُمَا، فَمَا كَانَ ضِمْنَ هَذَا مِنْ شَعَرٍ وَبَشَرٍ أَيْ جِلْدٍ فَغَسْلُهُ فَرْضٌ [قَالَ الْجُوَيْنِيُّ أَيْ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَبْدُ الْمَلِكِ:
يُمَدُّ خَيْطٌ مِنْ مَنَابِتِ شَعَرِ الرَّأْسِ عَادَةً إِلَى رَأْسِ الأُذُنِ فَمَا كَانَ مِنْ هَذَا الْخَيْطِ إِلَى جِهَةِ الْوَجْهِ فَيَجِبُ غَسْلُهُ. وَالْمُرَادُ بِرَأْسِ الأُذُنِ الْجُزْءُ الْمُحَاذِي لِأَعْلَى الْعِذَارِ قَرِيبًا مِنَ الْوَتِدِ]. فَمِمَّا يَجِبُ غَسْلُهُ الْغَمَمُ وَهُوَ الشَّعَرُ الَّذِي يَنْبُتُ عَلَى الْجَبْهَةِ لِأَنَّ هَذَا خِلافُ غَالِبِ النَّاسِ، قَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ لِامْرَأَتِهِ: [الطَّوِيل]
فَلا تَنْكِحِي إِنْ فَرَّقَ الدَّهْرُ بَيْنَنَا أَغَمَّ الْقَفَا وَالْوَجْهِ لَيْسَ بِأَنْزَعَا
مَعْنَاهُ أَنَّ الإِنْسَانَ الَّذِي لَهُ شَعَرٌ عَلَى مُؤَخَّرِ عُنُقِهِ وَيَنْزِلُ شَعَرُ رَأْسِهِ إِلَى جَبْهَتِهِ هَذَا لا تَتَزَوَّجِيهِ، وَهَذَا كَانَ مِنْ عَلامَاتِ اللُّؤْمِ عِنْدَ الْعَرَبِ أَنْ يَنْبُتَ الشَّعَرُ عَلَى الْجَبْهَةِ وَالْقَفَا، فَهُمْ يَمْدَحُونَ الَّذِي تَكُونُ جَبْهَتُهُ مَكْشُوفَةً وَاسِعَةً أَيِ الأَنْزَعَ وَيَذُمُّونَ الأَغَمَّ. فَهَذَا الْغَمَمُ يَجِبُ غَسْلُهُ مَعَ الْوَجْهِ لِأَنَّهُ نَبَتَ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، وَلا يَجِبُ غَسْلُ مَا يَنْحَسِرُ عَنْهُ الشَّعَرُ كَالنَّاصِيَةِ فَمَنْ كَانَ مُقَدَّمُ رَأْسِهِ انْحَسَرَ عَنْهُ الشَّعَرُ فَلا يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُهُ مَعَ الْوَجْهِ.
وَمِمَّا يَجِبُ غَسْلُهُ مِنَ الْوَجْهِ مَا يَظْهَرُ مِنْ حُمْرَةِ الشَّفَتَيْنِ عِنْدَ إِطْبَاقِ الْفَمِ بِخِلافِ مَا لا يَظْهَرُ عِنْدَ الإِطْبَاقِ فَإِنَّهُ لا يَجِبُ غَسْلُهُ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ بَاطِنُ لِحْيَةِ الرَّجُلِ الْكَثِيفَةِ وَبَاطِنُ عَارِضَيْهِ أَيْ شَعَرِ الْعَارِضَيْنِ الْكَثِيفِ [أَيِ الشَّعَرِ النَّابِتِ عَلَى الْعَظْمَيْنِ جَانِبَيِ الْوَجْهِ الْمُلْتَقِيَيْنِ فِي أَسْفَلِهِ. فَالْعَارِضَانِ جَانِبَا الْوَجْهِ]، وَالْكَثِيفُ هُوَ مَا لا تُرَى الْبَشَرَةُ مِنْ خِلالِهِ فَإِنْ خَفَّ شَعَرُ اللِّحْيَةِ وَالْعَارِضَيْنِ وَجَبَ غَسْلُ بَاطِنِهِ. قَالَ الْفُقَهَاءُ يَجِبُ غَسْلُ جُزْءٍ مِنْ سَائِرِ جَوَانِبِ الْوَجْهِ لِلتَّحَقُّقِ مِنَ اسْتِيعَابِ الْوَجْهِ [وَهَذَا يَحْصُلُ وَلَوْ بِقَدْرِ قُلامَةِ ظُفْرٍ]
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: الثَّالِثُ غَسْلُ الْيَدَيْنِ مَعَ الْمِرْفَقَيْنِ وَمَا عَلَيْهِمَا.
