قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ كُلَّ عَقْدٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ يَدُلُّ عَلَى اسْتِخْفَافٍ بِاللَّهِ أَوْ كُتُبِهِ أَوْ رُسُلِهِ أَوْ مَلائِكَتِهِ أَوْ شَعَائِرِهِ أَوْ مَعَالِمِ دِينِهِ أَوْ أَحْكَامِهِ أَوْ وَعْدِهِ أَوْ وَعِيدِهِ كُفْرٌ، فَلْيَحْذَرِ الإِنْسَانُ مِنْ ذَلِكَ جَهْدَهُ عَلَى أَيِّ حَالٍ.
الشَّرْحُ أَنَّ مَا كَانَ دَالًّا عَلَى الِاسْتِخْفَافِ وَالِاسْتِهْزَاءِ بِاللَّهِ وَأُمُورِ الدِّينِ هُوَ كُفْرٌ، أَمَّا مَا كَانَ دَالًّا عَلَى الِاسْتِهَانَةِ الَّتِي هِيَ دُونَ الِاسْتِخْفَافِ أَيْ مَا كَانَ فِيهِ إِخْلالٌ بِالتَّعْظِيمِ وَالأَدَبِ فَإِنَّهُ حَرَامٌ كَمَنْ يَمَسُّ الْمُصْحَفَ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ.
وَهَذَا الْمَذْكُورُ هُنَا مِنَ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الِاسْتِخْفَافِ وَالِاسْتِهَانَةِ لا يَتَمَشَّى مَعَ تَفْسِيرِ صَاحِبِ الْقَامُوسِ لِلاِسْتِهَانَةِ وَكَذَلِكَ شَارِحُهُ بِأَنَّهَا الِاسْتِخْفَافُ فَهُمَا مُتَرَادِفَانِ عَلَى قَوْلِهِمَا، لَكِنَّهُ يَتَمَشَّى مَعَ قَوْلِ بَعْضٍ كَالنَّوَوِيِّ فَلْيُعْلَمْ ذَلِكَ.
وَالْعَقْدُ مَعْنَاهُ الِاعْتِقَادُ، وَالشَّعَائِرُ وَالْمَعَالِمُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. الْمَعَالِمُ جَمْعُ مَعْلَمٍ، وَالْمَعْلَمُ بِمَعْنَى الشَّعِيرَةِ وَهُوَ مَا كَانَ مَشْهُورًا مِنْ أُمُورِ الدِّينِ كَالصَّلاةِ وَالْحَجِّ وَالزَّكَاةِ وَالأَذَانِ وَالْمَسَاجِدِ وَعِيدِ الأَضْحَى وَعِيدِ الْفِطْرِ. وَكُلُّ ذَلِكَ يُسَمَّى شَعِيرَةً مِنْ شَعَائِرِ الدِّينِ.
وَقَالَ الْفُقَهَاءُ: يُسْتَثْنَى مِنَ الْكُفْرِ الْقَوْلِيِّ
حَالَةُ سَبْقِ اللِّسَانِ: أَيْ أَنْ يَتَكَلَّمَ الشَّخْصُ بِشَىْءٍ مِنْ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ إِرَادَةٍ بَلْ جَرَى عَلَى لِسَانِهِ وَلَمْ يَقْصِدْ قَوْلَهُ بِالْمَرَّةِ.
وَحَالَةُ غَيْبُوبَةِ الْعَقْلِ: أَيْ عَدَمِ صَحْوِ الْعَقْلِ.
وَحَالَةُ الإِكْرَاهِ: فَمَنْ نَطَقَ بِالْكُفْرِ بِلِسَانِهِ مُكْرَهًا بِالْقَتْلِ وَنَحْوِهِ [أَيْ مَا كَانَ مُفْضِيًا إِلَى الْمَوْتِ عَادَةً] وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيـمَانِ غَيْرَ شَارِحٍ صَدْرَهُ بِالْكُفْرِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى لِسَانِهِ فَلا يَكْفُرُ.
