قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (فَصْلٌ) وَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالزُّرُوعِ الْمُقْتَاتَةِ حَالَةَ الِاخْتِيَارِ، وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْمَعْدِنِ وَالرِّكَازِ مِنْهُمَا، وَأَمْوَالِ التِّجَارَةِ وَالْفِطْرِ.
الشَّرْحُ أَنَّ الْمُكَلَّفَ الَّذِي لا يَمْلِكُ شَيْئًا مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ فَقَطْ أَنْ يَتَعَلَّمَ أَنَّ الزَّكَاةَ فَرْضٌ فِي دِينِ اللَّهِ عَلَى مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ [أَيْ وُجُوبًا عَيْنِيًّا] وَلا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ التَّفَاصِيلَ. وَالزَّكَاةُ لُغَةً التَّطْهِيرُ وَالإِصْلاحُ وَالنَّمَاءُ، وَشَرْعًا اسْمٌ لِمَا يُخْرَجُ عَنْ مَالٍ أَوْ بَدَنٍ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ، وَهِيَ أَحَدُ الأُمُورِ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ أُمُورِ الإِسْلامِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ﴾ [سُورَةَ الْبَقَرَة/43]، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ «الإِسْلامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَتُقِيمَ الصَّلاةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ» الْحَدِيثَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ [فِي صَحِيحَيْهِمَا].
وَمَنْعُ الزَّكَاةِ مِنَ الْكَبَائِرِ وَكَذَا تَأْخِيرُ دَفْعِهَا عَنْ وَقْتِهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَقَدْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ءَاكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَمَانِعَ الزَّكَاةِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ وَمَنْ مَنَعَهَا وَهُوَ مُعْتَقِدٌ وُجُوبَهَا لا يُكَفَّرُ، لَكِنْ إِنِ اسْتَعْصَى قَوْمٌ مِنْهُمْ مِنْ دَفْعِهَا وَقَاتَلُوا عَلَى ذَلِكَ قَاتَلَهُمُ الإِمَامُ أَيِ الْخَلِيفَةُ وَيَأْخُذُهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ قَهْرًا، وَأَمَّا مَنْ مَنَعَهَا وَهُوَ لا يَرَاهَا وَاجِبَةً فَإِنَّه مُرْتَدٌّ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَأَوِّلًا يُطْلَبُ مِنْهُ الرُّجُوعُ عَنْ هَذِهِ الرِّدَّةِ فَإِنْ رَجَعَ وَإِلَّا قَتَلَهُ الإِمَامُ.
وَكَانَ وُجُوبُهَا فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ.
ثُمَّ إِنَّ وُجُوبَهَا خَاصٌّ بِالأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ هُنَا وَهِيَ الإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ فَلَيْسَ فِي غَيْرِهَا مِنَ الْحَيَوَانَاتِ زَكَاةٌ مِنْ حَيْثُ الْعَيْنُ، وَثَمَرُ النَّخْلِ وَالْعِنَبِ، وَالزُّرُوعُ الَّتِي يَتَّخِذُهَا النَّاسُ قُوتًا فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ أَيْ أَيَّامَ الرَّخَاءِ كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْحِمَّصِ وَالْفُولِ بِخِلافِ التِّينِ وَاللَّوْزِ وَالسِّمْسِمِ وَالتُّفَّاحِ وَالزَّيْتُونِ وَنَحْوِهَا، وَلا تَجِبُ فِيمَا لا يُقْتَاتُ إِلَّا فِي حَالِ الضَّرُورَةِ كَالْحُلْبَةِ وَالْحَنْظَلِ فَهَذِهِ لا زَكَاةَ فِيهَا لِأَنَّهَا لا تُتَّخَذُ قُوتًا حَالَةَ الِاخْتِيَارِ، وَالْقُوتُ مَا يَقُومُ بِهِ الْبَدَنُ أَيْ مَا يَعِيشُ بِهِ الْبَدَنُ.
وَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِي النَّقْدِ أَيِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ الْمَضْرُوبِ مِنْ ذَلِكَ وَغَيْرِهِ، وَأَمَّا غَيْرُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مِنَ الأَثْمَانِ فَلا زَكَاةَ فِيهِ عِنْدَ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَتَجِبُ عِنْدَ الإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ، فَهَذِهِ الْعُمْلَةُ الْمُسْتَعْمَلَةُ فِي هَذَا الْعَصْرِ لا تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ عِنْدَ الإِمَامَيْنِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ، وَتَجِبُ عِنْدَ الإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهَا تَرُوجُ رَوَاجَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَمَنْ أَخَذَ بِمَذْهَبِ الإِمَامَيْنِ الأَوَّلَيْنِ فَلَمْ يُزَكِّ هَذِهِ الْعُمْلَةَ الَّتِي لا يَسْتَعْمِلُهَا فِي التِّجَارَةِ فَلا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ،
وَمَنْ أَخَذَ بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ فَزَكَّاهَا أَخَذَ بِالِاحْتِيَاطِ. فَإِنِ اعْتَرَضَ مُعْتَرِضٌ عَلَى الإِمَامَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ قِيلَ لَهُ لَيْسَ لَكَ أَنْ تُنْكِرَ فَإِنَّ مَذْهَبَيْهِمَا يَلْحَظَانِ إِلَى أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَا ذَكَرَ فِي ءَايَةِ بَرَاءَةَ وَعِيدًا إِلَّا فِيمَنْ مَنَعَ زَكَاةَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [سُورَةَ التَّوْبَة/34] فَكَيْفَ يُعْتَرَضُ عَلَى الإِمَامَيْنِ وَمَأْخَذُهُمَا هَذَا النَّصُّ،
فَلَيْسَ لِلْحَنَفِيِّ أَنْ يَعْتَرِضَ عَلَى مَذْهَبَيِ الإِمَامَيْنِ وَلا لِلشَّافِعِيِّ وَالْمَالِكِيِّ أَنْ يُنْكِرَا عَلَى الْحَنَفِيِّ عَلَى وَجْهِ التَّحْرِيْمِ. وَكَذَلِكَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ يُوَافِقُ الشَّافِعِيَّ وَمَالِكًا. وَأَمَّا مَنْ وَضَعَ مَالَهُ مِنَ الْعُمْلَةِ الْوَرَقِيَّةِ فِي بَنْكٍ حَرْبِيٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ عَلَى مُقْتَضَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ فَعَلَيْهِ أَنْ يُزَكِّيَ هَذِهِ الْعُمْلَةَ الْوَرَقِيَّةَ.
وَتَجِبُ فِي الْمَعْدِنِ وَالرِّكَازِ، أَمَّا الْمَعْدِنُ هُنَا فَهُوَ الذَّهَبُ أَوِ الْفِضَّةُ إِذَا اسْتُخْرِجَا مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي خَلَقَهُمَا اللَّهُ فِيهِ بَعْدَ التَّنْقِيَةِ مِنَ التُّرَابِ وَالْمَعْدِنُ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ مَعْنَاهُ الْمَكَانُ الَّذِي خُلِقَ فِيهِ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَهَذَا يُزَكَّى بَعْدَ تَحْصِيلِهِ وَلا يُنْتَظَرُ لَهُ حَوَلانُ الْحَوْلِ وَفِيهِ رُبْعُ الْعُشْرِ. وَأَمَّا الرِّكَازُ فَهُوَ الذَّهَبُ أَوِ الْفِضَّةُ الْمَدْفُونَانِ قَبْلَ بِعْثَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ كَانَ مَكْتُوبًا عَلَيْهِمَا اسْمُ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ ذَلِكَ الزَّمَنِ وَلَيْسَ الدَّفِينَ الإِسْلامِيَّ، فَالدَّفِينُ الَّذِي دَفَنَتْهُ الْجَاهِلِيَّةُ وَهُمُ الْكُفَّارُ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَ الْبِعْثَةِ إِذَا رَأَيْنَا اسْمَ مَلِكِهِمْ عَرَفْنَا أَنَّهُ جَاهِلِيٌّ، هَذَا مَنْ وَجَدَهُ يُزَكِّيهِ حَالَّا إِنْ بَلَغَ النِّصَابَ وَفِيهِ الْخُمُسُ.
وَتَجِبُ الزَّكَاةُ أَيْضًا فِي أَمْوَالِ التِّجَارَةِ وَإِنْ لَمْ تَجِبِ الزَّكَاةُ فِي أَعْيَانِهَا كَالثِّيَابِ وَالسُّكَّرِ وَالْمِلْحِ وَالْخَيْلِ وَالْحُمُرِ وَالدَّجَاجِ لِمَنْ يَتْجَرُ بِهَا.
فَلا زَكَاةَ فِي غَيْرِ مَا ذُكِرَ مِنَ الأَمْوَالِ كَالْبَيْتِ الَّذِي يَمْتَلِكُهُ الشَّخْصُ لِيَسْتَغِلَّهُ بِالإِيْجَارِ وَلَوْ كَانَ يَمْلِكُ عِدَّةَ أَبْنِيَةٍ يَسْتَغِلُّهَا بِالإِيْجَارِ، وَكَذَلِكَ السَّيَّارَاتُ الَّتِي يَمْتَلِكُهَا الشَّخْصُ لِاسْتِغْلالِهَا بِالإِيْجَارِ أَوْ لِيَسْتَعْمِلَهَا بِالرُّكُوبِ لِنَفْسِهِ كُلُّ ذَلِكَ لا زَكَاةَ فِي عَيْنِهِ.
شَيْخٌ قَبْلَ أَرْبَعِينَ سَنَةً كَانَ يُدَرِّسُ فِي مَسْجِدٍ مِنَ الْمَسَاجِدِ قَالَ عِنْدِي تَجِبُ فِي هَذِهِ الدُّورِ الزَّكَاةُ، قُلْتُ لَهُ عِنْدَكَ نَصٌّ، قَالَ اجْتِهَادٌ، قُلْتُ لَهُ فِيكَ ءَالَةُ الِاجْتِهَادِ، قَالَ عِنْدِي اجْتِهَادٌ جُزْئِيٌّ اهـ. بَعْدَ مُحَمَّد عَبْدَه هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُحَرِّفُونَ دِينَ اللَّهِ كَثُرُوا كَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَعْتَبِرُ نَفْسَهُ أَعْلَمَ مِنَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَهُمْ لا شَىْءَ بِالنِّسْبَةِ لِلأَئِمَّةِ، ثُمَّ قَالَ هَذَا الشَّيْخُ زَكَاتُهُ الْعُشْرُ، عَلَى قَوْلِهِ الَّذِي لَهُ دُورٌ يَسْتَغِلُّهَا بِالإِيْجَارِ يُزَكِّيهَا كَزَكَاةِ الْحُبُوبِ الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا الْحُلِيُّ الْمُبَاحُ فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ الأَئِمَّةُ فَأَبُو حَنِيفَةَ يَرَى وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِي حُلِيِّ النِّسَاءِ، وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَقَالَ فِيهِ قَوْلَيْنِ مَرَّةً قَالَ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي حُلِيِّ النِّسَاءِ وَمَرَّةً قَالَ لا تَجِبُ، وَالِاحْتِيَاطُ أَنْ يُزَكَّى الْحُلِيُّ.