الشَّرْحُ أَنَّ الْفَرْضَ الثَّالِثَ مِنْ فُرُوضِ الْوُضُوءِ غَسْلُ الْيَدَيْنِ وَلَوْ كَانَتْ زَائِدَةً الْتَبَسَتْ بِالأَصْلِيَّةِ [كِلْتَاهُمَا نَبَتَتْ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فَالْتَبَسَتَا فَلَمْ تُعْرَفِ الْزَائِدَةُ مِنَ الأَصْلِيَّةِ فَيَغْسِلُ كِلَيْهِمَا] مَعَ الْمِرْفَقَيْنِ وَيُقَالُ الْمَرْفِقَيْنِ وَهُمَا مُجْتَمَعُ عَظْمَيِ السَّاعِدِ وَالْعَضُدِ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [سُورَةَ الْمَائِدَة/6] أَيْ مَعَ الْمَرَافِقِ.
فَإِذَا تُرِكَ الْمِرْفَقَانِ لَمْ يَصِحَّ الْوُضُوءُ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ثَبَتَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَغْسِلُ مِرْفَقَيْهِ وَلا يَقْتَصِرُ عَلَى مَا قَبْلَهُمَا كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ [فِي صَحِيحِهِ]. وَلا خِلافَ فِي الْمَذْهَبِ فِي ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ خِلافٌ فِي ذَلِكَ، فَعِنْدَهُمْ لَوْ تَرَكَ غَسْلَ الْمِرْفَقِ صَحَّ الْوُضُوءُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَدَلِيلُهُمْ ظَاهِرُ الآيَةِ لِأَنَّهُ عِنْدَهُمْ لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ الْمَرَافِقُ مَا دَخَلَتْ لِأَنَّ الأَصَحَّ فِي إِلَى عَدَمُ إِدْخَالِ الْغَايَةِ قَالَ بَعْضُ النُّحَاةِ [رَجَزٌ]
وَفِي دُخُولِ الْغَايَةِ الأَصَحُ لا تَدْخُلُ مَعْ إِلَى وَحَتَّى دَخَلا
مَعْنَى هَذَا الْبَيْتِ أَنَّ عُلَمَاءَ النَّحْوِ اخْتَلَفُوا هَلْ تَدْخُلُ الْغَايَةُ أَيْ مَا بَعْدَ حُرُوفِ الْغَايَةِ كَإِلَى وَحَتَّى مَعَ مَا قَبْلَهَا أَمْ لا تَدْخُلُ فَالأَصَحُّ أَنَّ مَا بَعْدَ إِلَى لا يَدْخُلُ فِي حُكْمِ مَا قَبْلَهَا وَهُنَاكَ قَوْلٌ ءَاخَرُ بِدُخُولِ الْغَايَةِ مَعَ إِلَى أَيْ مَعَ مَا قَبْلَهَا، أَمَّا فِي حَتَّى فَالأَمْرُ بِالْعَكْسِ إِذَا قُلْتَ أَكَلْتُ السَّمَكَةَ حَتَّى رَأْسَهَا فَالرَّأْسُ دَاخِلٌ فِي الْمَأْكُولِ.
فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ شَخْصٌ ذَهَبْتُ مِنْ هُنَا إِلَى الْبَيْتِ فَالِاحْتِمَالُ الأَقْوَى أَنْ لا يَكُونَ دَخَلَ الْبَيْتَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ دَخَلَ وَهُوَ الِاحْتِمَالُ الأَضْعَفُ أَمَّا لَوْ قَالَ ذَهَبْتُ حَتَّى الْبَيْتَ فَمَعْنَاهُ دَخَلَهُ.
وَنَحْنُ لَوْلا الْحَدِيثُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَؤُلاءِ الْمَالِكِيَّةِ أَيْضًا.
وَلَوْ قُطِعَ بَعْضُ مَا يَجِبُ غَسْلُهُ وَجَبَ غَسْلُ مَا بَقِيَ.
وَيَجِبُ أَيْضًا غَسْلُ مَا عَلَيْهِمَا مِنْ شَعَرٍ وَلَوْ كَانَ كَثِيفًا طَوِيلًا، وَيَجِبُ غَسْلُ الظُّفْرِ أَيْضًا، وَأَمَّا الْوَسَخُ الَّذِي تَحْتَ الظُّفْرِ قَالَ بَعْضُهُمْ يُعْفَى عَنْهُ فِي الْوُضُوءِ، وَبَعْضُهُمْ قَالَ لا يُعْفَى عَنْهُ.
وَيَجِبُ غَسْلُ الشَّقِّ أَيْ إِذَا كَانَ فِي يَدِهِ شُقُوقٌ يَجِبُ إِيصَالُ الْمَاءِ إِلَيْهَا، أَمَّا الشَّوْكَةُ فَإِنِ اسْتَتَرَتْ وَتَجَاوَزَتِ الْجِلْدَ فَلا يَجِبُ إِخْرَاجُهَا لِغَسْلِ مَوْضِعِهَا، أَمَّا إِنْ كَانَتْ ظَاهِرَةً لَمْ تَسْتَتِرْ فَيُخْرِجُهَا. وَيَكْفِي غَسْلُ قِشْرِ الْجُرْحِ وَلا يَجِبُ رَفْعُهُ وَإِزَالَتُهُ، فَلَوْ أَزَالَهُ بَعْدَ إِتْمَامِ الْوُضُوءِ لَمْ يَجِبْ غَسْلُ مَا ظَهَرَ.
وَقَوْلُهُ «وَمَا عَلَيْهِمَا» أَيْ إِنْ كَانَ عَلَيْهِ سِلْعَةٌ يَجِبُ غَسْلُهَا، وَالسِّلْعَةُ قِطْعَةُ لَحْمٍ زَائِدَةٌ نَبَتَتْ عَلَى يَدِهِ [السِّلْعَةُ هِيَ اللَّحْمَةُ الزَّائِدَةُ وَقَدْ تَكُونُ فِي السَّاعِدِ أَوْ فِي الأَصَابِعِ أَوْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْجِسْمِ].