تَنْبِيهٌ يَنْبَغِي أَنْ يُضَافَ إِلَى قَوْلِهِمْ: مُسْتَثْنَى مِنَ الْحُكْمِ بِالتَّكْفِيرِ مَنْ نَطَقَ بِكَلِمَةِ الرِّدَّةِ حَالَةَ الإِكْرَاهِ وَحَالَةَ سَبْقِ اللِّسَانِ وَحَالَةَ غَيْبُوبَةِ الْعَقْلِ كَلِمَاتٌ وَهِيَ: تُسْتَثْنَى حَالَةُ الْحِكَايَةِ لِكُفْرِ الْغَيْرِ فَلا يَكْفُرُ الْحَاكِي كُفْرَ غَيْرِهِ وَمُسْتَنَدُنَا فِي هَذَا أَيْ فِي اسْتِثْنَاءِ مَسْئَلَةِ الْحِكَايَةِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [سُورَةَ التَّوْبَة/30]. وَقَوْلُهُ ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [سُورَةَ الْمَائِدَة/64] نَسَبُوا إِلَى اللَّهِ الْبُخْلَ فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [سُورَةَ الْمَائِدَة/64] أَيْ وَاسِعُ الْكَرَمِ.
ثُمَّ الْحِكَايَةُ الْمَانِعَةُ لِكُفْرِ حَاكِي الْكُفْرِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ فِي أَوَّلِ الْكَلِمَةِ الَّتِي يَحْكِيهَا عَمَّنْ كَفَرَ أَوْ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْكَلِمَةَ عَقِبَهَا أَيْ وَكَانَ فِي نِيَّتِهِ أَنْ يُؤَخِّرَ أَدَاةَ الْحِكَايَةِ مِنَ الاِبْتِدَاءِ، فَلَوْ قَالَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ قَوْلُ النَّصَارَى أَوْ قَالَتْهُ النَّصَارَى فَهِيَ حِكَايَةٌ مَانِعَةٌ لِلْكُفْرِ عَنِ الْحَاكِي، فَأَدَاةُ الْحِكَايَةِ لِكَلِمَةِ الْكُفْرِ إِنْ قُدِّمَتْ فَهِيَ أَحْسَنُ وَإِنْ أُخِّرَتْ نَفَعَتْ لِدَفْعِ الْكُفْرِ عَنِ الْحَاكِي.
وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْكِتَابَةِ فَمَنْ كَتَبَ كَلامًا فِيهِ كُفْرٌ مَعَ أَدَاةِ الْحِكَايَةِ قَبْلَ الْكَلامِ الَّذِي هُوَ كُفْرٌ أَوْ بَعْدَهُ مُتَّصِلًا بِهِ وَكَانَ نَاوِيًا قَبْلَ أَنْ يَكْتُبَ كَلامَ الْكُفْرِ أَنْ يُتْبِعَهُ بِالْحِكَايَةِ فَلا يَكْفُرُ [قَدْ تَكُونُ أَدَاةُ الْحِكَايَةِ تَقْدِيرِيَّةً كَالَّذِي يَقُولُ مَاذَا تَقُولُ الْيَهُودُ فِي عُزَيْرٍ؟ فَقَالَ: ابْنُ اللَّهِ، فَلا يُشْتَرَطُ أَنْ يَقُولَ يَقُولُونَ ابْنُ اللَّهِ لِأَنَّ الْحِكَايَةَ هُنَا تَقْدِيرِيَّةٌ].