وَأَمَّا الْفِطْرَةُ فَلا تُعَدُّ مِنْ زَكَاةِ الْمَالِ لِأَنَّهَا تَجِبُ فِي حَقِّ الطِّفْلِ الْمَوْلُودِ وَالْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ.
ثُمَّ إِنَّ الْمُؤَلِّفَ بَدَأَ بِتَفْصِيلِ زَكَاةِ الإِبِلِ فَقَالَ:
وَأَوَّلُ نِصَابِ الإِبِلِ خَمْسٌ، والبَقَرِ ثَلاثُونَ، وَالْغَنَمِ أَرْبَعُونَ.
الشَّرْحُ أَنَّ أَوَّلَ نِصَابِ الإِبِلِ أَيْ أَوَّلَ قَدْرٍ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ عَلَى مَنْ مَلَكَ مِنَ الإِبِلِ شَيْئًا هُوَ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ فَلا زَكَاةَ عَلَى مَنْ مَلَكَ أَقَلَّ مِنَ الْخَمْسِ، وَتُخَصُّ الإِنَاثُ مِنَ الإِبِلِ بِاسْمِ النُّوقِ وَمُفْرَدُهَا نَاقَةٌ، وَالذُّكُورُ بِاسْمِ الْجَمَلِ فَلا زَكَاةَ عَلَى مَنْ لا يَمْلِكُ خَمْسًا مِنْهَا.
وَأَنَّ أَوَّلَ نِصَابِ الْبَقَرِ ثَلاثُونَ فَلا زَكَاةَ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ، وَالْبَقَرُ هُوَ جَمْعُ بَقَرَةٍ وَالْبَقَرَةُ تُطْلَقُ عَلَى الذَّكَرِ وَالأُنْثَى فَالتَّاءُ فِيهَا لِلإِفْرَادِ لا لِلتَّأْنِيثِ، فَلا زَكَاةَ فِيمَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ ثَلاثِينَ بَقَرَةً.
وَأَنَّ الْغَنَمَ أَوَّلَ نِصَابِهَا أَرْبَعُونَ مِنْهَا فَلا زَكَاةَ قَبْلَ بُلُوغِهَا ذَلِكَ، وَالْغَنَمُ مُرَادِفٌ لِلشَّاةِ فَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَيُجْمَعُ الْغَنَمُ عَلَى الأَغْنَامِ وَتُجْمَعُ الشَّاةُ عَلَى الشِّيَاهِ وَالشَّاءِ، وَالتَّاءُ فِي الشَّاةِ لِلْوَحْدَةِ فَتُطْلَقُ الشَّاةُ عَلَى الذَّكَرِ وَالأُنْثَى كَالتَّاءِ فِي الْبَقَرَةِ وَالنَّمْلَةِ فَيُقَالُ لِلأُنْثَى الْوَاحِدَةِ مِنَ النَّمْلِ نَمْلَةٌ وَلِلذَّكَرِ الْوَاحِدِ مِنَ النَّمْلِ نَمْلَةٌ، وَهُوَ أَيِ الْغَنَمُ فِي اللُّغَةِ شَامِلٌ لِلضَّأْنِ وَالْمَعْزِ، الضَّأْنُ جِنْسٌ يَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى، ثُمَّ الذَّكَرُ مِنَ الضَّأْنِ يُخَصُّ بِاسْمِ الْكَبْشِ وَالإِنَاثُ تُخَصُّ بِاسْمِ النِّعَاجِ،
وَقَدْ تَكْنِي الْعَرَبُ عَنِ النِّسَاءِ بِالنِّعَاجِ لَكِنْ لا يَجُوزُ تَفْسِيرُ النِّعَاجِ فِي سُورَةِ ص بِالنِّسَاءِ كَمَا فَعَلَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فَقَدْ أَسَاءُوا بِتَفْسِيرِهِمْ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ ص ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ بِمَا هُوَ مَشْهُورٌ وَهَذَا فَاسِدٌ لِأَنَّهُ لا يَلِيقُ مَا ذُكِرَ فِيهِ بِنَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، قَالَ التَّقِيُّ السُّبْكِيُّ «النَّعْجَةُ فِي الآيَةِ هِيَ النَّعْجَةُ الْحَقِيقِيَّةُ» اهـ، أَقُولُ وَالْخَصْمَانِ مِنَ الْبَشَرِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَلا زَكَاةَ قَبْلَ ذَلِكَ وَلا بُدَّ مِنَ الْحَوْلِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلا بُدَّ مِنَ السَّوْمِ فِي كَلَإٍ مُبَاحٍ أَيْ أَنْ يَرْعَاهَا مَالِكُهَا أَوْ مَنْ أَذِنَ لَهُ فِي كَلإٍ مُبَاحٍ أَيْ مَرْعَىً لا مَالِكَ لَهُ، وَأَنْ لا تَكُونَ عَامِلَةً فَالْعَامِلَةُ فِي نَحْوِ الْحَرْثِ لا زَكَاةَ فِيهَا.
الشَّرْحُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الأَنْعَامِ النِّصَابُ. وَالأَنْعَامُ الإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ [سُورَةُ الأَنْعَامِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ ذُكِرَ فِيهَا الأَنْعَامُ الثَّلاثَةُ الإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ] وَلا يُطْلَقُ هَذَا اللَّفْظُ عَلَى غَيْرِ هَؤُلاءِ الثَّلاثِ، وَمُفْرَدُ الأَنْعَامِ نَعَمٌ. فَلا زَكَاةَ فِي الأَنْعَامِ قَبْلَ بُلُوغِ النِّصَابِ، فَمَنْ أَخْرَجَ مِنْهَا شَيْئًا بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ قَبْلَ النِّصَابِ فَهُوَ عَمَلٌ فَاسِدٌ كَمَنْ يُصَلِّي صَلاةً فَاسِدَةً، لَكِنْ إِنْ نَوَى الصَّدَقَةَ تَطَوُّعًا كَانَ ذَلِكَ عَمَلًا حَسَنًا.
وَلا بُدَّ أَيْضًا فِي زَكَاةِ الأَنْعَامِ مِنَ الْحَوْلِ أَيْ مِنْ مُضِيِّ سَنَةٍ قَمَرِيَّةٍ ابْتِدَاءً مِنْ تَمَامِ النِّصَابِ، نَعَمْ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ النِّتَاجُ الَّذِي وُلِدَ مِنْ نِصَابٍ قَبْلَ تَمَامِ حَوْلِ الأُمَّهَاتِ وَلَوْ بِلَحْظَةٍ فَإِنَّه يَتْبَعُ حَوْلَ الأُمَّهَاتِ إِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهَا وَمَلَكَهُ بِمِلْكِهَا أَيْ هِيَ وَلَدَتْهُ لَيْسَ ضَمَّهُ مِنَ الشِّرَاءِ كَأَنْ كَانَتْ ثَمَانِينَ فَزَادَتْ وَصَارَتْ مِائَةً وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ.
وَلا بُدَّ أَيْضًا لِوُجُوبِ زَكَاةِ الأَنْعَامِ مِنَ السَّوْمِ مِنَ الْمَالِكِ أَوْ نَائِبِهِ فِي كَلَإٍ مُبَاحٍ فَلا زَكَاةَ فِي الْمَعْلُوفَةِ أَوِ السَّائِمَةِ بِنَفْسِهَا، وَالسَّائِمَةُ مَعْنَاهَا الرَّاعِيَةُ، فَالْغَنَمُ إِنْ كَانَتْ تَرْعَى بِنَفْسِهَا بِأَنْ تُسَرَّحَ إِلَى الْمَرْعَى فَتَرْعَى بِنَفْسِهَا فَتَأْكُلَ مِنْ نَبَاتِ الأَرْضِ وَلا يَكُونُ مَعَهَا صَاحِبُهَا وَلا وَكِيلُهُ فَلا زَكَاةَ فِيهَا، إِنَّمَا الزَّكَاةُ فِي الأَنْعَامِ الَّتِي يُسِيمُهَا صَاحِبُهَا أَيْ هُوَ يَأْخُذُهَا إِلَى مَحَلِّ الْمَرْعَى حَتَّى تَأْكُلَ مِنْ هَذَا الْكَلَإِ الْمُبَاحِ أَيِ الْكَلَإِ الَّذِي لا مَالِكَ لَهُ إِنَّمَا هُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ النَّاسِ [الأَرْضُ الَّتِي لَمْ تَدْخُلْ فِي مِلْكِ شَخْصٍ أَوْ أَشْخَاصٍ يُقَالُ لَهَا أَرْضٌ مُبَاحَةٌ،
فَهَذِهِ الْجِبَالُ الَّتِي لَمْ يَجْرِ عَلَيْهَا مِلْكٌ لِأَحَدٍ فَهِيَ مِنَ الْمَوَاتِ فَمَنْ أَحْيَاهَا مَلَكَهَا بِتَهْيِئَتِهَا لِلزِّرَاعَةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَالنَّبَاتُ الَّذِي يَنْبُتُ فِيهَا وَلَمْ يَسْتَنْبِتْهُ أَحَدٌ يُقَالُ لَهُ مُبَاحٌ]. فَلَوِ اغْتَصَبَ الأَغْنَامَ مُغْتَصِبٌ فَأَسَامَهَا أَيْ رَعَاهَا فِي الْكَلإِ الْمُبَاحِ فَلا زَكَاةَ فِيهَا لِأَنَّهُ لَمْ يُسِمْهَا مَالِكُهَا وَلا مَأْذُونُهُ، وَكَذَلِكَ لا زَكَاةَ إِذَا عَلَفَهَا صَاحِبُهَا بِنِيَّةِ قَطْعِ السَّوْمِ وَلا يُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ فَتْرَةٌ، أَوْ عَلَفَهَا قَدْرًا لا تَعِيشُ بِدُونِهِ بِلا ضَرَرٍ بَيِّنٍ كَيَوْمَيْنِ وَنِصْفٍ.