فَائِدَةٌ. فِي كِتَابِ «مَوَاهِبُ الْجَلِيلِ عَلَى مُخْتَصَرِ خَلِيل» لِلشَّيْخِ الْحَطَّابِ الْمَالِكِيِّ مَا نَصُّهُ: «لَمَّا تَحَدَّثَ ابْنُ رُشْدٍ عَلَى الْخَاتَمِ فِي رَسْمِ مَسَاجِدِ الْقَبَائِلِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ ذَكَرَ فِيمَنْ تَوَضَّأَ وَقَدْ لَصِقَ بِظُفْرِهِ أَوْ بِذِرَاعِهِ الشَّىْءُ الْيَسِيرُ مِنَ الْعَجِينِ أَوِ الْقِيرِ أَوِ الزِّفْتِ قَوْلَيْنِ وَقَالَ: الأَظْهَرُ مِنْهُمَا تَخْفِيفُ ذَلِكَ عَلَى مَا قَالَهُ أَبُو زَيْدِ بنُ أَبِي أُمَيَّةَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْعُتْبِيَّةِ وَمُحَمَّدُ بنُ دِينَارٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ خِلافَ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَقَوْلِ أَشْهَبَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْعُتْبِيَّةِ،
قُلْتُ لا خَفَاءَ أَنَّ هَذَا فِي الْيَسِيرِ بَعْدَ الْوُقُوعِ وَأَمَّا ابْتِدَاءً [أَيْ إِنْ تَعَمَّدَ التَّلَوُّثَ بِهِ] فَلا بُدَّ مِنْ إِزَالَتِهِ وَكَوْنُ ابْنِ رُشْدٍ ذَكَرَ هَذَا الْفَرْعَ عِنْدَ الْكَلامِ عَلَى الْخَاتَمِ مِمَّا يُؤَيِّدُ مَا حَمَلْنَا عَلَيْهِ لَفْظَ الْمُؤَلِّفِ» انْتَهَى. وَالْقِيرُ هُوَ شَىْءٌ أَسْوَدُ يُشْبِهُ الزِّفْتَ تُدْهَنُ بِهِ السُّفُنُ وَفِي هَذَا فُسْحَةٌ لِمَنِ ابْتُلِيَ بِمِهْنَةٍ يُزَاوِلُ فِيهَا الزِّفْتَ وَنَحْوَهُ، فَمَنْ أَرَادَ الْعَمَلَ بِهِ فَلْيُقَلِّدِ الْقَائِلِينَ بِهِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: الرَّابِعُ مَسْحُ الرَّأْسِ أَوْ بَعْضِهِ وَلَوْ شَعْرَةً فِي حَدِّهِ.
الشَّرْحُ الْفَرْضُ الرَّابِعُ مِنْ فَرَائِضِ الْوُضُوءِ مَسْحُ بَعْضِ الرَّأْسِ، وَالْوَاجِبُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَسْحُ شَىْءٍ مِنَ شَعَرِ الرَّأْسِ وَلَوْ بَعْضَ شَعْرَةٍ أَوْ جُزْءًا مِنَ الرَّأْسِ لا شَعَرَ عَلَيْهِ لَكِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الشَّعَرِ أَنْ يَكُونَ فِي حَدِّ الرَّأْسِ [وَحَدُّ الرَّأْسِ مِنْ مَنْبِتِ الشَّعَرِ غَالِبًا إِلَى النُّقْرَةِ، وَنُقْرَةُ الْقَفَا حُفْرَةٌ فِي ءَاخِرِ الدِّمَاغِ، كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ]، فَلَوْ مَسَحَ الْقَدْرَ الَّذِي يَخْرُجُ عِنْ حَدِّ الرَّأْسِ عِنْدَ مَدِّهِ لِجِهَةِ نُزُولِهِ فَلا يَكْفِي، وَلَوْ وَضَعَ يَدَهُ الْمُبْتَلَّةَ أَوْ خِرْقَةً مُبْتَلَّةً بِالْمَاءِ فَوَصَلَ الْبَلَلُ مِنْهَا إِلَى الرَّأْسِ كَفَى ذَلِكَ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: الْخَامِسُ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ مَعَ الْكَعْبَيْنِ أَوْ مَسْحُ الْخُفِّ إِذَا كَمَلَتْ شُرُوطُهُ.
