قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَصْلٌ: شُرُوطُ الطَّهَارَةِ الإِسْلامُ، وَالتَّمْيِيزُ، وَعَدَمُ الْمَانِعِ مِنْ وُصُولِ الْمَاءِ إِلَى الْمَغْسُولِ، وَالسَّيَلانُ، وَأَنْ يَكُونَ الْمَاءُ مُطَهِّرًا بِأَنْ لا يُسْلَبَ اسْمَهُ بِمُخَالَطَةِ طَاهِرٍ يَسْتَغْنِي الْمَاءُ عَنْهُ أَيْ بِامْتِزَاجِ شَىْءٍ طَاهِرٍ كَالْحَلِيبِ وَالْحِبْرِ وَشِبْهِ ذَلِكَ فَلَوْ تَغَيَّرَ الْماءُ بِهِ بِحَيْثُ لا يُسَمَّى مَاءً لَمْ يَصْلُحْ لِلطَّهَارَةِ، وَأَمَّا تَغَيُّرُهُ بِمَا لا يَسْتَغْنِي الْمَاءُ عَنْهُ كَأَنْ يَتَغيَّرَ بِمَا فِي مَقَرِّهِ أَوْ مَمَرِّهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَشُقُّ صَوْنُ الْمَاءِ عَنْهُ فَلا يَضُرُّ فَيَبْقَى مُطَهِّرًا وَإِنْ كَثُرَ تَغَيُّرُهُ. وَأَنْ لا يَتَغَيَّرَ بِنَجِسٍ وَلَوْ تَغَيُّرًا يَسِيرًا. وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ اشْتُرِطَ أَنْ لا يُلاقِيَهُ نَجِسٌ غَيْرُ مَعْفُوٍّ عَنْهُ، وَأَنْ لا يَكُونَ اسْتُعْمِلَ فِي رَفْعِ حَدَثٍ أَوْ إِزَالَةِ نَجَسٍ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ شُرُوطِ الطَّهَارَةِ عَنِ الْحَدَثِ الأَصْغَرِ وَالأَكْبَرِ:
الإِسْلامَ: فَالْكَافِرُ لا تَصِحُّ طَهَارَتُهُ مِنَ الْحَدَثَيْنِ لِعَدَمِ صِحَّةِ نِيَّتِهِ.
وَالتَّمْيِيزَ: فَغَيْرُ الْمُمَيِّزِ لا تَصِحُّ طَهَارَتُهُ.
وَيُسْتَثْنَى مِنَ اشْتِرَاطِ الإِسْلامِ لِلطَّهَارَةِ غُسْلُ الزَّوْجَةِ الْكَافِرَةِ الْكِتَابِيَّةِ لِتَحِلَّ لِزَوْجِهَا الْمُسْلِمِ مِنْ حَيْضِهَا أَوْ نِفَاسِهَا فَإِنَّهُ يَصِحُ لِلضَّرُورَةِ بِلا نِيَّةٍ مِنْهَا حَتَّى لَوْ أَسْلَمَتْ وَجَبَ عَلَيْهَا إِعَادَةُ ذَلِكَ الْغُسْلِ. وَكَذَلِكَ غُسْلُ الصَّبِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ لِلطَّوَافِ فَإِنَّه يَصِحُّ وَكَذَا يُوَضِئُهُ وَلِيُّهُ لِلطَّوَافِ وَتَقُومُ نِيَّةُ الْوَلِيِّ مَقامَ نِيَّةِ الطِّفْلِ.
وَعَدَمَ الْمَانِعِ مِنْ وُصُولِ الْمَاءِ إِلَى الْعُضْوِ الْمَغْسُولِ أَوِ الْمَمْسُوحِ كَالشَّحْمِ اللَّاصِقِ بِالْجِلْدِ الَّذِي يَمْنَعُ وُصولَ الْمَاءِ إِلَيْهِ، وَكَالَّذِي تَضَعُهُ النِّسَاءُ عَلَى أَظَافِيرِهِنَّ الْمُسَمَّى بِالْمَنَكِيرِ، وَالْمُوقِعُ لَهُنَّ فِي ذَلِكَ شِدَّةُ الْغَفْلَةِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَوْ كُنَّ يُرَاقِبْنَ اللَّهَ تَعَالَى كَمَا يَجِبُ وَيَذْكُرْنَ الْمَوْتَ كَمَا يَجِبُ لَمَا فَعَلْنَ ذَلِكَ. وَأَمَّا الْوَسَخُ الَّذِي يَكُونُ تَحْتَ الأَظْفَارِ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ يَمْنَعُ صِحَّةَ الطَّهَارَةِ أَمْ لا، وَالْخَطْبُ فِي ذَلِكَ يَسِيرٌ أَيِ الأَمْرُ فِي ذَلِكَ هَيِّنٌ.
أَمَّا مَا يَسْتُرُ لَوْنَ الْبَشَرَةِ وَلا يَمْنَعُ الْمَاءَ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى الْجِلْدِ فَلا يَضُرُ وَذَلِكَ كَالْحِبْرِ وَمَا يُسَمَّى بِالدَّوَاءِ الأَحْمَرِ وَنَحْوِهِ.
وَالسَّيَلانَ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ جَارِيًا عَلَى الْجِلْدِ بِطَبْعِهِ، وَلا يُشْتَرَطُ فِيهِ تَقَاطُرُ الْمَاءِ فَلَوْ جَرَى الْمَاءُ عَلَى الْجِلْدِ وَلَوْ بِوَاسِطَةِ إِمْرَارِ الْيَدِ أَجْزَأَ لِأَنَّ هَذَا يُسَمَّى غَسْلًا، وَلا يُجْزِئُ مُجَرَّدُ الْمَسْحِ الَّذِي لا يُسَمَّى غَسْلًا.
وَأَنْ يَكُونَ الْمَاءُ مُطَهِّرًا مُطْلَقًا يُطْلَقُ اسْمُ الْمَاءِ عَلَيْهِ بِلا قَيْدٍ فَمَا لا يُسَمَّى إِلَّا مَاءَ الزَّهْرِ مَثَلًا لا يَكُونُ مُطَهِّرًا، فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ هُوَ مَا يَصِحُّ إِطْلاقُ اسْمِ الْمَاءِ عَلَيْهِ بِلا قَيْدٍ كَمَاءِ الْبَحْرِ وَمَاءِ الْبَرَدِ وَالثَّلْجِ بَعْدَ أَنْ يَذُوبَا، وَكَذَلِكَ مَا يَتَرَشَّحُ مِنَ الْمَاءِ الطَّهُورِ بِالْغَلَيَانِ فَإِنَّهُ مُطَهِّرٌ، بِخِلافِ الْمَاءِ الَّذِي يُعْتَصَرُ مِنْ أَوْرَاقِ الأَشْجَارِ فَإِنَّهُ وَلَوْ كَانَ لَوْنُهُ صَافِيًا لا يَصْلُحُ لِلطَّهَارَةِ لِأَنَّهُ لا يُسَمَّى مَاءً مُطْلَقًا أَيْ بِغَيْرِ قَيْدٍ،
فَالْمَاءُ الَّذِي بَقِيَ عَلَى أَصْلِ خِلْقَتِهِ وَلَمْ يَخْتَلِطْ بِهِ طَاهِرٌ يُمْكِنُ صَوْنُ الْمَاءِ عَنْهُ كَالْكَافُورِ الرِّخْوِ فَهُوَ طَهُورٌ، وَمَا تَغَيَّرَ بِطَاهِرٍ مُخَالِطٍ أَيْ لا يَنْفَصِلُ فِي رَأْيِ الْعَيْنِ عَنْهُ بَعْدَ مُخَالَطَتِهِ مِمَّا يُمْكِنُ صَوْنُ الْمَاءِ عَنْهُ فَلَيْسَ بِطَهُورٍ صَالِحٍ لِلْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ إِنْ كَانَ تَغَيُّرُهُ بِهِ بِحَيْثُ يَسْلُبُ اسْمَ الْمَاءِ عَنْهُ، أَيْ خَالَطَهُ طَاهِرٌ بِحَيْثُ غَيَّرَ لَوْنَهُ كَالْحِبْرِ أَوْ طَعْمَهُ كَالْعَسَلِ أَوْ رِيْحَهُ كَالْوَرْدِ تَغْيِيرًا كَثِيرًا فَلَيْسَ مُطَهِّرًا بِخِلافِ مَا لَوْ غَيَّرَهُ قَلِيلًا فَإِنَّهُ لا يُؤَثِّرُ أَيْ إِنْ كَانَ تَغَيُّرُهُ بِهِ بِحَيْثُ لا يَسْلُبُ عَنْهُ اسْمَ الْمَاءِ فَهُوَ طَهُورٌ تَصِحُّ الطَّهَارَةُ بِهِ.
وَلَوْ تَغَيَّرَ الْمَاءُ تَغَيُّرًا كَثِيرًا بِمَا لا يُمْكِنُ صَوْنُ الْمَاءِ عَنْهُ أَيْ يَشُقُّ أَوْ يَعْسُرُ لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ كَالْمَاءِ الَّذِي مَقَرُّهُ أَوْ مَمَرُّهُ فِيهِ مَعْدِنٌ مِنَ الْمَعَادِنِ كَالْكِبْرِيتِ، فَمَهْمَا تَغَيَّرَ هَذَا الْمَاءُ بِهِ فَلا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مُطَهِّرًا، وَكَذَلِكَ لا يَضُرُّ التَّغَيُّرُ بِمَا لا يُخَالِطُ الْمَاءَ بَلْ يُجَاوِرُهُ كَالْمَاءِ الَّذِي تَتَغَيَّرُ رَائِحَتُهُ بِالْعُودِ الصُّلْبِ الَّذِي لا يَتَحَلَّلُ فِي الْمَاءِ. لِأَنَّ هَذَا الْعُودَ الَّذِي يُتَبَخَّرُ بِهِ إِذَا وُضِعَ فِي الْمَاءِ لا يَنْحَلُّ مِنْهُ شَىْءٌ فِي الْمَاءِ فَإِذَا صَارَتْ رَائِحَةُ الْمَاءِ عَطِرَةً جَازَتِ الطَّهَارَةُ بِذَلِكَ الْمَاءِ.
وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ أَنْ لا يُلاقِيَهُ نَجِسٌ، فَالْمَاءُ الَّذِي لاقَاهُ نَجِسٌ غَيْرُ مَعْفُوٍّ عَنْهُ كَالْبَوْلِ لَيْسَ بِطَاهِرٍ إِنْ كَانَ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ غَيَّرَهُ النَّجِسُ أَوْ لَمْ يُغَيِّرْهُ، وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ فَلا يَضُرُّ مُلاقَاةُ النَّجَاسَةِ لَهُ إِلَّا أَنْ يَتَغَيَّرَ الْمَاءُ بِهَا أَيْ بِأَنْ يَظْهَرَ فِيهِ طَعْمُ النَّجَاسَةِ أَوْ لَوْنُهَا أَوْ رِيْحُهَا.
وَكَذَلِكَ إِذَا اسْتُعْمِلَ مَاءٌ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ فِي رَفْعِ حَدَثٍ أَوْ إِزَالَةِ نَجِسٍ مَعْفُوًّا عَنْهُ كَانَ أَوْ لا فَإِنَّهُ لا يَصْلُحُ لِلطَّهَارَةِ، فَمَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ إِنِ اسْتُعْمِلَ فِي تَطْهِيرِ الْمَوْضِعِ الْمُتَنَجِّسِ فَإِنِ انْفَصَلَ مِنْ غَيْرِ تَغَيُّرٍ بِوَصْفٍ مِنْ أَوْصَافِ النَّجَاسَةِ فَهُوَ طَاهِرٌ لَكِنَّهُ غَيْرُ مُطَهِّرٍ أَيْ لا يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَلا يُزِيلُ النَّجَسَ بِخِلافِ مَا لَوْ كَانَ قُلَّتَيْنِ فَإِنَّهُ طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ حَصَلَ تَغَيُّرٌ بِالْمَاءِ بِالنَّجَاسَةِ طَعْمًا أَوْ لَوْنًا أَوْ رِيْحًا.
فَالْمَاءُ الَّذِي يَبْلُغُ الْقُلَّتَيْنِ لا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ طَهُورًا بِاسْتِعْمَالِهِ فِي رَفْعِ حَدَثٍ أَوْ إِزَالَةِ نَجِسٍ إِذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ بِالنَّجَاسَةِ أَيْ أَنَّهُ يَبْقَى طَهُورًا أَيْ مُطَهِّرًا وَلَوْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ [وَالطَّهُورُ هُوَ الْمُطَهِّرُ أَمَّا الطَّاهِرُ قَدْ يَكُونُ مُطَهِّرًا وَقَدْ لا يَكُونُ مُطَهِّرًا].
فَإِذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ شَىْءٌ طَاهِرٌ مُوَافِقٌ لَهُ فِي صِفَاتِهِ كَمَاءٍ مُسْتَعْمَلٍ نُقَدِّرُهُ بِمُخَالِفٍ وَسَطٍ كَلَوْنِ الْعَصِيرِ [أَيْ عَصِيرِ الْعِنَبِ] وَطَعْمِ الرُّمَّانِ وَرِيحِ اللَّاذَنِ وَهُوَ شَىْءٌ مِثْلُ اللُّبَانِ، بِخِلافِ النَّجِسِ كَبَوْلٍ انْقَطَعَ رِيْحُهُ وَاخْتَلَطَ بِمَاءٍ كَثِيرٍ وَلَمْ يَظْهَرْ بِهِ تَغَيُّرٌ فَإِنَّا نُقَدِّرُهُ بِالْمُخَالِفِ الأَشَدِّ كَلَوْنِ الْحِبْرِ وَطَعْمِ الْخَلِّ وَرِيحِ الْمِسْكِ.
وَالْقُلَّتَانِ بِالْمُرَبَّعِ مَا يَسَعُ حُفْرَةً طُولُهَا ذِرَاعٌ وَرُبْعٌ وَكَذَلِكَ عَرْضُهَا وَعُمْقُهَا، وَبِالْمُدَوَّرِ مَا يَسَعُ حُفْرَةً عَرْضُهَا ذِرَاعٌ وَعُمْقُهَا ذِرَاعَانِ وَنِصْفٌ بِالذِّرَاعِ الْمُعْتَدِلِ وَهِيَ نَحْوُ عَشْرِ صَفَائِحَ مِنَ الْمَاءِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَمَنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ أَوْ كَانَ يَضُرُّهُ الْمَاءُ تَيَمَّمَ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَزَوَالِ النَّجَاسَةِ الَّتِي لا يُعْفَى عَنْهَا.
الشَّرْحُ أَنَّ مَنْ فَقَدَ الْمَاءَ بِأَنْ فَقَدَهُ حِسًّا أَوْ مَعْنًى يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ، أَمَّا الْفَقْدُ الْحِسِّيُّ فَهُوَ أَنْ لا يَجِدَ الْمَاءَ فِي الْقَدْرِ الَّذِي يَجِبُ الطَّلَبُ فِيهِ مِنَ الْمِسَاحَةِ وَذَلِكَ كَأَنْ يَكُونَ الْمَاءُ فِي مَسَافَةٍ تَبْعُدُ عَنِ الْمَكَانِ الَّذِي هُوَ فِيهِ فَوْقَ حَدِّ الْقُرْبِ فَإِنَّهُ لا يَجِبُ طَلَبُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَحَدُّ الْقُرْبِ قُدِّرَ بِنَحْوِ نِصْفِ فَرْسَخٍ [نِصْفُ الْفَرْسَخِ عَلَى قَوْلٍ تِسْعَةُ ءَالافِ ذِرَاعٍ بِذِرَاعِ الْيَدِ الْمُعْتَدِلَةِ، وَعَلَى قَوْلٍ ثُلُثُ هَذَا أَيْ ثَلاثَةُ ءَالافِ ذِرَاعٍ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي تَحْدِيدِ الْمِيلِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، سِتَّةُ ءَالافِ ذِرَاعٍ. قَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: وَالْمِيلُ أَلْفَانِ وَلَكِنْ أَذْرُعُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ].
أَمَّا مَنْ عَلِمَ وُجُودَهُ أَيْ عَلِمَ بِوُجُودِ الْمَاءِ فِي حَدِّ الْقُرْبِ فَإِنَّهُ يُعَدُّ وَاجِدًا لِلْمَاءِ فَلا يَصِحُ تَيَمُّمُهُ، وَأَمَّا إِنْ لَمْ يَتَأَكَّدْ مِنْ وُجُودِ الْمَاءِ أَيْ كَانَ عِنْدَهُ احْتِمَالٌ فَقَطْ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الطَّلَبُ فِي حَدِّ الْغَوْثِ وَهُوَ الْمَسَافَةُ الَّتِي يُسْمِعُ فِيهَا رُفَقَاءَهُ لَوْ نَادَى، وَقُدِّرَتْ هَذِهِ الْمَسَافَةُ بِثَلاثِمِائَةِ ذِرَاعٍ شَرْعِيٍّ وَهُوَ مِقْدَارُ شِبْرَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ فَهَذَا يُعَدُّ فَاقِدًا لَهُ.
وَأَمَّا الْفَقْدُ الْمَعْنَوِيُ فَهُوَ كَأَنْ يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ الَّذِي هُوَ بِالْقُرْبِ مِنْهُ سَبُعٌ أَوْ عَدُوٌّ وَكَأَنْ يَحْتَاجَ الْمَاءَ لِشُرْبِهِ فَيَصِحُّ لَهُ التَّيَمُّمُ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ.
وَأَمَّا مَنْ تَيَمَّمَ بِدُونِ طَلَبٍ فَلا يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ لِقُوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [سُورَةَ الْمَائِدَة/6].
وَيَجُوزُ لِرَاكِبِ الْبَحْرِ أَنْ يَتَيَمَّمَ إِذَا خَافَ مِنَ الِاسْتِقَاءِ مِنَ الْبَحْرِ الْغَرَقَ وَلا إِعَادَةَ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا الضَّرَرُ الَّذِي يُبِيحُ التَّيَمُّمَ فَهُوَ أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ أَنْ يَضُرَّهُ فِي جِسْمِهِ، أَوْ عَلَى عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ، أَوْ طُولَ مَرَضِهِ، أَوْ حُدُوثَ أَثَرٍ فَاحِشٍ فِي عُضْوٍ ظَاهِرٍ [أَيْ مَا يَظْهَرُ عِنْدَ الْمِهْنَةِ] كَتَغَيُّرِ لَوْنٍ أَوِ اسْتِحْشَافٍ أَيْ يُبْسٍ فِي جِلْدِهِ، أَمَّا مُجَرَّدُ الأَلَمِ مِنْ بَرْدِ الْمَاءِ فَلَيْسَ عُذْرًا إِذَا كَانَ لا يُعْقِبُ ضَرَرًا.
وَلا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ لِلصَّلاةِ إِلَّا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ فَلَوْ تَيَمَّمَ لِلظُّهْرِ قَبْلَ الزَّوَالِ لَمْ يَصِحَّ تَيَمُّمُهُ، وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ سَلِسَ الْبَولِ لا يَصِحُّ لَهُ تَقْدِيمُ طَهَارَتِهِ عَلَى الْوَقْتِ وَالسَّلِسُ الْمَقْصُودُ بِهِ هُوَ الَّذِي يَظَلُّ الْبَوْلُ يَنِزُّ مِنْهُ وَيَأْكُلُ عَلَيْهِ أَكْثَرَ الْوَقْتِ بِحَيْثُ لا يَجِدُ مِنَ الْوَقْتِ قَدْرًا يَتَطَهَّرُ فِيهِ وَيُصَلِّي سَالِمًا مِنْ نُزُولِ الْبَوْلِ، وَمِثْلُهُ مَنْ كَانَ يَشْكُو سَلَسَ الرِّيحِ.
وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ إِنْ كَانَتْ بِبَدَنِهِ فَلَوْ تَيَمَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ، فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِسَبَبِ فَقْدِ الْمَاءِ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي عَلَى حَالِهِ.
وَأَمَّا النَّجَاسَةُ الَّتِي يُعْفَى عَنْهَا فَيَصِحُّ التَّيَمُّمُ مَعَ وُجُودِهَا كَالدَّمِ الَّذِي يُرَى مِنْ دُمَّلَةٍ أَوْ جُرْحٍ فَهَذَا لا يُؤَثِّرُ بَلْ يَتَيَمَّمُ مَعَ وُجُودِهِ دُونَ أَنْ يَغْسِلَهُ، وَكَذَلِكَ إِذَا مَشَى فِي طِينِ الشَّارِعِ الْمُتَنَجِّسِ بِلا حِذَاءٍ وَلَمْ يَغْسِلْ رِجْلَهُ مِنَ الْمَاءِ الْمُتَنَجِّسِ أَوِ الطِّينِ الْمُتَنَجِّسِ فَتَيَمَّمَ يَكْفِي.