وَلا بُدَّ أَيْضًا لِوُجُوبِ زَكَاةِ الأَنْعَامِ مِنْ أَنْ لا تَكُونَ عَامِلَةً فِي نَحْوِ حَرْثٍ لِمَالِكِهَا أَوْ بِأُجْرَةٍ، فَلا زَكَاةَ فِي الْعَامِلَةِ وَإِنْ أُسِيمَتْ أَيْ لَوْ كَانَتْ سَائِمَةً فِي كَلَإٍ مُبَاحٍ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَيَجِبُ فِي كُلِّ خَمْسٍ مِنَ الإِبِلِ شَاةٌ.
الشَّرْحُ أَنَّ أَوَّلَ نِصَابِ الإِبِلِ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ وَلا زَكَاةَ فِيهَا إِلَّا شَاةٌ وَاحِدَةٌ، ثُمَّ هَذِهِ الشَّاةُ إِمَّا جَذَعَةُ ضَأْنٍ وَهِيَ الضَّأْنُ الَّتِي أَكْمَلَتْ سَنَةً أَوْ أَسْقَطَتْ مُقَدَّمَ أَسْنَانِهَا قَبْلَ ذَلِكَ، وَإِمَّا ثَنِيَّةُ الْمَعْزِ وَهِيَ الأُنْثَى مِنَ الْمَعْزِ الَّتِي أَكْمَلَتْ سَنَتَيْنِ. فَصَاحِبُ الإِبِلِ الْخَمْسِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُخْرِجَ عَنِ الْخَمْسِ جَذَعَةَ ضَأْنٍ وَبَيْنَ أَنْ يُخْرِجَ عَنْهَا ثَنِيَّةَ مَعْزٍ، ثُمَّ لا يُزَادُ عَلَى الشَّاةِ الْوَاحِدَةِ إِلَى أَنْ تَبْلُغَ إِبِلُهُ عَشْرًا فَفِي الْعَشْرِ ثِنْتَانِ، ثُمَّ لا يُزَادُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ إِلَى أَنْ تَبْلُغَ إِبِلُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ فَتَجِبُ فِيهَا ثَلاثُ شِيَاهٍ،
ثُمَّ لا يُزَادُ عَلَيْهِ إِلَى أَنْ تَبْلُغَ إِبِلُهُ عِشْرِينَ فَتَجِبُ عَلَيْهِ أَرْبَعُ شِيَاهٍ، ثُمَّ إِذَا بَلَغَتْ إِبِلُهُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ تَجِبُ عَلَيْهِ بِنْتُ مَخَاضٍ مِنَ الإِبِلِ وَهِيَ النَّاقَةُ الَّتِي مَضَى لَهَا سَنَةٌ وَيُجْزِئُ عَنْ بِنْتِ الْمَخَاضِ ابْنُ لَبُونٍ وَهُوَ الذَّكَرُ مِنَ الإِبِلِ لَهُ سَنَتَانِ إِنْ فُقِدَ فِي إِبِلِهِ بِنْتُ الْمَخَاضِ أَيْ إِنْ لَمْ يُوجَدْ أُنْثَى فِي إِبِلِهِ يَكْفِي ذَكَرٌ مَضَى عَلَيْهِ سَنَتَانِ.
وَالْعِبْرَةُ فِي السِّنِينَ فِي الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ بِالسِّنِينَ الْقَمَرِيَّةِ [تَرَائِي الْهِلالِ فَرْضٌ مُؤَكَّدٌ عَلَى وَجْهِ الْكِفَايَةِ لِأَنَّ الْمَرْجِعَ لِحَوَلانِ الْحَوْلِ وَالصِّيَامِ وَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَعِدَّةِ النِّسَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى ذَلِكَ]. وَيَجِبُ فِي سِتٍّ وَثَلاثِينَ بِنْتُ لَبُونٍ أَيْ نَاقَةٌ لَهَا سَنَتَانِ، وَفِي سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ حِقَّةٌ وَهِيَ الأُنْثَى الَّتِي لَهَا ثَلاثُ سِنِينَ، وَفِي إِحْدَى وَسِتِّينَ تَجِبُ جَذَعَةٌ وَهِيَ مَا لَهَا أَرْبَعُ سِنِينَ، وَفِي سِتٍّ وَسَبْعِينَ بِنْتَا لَبُونٍ، وَفِي إِحْدَى وَتِسْعِينَ حِقَّتَانِ،
وَفِي مِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ ثَلاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَفِي مِائَةٍ وَثَلاثِينَ حِقَّةٌ وَبِنْتَا لَبُونٍ، ثُمَّ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَمَا بَيْنَ النِّصَابَيْنِ عَفْوٌ لَيْسَ عَلَيْهَا زِيَادَةٌ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَفِي أَرْبَعِينَ مِنَ الْغَنَمِ شَاةٌ جَذَعَةُ ضَأْنٍ أَوْ ثَنِيَّةُ مَعْزٍ.
الشَّرْحُ أَنَّ الْوَاجِبَ إِخْرَاجُهُ فِي أَرْبَعِينَ مِنَ الْغَنَمِ هُوَ شَاةٌ أُنْثَى جَذَعَةُ ضَأْنٍ أَسْقَطَتْ مُقَدَّمَ أَسْنَانِهَا أَوْ أَكْمَلَتْ سَنَةً أَوْ ثَنِيَّةُ مَعْزٍ وَهِيَ مَا لَهَا سَنَتَانِ كَامِلَتَانِ، أَمَّا إِنْ تَمَحَّضَتْ غَنَمُهُ ذُكُورًا فَيَجُوزُ الذَّكَرُ، فَإِذَا زَادَتْ شِيَاهُهُ عَلَى ذَلِكَ فَبَلَغَتْ مِائَةً وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ عَنْهَا شَاتَيْنِ، ثُمَّ إِذَا بَلَغَتْ مِائَتَيْنِ وَوَاحِدَةً يُخْرِجُ عَنْهَا ثَلاثَ شِيَاهٍ، ثُمَّ إِذَا بَلَغَتْ شِيَاهُهُ أَرْبَعَمِائَةٍ أَخْرَجَ عَنْهَا أَرْبَعَ شِيَاهٍ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُخْرِجُ عَنْ كُلِّ مِائَةٍ شَاةً.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَفِي كُلِّ ثَلاثِينَ مِنَ الْبَقَرِ تَبِيعٌ ذَكَرٌ.
الشَّرْحُ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي أَوَّلِ نِصَابِ الْبَقَرِ الَّذِي هُوَ ثَلاثُونَ تَبِيعٌ وَاحِدٌ أَيْ ذَكَرٌ مِنَ الْبَقَرِ لَهُ سَنَةٌ كَامِلَةٌ، وَيُجْزِئُ أَنْ يُخْرِجَ عَنِ الثَّلاثِينَ مِنَ الْبَقَرِ تَبِيعَةً أُنْثَى لَهَا سَنَةٌ كَامِلَةٌ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مِنَ الْبَقَرِ مُسِنَّةٌ وَهِيَ مَا لَهَا سَنَتَانِ سُمِيَّتْ مُسِنَّةً لِتَكَامُلِ أَسْنَانِهَا وَيُجْزِئُ فِيهَا تَبِيعَانِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ إِنْ زَادَتْ مَاشِيَتُهُ عَلَى ذَلِكَ فَفِي ذَلِكَ الزَّائِدِ. وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِيهِ.
الشَّرْحُ لَمَّا كَانَ الْمُؤَلِّفُ لَمْ يَذْكُرْ فِي الْمَتْنِ إِلَّا النِّصَابَ الأَوَّلَ فِي الأَنْعَامِ الثَّلاثَةِ بَيَّنَ فِي قَوْلِهِ هَذَا أَنَّ عَلَى الْمُكَلَّفِ الَّذِي تَزِيدُ مَاشِيَتُهُ عَلَى أَوَّلِ النِّصَابِ أَنْ يَتَعَلَّمَ وُجُوبًا عَيْنِيًّا حُكْمَ مَا زَادَ عَلَى أَوَّلِ النِّصَابِ وَقَدْ مَرَّ بَيَانُهُ فِي الشَّرْحِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَأَمَّا التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ وَالزُّرُوعُ فَأَوَّلُ نِصَابِهَا خَمْسَةُ أَوْسُقٍ.
الشَّرْحُ أَنَّ نِصَابَ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالزُّرُوعِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ لَيْسَ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ زَكَاةٌ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ [فِي صَحِيحَيْهِمَا].
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَهِيَ ثَلاثُمِائَةِ صَاعٍ بِصَاعِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ وَمِعْيَارُهُ مَوْجُودٌ بِالْحِجَازِ.
الشَّرْحُ أَنَّ خَمْسَةَ الأَوْسُقِ هِيَ ثَلاثُمِائَةِ صَاعٍ لِأَنَّ كُلَّ وَسْقٍ سِتُّونَ صَاعًا فَمَجْمُوعُ الأَوْسُقِ الْخَمْسَةِ ثَلاثُمِائَةِ صَاعٍ، وَمِعْيَارُ الصَّاعِ النَّبَوِيِّ الَّذِي كَانَ مَعْرُوفًا فِي عَهْدِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ، وَالْمُدُّ النَّبَوِيُّ هُوَ الْحَفْنَةُ بَكَفَّيْ رَجُلٍ مُعْتَدِلٍ لا طَوِيلِ الْكَفِّ وَلا قَصِيرِهَا، وَالصَّاعُ النَّبَوِيُّ مِعْيَارُهُ لا يَزَالُ مَوْجُودًا فِي الْحِجَازِ [مَرَّةً فِي بَلَدِنَا كُنَّا ثَلاثَةَ أَشْخَاصٍ فَعَيَّرْنَا الصَّاعَ النَّبَوِيَّ فَطَلَعَ بِكَفِّ أَحَدِ الثَّلاثَةِ ثَلاثَ حَفَنَاتٍ وَبِيَدِ الآخَرِ أَرْبَعَ حَفَنَاتٍ وَبِيَدِ الآخَرِ خَمْسَ حَفَنَاتٍ. فَالْعِبْرَةُ بِالْحَفَنَاتِ بِكَفَّيْ رَجُلٍ مُعْتَدِلٍ].
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَيُضَمُّ زَرْعُ الْعَامِ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ فِي إِكْمَالِ النِّصَابِ.