وَتُسْتَثْنَى حَالَةُ كَوْنِ الشَّخْصِ مُتَأَوِّلًا بِاجْتِهَادِهِ فِي فَهْمِ الشَّرْعِ فَإِنَّهُ لا يَكْفُرُ الْمُتَأَوِّلُ كَتَأَوُّلِ الَّذِينَ مَنَعُوا الزَّكَاةَ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ بِأَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ فِي عَهْدِ الرَّسُولِ لِأَنَّ صَلاتَهُ عَلَيْهِمْ عِنْدَ دَفْعِ الزَّكَاةِ إِلَيْهِ كَانَتْ سَكَنًا لَهُمْ وَطُهْرَةً وَأَنَّ ذَلِكَ انْقَطَعَ بِمَوْتِهِ، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يُكَفِّرُوهُمْ لِذَلِكَ إِنَّمَا كَفَّرُوا الآخَرِينَ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَنِ الإِسْلامِ لِطَاعَتِهِمْ لِمُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ الَّذِي ادَّعَى الرِّسَالَةَ، فَمُقَاتَلَتُهُمْ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ تَأَوَّلُوا مَنْعَ الزَّكَاةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ كَانَ لِأَخْذِ الْحَقِّ الْوَاجِبِ عَلَيْهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ،
فَقَدْ كَانَ لَهُمْ شَوْكَةٌ وَلَجَأُوا إِلَى الْقِتَالِ، فَاضْطَرَّ أَبُو بَكْرٍ إِلَى أَنْ يُقَاتِلَهُمْ لِيَأْخُذَ الزَّكَاةَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ لا لِأَنَّهُ كَفَّرَهُمْ، وَذَلِكَ كَقِتَالِ الْبُغَاةِ فَإِنَّهُمْ لا يُقَاتَلُونَ لِكُفْرِهِمْ بَلْ يُقَاتَلُونَ لِرَدِّهِمْ إِلَى طَاعَةِ الْخَلِيفَةِ كَالَّذِينَ قَاتَلَهُمْ سَيِّدُنَا عَلِيٌّ فِي الْوَقَائِعِ الثَّلاثِ وَقْعَةِ الْجَمَلِ وَوَقَعْةِ صِفِّينَ وَوَقْعَةِ النَّهْرَوَانِ، عَلَى أَنَّ مِنَ الْخَوَارِجِ صِنْفًا هُمْ كُفَّارٌ حَقِيقَةً فَأُولَئِكَ لَهُمْ حُكْمُهُمُ الْخَاصُّ.
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ الْعِرَاقِيُّ فِي نُكَتِهِ »وَقَالَ شَيْخُنَا - يَعْنِي الْبُلْقِينِيَّ - أَيْضًا: يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ بِلا تَأْوِيلٍ لِيَخْرُجَ الْبُغَاةُ وَالْخَوَارِجُ الَّذِينَ يَسْتَحِلُّونَ دِمَاءَ أَهْلِ الْعَدْلِ وَأَمْوَالَهُمْ وَيَعْتَقِدُونَ تَحْرِيْمَ دِمَائِهِمْ عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ وَالَّذِينَ أَنْكَرُوا وُجُوبَ الزَّكَاةِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّأْوِيلِ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لَمْ يُكَفِّرُوهُمْ« اهـ، وَهَذَا شَاهِدٌ مِنْ مَنْقُولِ الْمَذْهَبِ لِمَسْئَلَةِ التَّأْوِيلِ بِالِاجْتِهَادِ. أُولَئِكَ الَّذِينَ ظَهَرُوا فِي الصَّدْرِ الأَوَّلِ كَانُوا عَلَى قِسْمَيْنِ قِسْمٌ يُكَفِّرُونَ أَهْلَ السُّنَّةِ قَاطِبَةً وَيَسْتَحِلُّونَ دِمَاءَهُمْ كَالْخَوَارِجِ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ كُلَّ مَنْ عَدَاهُمْ فَهَؤُلاءِ كُفَّارٌ، وَقِسْمٌ كَالْخَوَارِجِ الَّذِينَ يَكْتَفُونَ بِتَكْفِيرِ مُرْتَكِبِ الْكَبِيرَةِ فَهَؤُلاءِ الَّذِينَ لَمْ يُكَفِّرْهُمُ الصَّحَابَةُ وَإِنَّمَا فَسَّقُوهُمْ [وَمِنْ هَؤُلاءِ الْخَوَارِجِ قَاتِلُ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَدْ مَدَحَهُ رَجُلٌ ءَاخَرُ مِنَ الْخَوَارِجِ فَقَالَ:
يَا ضَرْبَةً مِنْ تَقِيٍّ مَا أَرَادَ بِهَا إِلَّا لِيَبْلُغَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ رِضْوَانًا
فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْقَاتِلِ وَعَلَى هَذَا الَّذِي مَدَحَهُ، هَذَا الْمَادِحُ يُسَمَّى عِمْرَان بن حطَّان كَانَ ظَاهِرُهُ حَسَنًا ثُمَّ كَفَرَ، اللَّهُ يُحْسِنُ عَاقِبَتَنَا].