وَأَمَّا مَعْرِفَةُ الْقِبْلَةِ لِلصَّلاةِ قَبْلَ التَّيَمُّمِ فَهِيَ مَسْأَلَةٌ خِلافِيَّةٌ اشْتَرَطَ ذَلِكَ بَعْضٌ وَلَمْ يَشْتَرِطْهُ بَعْضٌ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لا يُشْتَرَطُ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: بِتُرَابٍ خَالِصٍ طَهُورٍ لَهُ غُبَارٌ.
الشَّرْحُ أَنَّ التَّيَمُّمَ لا يَصِحُّ إِلَّا بِالتُّرَابِ الَّذِي لَهُ غُبَارٌ، فَالرَّمْلُ لا يَصْلُحُ لِلتَّيَمُّمِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ [الْمَقْصُودُ الرَّمْلُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ غُبَارٌ أَمَّا الرَّمْلُ الَّذِي لَهُ غُبَارٌ فَيَصِحُّ التَّيَمُّمُ بِهِ]، أَمَّا فِي الْمَذَاهِبِ الثَّلاثَةِ الأُخْرَى فَيَصِحُّ التَّيَمُّمُ بِهِ. فَلا يُجْزِئُ الْحَجَرُ وَيُجْزِئُ عِنْدَ الأَئِمَّةِ الثَّلاثَةِ وَلا يُشْتَرَطُ نَوْعٌ خَاصٌّ مِنَ الْحِجَارَةِ وَلا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْحَجَرُ جَافًّا فَلَوْ كَانَ مَبْلُولًا صَحَّ التَّيَمُّمُ بِهِ عِنْدَهُمْ وَفِي ذَلِكَ تَيْسِيرٌ وَفُسْحَةٌ فَيَجُوزُ لِلشَّافِعِيِّ أَنْ يُقَلِّدَ فِي ذَلِكَ غَيْرَ الشَّافِعِيِّ.
وَالأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [سُورَةَ الْمَائِدَة/6] فَسَّرَهَا الشَّافِعِيُّ بِالتُّرَابِ الطَّاهِرِ الطَّهُورِ وَفَسَّرَ الأَئِمَّةُ الثَّلاثَةُ الصَّعِيدَ بِوَجْهِ الأَرْضِ وَوَجْهُ الأَرْضِ يَشْمَلُ التُّرَابَ وَالْحَجَرَ، وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ فِي تَفْسِيرِ الصَّعِيدِ بِالتُّرَابِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَتُرْبَتُهَا طَهُورًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ [فِي صَحِيحِهِ].
وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ التُّرَابُ خَالِصًا مِنْ نَحْوِ الرَّمَادِ، وَأَنْ يَكُونَ طَهُورًا لا مُتَنَجِّسًا بِنَحْوِ بَوْلٍ وَلا مُسْتَعْمَلًا فِي تَيَمُّمٍ بِأَنْ يَكُونَ تَنَاثَرَ مِنَ الْعُضْوِ عِنْدَ التَّيَمُّمِ فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ اسْتُعْمِلَ لِلتَّيَمُّمِ بِأَنْ تَنَاثَرَ مِنَ الْوَجْهِ مَثَلًا فَهُوَ غَيْرُ صَالِحٍ لِلتَّيَمُّمِ مَرَّةً ثَانِيَةً.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: فِي الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ يُرَتِّبُهُمَا بِضَرْبَتَيْنِ بِنِيَّةِ اسْتِبَاحَةِ فَرْضِ الصَّلاةِ.
الشَّرْحُ مَحَلُّ التَّيَمُّمِ الْوَجْهُ وَالْيَدَانِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ كَالْوُضُوءِ، يُقَدِّمُ مَسْحَ الْوَجْهِ وُجُوبًا عَلَى مَسْحِ الْيَدَيْنِ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ النَّقْلُ بِنِيَّةِ اسْتِبَاحَةِ فَرْضِ الصَّلاةِ، وَالنَّقْلُ مَعْنَاهُ تَحْوِيلُ التُّرَابِ إِلَى الْوَجْهِ، فَإِذَا نَوَى ذَلِكَ اسْتَبَاحَ الصَّلاةَ الْمَكْتُوبَةَ وَالْمَنْذُورَةَ وَصَلاةَ الْجِنَازَةِ. وَالنَّقْلُ يَكُونُ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً لِلْوَجْهِ وَمَرَّةً لِلْيَدَيْنِ، وَيَصِحُّ وَلَوْ بِخِرْقَةٍ فَلَوْ وَضَعَ الْخِرْقَةَ عَلَى التُّرَابِ الَّذِي لَهُ غُبَارٌ وَلَمْ يَمَسَّ التُّرَابَ بِيَدِهِ ثُمَّ وَضَعَهُ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ ضَرَبَ ثَانِيَةً وَأَمَرَّهُ عَلَى يَدَيْهِ كَفَى.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَعَ النَّقْلِ وَمَسْحِ أَوَّلِ الْوَجْهِ.
الشَّرْحُ أَنَّهُ لا بُدَّ مِنْ أَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ مُقْتَرِنَةً بِالنَّقْلِ أَيْ تَحْوِيلِهِ مِنَ الأَرْضِ أَوْ نَحْوِهَا كَالْهَوَاءِ إِلَى الْعُضْوِ الْمَمْسُوحِ، وَأَنْ تُسْتَدَامَ هَذِهِ النِّيَّةُ إِلَى مَسْحِ أَوَّلِ جُزْءٍ مِنَ الْوَجْهِ فَلَوِ انْقَطَعَتْ قَبْلَهُ بَطَلَتْ، وَهَذِهِ الْمَسْئَلَةُ فِيهَا خِلافٌ فَلَوِ انْقَطَعَتِ النِّيَّةُ بَيْنَ النَّقْلِ وَالْمَسْحِ لَمْ يَضُرَّ عِنْدَ بَعْضِهِمْ.
فَلَوْ سَفَتِ الرِّيحُ التُّرَابَ فَاسْتَقْبَلَهُ بِكَفَّيْهِ ثُمَّ نَوَى وَاسْتَمَرَّتْ هَذِهِ النِّيَّةُ إِلَى وَضْعِهِ عَلَى الْوَجْهِ صَحَّتْ هَذِهِ النِّيَّةُ.
حَاشِيَةٌ: التُّرَابُ الطَّهُورُ فِي الْمُدُنِ قَدْ لا يَتَيَسَّرُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُوضَعَ فِي الْبَيْتِ حَجَرٌ يُمْسَحُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْعُذْرِ عَلَى تَقْدِيرِ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ حَيْثُ إِنَّ الْحَجَرَ يَقُومُ مَقَامَ التُّرَابِ عِنْدَهُمَا، وَقَدْ يَسْتَصْعِبُ الإِنْسَانُ الْخُرُوجَ إِلَى حَيْثُ يُوجَدُ التُّرَابُ مِنْ أَجْلِ الْبَرْدِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَيَعْدِلُ إِلَى تَقْلِيدِ أَحَدِ الْمَذَاهِبِ الأُخْرَى.
وَمِنْ أَحْكَامِ التَّيَمُّمِ أَنَّ مَنْ تَيَمَّمَ لِفَقْدِ الْمَاءِ فِي مَوْضِعٍ يَغْلِبُ فِيهِ وُجُودُ الْمَاءِ يَجِبُ عَلَيْهِ إِعَادَةُ الصَّلاةِ، وَمِنْهَا أَنَّهُ إِنْ كَانَتِ الْجَبِيرَةُ عَلَى عُضْوِ التَّيَمُّمِ تَجِبُ إِعَادَةُ الصَّلاةِ بَعْدَ إِزَالَتِهَا، وَمِنْهَا أَنَّهُ إِنْ كَانَتِ الْجَبِيرَةُ عَلَى عُضْوِ الْوُضُوءِ غَيْرِ عُضْوَيِ التَّيَمُّمِ فَإِنْ كَانَ وَضَعَهَا عَلَى طَهَارَةٍ فَلا إِعَادَةَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَضَعْهَا عَلَى طَهَارَةٍ يُعِيدُ الصَّلاةَ، وَمِنْهَا أَنَّهُ لَوْ أَجْنَبَ الشَّخْصُ وَكَانَ يَضُرُّهُ الْمَاءُ وَلَكِنَّهُ يَسْتَطِيعُ غَسْلَ مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ يَتَيَمَّمُ مَرَّةً وَاحِدَةً وَيَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي وَيَتَيَمَّمُ بَعْدَ ذَلِكَ لِكُلِّ فَرِيضَةٍ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَصْلٌ: وَمَنِ انْتَقَضَ وُضُوؤُهُ حَرُمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالطَّوَافُ وَحَمْلُ الْمُصْحَفِ وَمَسُّهُ وَيُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ الصَّبِيُّ لِلدِّرَاسَةِ.
الشَّرْحُ أَنَّ الْحَدَثَ الأَصْغَرَ يُحَرِّمُ الصَّلاةَ وَلَوْ صَلاةَ جِنَازَةٍ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ فَاقِدُ الطَّهُورَيْنِ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ فَإِنَّهُ لا تَحْرُمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ بَلْ تَجِبُ عَلَى قَوْلٍ وَتَسْقُطُ عَنْهُ عَلَى قَوْلٍ إِلَى أَنْ يَجِدَ أَحَدَ الطَّهُورَيْنِ.
وَيُحَرِّمُ الْحَدَثُ أَيْضًا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ إِنْ كَانَ طَوَافَ الْفَرْضِ أَوْ طَوَافَ التَّطَوُّعِ لِأَنَّ الطَّوَافَ بِمَنْزِلَةِ الصَّلاةِ إِلَّا أَنَّهُ يَحِلُّ فِيهِ كَلامُ النَّاسِ.
وَيُحَرِّمُ أَيْضًا حَمْلَ الْمُصْحَفِ وَكَذَلِكَ مَا كُتِبَ لِلدِّرَاسَةِ وَلا يُحَرِّمُ مَا كُتِبَ لِحِرْزٍ وَمَا يُعَلَّقُ عَلَى الْجُدْرَانِ مِنَ الْقِطَعِ لِلتَّبَرُّكِ مِثْلُ الْحِرْزِ الَّذِي يُعَلَّقُ عَلَى الصَّدْرِ وَنَحْوِهِ.