الشَّرْحُ أَنَّهُ يَجِبُ ضَمُّ زَرْعِ الْعَامِ بَعْضِهِ إِلَى بَعْضٍ فِي إِكْمَالِ النِّصَابِ وَذَلِكَ بِأَنْ بَلَغَ وَقْتُ نِهَايَتِهِمَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ جَدَادًا فِي الثَّمَرِ أَيْ كَانَ وَقْتُ قَطْعِهِمَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ وَحَصَادًا فِي الزَّرْعِ وَإِنْ لَمْ يُقْطَعَا فِيهِ. مِثَالُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ نَخْلٌ يُثْمِرُ بَعْضُهُ فِي الرَّبِيعِ وَبَعْضُهُ فِي الصَّيْفِ أَوْ يُثْمِرُ نَخْلُهُ فِي الْعَامِ مَرَّتَيْنِ وَيَكُونُ إِطْلاعُ [أَطْلَعَ النَّخْلُ أَخْرَجَ طَلْعَهُ.
كَذَا فِي مُخْتَارِ الصَّحَاحِ] الثَّانِي قَبْلَ جَدَادِ الأَوَّلِ أَيْ قَطْعِهِ وَجَدَادُ الْكُلِّ فِي عَامٍ وَاحِدٍ، فَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إِنْ كَمَلَ النِّصَابُ بِضَمِّ الأَوَّلِ إِلَى الثَّانِي وَجَبَ إِخْرَاجُ الزَّكَاةِ. وَالطَّلْعُ بِالْفَتْحِ مَا يَطْلَعُ مِنَ النَّخْلَةِ ثُمَّ يَصِيرُ ثَمَرًا إِنْ كَانَتْ أُنْثَى، وَإِنْ كَانَتِ النَّخْلَةُ ذَكَرًا لَمْ يَصِرْ ثَمَرًا بَلْ يُؤْكَلُ طَرِيًّا [يُتْرَكُ عَلَى النَّخْلَةِ أَيَّامًا مَعْلُومَةً حَتَّى يَصِيرَ فِيهِ شَىْءٌ أَبْيَضُ مِثْلُ الدَّقِيقِ لَهُ رَائِحَةٌ زَكِيَّةٌ فَيُلَقَّحُ بِهِ الأُنْثَى].
فَإِذَا اتَّفَقَ وَقْتُ حَصَادٍ وَاحِدٍ فِي عَامٍ مَرَّتَيْنِ كُلَّ مَرَّةٍ فِي أَرْضٍ فَطَلَعَ لَهُ فِي الأَرْضِ الأُولَى وَسْقَانِ مِنْ قَمْحٍ مَثَلًا وَطَلَعَ لَهُ فِي الأَرْضِ الثَّانِيَةِ ثَلاثَةُ أَوْسُقٍ مِنَ الْقَمْحِ وَاتَّفَقَ أَنَّ وَقْتَ حَصَادِهِمَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ تُكَمَّلُ هَذِهِ بِهَذِهِ فَيُزَكِّي الْجَمِيعَ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَلا يُكَمَّلُ جِنْسٌ بِجِنْسٍ كَالشَّعِيرِ مَعَ الْحِنْطَةِ.
الشَّرْحُ أَنَّهُ لا يُكَمَّلُ النِّصَابُ مِنْ جِنْسَيْنِ كَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ، وَالْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ، فَإِذَا كَانَتْ كَمِيَّةُ التَّمْرِ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَلا يُكَمَّلُ نِصَابُهَا بِالزَّبِيبِ، كَذَلِكَ إِذَا كَانَ عِنْدَهُ قَمْحٌ أَقَلُّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ وَكَانَ عِنْدَهُ مِنَ الشَّعِيرِ مَا يُكَمَّلُ بِهِ النِّصَابُ فَلا يُكَمَّلُ هَذَا بِهَذَا فَلا زَكَاةَ عَلَيْهِ، لَكِنَّ النَّوْعَ يُكَمَّلُ بِالنَّوْعِ الآخَرِ فَإِذَا كَانَ لَهُ نَوْعَانِ مِنَ التَّمْرِ كَالْبَرْنِيِّ وَالْعَجْوَةِ مِنَ التَّمْرِ فَإِنَّه يُكَمَّلُ النِّصَابُ مِنَ النَّوْعَيْنِ فَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِي ذَلِكَ لِاكْتِمَالِ النِّصَابِ مِنَ النَّوْعَيْنِ، وَكَذَلِكَ الْبُرُّ فَالْمِصْرِيُّ مِنْهُ يُكَمَّلُ نِصَابُهُ بِالْبُرِّ الشَّامِيِّ لِاتِّحَادِ الِاسْمِ.
فَائِدَةٌ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ مِنْ عَجْوَةِ الْمَدِينَةِ مِمَّا بَيْنَ لابَتَيْهَا [وَاللَّابَةُ: الْحَرَّةُ، وَهِيَ أَرْضٌ فِيهَا حِجَارَةٌ سُودٌ، وَالْمَدِينَةُ يَكْتَنِفُهَا لابَتَانِ] لَمْ يَضُرَّهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ سُمٌّ وَلا سِحْرٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ [فِي صَحِيحِهِ].
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَتَجِبُ الزَّكَاةُ بِبُدُوِّ الصَّلاحِ وَاشْتِدَادِ الْحَبِّ.
الشَّرْحُ أَنَّ زَكَاةَ الثَّمَرِ أَيْ ثَمَرِ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ لا تَجِبُ عَلَى مَالِكِهِمَا إِلَّا أَنْ يَبْدُوَ صَلاحُ الثَّمَرِ فَمَتَى بَدَا صَلاحُ الثَّمَرِ وَلَوْ فِي حَبَّةٍ وَاحِدَةٍ وَجَبَتِ الزَّكَاةُ. وَمَعْنَى بُدُوِّ الصَّلاحِ أَنْ تَظْهَرَ عَلامَةُ بُلُوغِهِ صِفَةً يُطْلَبُ فِيهَا لِلأَكْلِ غَالِباً أَيْ حِينَ يَسْتَوِي فَفِي حَالِ كَوْنِ ثَمَرَةِ الْكَرْمِ حِصْرِمًا لا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ.
وَكَذَلِكَ الْحَبُّ مِنَ الْقَمْحِ وَغَيْرِهِ لا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَشْتَدَّ الْحَبُّ لِأَنَّهُ عِنْدَهَا يَصِيرُ مَقْصُودًا لِلأَكْلِ، فَالْعِنَبُ حِينَ يَصِيرُ فِيهِ مَاءٌ يَصِيرُ مَقْصُودًا لِلأَكْلِ، أَمَّا الْحِصْرِمُ لا يُقْصَدُ لِلأَكْلِ فِي الْغَالِبِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الثَّمَرَ ثَمَرَ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ يُسَمَّى قَبْلَ ذَلِكَ بَلَحًا وَحِصْرِمًا وَلا يُسَمَّى رُطَبًا وَلا عِنَبًا، وَالزَّرْعُ قَبْلَ اشْتِدَادِ الْحَبِّ لا يُسَمَّى قَمْحًا وَلا شَعِيرًا إِنَّمَا يُسَمَّى بَقْلًا.
وَلا يَصِحُّ الإِخْرَاجُ إِلَّا بَعْدَ الْجَفَافِ وَالتَّصْفِيَةِ فَلا يُخْرَجُ مِنْهُ مُخْتَلِطًا بِسُنْبُلِهِ.
فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ ثَمَرُ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَبْلُغُ النِّصَابَ لا يَبِيعُهُمَا حَتَّى يَصِيرَا تَمْرًا وَزَبِيبًا إِلَّا أَنْ يُخْرِجَهُمَا فَيَجُوزُ أَنْ يُخَمِّنَ رَجُلٌ ثِقَةٌ الثَّمَرَ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا كَمْ يَكُونُ مِقْدَارُهُ حِينَ يَصِيرُ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا وَتَصِيرُ الزَّكَاةُ فِي ذِمَّتِهِ، وَلا يُشْتَرَطُ أَنْ يَمُرَّ عَلَيْهِمَا الْحَوْلُ بَلْ بِمُجَرَّدِ بُلُوغِهِمَا النِّصَابَ مَعَ كَوْنِهِمَا تَمْرًا وَزَبِيبًا يُزَكِّيهِمَا.
ثُمَّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يَجُوزُ أَنْ يُزَكِّيَهُ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلاحُهُ وَلَوْ بِدَفْعِ الزَّكَاةِ بِالْعُمْلَةِ الْوَرَقِيَّةِ لِأَنَّ الْقِيمَةَ عِنْدَهُمْ تُجْزِئُ.
تَنْبِيهٌ مَا كَانَ مِنَ الْعِنَبِ مِنَ الصِّنْفِ الَّذِي لا يَتَزَبَّبُ يُخْرَجُ مِنْهُ وَهُوَ عِنَبٌ رَطْبٌ قَبْلَ الْجَفَافِ، وَكَذَلِكَ مَا لا يَتَتَمَّرُ مِنْ ثَمَرِ النَّخْلِ يُخْرَجُ مِنْهُ زَكَاتُهُ وَهُوَ رُطَبٌ [الرُّطَبُ هُوَ الَّذِي يُعْصَرُ فَيُسَوَّى مِنْهُ دِبْسٌ].
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَيَجِبُ فِيهَا الْعُشْرُ إِنْ لَمْ تُسْقَ بِمُؤْنَةٍ وَنِصْفُهُ إِنْ سُقِيَتْ بِهَا، وَمَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ أُخْرِجَ مِنْهُ بِقِسْطِهِ.