فَالْخَارِجِيُّ الَّذِي يُكَفِّرُ أَهْلَ السُّنَّةِ قَاطِبَةً وَيَسْتَحِلُّ دَمَهُمْ فَهُوَ كَافِرٌ، وَأَمَّا الْخَارِجِيُّ الَّذِي يُكَفِّرُ مُرْتَكِبَ الْكَبِيرَةِ فَهَذَا الَّذِي لَمْ يُكَفِّرُوهُ وَلَكِنْ فَسَّقُوهُ.
وَقَوْلُنَا فِي الْخَوَارِجِ بِاسْتِثْنَاءِ بَعْضِهِمْ مِنَ الَّذِينَ لَمْ يُكَفَّرُوا لِثُبُوتِ مَا يَقْتَضِي التَّكْفِيرَ فِي بَعْضِهِمْ كَمَا يُؤَيِّدُهُ قَوْلُ بَعْضِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ رَوَوْا أَحَادِيثَ الْخَوَارِجِ.
وَأَمَّا مَا يُرْوَى عَنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ مِنْ أَنَّهُ قَالَ: «إِخْوَانُنَا بَغَوْا عَلَيْنَا» فَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ لِلْحُكْمِ عَلَى جَمِيعِهِمْ بِالإِسْلامِ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ إِسْنَادًا عَنْ عَلِيٍّ، وَقَدْ قَطَعَ الْحَافِظُ الْمُجْتَهِدُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ بِتَكْفِيرِهِمْ [انْظُرْ فَتْحَ الْبَارِي]، وَحُمِلَ ذَلِكَ عَلَى اخْتِلافِ أَحْوَالِ الْخَوَارِجِ بِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ وَصَلَ إِلَى حَدِّ الْكُفْرِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَصِلْ.
وَمِمَّا يَشْهَدُ مِنَ الْمَنْقُولِ فِي مَسْئَلَةِ الِاجْتِهَادِ بِالتَّأْوِيلِ وَحِكَايَةِ الْكُفْرِ قَوْلُ شَمْسِ الدِّينِ الرَّمْلِيِّ فِي شَرْحِهِ عَلَى مِنْهَاجِ الطَّالِبِينَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الرِّدَّةِ فِي شَرْحِ قَوْلِ النَّوَوِيِّ: «الرِّدَّةُ قَطْعُ الإِسْلامِ بِنِيَّةٍ أَوْ قَوْلِ كُفْرٍ» [لِأَنَّ اجْتِمَاعَ الْقَوْلِ مَعَ النِّيَّةِ لَيْسَ شَرْطًا بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَافٍ] مَا نَصُّهُ: «فَلا أَثَرَ لِسَبْقِ لِسَانٍ، أَوْ إِكْرَاهٍ، وَاجْتِهَادٍ، وَحِكَايَةِ كُفْرٍ» اهـ.
وَقَوْلُ الْمُحَشِّي نُورِ الدِّينِ عَلِيٍّ الشَّبْرَامَلِّسِيِّ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ أَلْفٍ وَسَبْعٍ وَثَمَانِينَ عِنْدَ قَوْلِ الرَّمْلِيِّ «وَاجْتِهَادٍ» مَا نَصُّهُ «أَيْ لا مُطْلَقًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِمَا سَيَأْتِي مِنْ نَحْوِ كُفْرِ الْقَائِلِينَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ مَعَ أَنَّهُ بِالِاجْتِهَادِ وَالِاسْتِدْلالِ» اهـ.