وَكَذَلِكَ يُحَرِّمُ الْحَدَثُ مَسَّ الْمُصْحَفِ أَيْ وَرَقِهِ وَجِلْدِهِ الْمُتَّصِلِ بِهِ وَحَوَاشِيهِ إِلَّا لِضَرُورَةٍ كَخَوْفِ تَنَجُّسِهِ أَوْ ضَيَاعِهِ مَعَ عَجْزِ الْمَاسِّ عَنِ الطَّهَارَةِ أَوِ اسْتِيدَاعِ مُسْلِمٍ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الصَّبِيُّ فَإِنَّهُ يُمَكَّنُ مِنْ مَسِّهِ وَحَمْلِهِ مَعَ الْحَدَثِ لِغَرَضِ الدِّرَاسَةِ وَالتَّعَلُّمِ فِيهِ لِمَشَقَّةِ دَوَامِ طُهْرِهِ لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الصَّبِيُّ مُمَيِّزًا فَلا يُمَكَّنُ غَيْرُ الْمُمَيِّزِ، فَلا يَحِلُّ حَمْلُ الْخَادِمِ الصَّغِيرِ الْمُصْحَفَ لِسَيِّدِهِ [أَيْ لا يَحِلُّ لِلسَّيِّدِ تَمْكِينُهُ مِنْ ذَلِكَ أَمَّا هُوَ فَلَيْسَ مُكَلَّفًا] لِأَنَّ الطِّفْلَ الْمُمَيِّزَ يَحْمِلُ الْمُصْحَفَ لِحَاجَةِ تَعَلُّمِهِ لِنَفْسِهِ أَمَّا لِغَيْرِهِ فَلا يَحْمِلُ.
وَأَمَّا حَمْلُ تَفْسِيرِ الْقُرْءَانِ فَإِنْ كَانَ التَّفْسِيرُ مَمْزُوجًا بِالْقُرْءَانِ وَلَمْ تَزِدْ حُرُوفُ الْقُرْءَانِ عَلَى حُرُوفِ التَّفْسِيرِ بَلْ حُرُوفُ التَّفْسِيرِ أَكْثَرُ فَيَجُوزُ لِلْحَائِضِ وَالْجُنُبِ حَمْلُهُ، وَكَذَلِكَ الْكِتَابُ الَّذِي فِيهِ ءَايَاتٌ وَأَحَادِيثُ يُسْتَشْهَدُ بِهَا يَجُوزُ حَمْلُهُ، وَكَذَلِكَ يَجُوزُ حَمْلُ الْحِرْزِ الَّذِي فِيهِ ثَلاثُ سُوَرٍ أَوْ أَرْبَعٌ أَوْ ءَايَةُ الْكُرْسِيِّ مَثَلًا. وَيَجُوزُ أَنْ يُدْخَلَ بِهِ إِلَى بَيْتِ الْخَلاءِ وَلَكِنْ يُكْرَهُ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْحِرْزُ مُشَمَّعًا مَثَلًا فَلا كَرَاهَةَ عِنْدَئِذٍ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَيَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ هَذِهِ وَقِرَاءَةُ الْقُرْءَانِ وَالْمُكْثُ فِي الْمَسْجِدِ.
الشَّرْحُ الْجُنُبُ يَزِيدُ عَلَى الْمُحْدِثِ حُرْمَةَ قِرَاءَةِ الْقُرْءَانِ وَلَوْ حَرْفًا مِنْهُ بِقَصْدِ الْقِرَاءَةِ وَحْدَهَا أَوْ مَعَ غَيْرِهَا، فَإِنْ قَصَدَ الذِّكْرَ جَازَ لَهُ بِنَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [سُورَةَ الزُّخْرُف/13]، أَمَّا إِنْ قَصَدَ الِاحْتِجَاجَ بِآيَةٍ عَلَى مَسْئَلَةٍ فِي أَثْنَاءِ دَرْسٍ أَوْ مُنَاظَرَةٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ، وَيَجُوزُ قِرَاءَةُ الْقُرْءَانِ كُلِّهِ عَلَى الْقَدِيمِ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ رَجَّحَهُ عَلَى الْقَوْلِ الْجَدِيدِ فَمَنْ عَمِلَ بِهِ فَلا حَرَجَ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا كَمَا رَوَى ذَلِكَ الْبُخَارِيُّ [فِي صَحِيحِهِ] وَلَهُ أَجْرٌ بِالْقِرَاءَةِ عِنْدَهُ.
وَيَزِيدُ أَيْضًا حُرْمَةَ الْمُكْثِ فِي الْمَسْجِدِ أَوِ التَّرَدُّدِ فِيهِ، رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَنِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ «إِنِّي لا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلا جُنُبٍ»، وَهُوَ حَدِيثٌ ثَابِتٌ، وَيُخَصُّ مِنْ ذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْمُكْثُ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ الْجَنَابَةِ وَوَرَدَ فِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ حَدِيثٌ فِيهِ اسْتِثْنَاؤُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ وَهُوَ حَدِيثٌ مُخْتَلَفٌ فِي ثُبُوتِهِ وَالأَكْثَرُونَ لَمْ يُثْبِتُوهُ. وَيُسْتَثْنَى الْكَافِرُ الْجُنُبُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ مُكْثُهُ فِي الْمَسْجِدِ جُنُبًا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ دُخُولُهُ لِمَصْلَحَةٍ بِإِذْنِ مُسْلِمٍ.
فَائِدَةٌ الْمَذْهَبُ الْقَدِيمُ الَّذِي قَالَهُ الشَّافِعِيُّ لَمَّا كَانَ فِي الْعِرَاقِ، بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ رَجَّحَ بَعْضَ مَا فِيهِ عَلَى الْجَدِيدِ لَكِنَّ هَذَا نَادِرٌ جِدًّا، ذَاكَ كَانَ بِاجْتِهَادٍ مُعْتَبَرٍ وَالْجَدِيدُ كَذَلِكَ كَانَ بِاجْتِهَادٍ مُعْتَبَرٍ لَكِنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ: لا ءَاذَنُ بِأَنْ يُنْسَبَ إِلَيَّ الْقَدِيمُ، وَمَعَ هَذَا رَجَّحَ أَصْحَابُهُ نَحْوَ سَبْعَ عَشْرَةَ مَسْئَلَةً قَالَهَا الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ عَلَى مَا قَالَهُ فِي الْجَدِيدِ اعْتِمَادًا عَلَى مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ «إِذَا صَحَّ الْحَدِيثُ فَهُوَ مَذْهَبِي»، هَؤُلاءِ الَّذِينَ رَجَّحُوا الْقَدِيمَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَجَدُوا الْقَدِيمَ مُوَافِقًا لِلْحَدِيثِ الَّذِي صَحَّ عِنْدَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ ظَهَرَ لِلشَّافِعِيِّ صِحَّتُهُ فَرَجَّحُوا الْقَدِيـمَ عَمَلًا بِقَوْلِهِ هَذَا،
وَكَانَ كُلٌّ عَنِ اجْتِهَادٍ أَيِ الْقَدِيمُ وَالْجَدِيدُ لِأَنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ مُسْتَكْمِلًا لِشُرُوطِ الِاجْتِهَادِ قَبْلَ أَنْ يَبْدَأَ بِالْقَدِيمِ، أَمَّا هَذَانِ اللَّذَانِ ظَهَرَا فِي هَذَا الزَّمَنِ سَيِّد سَابِق وَالْقَرَضَاوِيُّ الْمِصْرِيَّانِ فَإِنَّهُمَا تَعَدَّيَا طَوْرَيْهِمَا وَادَّعَيَا مَا لَيْسَ لَهُمَا فَشَبَّهَا أَنْفُسَهُمَا بِالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ، فَقَالَ سَيِّد سَابِق أَنَا أَقُولُ قَوْلًا ثُمَّ أَقُولُ خِلافَهُ كَمَا كَانَ الشَّافِعِيُّ لَهُ مَذْهَبٌ قَدِيمٌ وَمَذْهَبٌ جَدِيدٌ وَالثَّانِي يَتَصَرَّفُ عَلَى نَحْوِ هَذَا، وَكِلاهُمَا مِنْ أَبْعَدِ النَّاسِ مِنْ شُرُوطِ الِاجْتِهَادِ فَإِنَّهُمَا لا يُمَيِّزَانِ بَيْنَ كَلامِ صَحَابِيٍّ أَوْ تَابِعِيٍّ وَبَيْنَ حَدِيثِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
فَهُمَا وَأَمْثَالُهُمَا مِنْ أَبْعَدِ النَّاسِ عَنْ مَرْتَبَةِ الِاجْتِهَادِ الْقَرَضَاوِيُّ افْتَرَى عَلَى الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنَّهُ قَالَ مَنْ ءَاذَى ذِمِيًّا فَأَنَا خَصْمُهُ اهـ وَهَذَا لا يُرْوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، قَالَ الْقَرَضَاوِيُّ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى الْحَلالُ وَالْحَرَامُ، وَالآخَرُ جَعَلَ هَذَا الْكَلامَ الْمَشْهُورَ السَّاكِتُ عَنِ الْحَقِّ شَيْطَانٌ أَخْرَسُ حَدِيثًا وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلامِ أَبِي عَلِيٍّ الدَّقَاقِ مِنْ كِبَارِ الصُّوفِيَّةِ.
ثُمَّ ذَاكَ سَيِّد سَابِق مِنْ شِدَّةِ جَهْلِهِ اسْتَدَلَّ لِقَوْلِهِ إِنَّ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِكَلِمَاتِ الْكُفْرِ لا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْكُفْرِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ شَارِحًا صَدْرَهُ وَنَاوِيًا وَمُعْتَقِدًا وَقَاصِدًا الْخُرُوجَ مِنَ الإِسْلامِ إِلَى غَيْرِهِ بِحَدِيثِ «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَلَمْ يَدْرِ أَنَّ الْحَدِيثَ وَارِدٌ فِي الأَعْمَالِ الْحَسَنَةِ كَالصَّلاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَالزَّكَاةِ فَإِنَّ هَذِهِ الأَعْمَالَ لا تَصِحُّ إِلَّا بِالنِّيَّةِ أَمَّا خُلُوصُ النِّيَّةِ لَيْسَ شَرْطاً لِلصِّحَّةِ إِنَّمَا هُوَ لِلْخَلاصِ مِنْ مَعْصِيَةِ الرِّيَاءِ.
وَسَبَبُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رَجُلًا أَرَادَ الْهِجْرَةَ حِينَ كَانَتِ الْهِجْرَةُ وَاجِبَةً إِلَى الْمَدِينَةِ وَنِيَّتُهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ لَمْ تَكُنْ نِيَّتُهُ الْقِيَامَ بِمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْخُرُوجِ مِنْ بِلادِهِمْ إِلَى الْمَدِينَةِ لِيُؤَازِرُوا الرَّسُولَ حَتَّى تَقْوَى الدَّعْوَةُ بِكَثْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ فَلِذَلِكَ قَالَ الرَّسُولُ «فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» وَأَيْنَ هَذَا مِنَ النُّطْقِ بِكَلِمَاتِ الْكُفْرِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ،
هَذَا سَيِّد سَابِق يُوهِمُ مَنْ طَالَعَ كِتَابَهُ فِقْهَ السُّنَّةِ أَنَّهُ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ الْجَامِعِينَ بَيْنَ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَلَيْسَ لَهُ حَظٌّ مِنَ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ إِنَّمَا يَعْتَمِدُ عَلَى كِتَابٍ لِلشَّوْكَانِيِّ يَنْقُلُ عِبَارَتَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْسُبَهَا إِلَيْهِ فَيُوهِمُ مَنْ يُطَالِعُ كِتَابَهُ أَنَّهُ عَلَى اطِّلاعٍ وَاسِعٍ فِي الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ، وَكِتَابُ الشَّوْكَانِيِّ هَذَا يُسَمَّى نَيْلَ الأَوْطَارِ وَالشَّوْكَانِيُّ إِنَّمَا اعْتَمَدَ عَلَى كِتَابِ التَّلْخِيصِ الْحَبِيرِ لِابْنِ حَجَرٍ.
وَهَذَانِ الرَّجُلانِ سَيِّد سَابِق وَالْقَرَضَاوِيُّ يَحْرُمُ اسْتِفْتَاؤُهُمَا لِأَنَّهُمَا لَيْسَا فِي دَرَجَةِ الْمُجْتَهِدِ وَلا فِي دَرَجَةِ الْمُفْتِي لِأَنَّ الْمُفْتِيَ شَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ حَافِظًا لِمَسَائِلِ مَذْهَبٍ مِنْ مَذَاهِبِ الأَئِمَّةِ فَمَنْ بَلَغَ هَذِهِ الْمَرْتَبَةَ يَجُوزُ اسْتِفْتَاؤُهُ وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ مَعَ وُجُودِ صِفَةِ الْعَدَالَةِ فِيهِ وَإِلَّا حَرُمَ عَلَيْهِ أَنْ يُفْتِيَ وَحَرَامٌ عَلَى مَنْ عَلِمَ حَالَهُ أَنْ يَسْتَفْتِيَهُ، هَذَا شَرْطُ الإِفْتِاءِ وَالِاسْتِفْتَاءِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَعَلَى الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ هَذِهِ وَالصَّوْمُ قَبْلَ الِانْقِطَاعِ وَتَمْكِينُ الزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ بِمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ قَبْلَ الْغُسْلِ وَقِيلَ لا يَحْرُمُ إِلَّا الْجِمَاعُ.
الشَّرْحُ الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ يَحْرُم عَلَيْهِمَا مَا يَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ وَتَزِيدَانِ تَحْرِيْمَ الصَّوْمِ قَبْلَ الِانْقِطَاعِ أَمَّا بَعْدَ الِانْقِطَاعِ فَيَحِلُّ لَهُمَا وَلَوْ قَبْلَ الْغُسْلِ، وَتَزِيدَانِ تَحْرِيْمَ تَمْكِينِ الزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ أَيْ سَيِّدِ الأَمَةِ الْمَمْلُوكَةِ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ بِمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ بِلا حَائِلٍ أَمَّا بِحَائِلٍ فَيَجُوزُ، وَيُسَمَّى هَذَا مُبَاشَرَةً أَيْضًا، وَالْمُبَاشَرَةُ تَكُونُ بِحَائِلٍ وَبِدُونِ حَائِلٍ فَالَّتِي تَكُونُ بِحَائِلٍ لا تَحْرُمُ فِي هَذِهِ الْحَالِ، وَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَاشَرَهَا وَهِيَ حَائِضٌ الْمُرَادُ بِهِ مَسُّ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ فَوْقَ الْحَائِلِ وَلَيْسَ الْمَعْنَى مَا ظَنَّهُ بَعْضٌ مِنْ أَنَّ مَعْنَاهُ الْجِمَاعُ أَوْ إِلْصَاقُ الْجِسْمِ بِلا حَائِلٍ،
وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَجُوزُ لَهَا تَمْكِينُهُ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا الْجِمَاعَ فَلا يَجُوزُ لَهَا تَمْكِينُهُ مِنْهُ إِلَّا بَعْدَ الْغُسْلِ وَهَذَا الْقَوْلُ يَسْتَنِدُ إِلَى حَدِيثِ مُسْلِمٍ [فِي صَحِيحِهِ] «اصْنَعُوا كُلَّ شَىْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ»، وَتَحْرِيْمُ جِمَاعِ الْحَائِضِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ.
وَأَمَّا الْمُرُورُ فِي الْمَسْجِدِ كَأَنْ كَانَ لِلْمَسْجِدِ بَابَانِ يُدْخَلُ مِنْ أَحَدِهِمَا وَيُخْرَجُ مِنَ الآخَرِ مِنْ دُونِ تَوَقُّفٍ وَلا تَرَدُّدٍ فَيَجُوزُ إِلَّا أَنْ تَخَافَا تَلْوِيثَهُ بِالدَّمِ، فَإِنْ أَمِنَتَا التَّلْوِيثَ كُرِهَ الْمُرُورُ.
تَنْبِيهٌ: إِنَّ مِمَّا يَحْرُمُ أَنْ يُطَلِّقَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ وَهِيَ فِي حَالِ الْحَيْضِ أَوِ النِّفَاسِ [وَيَقَعُ الطَّلاقُ].
فائدة قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي الأَوْسَطِ مَا نَصُّهُ:
«بَابُ ذِكْرِ مَسِّ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ الْمُصْحَفَ وَالدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ.
اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مَسِّ الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ الْمُصْحَفَ فَكَرِهَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ ذَلِكَ مِنْهُمْ ابْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعْدٍ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بنُ عُثْمَانَ أَخْبَرَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ
قَالَ أَبُو بَكْرٍ - يَعْنِي ابْنَ الْمُنْذِرِ - أَعْلَى مَا احْتَجَّ بِهِ مَنْ كَرِهَ أَنْ يَمَسَّ الْمُصْحَفَ غَيْرُ الطَّاهِرِ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، وَحَدِيثُ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ فِي كِتَابِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ لِعَمْرٍو «لا يُمَسُّ الْقُرْءَانُ إِلَّا عَلَى طُهُورٍ» [أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ].
وَرَخَّصَ بَعْضُ مَنْ كَانَ فِي عَصْرِنَا [وَيَعْنِي بِذَلِكَ الْبَعْضِ بَعْضَ الْمُجْتَهِدِينَ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ لا يَعْتَدُّ بِقَوْلِ مُقَلِّدٍ إِلَّا الْمُجْتَهِدَ] لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ فِي مَسِّ الْمُصْحَفِ وَلُبْسِ التَّعْوِيذِ [وَهُوَ الْحِرْزُ أَيْ مَا فِيهِ الْمُعَوِّذَتَانِ وَشِبْهُهُمَا مِمَّا يُعَلَّقُ لِلْحِفْظِ] وَمَسِّ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، وَقَالَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ الْمَلائِكَةُ، كَذَلِكَ قَالَ أَنَسٌ وَابْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ. انْتَهَى، وَهَؤُلاءِ الْمَذْكُورُونَ كُلٌّ مِنْهُمْ مُجْتَهِدٌ كَالأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَأَكْثَرُهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ.
رَوَى التِّرْمِذِيُّ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يُعَلِّقُونَ عَلَى أَطْفَالِهِمُ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا شَيْئًا يُكْتَبُ وَهُوَ «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ وَمِنْ شَرِّ عِبَادِهِ وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَنْ يَحْضُرُونَ»، يُعَلِّقُونَهُ عَلَى صُدُورِ الأَطْفَالِ، أَمَّا الْبَالِغُ فَيُعَلِّمُونَهُ حَتَّى يَقُولَهُ أَمَّا عِنْدَ الْوَهَّابِيَّةِ فَهَذَا يَعْتَبِرُونَهُ شِرْكًا، مُجَرَّدُ تَعْلِيقِ الْحِرْزِ يَعْتَبِرُونَهُ كُفْرًا، فِي الْمَدِينَةِ إِذَا رَأَى الْحَرَسُ الَّذِي عِنْدَ الْقَبْرِ الشَّرِيفِ الْحِرْزَ عَلَى صَدْرِ شَخْصٍ يُحَاوِلُونَ قَطْعَهُ وَيَقُولُونَ شِرْكٌ لِأَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّ التَّمَائِمَ الَّتِي نَهَى عَنْهَا الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هِيَ هَذِهِ الَّتِي يُعَلِّقُهَا الْمُسْلِمُونَ عَلَى صُدُورِهِمْ،
وَلَيْسَتْ هَذِهِ تِلْكَ التَّمَائِمَ إِنَّمَا تِلْكَ خَرَزَاتٌ يُعَلِّقُهَا الْمُشْرِكُونَ عَلَى صُدُورِهِمْ، تِلْكَ سَمَّاهَا الرَّسُولُ شِرْكًا وَلَيْسَ الْقُرْءَانَ وَذِكْرَ اللَّهِ لِأَنَّ تِلْكَ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهَا تَحْفَظُ الشَّخْصَ بِدُونِ مَشِيئَةِ اللَّهِ. فَإِنْ قَالَتِ الْوَهَّابِيَّةُ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنِ الرُّقَى وَالتَّمَائِمِ وَالتِّوَلَةِ، فَقُولُوا لَهُمْ هُنَاكَ حَدِيثٌ ءَاخَرُ صَحِيحٌ وَهُوَ «نَهَى عَنِ الرُّقَى وَالتَّمَائِمِ إِلَّا بِالْمُعَوِّذَاتِ» رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ.