الشَّرْحُ أَنَّ زَكَاةَ ثَمَرِ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ أَيِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ، وَالزَّرْعِ أَيِ الْحَبِّ مِنَ الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ وَالأَرُزِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ عُشْرُ الْمَحْصُولِ، وَهُوَ ثَلاثُونَ صَاعًا عَنْ ثَلاثِمِائَةٍ إِنْ سُقِيَتْ بِلا مُؤْنَةٍ أَيْ بِلا كُلْفَةٍ كَأَنْ سُقِيَتْ بِمَطَرٍ أَوْ نَحْوِهِ كَمَاءِ النَّهْرِ أَوِ الْعُيُونِ أَوِ الثَّلْجِ أَوْ بِمَا يَجْرِي فِي السَّوَاقِي الْمَحْفُورَةِ مِنَ النَّهْرِ وَإِنِ احْتَاجَتْ لِمُؤْنَةٍ [كَأَنْ تَكَلَّفَ بِالْحَفْرِ مَثَلًا لإِيصَالِ الْمَاءِ]، وَأَمَّا مَا سُقِيَ بِالْمُؤْنَةِ فَيَجِبُ فِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ أَيْ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا عَنِ الثَّلاثِمِائَةِ وَذَلِكَ كَالْمَسْقِيِّ بِالنَّوَاضِحِ مِنَ الإِبِلِ وَالْبَقَرِ [أَيِ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ لِجَلْبِ الْمَاءِ مِنَ الآبَارِ] وَالدَّوَالِيبِ،
وَكَذَلِكَ إِذَا كَانُوا يُخْرِجُونَ الْمَاءَ بِالدِّلاءِ مِنَ الآبَارِ ثُمَّ يَسْقُونَ بِهَا [وَكَذَلِكَ الْمَسْقِيُّ بِوَاسِطَةِ الْمُوَلِّدِ الْكَهْرَبَائِيِّ]، وَكَذَلِكَ الْمَسْقِيُّ بِالْمَاءِ الْمَمْلُوكِ أَوْ بِالْمَاءِ الْمَغْصُوبِ [لِأَنَّ الْمَاءَ الْمَغْصُوبَ سَيَضْمَنُهُ]. فَمَا سُقِيَ بِذَلِكَ أَيْ مَا كَانَ انْتِفَاعُهُ بِذَلِكَ فَقَطْ فَزَكَاتُهُ نِصْفُ الْعُشْرِ. قَالَ الْقَاضِي ابْنُ كَجٍّ لَوِ اشْتَرَى الْمَاءَ كَانَ الْوَاجِبُ نِصْفَ الْعُشْرِ وَكَذَا لَوْ سَقَاهُ بِمَاءٍ مَغْصُوبٍ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَمَانَهُ اهـ.
وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ حُكْمَ مَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ فِي الثِّمَارِ وَالزُّرُوعِ أَنَّهُ يَجِبُ الإِخْرَاجُ مِنْهُ بِحِسَابِهِ وَلَوْ كَانَ يَسِيرًا وَهُوَ الْعُشْرُ أَوْ نِصْفُهُ بِخِلافِ مَا يَزِيدُ فِي النَّعَمِ عَلَى النِّصَابِ فَإِنَّهُ عَفْوٌ لَيْسَ فِيهِ زَكَاةٌ كَمَا مَرَّ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَلا زَكَاةَ فِيمَا دُونَ النِّصَابِ إِلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ.
الشَّرْحُ أَنَّهُ لا زَكَاةَ فِيمَا كَانَ مِنَ الْحَبِّ وَالثَّمَرِ أَقَلَّ مِنَ النِّصَابِ إِلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ مَالِكُهُ خِلافًا لِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ يُوجِبُ الزَّكَاةَ فِيمَا دُونَ النِّصَابِ فِي الثِّمَارِ وَالزُّرُوعِ.#
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَأَمَّا الذَّهَبُ فَنِصَابُهُ عِشْرُونَ مِثْقَالًا وَالْفِضَّةُ مِائَتَا دِرْهَمٍ وَيَجِبُ فِيهِمَا رُبْعُ الْعُشْرِ وَمَا زَادَ فَبِحِسَابِهِ.
الشَّرْحُ أَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مِنَ الذَّهَبِ عِشْرُونَ مِثْقَالًا، وَالْمِثْقَالُ هُوَ مَا كَانَ وَزْنُهُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ حَبَّةَ شَعِيرٍ مُتَوَسِّطَةً بَعْدَ أَنْ يُقْطَعَ مِنْ طَرَفَيْهَا مَا دَقَّ وَطَالَ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُقْشَرَ بِاعْتِبَارِ الْوَسَطِ مِنَ الْحَبَّةِ.
وَأَمَّا الْفِضَّةُ فَنِصَابُهَا أَيِ الْقَدْرُ الَّذِي تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ مِنْهَا مِائَتَا دِرْهَمٍ، وَالدِّرْهَمُ الإِسْلامِيُّ وَزْنُهُ خَمْسُونَ وَخُمُسَا حَبَّةِ شَعِيرٍ مُتَوَسِّطَةٍ، وَلا يَجِبُ فِيهِمَا إِلَّا رُبْعُ الْعُشْرِ. وَمَا زَادَ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى النِّصَابِ وَإِنْ قَلَّ فَبِحَسَابِهِ لِأَنَّهُ لا وَقْصَ أَيْ لا عَفْوَ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِيمَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ كَالأَقْوَاتِ، فَيَجِبُ إِخْرَاجُ رُبْعِ عُشْرِ الزَّائِدِ عَلَى النِّصَابِ، وَأَمَّا مَا نَقَصَ عَنِ النِّصَابِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَلا زَكَاةَ فِيهِ.
وَلا زَكَاةَ فِي الأَثْمَانِ مِنْ غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَذْكُرْ زَكَاةَ غَيْرِهِمَا، وَلا يُنْظَرُ إِلَى رَوَاجِ الثَّمَنِ الَّذِي هُوَ مِنْ غَيْرِهِمَا بِالتَّعَامُلِ بَيْنَ النَّاسِ عِنْدَ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ. وَكَذَلِكَ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَمَذْهَبِ أَحْمَدَ الأَثْمَانُ لَيْسَ فِيهَا زَكَاةٌ إِلَّا الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ.
فَهَذِهِ الأَوْرَاقُ الَّتِي يَتَعَامَلُ بِهَا النَّاسُ الآنَ لا زَكَاةَ فِيهَا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ. بَعْضُ النَّاسِ أَنْكَرُوا هَذَا فَقَالُوا إِنْ قُلْنَا لا زَكَاةَ فِي الْعُمْلَةِ ضَاعَ إِغَاثَةُ الْفُقَرَاءِ وَهَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّ الزَّكَوَاتِ إِنْ لَمْ تَكْفِ حَاجَاتِ الْفُقَرَاءِ تُكَفَّى هَذِهِ الْحَاجَاتُ مِنْ غَيْرِ الزَّكَاةِ عَلَى حَسَبِ مَا بَيَّنَهُ الشَّرْعُ. يُقَالُ لَهُمُ الْفُقَرَاءُ تُسَدُّ حَاجَاتُهُمْ مِنْ غَيْرِ الزَّكَاةِ لِأَنَّهُ فَرْضٌ عَلَى الأَغْنِيَاءِ أَنْ يَسُدُّوا حَاجَاتِ الْفُقَرَاءِ لِلْمَسْكَنِ وَالأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْمَلْبَسِ،
وَاجِبٌ، لَكِنْ أَغْنِيَاءُ هَذَا الْعَصْرِ لا يَعْرِفُونَ، أَحَدُهُمْ يَجْمَعُ مَا يَكْفِي عَشْرَةَ ءَالافِ نَفْسٍ وَلا يَدْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ، جَهْلًا يَهْجُمُونَ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، شَافِعِيٌّ فِي دِمَشْقَ أَلَّفَ شَرْحًا عَلَى أَبِي شُجَاعٍ أَوْ عَلَى نَظْمِ أَبِي شُجَاعٍ كَانَ يَتَحَامَلُ عَلَى مَنْ يَقُولُ لا زَكَاةَ فِي الْعُمْلَةِ الْوَرَقِيَّةِ.
وَإِنَّمَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي النَّقْدَيْنِ إِذَا بَلَغَا النِّصَابَ [فَلَوْ كَانَ مَهْرُ الْمَرْأَةِ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً بَلَغَ نِصَابًا وَمَضَى عَلَيْهِ الْحَوْلُ وَجَبَتْ عَلَيْهَا زَكَاتُهُ وَلَوْ لَمْ تَقْبِضْهُ بَعْدُ. فَلَوْ مَضَتْ سُنُونَ وَلَمْ تَدْفَعْ زَكَاتُهُ لَزِمَهَا دَفْعُ زَكَاةِ كُلِّ مَا مَضَى]. وَكَذَا الْحُلِيُّ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ خَالِصٍ فَحُكْمُهُ كَحُكْمِ النَّقْدِ عِنْدَ مَنْ يُوجِبُ الزَّكَاةَ فِيهِ. وَالِاعْتِبَارُ فِي النِّصَابِ بِخَالِصِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَأَمَّا الْمَخْلُوطُ مِنْهُمَا بِغَيْرِهِ فَلا زَكَاةَ فِيهِ حَتَّى يَبْلُغَ خَالِصُهُ نِصَابًا فَيُخْرَجُ مِنْهُ خَالِصًا أَوْ مَغْشُوشًا خَالِصُهُ قَدْرُ الْوَاجِبِ وَيَكُونُ الْغَشُّ الَّذِي فِيهِ تَبَرُّعًا.
فَائِدَةٌ نِصَابُ الْفِضَّةِ عَشَرَةُ ءَالافٍ وَثَمَانُونَ (10080) حَبَّةَ شَعِيرٍ أَيْ تَقْرِيبًا مَا يُسَاوِي خَمْسَمِائَةٍ وَأَرْبَعَةً وَتِسْعِينَ غرَامًا وَمِائَةً وَأَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ الأَلْفِ مِنَ الْغرَامِ (594،124) مِنَ الْفِضَّةِ وَنِصَابُ الذَّهَبِ أَلْفٌ وَأَرْبَعُمِائَةٍ وَأَرْبَعُونَ حَبَّةَ شَعِيرٍ (1440) أَيْ مَا يُسَاوِي تَقْرِيبًا أَرْبَعَةً وَثَمَانِينَ غرَامًا وَثَمَانَمِائَةٍ وَخَمْسَةً وَسَبْعِينَ جُزْءًا مِنَ الأَلْفِ مِنَ الْغرَامِ (84,875) مِنَ الذَّهَبِ الْخَالِصِ وَمِنَ الْمَغْشُوشِ مَا يُسَاوِي سِتَّةً وَثَمَانِينَ غرَامًا مِنْ عِيَارِ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ، وَسَبْعَةً وَتِسْعِينَ غرَامًا مِنْ عِيَارِ وَاحِدٍ وَعِشْرِينَ (97) وَمِائَةً وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ غرَامًا مِنْ عِيَارِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ (114).
وَيُكَمَّلُ نَوْعٌ بِنَوْعٍ لا جِنْسٌ بِجِنْسٍ فَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ فِي مِلْكِهِ مِقْدَارٌ مِنَ الذَّهَبِ أَقَلُّ مِنَ النِّصَابِ وَمِقْدَارٌ مِنَ الْفِضَّةِ أَقَلُّ مِنَ النِّصَابِ وَلَوْ بِقَدْرٍ يَسِيرٍ فَلا زَكَاةَ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكْمُلِ النِّصَابُ مِنَ الذَّهَبِ بِمُفْرَدِهِ وَلا مِنَ الْفِضَّةِ بِمُفْرَدِهَا. قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَلا بُدَّ فِيهِمَا مِنَ الْحَوْلِ إِلَّا مَا حَصَلَ مِنْ مَعْدِنٍ أَوْ رِكَازٍ فَيُخْرِجُهَا حَالاً وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ.