وَقَالَ الْمُحَشِّي الآخَرُ عَلَى الرَّمْلِيِّ أَحْمَدُ بنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الْمَعْرُوفُ بِالْمَغْرِبِيِّ الرَّشِيدِيِّ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ أَلْفٍ وَسِتٍّ وَتِسْعِينَ «قَوْلُهُ «وَاجْتِهَادٍ» أَيْ فِيمَا لَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ الْقَاطِعُ عَلَى خِلافِهِ بِدَلِيلِ كُفْرِ نَحْوِ الْقَائِلِينَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ مَعَ أَنَّهُ بِالِاجْتِهَادِ» اهـ [وَالْمُحَشِّي مَعْنَاهُ الَّذِي عَمِلَ الْحَاشِيَةَ وَالْحَاشِيَةُ كَالشَّرْحِ لَكِنَّ الْحَاشِيَةَ لا تَسْتَوْعِبُ حَلَّ أَلْفَاظِ الْمَتْنِ جَمِيعِهَا إِنَّمَا تَحُلُّ بَعْضَ الأَلْفَاظِ فَيُقَالُ لِمَنْ عَمِلَ حَاشِيَةً عَلَى كِتَابٍ مُحَشٍّ، شَرْحُ الرَّمْلِيِّ عَلَى مِنْهَاجِ الطَّالِبِينَ عُمِلَ عَلَيْهِ حَاشِيَتَانِ مَطْبُوعَتَانِ مَعَ الْكِتَابِ].
الْمُرَادُ أَنَّ الِاجْتِهَادَ لَيْسَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ عُذْرًا يَمْنَعُ التَّكْفِيرَ بَلْ شَرْطُهُ أَنْ لا يَكُونَ فِي الْقَطْعِيَاتِ فَالِاجْتِهَادُ فِي القَطْعِيَاتِ إِذَا أَدَّى بِصَاحِبِهِ إِلَى الْكُفْرِ لا يُعْذَرُ أَيْ لا يُقَالُ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلا يَكْفُرُ، لِأَنَّ كَثِيرِينَ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الإِسْلامِ اجْتَهَدُوا فِي الْقَطْعِيَاتِ فَدَخَلُوا فِي الْكُفْرِ فَلا يُعْذَرُونَ بَلْ يُكَفَّرُونَ وَيُجْرَى عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّ كَالْفَلاسِفَةِ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الإِسْلامِ وَهُمْ خَارِجُونَ مِنَ الإِسْلامِ كَأَبِي عَلِيِّ بنِ سِينَا وَالْفَارَابِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ الْحَفِيدِ،
هَؤُلاءِ مَالُوا إِلَى الْقَوْلِ بِقِدَمِ الْعَالَمِ فَلا يُعْذَرُونَ بَلْ يُجْرَى عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّ، وَمَعْنَى تَسْمِيَتِهِمُ الإِسْلامِيِّينَ ادِّعَاءُ الإِسْلامِ مِنْهُمْ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُعْلِنُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ يَنْتَمُونَ إِلَى دِينٍ غَيْرِ الإِسْلامِ، وَقَدْ أَوْقَعَهُمْ فِي الْكُفْرِ اجْتِهَادُهُمُ الْفَاسِدُ. وَقَدْ كَفَّرَهُمْ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ فِي ثَلاثَةِ أَشْيَاءَ لِقَوْلِهِمْ بِأَزَلِيَّةِ الْعَالَمِ وَلإِنْكَارِهِمْ حَشْرَ الأَجْسَادِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِقَوْلِهِمُ اللَّهُ لا يَعْلَمُ الْجُزْئِيَّاتِ إِلَّا الْكُلِّيَّاتِ فَمَنْ خَالَفَ أَصْلًا مِنْ أُصُولِ الدِّينِ كَهَذِهِ الْمَسَائِلِ الثَّلاثِ فَهُوَ كَافِرٌ وَلَوْ كَانَ يُصَلِّي وَيَصُومُ وَيَقُولُ الشَّهَادَتَيْنِ بِلِسَانِهِ.
وَالْعَجَبُ مِنَ الْوَهَّابِيَّةِ يُكَفِّرُونَ ابْنَ سِينَا وَلا يُكَفِّرُونَ ابْنَ تَيْمِيَةَ وَهُوَ أَخُوهُ، فَكِلاهُمَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الْعَالَمَ أَزَلِيٌّ غَيْرَ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ ابْنَ سِينَا يَقُولُ الْعَالَمُ أَزَلِيٌّ بِمَادَّتِهِ وَصُورَتِهِ أَيْ تَرْكِيبِهِ وَابْنَ تَيْمِيَةَ يَقُولُ الْعَالَمُ جِنْسُهُ أَزَلِيٌّ وَالأَفْرَادُ الْمُعَيَّنَةُ حَادِثَةٌ. ابْنُ سِينَا كَانَ يُظْهِرُ انْتِمَاءَهُ إِلَى الْفَلاسِفَةِ أَمَّا ابْنُ تَيْمِيَةَ لا يُظْهِرُ بَلْ يَنْسُبُ رَأْيَهُ هَذَا الَّذِي هُوَ رَأْيُ الْفَلاسِفَةِ الْمُحْدَثِينَ إِلَى أَهْلِ الْحَدِيثِ.