هَذَا وَقَدْ ثَبَتَ وَاشْتَهَرَ أَنَّ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ كَتَبَ لِتِلْمِيذِهِ أَبِي بَكْرٍ الْمَرْوَرُّوذِيِّ لَمَّا حُمَّ رُقْعَةً كَتَبَ فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ وَبِاللَّهِ وَمُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [سُورَةَ الأَنْبِيَاء/69] الآيَةَ لِيَسْتَشْفِيَ بِهَا مِنَ الْحُمَّى. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي ذِكْرِ حُجَّةِ مَنْ أَجَازَ مَسَّ الْمُصْحَفِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ: «وَقَوْلُهُ ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ خَبَرٌ بِضَمِّ السِّينِ وَلَوْ كَانَ نَهْيًا لَقَالَ لا يَمَسَّهُ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحُذَيْفَةَ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ أَنَّهُ قَالَ «الْمُؤْمِنُ لا يَنْجُسُ» [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ] وَالأَكْثَرُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى الْقَوْلِ الأَوَّلِ. وَقَدْ رَوَيْنَا عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ بَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ إِلَّا رِجْلَيْهِ ثُمَّ أَخَذَ الْمُصْحَفَ.
وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ أَنَّهُمَا كَانَا لا يَرَيَانِ بَأْسًا أَنْ تُمَسَّ الدَّرَاهِمُ [أَيِ الَّتِي فِيهَا شَىْءٌ مِنَ الْقُرْءَانِ] عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ يَقُولانِ بِحِلِّ ذَلِكَ، وَاحْتَجَّتْ هَذِهِ الْفِرْقَةُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ لِعَائِشَةَ «أَعْطِينِي الْخُمْرَةَ» [الْخُمْرَةُ بِضَمِّ الْخَاءِ هِيَ السَّجَّادَةُ يَسْجُدُ عَلَيْهَا الْمُصَلِّي] قَالَتْ إِنِّي حَائِضٌ، قَالَ «إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ» [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ] وَبِقَوْلِ عَائِشَةَ «كُنْتُ أَغْسِلُ رَأْسَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ وَأَنَا حَائِضٌ» [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ].
قَالَ فَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَائِضَ لا تُنَجِّسُ مَا تَمَسُّ إِذْ لَيْسَ جَمِيعُ بَدَنِهَا بِنَجِسٍ وَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّ بَدَنَهَا غَيْرُ نَجِسٍ إِلَّا الْفَرْجَ ثَبَتَ أَنَّ التَّنَجُّسَ فِي الْفَرْجِ بِكَوْنِ الدَّمِ فِيهِ وَسَائِرُ الْبَدَنِ طَاهِرٌ» اهـ.
ثُمَّ قَالَ مَا نَصُّهُ [الأَوْسَط]:
«ذِكْرُ دُخُولِ الْجُنُبِ الْمَسْجِدَ
اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي دُخُولِ الْجُنُبِ الْمَسْجِدَ فَكَرِهَتْ - أَيْ حَرَّمَتْ - طَائِفَةٌ ذَلِكَ وَرَخَّصَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَمُرَّ فِي الْمَسْجِدِ.
فَمِمَّنْ رَخَّصَ لِلْجُنُبِ أَنْ يَمُرَّ فِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنُ وَابْنُ جُبَيْرٍ وَقَالَ جَابِرٌ: «كَانَ أَحَدُنَا يَمُرُّ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ جُنُبٌ».
حَدَّثَنَا عَلِيٌّ أَخْبَرَنَا حَجَّاجٌ أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «كَانَ أَحَدُنَا يَمُرُّ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ جُنُبٌ».
حَدَّثَنَا عَلِيٌّ أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ عَنْ زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [سُورَةَ النِّسَاء/43] [هذا الهامش ما قرأ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُوا﴾ [سُورَةَ النِّسَاء/43] أَيْ لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ سُكَارَى وَلا جُنُبًا أَيْ وَلا تُصَلُّوا جُنُبًا غَيْرَ عَابِرِي سَبِيلٍ أَيْ جُنُبًا مُقِيمِينَ غَيْرَ مُسَافِرِينَ أَيْ لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ غَيْرُ مُغْتَسِلِينَ حَتَّى تَغْتَسِلُوا إِلَّا أَنْ تَكُونُوا مُسَافِرِينَ عَادمين الماء مُتَيَمِمِينَ،
عَبَّرَ عَنِ الْمُتَيَمِّمِ بِالْمُسَافِرِ لِأَنَّ غَالِبَ حَالِهِ عَدَمُ الْمَاءِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ» أَيْ مَوَاضِعَ الصَّلاةِ وَهِيَ الْمَسَاجِدُ «وَلا جُنُبًا» أَيْ وَلا تَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ إِلَّا مُجْتَازِينَ فِيهِ] قَالَ: «إِلَّا وَأَنْتَ مَارٌّ فِيهِ».
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيْمِ الْجَزَرِيِّ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يُرَخِصُّ لِلْجُنُبِ أَنْ يَمُرَّ فِي الْمَسْجِدِ مُجْتَازًا وَلا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ ﴿وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾، وَقَالَ عَمْرُو بنُ دِينَارٍ «يَمُرُّ الْجُنُبُ فِي الْمَسْجِدِ»، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: «إِذَا لَمْ يَجِدْ طَرِيقًا غَيْرَهُ مَرَّ فِيهِ»، وَقَالَ مَالِكٌ: «لا يَدْخُلُ الْجُنُبُ الْمَسْجِدَ إِلَّا عَابِرَ سَبِيلٍ»، وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ الْحَسَنُ «تَمُرُّ الْحَائِضُ فِي الْمَسْجِدِ وَلا تَقْعُدُ فِيهِ»، وَقَالَ مَالِكٌ: «الْحَائِضُ لا تَدْخُلُ الْمَسْجِدَ».
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: «لا يَمُرُّ الْجُنُبُ فِي الْمَسْجِدِ إِلَّا أَنْ لا يَجِدَ بُدًّا فَيَتَيَمَّمُ وَيَمُرُّ فِيهِ»، وَكَذَا قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ بنُ رَاهَوَيْه. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ [كَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ] فِي الْجُنُبِ الْمُسَافِرِ يَمُرُّ عَلَى مَسْجِدٍ فِيهِ عَيْنُ مَاءٍ: «يَتَيَمَّمُ الصَّعِيدَ وَيَدْخُلُ الْمَسْجِدَ فَيَسْتَقِي ثُمَّ يُخْرِجُ الْمَاءَ مِنَ الْمَسْجِدِ».
وَرَخَّصَتْ طَائِفَةٌ لِلْجُنُبِ فِي دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَذَهَبَتْ إِلَى أَنَّ تَأْوِيلَ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ مُسَافِرِينَ لا يَجِدُونَ مَاءً فَيَتَيَمَّمُونَ. رُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَابْنِ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنِ بنِ مُسْلِمِ بنِ يَنَاقٍ وَقَتَادَةَ.
حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بنُ يَحْيَى أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ مُوسَى عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنِ الْمِنْهَالِ عَنْ زِرٍّ عَنْ عَلِيٍّ فِي قَوْلِهِ ﴿وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ قَالَ: «لا يَقْرَبُ الصَّلاةَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُسَافِرًا تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ فَيَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي حَتَّى يَجِدَ الْمَاءَ».
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ عَلِيٍّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بنُ شَبِيبٍ أَخْبَرَنَا يَزِيدُ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ لاحِقِ بنِ حُمَيْدٍ وَهُوَ أَبُو مِجْلَزٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَتَأَوَّلُهَا ﴿وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ يَقُولُ: «أَنْ لا يَقْرَبَ الصَّلاةَ وَهُوَ جُنُبٌ إِلَّا وَهُوَ مُسَافِرُ تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ فَيَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي حَتَّى يَجِدَ الْمَاءَ». وَقَالَ زَيْدُ بنُ أَسْلَمَ: «كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ يَمْشُونَ وَهُمْ جُنُبٌ فِي الْمَسْجِدِ». وَقَالَ أَحْمَدُ فِي الْجُنُبِ: «إِذَا تَوَضَّأَ لا بَأْسَ أَنْ يَجْلِسَ فِي الْمَسْجِدِ» وَكَذَلِكَ قَالَ إِسْحَاقُ» انْتَهَى كَلامُ ابْنِ الْمُنْذِرِ رَحِمَهُ اللَّهُ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (فَصْلٌ): وَمِنْ شُرُوطِ الصَّلاةِ الطَّهَارَةُ عَنِ النَّجَاسَةِ فِي الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ وَالْمَكَانِ وَالْمَحْمُولِ لَهُ (كَقِنِّينَةٍ يَحْمِلُهَا فِي جَيْبِهِ).
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ شُرُوطِ الصَّلاةِ الطَّهَارَةَ عَنِ النَّجَاسَةِ فِي الْبَدَنِ كَدَاخِلِ الْفَمِ وَالأَنْفِ وَالْعَيْنِ وَفِي الثَّوْبِ وَالْمَحْمُولِ لَهُ كَالشَّىْءِ الَّذِي يَحْمِلُهُ فِي جَيْبِهِ سَوَاءٌ كَانَ قِنِّينَةً أَوْ وَرَقَةً أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ يُشْتَرَطُ طَهَارَةُ الْمَكَانِ الَّذِي يُلاقِي بَدَنَهُ أَيْ يُمَاسُّ ذَلِكَ، فَلا تَضُرُّ الْمُحَاذَاةُ بِلا مُمَاسَّةٍ فَلَوْ كَانَ يُحَاذِي بِصَدْرِهِ نَجَاسَةً فَإِنَّ ذَلِكَ لا يَضُرُّ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَإِنْ لاقَاهُ نَجَسٌ أَوْ مَحْمُولَهُ بَطَلَتْ صَلاتُهُ إِلَّا أَنْ يُلْقِيَهُ حَالًا أَوْ يَكُونَ مَعْفُوًّا عَنْهُ كَدَمِ جُرْحِهِ.