الشَّرْحُ أَنَّهُ لا بُدَّ فِي وُجُوبِ زَكَاةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مِنَ الْحَوْلِ أَيْ مِنْ حَوَلانِ عَامٍ كَامِلٍ بِاعْتِبَارِ السَّنَةِ الْقَمَرِيَّةِ وَذَلِكَ لِحَدِيثِ «لا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ» [أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ]، فَإِذَا لَمْ يَسْتَمِرَّ سَنَةً كَامِلَةً فِي مِلْكِهِ فَقَدِ انْقَطَعَ الْحَوْلُ، فَإِنْ عَادَ إِلَى مِلْكِهِ يَسْتَأْنِفُ لَهُ سَنَةً كَامِلَةً، لَكِنْ لَوْ مَلَكَ إِنْسَانٌ نِصَابَ ذَهَبٍ أَوْ نِصَابَ فِضَّةٍ سِتَّةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ أَقْرَضَهُ إِنْسَانًا لَمْ يَنْقَطِعِ الْحَوْلُ فَإِنْ حَالَ الْحَوْلُ بِتَمَامِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ أُخَرَ وَجَبَ عَلَيْهِ زَكَاةُ ذَلِكَ النِّصَابِ.
وَالْمَعْدِنُ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ فِي بَابِ الزَّكَاةِ هُوَ الذَّهَبُ أَوِ الْفِضَّةُ اللَّذَانِ يُوجَدَانِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي خَلَقَهُمَا اللَّهُ فِيهِ أَيْ لَيْسَ دَفِينًا فَالدَّفِينُ يُسَمَّى رِكَازًا، وَهَذَا الْحَاصِلُ مِنَ الْمَعْدِنِ يُزَكَّى بَعْدَ تَحْصِيلِهِ وَلا يُنْتَظَرُ لَهُ حَوَلانُ حَوْلٍ لأِنَّ الْحَوْلَ إِنَّمَا يُشْتَرَطُ لِلنَّمَاءِ وَالْمَعْدِنُ نَمَاءٌ فِي نَفْسِهِ فَوَجَبَتْ زَكَاتُهُ فِي الْحَالِ.
وَأَمَّا الرِّكَازُ فَهُوَ الدَّفِينُ الْجَاهِلِيُّ أَيِ الَّذِي كَانَ دُفِنَ قَبْلَ بِعْثَةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْ مَا دَفَنَهُ النَّاسُ قَبْلَ بِعْثَةِ الرَّسُولِ، فَمَنْ عَثَرَ عَلَيْهِ فِي أَرْضٍ لَمْ تُعْمَرْ أَيْ لَيْسَ لَهَا صَاحِبٌ كَبَعْضِ الْجِبَالِ الَّتِي يُقَالُ عَنْهَا مِلْكُ الدَّوْلَةِ، أَوْ فِي أَرْضٍ أَحْيَاهَا هُوَ أَيْ كَانَتْ غَيْرَ مَمْلُوكَةٍ لِأَحَدٍ إِنَّما هُوَ أَحْيَاهَا أَيِ اتَّخَذَهَا مَزْرَعَةً أَوْ بُسْتَانًا أَوْ مَسْكِنًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُزَكِّيَهُ فِي الْحَالِ أَيْ مَعَ بُلُوغِ النِّصَابِ أَيِ الْقَدْرِ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مِنَ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ، وَيُعْرَفُ كَوْنُهُ دَفِينًا جَاهِلِيًّا بِوُجُودِ اسْمِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ تِلْكَ الأَزْمَانِ.
وَأَمَّا مَا عَلَيْهِ اسْمُ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الإِسْلامِ وَمَا يُوجَدُ فِي طَرِيقٍ أَوْ مَسْجِدٍ أَوْ شَاطِئِ الْبَحْرِ أَوْ فِي الْبَرِّيَّةِ فَإِنَّهُ لُقَطَةٌ، وَاللُّقَطَةُ لَهَا حُكْمٌ خَاصٌّ وَهُوَ أَنْ تُعَرَّفَ سَنَةً ثُمَّ بَعْدَ مُضِيِّ السَّنَةٍ إِنْ شَاءَ يَتَمَلَّكُهَا أَيْ بِنِيَّةِ إِنْ ظَهَرَ صَاحِبُهَا يَغْرَمُ لَهُ وَإِنْ شَاءَ يَحْفَظُهَا إِلَى أَنْ يَظْهَرَ صَاحِبُهَا. وَأَمَّا مَا يَجِدُهُ الشَّخْصُ فِي سَيَّارَتِهِ أَوْ دُكَّانِهِ أَوْ بَيْتِهِ أَوْ بُسْتَانِهِ فَلَيْسَ لَهُ حُكْمُ اللُّقَطَةِ بَلْ هُوَ كَالأَمَانَةِ الَّتِي يَضَعُهَا الشَّخْصُ عِنْدَهُ يَحْفَظُهَا وَلَوْ إِلَى عَشْرِ سِنِينَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَهَا، فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يَتْلَفُ وَخَشِيَ تَلَفَهَا يَبِيعُهَا بِنِيَّةِ حِفْظِ ثَمَنِهَا لِصَاحِبِهَا.
وَأَمَّا لَوِ اسْتَأْجَرَ الشَّخْصُ أَرْضًا فَحَفَرَ فِيهَا فَوَجَدَ هَذَا الرِّكَازَ لا يَأْخُذُهُ لِنَفْسِهِ وَلا يَقُولُ هَذَا حَظِّي، بَلْ يُعْطِيهِ لِصَاحِبِ الأَرْضِ إِنْ كَانَ لَهُ وَهُوَ دَفَنَهُ فِيهَا وَإِلَّا فَيَنْظُرُ فِي الَّذِي كَانَ يَمْلِكُ هَذِهِ الأَرْضَ قَبْلَهُ وَهَكَذَا حَتَّى يَصِلَ إِلَى الَّذِي أَحْيَاهَا أَوَّلًا. أَمَّا بَعْضُ النَّاسِ فَمِنْ شِدَّةِ جَهْلِهِمْ بِعِلْمِ الدِّينِ مَتَى مَا وَجَدُوا فِي مَكَانٍ مَا دَفِينًا يَأْكُلُونَهُ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ حَتَّى لَوْ كَانَ دَفِينًا إِسْلامِيًّا أَوْ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ لِمُسْلِمٍ.
ثُمَّ حُكْمُ الرِّكَازِ أَنَّهُ يُخْرَجُ مِنْهُ الخُمُسُ لَيْسَ رُبْعَ الْعُشْرِ بِخِلافِ الْمَعْدِنِ فَإِنَّهُ يُخْرَجُ مِنْهُ رُبْعُ الْعُشْرِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لا مُؤْنَةَ فِي الرِّكَازِ بِخِلافِ الْمَعْدِنِ فَإِنَّ فِيهِ مُؤْنَةً لِتَصْفِيَتِهِ وَتَنْقِيَتِهِ مِنَ التُّرَابِ، فَالْمَعْدِنُ وَالرِّكَازُ كَالزَّرْعِ الَّذِي يُسْقَى بِلا مُؤْنَةٍ وَالزَّرْعِ الَّذِي يُسْقَى بِمُؤْنَةٍ فَإِنَّ زَكَاةَ الَّذِي يُسْقَى بِلا مُؤْنَةٍ الْعُشْرُ وَالَّذِي يُسْقَى بِمُؤْنَةٍ نِصْفُ الْعُشْرِ. وَلا زَكَاةَ عَلَى مَنْ وَجَدَ دَفِينًا جَاهِلِيًّا مِنَ الْجَوَاهِرِ لِأَنَّ الْجَوَاهِرَ لَيْسَ فِيهَا زَكَاةٌ.
وَيُشْتَرَطُ فِي الرِّكَازِ كَوْنُهُ نِصَابًا وَلَوْ بِضَمِّهِ لِمَا فِي مِلْكِهِ مِنْ جِنْسِهِ كَأَنْ كَانَ الرِّكَازُ ذَهَبًا أَقَلَّ مِنْ مِقْدَارِ النِّصَابِ لَكِنْ كَانَ فِي مِلْكِهِ مَا يُكَمِّلُ ذَلِكَ الْقَدْرَ نِصَابًا مِنَ الذَّهَبِ، أَوْ كَانَ عِنْدَهُ عُرُوضُ تِجَارَةٍ تُقَوَّمُ بِنَقْدِهِ بِأَنْ كَانَ الرِّكَازُ ذَهَبًا أَقَلَّ مِنَ النِّصَابِ وَكَانَ لَهُ عُرُوضُ تِجَارَةٍ تُقَوَّمُ بِالذَّهَبِ فَيُكَمَّلُ هَذَا بِهَذَا لِبُلُوغِ النِّصَابِ وَيُزَكَّى.