فَابْنُ سِينَا وَمِثْلُهُ الْفَارَابِيُّ اجْتَهَدَا لَكِنَّهُ اجْتِهَادٌ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ اجْتِهَادٌ مَعَ وُجُودِ الدَّلِيلِ الْقَاطِعِ وَلا يُعْتَبَرُ الِاجْتِهَادُ مَعَ قِيَامِ الدَّلِيلِ الْقَاطِعِ لِأَنَّ حُدُوثَ الْعَالَمِ قَامَتْ عَلَيْهِ الدَّلائِلُ الْقَطْعِيَةُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ فَاجْتِهَادُ ابْنِ سِينَا وَالْفَارَابِيِّ وَأَمْثَالِهِمَا مِمَّنْ يُسَمُّونَهُمُ الْفَلاسِفَةَ الإِسْلامِيِّينَ لَيْسَ اجْتِهَادًا مُعْتَبَرًا فَلا يُعْذَرُونَ بَلْ يُكَفَّرُونَ، وَعَلَى وَفْقِ هَذَا يُحْمَلُ الْكَلامُ الَّذِي نَقَلَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنِ الأُصُولِيِّينَ أَنَّ مَنْ نَطَقَ بِكَلِمَةِ الرِّدَّةِ وَزَعَمَ أَنَّهُ أَضْمَرَ تَوْرِيَةً كُفِّرَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا،
يَعْنِي التَّوْرِيَةَ الْبَعِيدَةَ أَمَّا التَّوْرِيَةُ الْقَرِيبَةُ لا يُكَفَّرُ مُرِيدُهَا. وَمِمَّنْ نَقَلَ أَنَّ التَّأْوِيلَ الْبَعِيدَ لا يُقْبَلُ الْحَافِظُ السُّبْكِيُّ فِي فَتَاوِيهِ وَالْقَاضِي عِيَاضٌ الْمَالِكِيُّ. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ أُنَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالْوَحْيِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَإِنَّ الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ [أَيْ وَحْيَ التَّشْرِيعِ]، فَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا خَيْرًا أَمِنَّاهُ وَصَدَّقْنَاهُ وَقَرَّبْنَاهُ، وَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا غَيْرَ ذَلِكَ لَمْ نَأْمَنْهُ وَلَمْ نُصَدِّقْهُ وَإِنْ قَالَ إِنَّ سَرِيرَتَهُ حَسَنَةٌ» اهـ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ تَأْوِيلٌ قَرِيبٌ قَبِلْنَاهُ أَمَّا التَّأْوِيلُ الْبَعِيدُ فَلا نَقْبَلُهُ.
وَقَالَ الْفَقِيهُ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ حَبِيبُ بنُ الرَّبِيعِ: «ادِّعَاءُ التَّأْوِيلِ فِي لَفْظٍ صُرَاحٍ لا يُقْبَلُ».
وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مُتَأَوِّلٍ يَمْنَعُ عَنْهُ تَأْوِيلُهُ التَّكْفِيرَ. فَلْيَجْعَلْ طَالِبُ الْعِلْمِ قَوْلَ الرَّشِيدِيِّ الْمَذْكُورَ فِيمَا لَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ الْقَاطِعُ عَلَى ذُكْرٍ، يَعْنِي أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُسْتَحِضَرًا لِهَذِهِ الْكَلِمَةِ فِي قَلْبِهِ لِأَنَّهَا مُهِمَّةٌ لِأَنَّ التَّأَوُّلَ مَعَ قِيَامِ الدَّلِيلِ الْقَاطِعِ لا يَمْنَعُ التَّكْفِيرَ عَنْ صَاحِبِهِ وَإِلَّا لَلَزِمَ تَرْكُ تَكْفِيرِ النَّصَارَى لِأَنَّهُمْ عَلَى حَسَبِ زَعْمِهِمُ اجْتَهَدُوا، وَالْبُوذِيُّونَ أَيْضًا اجْتَهَدُوا عَلَى حَسَبِ زَعْمِهِمْ فَرَأَوْا أَنَّ مَا هُمْ عَلَيْهِ حَقٌّ فَدَانُوا بِهِ، فَالَّذِي يَعْتَقِدُ أَنَّ كُلَّ مُتَأَوِّلٍ يُعْذَرُ مَهْمَا كَانَ تَأَوُّلُهُ فَقَدْ كَذَّبَ الشَّرِيعَةَ.