الشَّرْحُ الْفَرْضُ الْخَامِسُ مِنْ فَرَائِضِ الْوُضُوءِ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ مَعَ الْكَعْبَيْنِ وَمَا عَلَيْهِمَا مِنْ شَعَرٍ وَسِلْعَةٍ وَشُقُوقٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَهَذَا فِي غَيْرِ لابِسِ الْخُفِّ أَمَّا مَنْ لَبِسَ الْخُفَّ الْمُسْتَوْفِيَ لِلشُرُوطِ فَيَكْفِيهِ مَسْحُ الْخُفِّ بَدَلًا عَنْ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ الْخُفُّ طَاهِرًا لا نَحْوَ جِلْدِ مَيْتَةٍ، سَاتِرًا لِمَحَلِّ غَسْلِ الْفَرْضِ مِنَ الْقَدَمَيْنِ، يُمْكِنُ الْمَشْيُ عَلَيْهِ بِلا نَعْلٍ لِحَاجَاتِ الْمُسَافِرِ عِنْدَ الْحَطِّ وَالتَّرْحَالِ أَيِ الرَّحِيلِ بَعْدَ الِاسْتِرَاحَةِ فِي السَّفَرِ وَنَحْوِهِمَا وَأَنْ يَبْتَدِئَ لُبْسَهُمَا بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ،
وَأَنْ يَكُونَ الْخُفُّ مَانِعًا لِنُفُوذِ الْمَاءِ. وَأَمَّا فِي غَيْرِ ذَلِكَ فَلا يَكْفِي الْمَسْحُ فَإِنَّ الَّذِي ثَبَتَ عَنِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُبُوتًا قَطْعِيًا هُوَ غَسْلُهُمَا أَوِ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ، وَلا حُجَّةَ لِلاِكْتِفَاءِ بِالْمَسْحِ عَلَى نَفْسِ الْقَدَمِ بِقِرَاءَةِ ﴿وَأَرْجُلِكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [سُورَةَ الْمَائِدَة/6] بِالْجَرِّ لِأَنَّ هَذَا الْجَرَّ لِلْجِوَارِ أَيْ لِمُجَاوَرَةِ الرُّءُوسِ، فَكَلِمَةُ «أَرْجُلِكُمْ» تُقَدَّرُ عَلَيْهَا فَتْحَةٌ لِأَنَّهَا مَنْصُوبَةٌ حُكْمًا وَفِي ذَلِكَ تَوْفِيقٌ بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ قِرَاءَةِ النَّصْبِ وَقِرَاءَةِ الْجَرِّ الثَّابِتَتَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَأَجَازَ الإِمَامُ أَحْمَدُ الْمَسْحَ عَلَى الْجَوْرَبِ كَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ يَمْنَعُ رُؤْيَةَ لَوْنِ الْجِلْدِ مِنْ تَحْتِهِ وَلَوْ كَانَ لا يَمْنَعُ نُفُوذَ الْمَاءِ. وَلَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبِ عِنْدَ أَحْمَدَ أَنْ يَعُمَّ أَغْلَبَ ظَاهِرِ الْقَدَمِ. وَيَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَالْمُسَافِرُ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهِنَّ وَابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنْ حِينِ يُحْدِثُ بَعْدَ لُبْسِ الْخُفَّيْنِ فَإِنْ مَسَحَ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ أَوْ مَسَحَ فِي السَّفَرِ ثُمَّ أَقَامَ أَتَمَّ مَسْحَ مُقِيمٍ وَيَبْطُلُ الْمَسْحُ بِثَلاثَةِ أَشْيَاءَ بِخَلْعِهِمَا وَانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ وَمَا يُوجِبُ الْغُسْلَ وَكَذَلِكَ لَوْ خَرَجَ الْخُفُّ عَنْ صَلاحِيَّةِ الْمَسْحِ عَلَيْهِ لِضَعْفِهِ أَوْ لِتَخَرُّقِهِ.
فَإِذَا كَانَ الْخُفُّ مُسْتَوْفِيًا لِلشُّرُوطِ كُلِّهَا نَابَ الْمَسْحُ عَنِ الْغَسْلِ وَالْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ رُخْصَةٌ، وَيُسَنُّ لِمَنْ وَجَدَ ثِقَلًا فِي نَفْسِهِ لِعَدَمِ إِلْفِهِ أَيْ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتَدْ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ خِلافُ الأَصْلِ وَهُوَ الْغَسْلُ فَهَذَا لِيَكْسِرَ نَفْسَهُ يُسَنُّ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ حَتَّى يَكُونَ اتَّبَعَ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ الرَّسُولَ مَسَحَ، فَفِي هَذِهِ الْحَالِ يُسَنُّ الْمَسْحُ بَدَلَ الْغَسْلِ. أَمَّا فِي الأَصْلِ الْغَسْلُ أَفْضَلُ لَكِنْ مَنْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ نُفُورًا عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ يُسَنُّ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ لِيُزِيلَ أَثَرَ ذَلِكَ النُّفُورِ.