الشَّرْحُ أَنَّ مَنْ طَرَأَ لَهُ فِي الصَّلاةِ نَجَسٌ لاقَاهُ أَوْ لاقَى ثَوْبَهُ أَوْ شَيْئًا يَحْمِلُهُ بَطَلَتْ صَلاتُهُ إِلَّا أَنْ يُلْقِيَهُ حَالًا كَأَنْ وَقَعَ عَلَى رِدَائِهِ فَأَلْقَى الرِّدَاءَ فَوْرًا أَوْ نَفَضَهُ وَكَانَ يَابِسًا بِغَيْرِ نَحْوِ كُمِّهِ فَإِنَّهُ لا يَضُرُّهُ أَمَّا لَوْ أَزَالَهُ بِكُمِّهِ يَكُونُ كَأَنَّهُ أَزَالَهُ بِيَدِهِ فَتَفْسُدُ بِذَلِكَ صَلاتُهُ. أَمَّا النَّجِسُ الرَّطْبُ الَّذِي أَصَابَ الْبَدَنَ أَوِ الثَّوْبَ الَّذِي لا يَتَمَكَّنُ مِنْ إِلْقَائِهِ فَوْرًا فَيَضُرُّهُ، وَكَذَلِكَ الْيَابِسُ إِنْ لَمْ يُلْقِهِ حَالًا أَفْسَدَ صَلاتَهُ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ مُلاقَاةِ النَّجِسِ أَيْ أَنْ يُصِيبَهُ نَجِسٌ وَهُوَ فِي الصَّلاةِ دَمُ جُرْحِهِ فَإِنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ أَيْ يُسَامَحُ فِيهِ وَلَوْ سَالَ وَلَوَّثَ الثَّوْبَ.
وَكَذَلِكَ يُعْفَى عَنِ الْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ وَهُوَ الدَّمُ الْمُخْتَلِطُ بِالْقَيْحِ أَوْ بِمَاءٍ مِنَ الْجُرْحِ وَنَحْوِهِ وَدَمِ نَحْوِ الدُّمَّلِ وَإِنْ عُصِرَ وَالْمَاءِ الْمُتَغَيِّرِ رِيْحُهُ الْخَارِجِ مِنَ الْجُرْحِ فَإِنَّهُ لا يَضُرُّ قَلِيلُهُ وَلا كَثِيرُهُ، وَكَذَلِكَ لا يَضُرُّ دَمُ الْبُرْغُوثِ وَالْقَمْلِ وَالْبَعُوضِ وَلَوْ كَثِيرًا وَدَمُ الِاسْتِحَاضَةِ وَدَمُ الْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ وَرَوْثُ الذُّبَابِ وَالْخُفَّاشِ وَسَلَسُ الْبَوْلِ فَإِنَّهُ يُعْفَى عَنْ قَلِيلِ ذَلِكَ وَكَثِيرِهِ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ فِي الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ، وَكَذَا دَمُ الْبُرْغُوثِ الَّذِي يَكُونُ بِمُصَلَّاهُ،
وَيُعْفَى أَيْضًا فِي الْمَكَانِ عَنْ رَوْثِ وَبَوْلِ الْخُفَّاشِ وَالذُّبَابِ، وَالْقَلِيلِ مِنْ دَمِ الأَجْنَبِيِّ فِي الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ، وَيُعْفَى عَنْ ذَلِكَ لَوْ خَالَطَهُ أَجْنَبِيٌّ مِنْ نَحْوِ مَاءِ الطُّهْرِ وَالشُّرْبِ وَالتَّنَظُّفِ وَالتَّبَرُّدِ وَالْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ حَالَ تعَاطِيهِ كَأَنْ كَانَ يَشْرَبُ الْحَلِيبَ مَثَلًا فَنَزَلَ مِنْهُ شَىْءٌ عَلَى هَذِهِ النَّجَاسَةِ الْمَعْفُوِ عَنْهَا وَنَحْوِ بَلَلِ رَأْسِهِ عِنْدَ حَلْقِهِ وَسَائِرِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فَلا تَضُرُّ مُخَالَطَةُ ذَلِكَ.
تَنْبِيهٌ دَمُ الْحِلاقَةِ فِي الرَّأْسِ يُعْفَى عَنْهُ عَنِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَلَكِنْ بِشَرْطِ عَدَمِ مُجَاوَزَةِ الْمَكَانِ الَّذِي يَغْلِبُ سَيَلانُ الدَّمِ إِلَيْهِ، بِمَعْنَى أَنَّ الْمَكَانَ الَّذِي وَصَلَ إِلَيْهِ الدَّمُ وَاسْتَقَرَّ فِيهِ إِذَا انْتَقَلَ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ لا يُعْفَى عَنِ الْكَثِيرِ إِلَّا الْقَلِيلِ، فَلَوْ لَمْ يَسْتَقِرَّ دَمُ نَحْوِ الرَّأْسِ إِلَّا بَعْدَ الْوُصُولِ إِلَى الْقَدَمِ عُفِيَ عَنْ كَثِيرِهِ وَقَلِيلِهِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَيَجِبُ إِزَالَةُ نَجِسٍ لا يُعْفَى عَنْهُ بِإِزَالَةِ الْعَيْنِ أَيْ جِرْمِهَا مِنْ طَعْمٍ وَلَوْنٍ وَرِيحٍ بِالْمَاءِ الْمُطَهِّرِ، وَالْحُكْمِيَّةِ بِجَرْيِ الْمَاءِ عَلَيْهَا، وَالنَّجَاسَةُ الْحُكْمِيَّةُ هِيَ الَّتِي لا يُدْرَكُ لَهَا لَوْنٌ وَلا طَعْمٌ وَلا رِيحٌ.
الشَّرْحُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الصَّلاةِ إِزَالَةُ النَّجِسِ غَيْرِ الْمَعْفُوِ عَنْهُ، أَمَّا الْمَعْفُوُّ عَنْهُ فَلا يُشْتَرَطُ كَالْقَلِيلِ مِنْ دَمِ جُرْحِهِ. وَقَدْ ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ هُنَا أَنَّ إِزَالَةَ النَّجَاسَةِ يَكُونُ بِإِزَالَةِ عَيْنِهَا [وَالْمُرَادُ بِالْعَيْنِ هُنَا صِفَاتُهَا لا جِرْمُهَا فَقَطْ] أَيْ أَوْصَافِهَا مِنْ طَعْمٍ وَلَوْنٍ وَرِيحٍ فَإِنَّ هَذَا يُسَمُّونَهُ عَيْنًا أَمَّا الْحَجْمُ فَيُسَمُّونَهُ جِرْمًا، فَبَعْدَ إِزَالَةِ جِرْمِهَا يُشْتَرَطُ إِزَالَةُ الْعَيْنِ أَيِ اللَّوْنِ وَالطَّعْمِ وَالرَّائِحَةِ. وَأَمَّا أَثَرُ لَوْنِ النَّجَاسَةِ الَّذِي يَبْقَى عَلَى الثَّوْبِ بَعْدَ غَسْلِهِ جَيِّدًا [وَكَذَا الرَّائِحَةُ وَحْدَهَا] فَلا يَضُرُّ بَلْ يُعْفَى عَنْهُ وَتَصِحُّ الصَّلاةُ مَعَ وُجُودِهِ.
وَقَوْلُهُ «بِالْمَاءِ الْمُطَهِّرِ» يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الشَّمْسَ وَالرِّيحَ لا تُطَهِّرَانِ بَلِ الْمُطَهِّرُ هُوَ الْمَاءُ، وَفِي بَعْضِ الْمَذَاهِبِ تُطَهِّرُ الشَّمْسُ الأَرْضَ إِذَا ذَهَبَ أَثَرُ النَّجَاسَةِ بِسَبَبِهَا وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَقَوْلُهُ «وَالْحُكْمِيَّةِ بِجَرْيِ الْمَاءِ عَلَيْهَا» يُرِيدُ بِهِ أَنَّ النَّجَاسَةَ الْحُكْمِيَّةَ وَهِيَ الَّتِي لا يُدْرَكُ لَهَا عَيْنٌ [وَالْمُرَادُ هُنَا بِالْعَيْنِ الْجِرْمُ] وَلا وَصْفٌ كَبَوْلٍ جَفَّ لا رِيحَ لَهُ وَلا طَعْمَ وَلا لَوْنَ تَحْصُلُ إِزَالَتُهَا بِجَرْيِ الْمَاءِ عَلَيْهَا مَرَّةً وَاحِدَةً. وَأَمَّا حَبٌّ نُقِعَ فِي بَوْلٍ وَلَحْمٌ طُبِخَ بِهِ فَيَطْهُرُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِجَرْيِ الْمَاءِ عَلَى ظَاهِرِهِ.
وَيُعْفَى عَنْ خَزَفٍ [وَهُوَ الْفَخَّارُ] عُجِنَ بِنَجِسٍ وَءَاجُرٍّ عُمِل بِسِرْجِينٍ وَهُوَ الزِّبْلُ أَيْ يُعْفَى عَنِ الطِّينِ الْمُخْتَلِطِ بِرَوْثِ الْحِمَارِ وَنَحْوِهِ، وَيَصِحُّ بَيْعُهُ وَبِنَاءُ مَسْجِدٍ بِهِ وَفَرْشُ عَرْصَتِهِ وَالصَّلاةُ عَلَيْهِ مَعَ الْكَرَاهَةِ. وَالْعَرْصَةُ فِي اللُّغَةِ الْبُقْعَةُ لا بِنَاءَ فِيهَا كَمَا يُقَالُ لِمَوَاقِفِ الْقِيَامَةِ عَرَصَاتُ الْقِيَامَةِ.