تَنْبِيهٌ الْحُلِيُّ مِنَ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ إِذَا كَانَ مُبَاحًا أَيْ لَيْسَ حَرَامًا وَلا مَكْرُوهًا بِأَنْ كَانَ لِامْرَأَةٍ فَلِلإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيهِ قَوْلانِ مَرَّةً قَالَ فِيهِ زَكَاةٌ وَمَرَّةً قَالَ لَيْسَ فِيهِ زَكَاةٌ، وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ يُزَكَّى عِنْدَهُ قَوْلًا وَاحِدًا، وَلا فَرْقَ فِي وُجُوبِ زَكَاةِ الْحُلِيِّ عِنْدَهُ بَيْنَ مُبَاحِهِ وَمُحَرَّمِهِ. وَالْقَوْلُ الرَّاجِحُ دَلِيلًا مِنْ قَوْلَيِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُزَكَّى وَذَلِكَ لِحَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ أَنَّهَا قَالَتْ أَتَيْتُ أَنَا وَخَالَتِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْنَا أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ «أَتُؤَدِّيَانِ زَكَاتَهُ»،
قُلْنَا لا قَالَ «أَتُحِبَّانِ أَنْ يُسَوِّرَكُمَا اللَّهُ سِوَارًا مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» قُلْنَا لا قَالَ «فَأَدِّيَا زَكَاتَهُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ [فِي سُنَنِهِ] وَالْبَيْهَقِيُّ [فِي سُنَنِهِ] بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. وَإِنَّمَا قَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ «أَتُؤَدِّيَانِ زَكَاتَهُ» لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ حُلِيَّ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا كَانَ نِصَابًا. وَقَدْ جَاءَ فِي الْقُرْءَانِ أَنَّ الَّذِينَ لا يُؤَدُّونَ زَكَاةَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ تُحَمَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [سُورَةَ التَّوْبَة] وَرُوِيَ فِي الْحَدِيثِ [الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ] أَنَّ الإِنْسَانَ الَّذِي لا يُزَكِّي الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ هَذَا الذَّهَبُ وَهَذِهِ الْفِضَّةُ يَصِيرَانِ ثُعْبَانًا كَبِيرًا يَلْتَقِمُ [أَيْ يَبْتَلِعُ] يَدَ هَذَا الشَّخْصِ الَّذِي لَمْ يُزَكِّ. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «مَنْ ءَاتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ مَالُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» الْمَعْنَى أَنَّهُ يُوضَعُ عَلَى رِقَابِهِمْ كَالطَّوْقِ أَيْ كَالْقِلادَةِ، قِسْمٌ يُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَقِسْمٌ يَكُونُ عَلَيْهِمْ مِثْلَ الثُّعْبَانِ يُطَوَّقُ بِهِ أَعْنَاقُهُمْ قَالَ «ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ» يَعْنِي شِدْقَيْهِ «ثُمَّ يَقُولُ أَنَا مَالُكَ أَنَا كَنْزُكَ»، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا ءَاتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [سُورَةَ ءَالِ عِمْرَان/180]. وَالَّذِي كَانَ لَهُ بَقَرٌ وَغَنَمٌ وَإِبِلٌ وَلا يُزَكِّي مِنْهَا يَصِيرُ الإِبِلُ يَدُوسُهُ بِخُفِّهِ بِرِجْلِهِ، وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا.
أَمَّا حُلِيُّ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ الْمُحَرَّمُ فَهُوَ كَالَّذِي يَتَّخِذُهُ الرَّجُلُ، كَذَلِكَ لَوِ اتَّخَذَتِ الْمَرْأَةُ خَلْخَالًا وَزْنُهُ مِائَتَا مِثْقَالٍ هَذَا إِسْرَافٌ خَرَجَ عَنْ حَدِّ الزِّينَةِ فَخَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ مُبَاحًا إِلَى كَوْنِهِ حَرَامًا فَتَجِبُ زَكَاتُهُ، وَكَذَلِكَ الْمَكْرُوهُ [الْمَكْرُوهُ كَمَا إِذَا كَانَ شَخْصٌ عِنْدَهُ أَوَانٍ مُتَعَدِّدَةٌ أُلْصِقَ بِهَا قِطَعُ فِضَّةٍ كَبِيرَةٌ لِحَاجَةٍ عَلَى مَوْضِعِ الْكَسْرِ، فَإِذَا بَلَغَتْ هَذِهِ الْقِطَعُ نِصَابًا تُزَكَّى]، وَأَمَّا الْمُبَاحُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ كَرَاهَةٌ فَلَيْسَ عَلَى الْمَرْأَةِ فِيهِ زَكَاةٌ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ حَتَّى لَوْ كَانَ عِنْدَهَا ثَوْبٌ مَنْسُوجٌ بِالذَّهَبِ يَبْلُغُ نِصَابًا فَلَيْسَ عَلَيْهَا فِيهِ زَكَاةٌ،
فَمَنْ أَدَّتِ الزَّكَاةَ عَنِ الْحُلِيِّ أَخَذَتْ بِالأَحْوَطِ وَمَنْ لَمْ تُزَكِّ يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَسْكُتَ عَنْهَا لِأَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مَا كَانَتْ تَرَى فِيهِ زَكَاةً وَكَذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ كَانَ يُحَلِّي بَنَاتِهِ بِالذَّهَبِ وَلا يُزَكِّيهِ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ غَيْرِهِمَا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ فَإِنَّهُمَا قَالا لا زَكَاةَ فِي الْحُلِيِّ الْمُبَاحِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَأَمَّا زَكَاةُ التِّجَارَةِ فَنِصَابُهَا نِصَابُ مَا اشْتُرِيَتْ بِهِ مِنَ النَّقْدَيْنِ وَالنَّقْدَانِ هُمَا الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَلا يُعْتَبَرُ إِلَّا ءَاخِرَ الْحَوْلِ وَيَجِبُ فِيهَا رُبْعُ عُشْرِ الْقِيمَةِ.
الشَّرْحُ أَنَّ هَذَا بَيَانُ حُكْمِ زَكَاةِ التِّجَارَةِ، وَمَعْنَى التِّجَارَةِ تَقْلِيبُ الْمَالِ لِغَرَضِ الِاسْتِرْبَاحِ بِأَنْ يَشْتَرِيَ وَيَبِيعَ ثُمَّ يَشْتَرِيَ وَيَبِيعَ لِغَرَضِ الرِّبْحِ. وَأَمَّا نِصَابُهَا فَهُوَ مُعْتَبَرٌ بِنِصَابِ مَا اشْتُرِيَتْ بِهِ مِنَ النَّقْدَيْنِ أَيِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِأَنَّ عُرُوضَ التِّجَارَةِ تُقَوَّمُ بِمَا اشْتُرِيَتْ بِهِ فَإِنِ اشْتُرِيَتْ بِذَهَبٍ قُوِّمَتْ بِالذَّهَبِ، وَإِنِ اشْتُرِيَتْ بِفِضَّةٍ فَبِالْفِضَّةِ، وَإِنِ اشْتُرِيَتْ بِغَيْرِهِمَا قُوِّمَتْ بِالنَّقْدِ الْغَالِبِ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ فَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ نَقْدَ الذَّهَبِ فَبِالذَّهَبِ وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ فِيهِ نَقْدَ الْفِضَّةِ فَبِنَقْدِ الْفِضَّةِ.
هَذَا الْحُكْمُ عِنْدَ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَتُقَوَّمُ بِالنَّقْدِ الَّذِي هُوَ أَنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ، إِنْ كَانَ تَقْوِيْمُ عُرُوضِ التِّجَارَةِ بِالذَّهَبِ أَنْفَعَ لِلْفُقَرَاءِ فَتُقَوَّمُ بِالذَّهَبِ، وَإِنْ كَانَ الأَنْفَعُ تَقْوِيْمَهَا بِالْفِضَّةِ فَتُقَوَّمُ بِالْفِضَّةِ، أَمَّا مَا يَصْرِفُهُ الإِنْسَانُ مِنْ هَذَا الْمَالِ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ قَبْلَ حَوَلانِ الْحَوْلِ لِحَاجَاتِهِ أَوْ يَتَصَدَّقُ بِهِ لِلنَّاسِ أَوْ يَأْخُذُهُ مِنْ هَذِهِ الْبَضَائِعِ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ لِيَتَّخِذَهُ لِقِنْيَةٍ أَيْ أَمْسَكَهُ لِلِانْتِفَاعِ بِعَيْنِهِ أَكْلًا أَوْ شُرْبًا أَوْ لُبْسًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ،
فَهَذَا لا يَدْخُلُ فِي الْحِسَابِ عِنْدَ الزَّكَاةِ. ثُمَّ إِذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهَا نِصَابًا ءَاخِرَ الْحَوْلِ وَجَبَتْ زَكَاةُ هَذِهِ الْعُرُوضِ وَإِلَّا فَلا، فَإِنْ كَانَتِ الْبِضَاعَةُ فِي ءَاخِرِ الْحَوْلِ قِيمَتُهَا تُسَاوِي نِصَابًا وَبَعْدَ الْحَوْلِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ رَخُصَتِ الْبِضَاعَةُ وَقَلَّتْ قِيمَتُهَا لا يُنْظَرُ إِلَى قِيمَتِهَا بَعْدَمَا رَخُصَتْ بَلْ يُنْظَرُ إِلَى الْقِيمَةِ وَقْتَ حَوَلانِ الْحَوْلِ.
ثُمَّ إِنَّهُ لا يَجِبُ فِيهَا إِلَّا رُبْعُ الْعُشْرِ وَهُوَ بِالنِّسْبَةِ لِمِائَتَيْ دِرْهَمِ فِضَّةٍ إِسْلامِيٍّ الَّتِي وَزْنُ كُلِّ دِرْهَمٍ مِنْهَا خَمْسُونَ وَخُمُسَا حَبَّةِ شَعِيرٍ كَمَا مَرَّ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ.
ثُمَّ يَجِبُ فِي مَذْهَبِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ إِخْرَاجُ عَيْنِ الذَّهَبِ أَوْ عَيْنِ الْفِضَّةِ [وَلَيْسَ شَرْطًا أَنْ يُخْرِجَ جُزْءًا مِنْ عَيْنِ الْمُزَكَّى بَلْ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ غَيْرِهِ وَلَوْ بِطَرِيقِ الْقَرْضِ] عِنْدَ الزَّكَاةِ، أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَيَكْفِي إِخْرَاجُ مَا يُسَاوِي الْقِيمَةَ مِنْ أَيِّ ثَمَنٍ مِنَ الأَثْمَانِ كَالْعُمْلَةِ الْمَعْرُوفَةِ الْيَوْمَ وَيُجْزِئُ أَيْضًا عِنْدَهُ غَيْرُ الأَثْمَانِ مِنَ الْعُرُوضِ.
فَائِدَةٌ الْعَرْضُ فِي اصْطِلاحِ الْفُقَهَاءِ هُوَ مَا لَيْسَ ذَهَبًا وَلا فِضَّةً وَجَمْعُهُ عُرُوضٌ، وَأَمَّا الْعِرْضُ بِالْكَسْرِ فَهُوَ مَحَلُّ الذَّمِّ وَالْمَدْحِ مِنَ الإِنْسَانِ، وَأَمَّا الْعُرْضُ بِضَمِّ الْعَيْنِ فَهُوَ الْجَانِبُ يُقَالُ عُرْضُ الْحَائِطِ وَمَعْنَاهُ جَانِبُ الْحَائِطِ، وَأَمَّا الْعَرَضُ بِفَتْحِ الرَّاءِ فَهُوَ مَا لا يَدُومُ. وَأَمَّا الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ فَقَدْ خُصَّا فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ بِاسْمِ النَّقْدِ، فَإِذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ النَّقْدُ فَهُوَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَمَا سِوَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ يُقَالُ لَهُ كَمَا مَرَّ عَرْضٌ. وَأَمَّا الأَثْمَانُ الَّتِي تَكُونُ مِنَ النُّحَاسِ فَلَهَا اسْمٌ خَاصٌّ وَهُوَ الْفَلْسُ يُقَالُ فَلْسٌ وَفُلُوسٌ وَكَانَتْ مَعْرُوفَةً فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ أَنْشَدَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ [الْوَافِر]
يُحِبُّ الْخَمْرَ مِنْ مَالِ النَّدَامَى وَيَكْرَهُ أَنْ تُفَارِقَهُ الْفُلُوسُ [هَذَا وَصْفُ رَجُلٍ مِنْ شِدَّةِ بُخْلِهِ لا يَشْتَرِي الْخَمْرَ إِنَّمَا يَشْرَبُ مِمَّا اشْتَرَاهُ غَيْرُهُ].