وَلا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ لِلْخُفِّ نَعْلٌ يَقِيهِ بَلْ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ الَّذِي يُمْشَى بِهِ فِي الشَّوَارِعِ فِي الطِّينِ لِأَنَّ طِينَ الشَّوَارِعِ الْمُتَنَجِّسَ يُعْفَى عَنْهُ، فَقَدْ رَوَى مَالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا يَمْشُونَ فِي الطِّينِ حُفَاةً ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلا يَغْسِلُونَ أَرْجُلَهُمْ».
وَقَدْ يَجِبُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ وَذَلِكَ كَأَنْ يَضِيقَ الْوَقْتُ عَلَى الرَّجُلِ لإِدْرَاكِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ بِحَيْثُ يَفُوتُهُ إِنْ غَسَلَ رِجْلَيْهِ وَكَانَ لُبْسُهُ لِلْخُفِّ وَهُوَ مُحْرِمٌ لِعُذْرٍ إِنْ كَانَ رَجُلًا لِأَنَّ الرَّجُلَ حَرَامٌ عَلَيْهِ أَنْ يَلْبَسَ الْخُفَّ وَقْتَ الإِحْرَامِ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الأَوَّلِ. كَذَلِكَ إِنْ ضَاقَ وَقْتُ الْفَرِيضَةِ وَاضْطُرَّ لإِنْقَاذِ نَحْوِ غَرِيقٍ [كَأَنْ يَكُونَ يَلْحَقُ الْوَقْتَ إِنْ مَسَحَ وَأَنْقَذَ الْغَرِيقَ.
أَيْ إِنْ كَانَتْ تَفُوتُهُ الصَّلاةُ إِنْ لَمْ يَمْسَحْ وَكَانَ وَقْتُ الصَّلاةِ ضَيِّقًا فَلَوِ اشْتَغَلَ بِالْغَسْلِ بَعْدَ إِنْقَاذِ الْغَرِيقِ فَاتَتْهُ الصَّلاةُ]، كَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَعَهُ مَاءٌ يَكْفِيهِ لَوْ مَسَحَ عَلَى الْخُفِّ وَلا يَكْفِيهِ إِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ فَيَجِبُ الْمَسْحُ فِي هَذِهِ الْحَالِ أَيْضًا.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: السَّادِسُ التَّرْتِيبُ هَكَذَا.
الشَّرْحُ الْفَرْضُ السَّادِسُ مِنْ فَرَائِضِ الْوُضُوءِ أَنْ يَبْدَأَ بِغَسْلِ الْوَجْهِ الْمَقْرُونِ بِالنِّيَّةِ ثُمَّ الْيَدَيْنِ ثُمَّ مَسْحِ الرَّأْسِ ثُمَّ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فَلَوْ تَرَكَ التَّرْتِيبَ بِأَنْ قَدَّمَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ عَلَى مَا قَبْلَهُ لَمْ يَصِحَّ مَا قَدَّمَهُ، فَلَوْ غَسَلَ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ كُلَّهَا فِي لَحْظَةٍ ارْتَفَعَ حَدَثُ الْوَجْهِ فَقَطْ. أَمَّا إِنْ حَصَلَ التَّرْتِيبُ تَقْدِيرًا فَيَكْفِي ذَلِكَ كَأَنْ غَطَسَ فِي مَاءٍ مَعَ النِّيَّةِ فَخَرَجَ وَلَمْ يَمْكُثْ زَمَنًا يُمْكِنُهُ التَّرْتِيبُ الْحَقِيقِيُّ فِيهِ.