قَالَ الْجُرْدَانِيُّ فِي مُرْشِدِ الأَنَامِ فِيمَا يُعْفَى عَنْهُ مِنَ النَّجَاسَاتِ مَا نَصُّهُ:
«مِنْ ذَلِكَ مَا لا يُدْرِكُهُ الْبَصَرُ الْمُعْتَدِلُ وَلَوْ مِنْ مُغَلَّظٍ [كَالْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ] وَمِنْهُ الدَّمُ وَالْقَيْحُ عَلَى تَفْصِيلٍ فِيهِمَا حَاصِلُهُ أَنَّهُمَا إِمَّا أَنْ يُدْرِكَهُمَا الطَّرْفُ أَيِ النَّظَرُ الْمُعْتَدِلُ أَوْ لا، فَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهُمَا عُفِيَ عَنْهُمَا مُطْلَقًا، وَإِنْ أَدْرَكَهُمَا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَا مِنْ مُغَلَّظٍ أَوْ لا فَإِنْ كَانَا مِنْهُ لَمْ يُعْفَ عَنْهُمَا مُطْلَقًا، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا مِنْهُ فَإِمَّا أَنْ يَتَعَدَّى بِتَضَمُّخِهِ بِهِمَا [بِأَنْ يَتَعَمَّدَ تَلْوِيثَ نَفْسِهِ] أَوْ لا فَإِنْ تَعَدَّى بِذَلِكَ لَمْ يُعْفَ عَنْهُمَا مُطْلَقًا،
وَإِنْ لَمْ يَتَعَدَّ فَإِمَّا أَنْ يَخْتَلِطَا بِأَجْنَبِيٍّ غَيْرِ ضَرُورِيٍّ [كَأَنْ يَتَعَمَّدَ صَبَّ الْمَاءِ عَلَى النَّجَاسَةِ] أَوْ لا فَإِنِ اخْتَلَطَا بِهِ لَمْ يُعْفَ عَنْهُمَا مُطْلَقًا، وَإِنْ لَمْ يَخْتَلِطَا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَا مِنْ نَفْسِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ فَإِنْ كَانَا مِنْ غَيْرِهِ عُفِيَ عَنِ الْقَلِيلِ مِنْهُمَا وَكَذَا الْكَثِيرُ إِذَا كَانَ مِنْ دَمِ الْبَرَاغِيثِ وَنَحْوِهَا كَمَا سَيَأْتِي، وَإِنْ كَانَا مِنْ نَفْسِهِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَا مِنَ الْمَنَافِذِ كَالْفَمِ وَالأَنْفِ وَالأُذُنِ وَالْعَيْنِ أَوْ لا فَإِنْ كَانَا مِنْهَا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَا كَثِيرَيْنِ أَوْ قَلِيلَيْنِ فَإِنْ كَانَا كَثِيرَيْنِ لَمْ يُعْفَ عَنْهُمَا بِاتِّفَاقِ الشَّيْخَيْنِ الرَّمْلِيِّ وَابْنِ حَجَرٍ،
وَإِنْ كَانَا قَلِيلَيْنِ عُفِيَ عَنْهُمَا عِنْدَ ابْنِ حَجَرٍ فَقَطْ لِأَنَّ اخْتِلاطَهُمَا بِرُطُوبَةِ الْمَنَافِذِ ضَرُورِيٌّ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي هَذَا الْبَابِ لِأَنَّهُ مَقَامُ عَفْوٍ وَسُهُولَةٍ، وَإِنْ كَانَا مِنْ غَيْرِ الْمَنَافِذِ كَالْخَارِجِ مِنَ الدَّمَامِيلِ وَالْقُرُوحِ وَالْبَثَرَاتِ وَالْبَاقِي بِمَوْضِعِ الْفَصْدِ وَالْحَجْمِ بَعْدَ سَدِّهِ بِنَحْوِ قُطْنَةٍ فَيُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِمَا وَكَثِيرِهِمَا مَا لَمْ يَكُونَا بِفِعْلِهِ أَوْ يُجَاوِزَا مَحَلَّهُمَا، وَإِلَّا عُفِيَ عَنِ الْقَلِيلِ فَقَطْ وَإِنِ اقْتَضَى كَلامُ الرَّوْضَةِ الْعَفْوَ عَنْ كَثِيرِ دَمِ نَحْوِ الدُمَّلِ وَإِنْ عُصِرَ،
وَاعْتَمَدَهُ ابْنُ النَّقِيبِ وَالأَذْرَعِيُّ كَمَا فِي «فَتْحِ الْمُعِينِ»، وَفِي «القَلْيُوبِيِّ عَلَى الْجَلالِ» [الْجَلالُ يَعْنِي بِهِ الْجَلالَ الْمَحَلِّيَّ شَارِحُ مِنْهَاجِ الطَّالِبِينَ] أَنَّ تَصْحِيحَ الْعَفْوِ عَنِ الْكَثِيرِ الْمَعْصُورِ خِلافُ الْمُعْتَمَدِ. هَذَا وَمِثْلُ فِعْلِهِ فِعْلُ غَيْرِهِ بِرِضَاهُ فَيَضُرُّ، نَعَمْ لا يَضُرُّ الْفِعْلُ فِي الْفَصْدِ وَالْحَجْمِ لِأَنَّهُ لِحَاجَةٍ.
وَتُعْرَفُ الْقِلَّةُ وَالْكَثْرَةُ بِالْعَادَةِ الْغَالِبَةِ، فَمَا يَقَعُ التَّلَطُّخُ بِهِ غَالِبًا وَيَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ فَقَلِيلٌ وَمَا زَادَ عَلَيْهِ فَكَثِيرٌ وَمَا شُكَّ فِي كَثْرَتِهِ لَهُ حُكْمُ الْقَلِيلِ كَمَا فِي شَرْحِ الرَّمْلِيِّ لِأَنَّ الأَصْلَ فِي هَذِهِ النَّجَاسَاتِ الْعَفْوُ إِلَّا إِذَا تَيَقَّنَا الْكَثْرَةَ وَقِيلَ الْكَثِيرُ مَا بَلَغَ حَدًّا يَظْهَرُ لِلنَّاظِرِ مِنْ غَيْرِ تَأَمُّلٍ وَإِمْعَانٍ، وَقِيلَ إِنَّهُ مَا زَادَ عَلَى الدِّينَارِ، وَقِيلَ إِنَّهُ قَدْرُ الْكَفِّ فَصَاعِدًا وَقِيلَ مَا زَادَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ إِنَّهُ الدِّرْهَمُ الْبَغْلِيُّ أَيْ قَدْرُهُ،
وَقِيلَ مَا زَادَ عَلَيْهِ وَقِيلَ مَا زَادَ عَلَى الظُّفْرِ، ذَكَرَ هَذِهِ الأَقْوَالَ الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ فِي «شَرْحِ مَنْظُومَةِ ابْنِ الْعِمَادِ» [هَذِهِ الْمَنْظُومَةُ أَلَّفَهَا ابْنُ الْعِمَادِ الشَّافِعِيُّ فِي الْمَعْفُوَّاتِ وَشَرَحَهَا شِهَابُ الدِّينِ الرَّمْلِيُّ وَالِدُ شَمْسِ الدِّينِ الرَّمْلِيِّ]. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْجَمَلُ فِي «تَقْرِيرِهِ» [هُوَ كِتَابُ «تَقْرِيرِ الْجَمَلِ عَلَى شَرْحِ مَنْظُومَةِ ابْنِ الْعِمَادِ»] وَغَرَضُهُ بِذَلِكَ جَوَازُ تَقْلِيدِهَا كُلِّهَا لِأَنَّهُ مَقَامُ عَفْوٍ وَمُسَامَحَةٍ اهـ.
وَلَوْ تَفَرَّقَ الدَّمُ الْقَلِيلُ فِي مَوَاضِعَ مِنْ نَحْوِ ثَوْبٍ وَلَوْ جُمِعَ كَثُرَ كَانَ لَهُ حُكْمُ الْقَلِيلِ عِنْدَ الإِمَامِ [أَيْ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْجُوَيْنِيِّ كَانَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ لَهُ وَالِدٌ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ بنِ مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ مِنَ أَكَابِرِ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ أَصْحَابِ الْوُجُوهِ قَالَ فِيهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: «لَوْ كَانَ بَعْدَ الرَّسُولِ نَبِيٌّ لَكَانَ أَبُو مُحَمَّدٍ نَبِيًّا» وَمَعَ هَذِهِ الْجَلالَةِ فِي الْعِلْمِ ابْنُهُ كَانَ يَرُدُّ عَلَيْهِ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ، يُغَلِّطُهُ] فَيُعْفَى عَنْهُ وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الرَّمْلِيِّ، وَلَهُ حُكْمُ الْكَثِيرِ عِنْدَ الْمُتَوَلِّي وَالْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِمَا فَلا يُعْفَى عَنْهُ وَرَجَّحَهُ بَعْضُهُمْ.
وَمِنْ جُمْلَةِ مَا بِفِعْلِهِ مَا يَقَعُ مِنْ فَجْرِ الدُّمَّلِ بِنَحْوِ إِبْرَةٍ لِيَخْرُجَ مَا فِيهِ وَوَضْعُ نَحْوِ لَصُوقٍ عَلَيْهِ لِيَكُونَ سَبَبًا فِي فَتْحِهِ وَإِخْرَاجِ مَا فِيهِ فَيُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ دُونَ كَثِيرِهِ، قَالَ الشَّبْرَامَلِّسِيُّ «وَأَمَّا مَا يَقَعُ كَثِيرًا مِنْ أَنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَفْتَحُ رَأْسَ الدُّمَّلِ بِآلةٍ قَبْلَ انْتِهَاءِ الْمُدَّةِ فِيهِ مَعَ صَلابَةِ الْمَحَلِّ ثُمَّ تَنْتَهِي مُدَّتُهُ بَعْدُ فَيَخْرُجُ مِنَ الْمَحَلِّ الْمُنْفَتِحِ دَمٌ كَثِيرٌ أَوْ نَحْوُ قَيْحٍ فَهَلْ يُعْفَى عَنْ ذَلِكَ وَلا يَكُونُ بِفِعْلِهِ لِتَأَخُّرِ خُرُوجِهِ عَنْ وَقْتِ الْفَتْحِ أَوْ لا لِأَنَّ خُرُوجَهُ مُتَرَتِّبٌ عَلَى الْفَتْحِ السَّابِقِ، فِيهِ نَظَرٌ وَالأَقْرَبُ الثَّانِي» [أَيْ أَنَّهُ لا يُعْفَى عَنْهُ].
وَالْمُرَادُ بِمُجَاوَزَةِ الْمَحَلِّ أَنْ يَنْتَقِلَ عَمَّا يَنْتَشِرُ إِلَيْهِ عَادَةً، وَقَالَ بَعْضُهُمُ الْمُرَادُ بِمَحَلِّهِ مَحَلُّ خُرُوجِهِ وَمَا يَغْلِبُ السَّيَلانُ إِلَيْهِ عَادَةً كَمِنَ الرُّكْبَةِ إِلَى قَصَبَةِ الرِّجْلِ وَمَا حَاذَاهُ مِنَ الثَّوْبِ مَثَلًا فَيُعْفَى عَنْهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا فَإِنْ جَاوَزَهُ عُفِيَ عَنِ الْمُجَاوِزِ إِنْ قَلَّ، وَلَوْ سَالَ فِي الثَّوْبِ وَقْتَ الإِصَابَةِ مِنْ غَيْرِ انْفِصَالٍ فِي أَجْزَاءِ الثَّوْبِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَالْبَدَنِ أَيْ فَيُعْفَى عَنْهُ، وَلَوِ انْفَصَلَ مِنَ الْبَدَنِ أَوِ الثَّوْبِ ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ كَانَ أَجْنَبِيًّا فَيُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ فَقَطْ. وَمِنَ الأَجْنَبِيِّ مَا يَنْتَشِرُ مِنَ الذَّبِيحَةِ إِلَى بَدَنِ الذَّابِحِ أَوْ ثَوْبِهِ.