ثُمَّ يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الزَّكَاة فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ أَنْ لا يَقْطَعَ نِيَّةَ التِّجَارَةِ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ فَإِنْ قَطَعَهَا فَلا زَكَاةَ عَلَيْهِ، أَمَّا إِنْ قَطَعَ نِيَّةَ التِّجَارَةِ بَعْدَمَا حَالَ الْحَوْلُ فَفِيهِ زَكَاةٌ لِهَذَا الْعَامِ الْمَاضِي، أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسْتَقْبَلِ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ مَالَ تِجَارَةٍ.
وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ لا يَنِضَّ أَيْ أَنْ لا يَرْجِعَ مَالُ التِّجَارَةِ نَاقِصًا عَنِ النِّصَابِ بِالنَّقْدِ الَّذِي يُقَوَّمُ بِهِ أَثْنَاءَ الْحَوْلِ [وَمَعْنَى أَنْ لا يَنِضَّ أَيْ أَنْ لا يَرْجِعَ إِلَى أَصْلِهِ الَّذِي مُلِكَ بِهِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ نَاقِصًا عَنِ النِّصَابِ أَثْنَاءَ الْحَوْلِ كَأَنِ اشْتَرَى عَرْضًا بِذَهَبٍ فَبَاعَهُ أَثْنَاءَ الْحَوْلِ بِأَقَلَّ مِنْ نِصَابِ الذَّهَبِ كَأَنْ بَاعَهُ بِسَبْعَةَ عَشَرَ دِينَارًا انْقَطَعَ هَذَا الْحَوْلُ فَإِذَا حَالَ ذَلِكَ الْحَوْلُ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، فَإِنِ اشْتَرَى بِهَذَا الذَّهَبِ الَّذِي بَاعَ بِهِ عَرْضَ التِّجَارَةِ عَرْضًا لِلتِّجَارَةِ انْعَقَدَ حَوْلُهُ مِنْ حِينَئِذٍ،
أَمَّا لَوْ بَاعَهُ بِعَرْضٍ أَوْ بِنَقْدٍ لا يُقَوَّمُ بِهِ ءَاخِرَ الْحَوْلِ فَحَوْلُهُ بَاقٍ]، يُقَالُ نَضَّ الْمَالُ أَيْ رَجَعَ إِلَى أَصْلِهِ إِنْ كَانَ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ مِنْ فِضَّةٍ، فَمَالُ التِّجَارَةِ إِنِ اسْتُعْمِلَ ثُمَّ بِيعَ بِالذَّهَبِ إِنْ كَانَ أَصْلُهُ ذَهَبًا أَوْ بِالْفِضَّةِ إِنْ كَانَ أَصْلُهُ فِضَّةً وَكَانَ ذَلِكَ الْمَبْلَغُ نَاقِصًا عَنِ النِّصَابِ انْقَطَعَ الْحَوْلُ. وَأَمَّا إِذَا بَدَأَ الشَّخْصُ تِجَارَتَهُ بِمَالٍ ثُمَّ بَعْدَ مُرُورِ الْحَوْلِ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ مَالَهُ نَقَصَ عَنْ أَصْلِهِ أَيْ خَسِرَ بِتِجَارَتِهِ وَلَكِنَّهُ مَا زَالَ نِصَابًا أَوْ فَوْقَ النِّصَابِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ الزَّكَاةَ عَنْ مَالِهِ الَّذِي بَقِيَ.
وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا اقْتِرَانُ النِّيَّةِ بِتَمَلُّكِ الْمَالِ بِمُعَاوَضَةٍ مَحْضَةٍ كَبَيْعٍ أَوْ إِجَارَةٍ، أَوْ غَيْرِ مَحْضَةٍ كَعِوَضِ دَمٍ أَيْ دِيَةِ نَفْسٍ وَمَا دُونَهَا مِنَ الْجِنَايَاتِ كَدِيَةِ الْعَيْنِ أَوِ الْيَدِ، وَمَا تُمُلِّكَ عَلَى أَنَّهُ مَهْرٌ أَوْ كَانَ عِوَضَ خُلْعٍ إِذَا نَوَى بِهَا التِّجَارَةَ، وَمَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ مُقَابَلَةُ شَىْءٍ بِشَىْءٍ، فَكُلُّ مَا مُلِكَ بِإِحْدَى هَذِهِ الْوُجُوهِ مَعَ نِيَّةِ التِّجَارَةِ فَفِيهِ الزَّكَاةُ، فَلَوْ أُصْدِقَتِ الْمَرْأَةُ عَرْضًا مِنَ الْعُرُوضِ أَيْ جُعِلَ ذَلِكَ مَهْرًا لَهَا فَاسْتَلَمَتْهُ وَهِيَ تَنْوِي التِّجَارَةَ بِهِ أَوِ اخْتَلَعَتْ نَفْسَهَا بِمَالٍ مِنْ زَوْجِهَا أَيِ اشْتَرَتْ نَفْسَهَا بِمَبْلَغٍ مِنَ الْمَالِ مِنْ زَوْجِهَا لِفَكِّ الْعِصْمَةِ فَنَوَى الزَّوْجُ عِنْدَمَا قَبَضَ ذَلِكَ الْعَرْضَ مِنْهَا التِّجَارَةَ بِهِ فَفِي ذَلِكَ زَكَاةٌ لِأَنَّهُ مُلِكَ بِمُعَاوَضَةٍ،
بِخِلافِ الْمَالِ الَّذِي يُتَمَلَّكُ بِغَيْرِ مُعَاوَضَةٍ كَالْمَالِ الْمُتَمَلَّكِ بِالإِرْثِ وَقَدْ مَرَّ حُكْمُهُ أَوِ الْهِبَةِ بِلا ثَوَابٍ أَيْ جَزَاءٍ يُقَابَلُ بِهِ فَإِنَّهُ لا زَكَاةَ فِيهِ [وَالْهِبَةُ بِثَوَابٍ هُوَ أَنْ يَقُولَ وَهَبْتُكَ هَذَا عَلَى أَنْ تَهَبَنِي كَذَا هَذِهِ مُعَاوَضَةٌ أَمَّا إِذَا قَالَ وَهَبْتُكَ هَذَا ثُمَّ قَالَ وَأَنَا أَهَبُكَ هَذَا فَلَيْسَتْ هَذِهِ الْهِبَةُ مُعَاوَضَةً لِأَنَّهُ لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهَا الثَّوَابُ أَيِ الْجَزَاءُ، فَالصُّورَةُ الأُولَى بَيْعٌ مَعْنًى وَحُكْمًا]، فَلَوْ وَرِثَ الرَّجُلُ بَضَائِعَ كَانَ مُوَرِّثُهُ مَالِكَهَا أَوْ وَهَبَهُ شَخْصٌ هِبَةً بِلا مُقَابِلٍ فَلا زَكَاةَ فِيهِ لِأَنَّهُ مُلِكَ بِلا مُعَاوَضَةٍ [رَأْسُ الْمَالِ إِذَا كَانَ دَخَلَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الْمُعَاوَضَةِ فَلا زَكَاةَ فِيهِ].
وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا لِوُجُوبِ زَكَاةِ التِّجَارَةِ أَنْ لا يَقْصِدَ بِعَرْضِ التِّجَارَةِ الْقِنْيَةَ أَيِ الإِمْسَاكَ فِي يَدِهِ لِغَيْرِ التِّجَارَةِ وَلَوْ كَانَتْ قِنْيَتُهُ مُحَرَّمَةً فَإِنَّهُ يَنْقَطِعُ حَوْلُ مَا نَوَاهَا فِيهِ وَقَدْ مَرَّ.
وَالْعِبْرَةُ فِي زَكَاةِ التِّجَارَةِ بِثَمَنِ الْبِضَاعَةِ عِنْدَ حَوَلانِ الْحَوْلِ بِاعْتِبَارِ شِرَاءِ النَّاسِ لِلْبِضَاعَةِ وَلَيْسَ بِاعْتِبَارِ شِرَاءِ التَّاجِرِ لِلْبِضَاعَةِ. وَهَذَا الْحُكْمُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ يَبِيعُ بِالْجُمْلَةِ وَالْمُفَرَّقِ يَحْسُبُ سِعْرَ الْمَبِيعِ بِالْجُمْلَةِ، فَإِنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهَا بِاعْتِبَارِ الْجُمْلَةِ النِّصَابَ وَجَبَتْ فِيهَا الزَّكَاةُ.
وَإِذَا كَانَ التَّاجِرُ اشْتَرَى بِضَاعَةً بِثَمَنٍ فِي الذِّمَّةِ وَبَاعَ بِضَاعَةً بِثَمَنٍ فِي الذِّمَّةِ فَعِنْدَ حَوَلانِ الْحَوْلِ يَحْسُبُ هَذَا الْمَالَ وَيُزَكِّيهِ، وَقَالَ بَعْضُ الأَئِمَّةِ لا يَحْسُبُ قَدْرَ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ وَيُزَكِّي مَا سِوَاهُ إِنْ بَلَغَ النِّصَابَ عِنْدَ حَوَلانِ الْحَوْلِ [هَذَا إِنْ كَانَ لا يَمْلِكُ مَا يَفِي بِهِ الدَّيْنَ وَإِلَّا فَيَلْزَمُهُ أَنْ يُزَكِّيَهُ]، وَإِنْ نَسِيَ بَعْدَ حَوَلانِ الْحَوْلِ كَمْ كَانَ مَالُ التِّجَارَةِ الَّذِي عِنْدَهُ يُزَكِّي الْقَدْرَ الْمُتَيَقَّنَ وَإِنْ شَاءَ الِاحْتِيَاطَ يُزَكِّي الْحَدَّ الأَقْصَى الَّذِي يَظُنُّ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ عِنْدَ حَوَلانِ الْحَوْلِ.