وَهَذِهِ الْمَسْئَلَةُ بَعْضُهُمْ عَبَّرَ عَنْهَا بِالِاجْتِهَادِ وَبَعْضُهُمْ عَبَّرَ عَنْهَا بِالتَّأْوِيلِ، فَمِمَّنْ عَبَّرَ بِالتَّأْوِيلِ الْحَافِظُ الْفَقِيهُ سِرَاجُ الدِّينِ الْبُلْقِينِيُّ الَّذِي قَالَ فِيهِ صَاحِبُ الْقَامُوسِ: «صَدِيقُنَا عَلَّامَةُ الدُّنْيَا»، وَعَبَّرَ بَعْضُ شُرَّاحِ مِنْهَاجِ الطَّالِبِينَ بِالِاجْتِهَادِ وَكِلْتَا الْعِبَارَتَيْنِ لا بُدَّ لَهُمَا مِنْ قَيْدٍ مَلْحُوظٍ، فَلا يَظُنَّ ظَانٌّ أَنَّ ذَلِكَ مُطْلَقٌ لِأَنَّ الإِطْلاقَ فِي ذَلِكَ انْحِلالٌ وَمُرُوقٌ مِنَ الدِّينِ.
أَلا تَرَى أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الإِسْلامِ وَالْمُشْتَغِلِينَ بِالْفَلْسَفَةِ مَرَقُوا مِنَ الدِّينِ بِاعْتِقَادِهِمُ الْقَوْلَ بِأَزَلِيَّةِ الْعَالَمِ اجْتِهَادًا مِنْهُمْ وَمَعَ ذَلِكَ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَكْفِيرِهِمْ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْمُحَدِّثُ الْفَقِيهُ بَدْرُ الدِّينِ الزَّرْكَشِيُّ فِي شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ، فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْفَرِيقَيْنِ الْفَرِيقَ الْقَائِلَ بِأَزَلِيَّةِ الْعَالَمِ بِمَادَّتِهِ وَصُورَتِهِ وَالْفَرِيقَ الْقَائِلَ بِأَزَلِيَّةِ الْعَالَمِ بِمَادَّتِهِ أَيْ بِجِنْسِهِ فَقَطْ «وَقَدْ ضَلَّلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ فِي ذَلِكَ وَكَفَّرُوهُمْ». وَكَذَلِكَ الْمُرْجِئَةُ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ لا يَضُرُّ مَعَ الإِيـمَانِ ذَنْبٌ كَمَا لا يَنْفَعُ مَعَ الْكُفْرِ حَسَنَةٌ إِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ اجْتِهَادًا وَتَأْوِيلًا لِبَعْضِ النُّصُوصِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا فَلَمْ يُعْذَرُوا.
وَكَذَلِكَ ضَلَّ فِرَقٌ غَيْرُهُمْ وَهُمْ مُنْتَسِبُونَ إِلَى الإِسْلامِ كَانَ زَيْغُهُمْ بِطَرِيقِ الِاجْتِهَادِ بِالتَّأْوِيلِ، نَسْأَلُ اللَّهَ الثَّبَاتَ عَلَى الْحَقِّ.
وَاحْتَجَّ الْمُرْجِئَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿وَهَلْ نُجَازِى إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سُورَةَ سَبَإ/17] فَقَالُوا الْمُسْلِمُ لا يُعَاقَبُ مَهْمَا عَمِلَ إِنَّمَا الْمُجَازَاةُ بِالنَّارِ لِلْكَافِرِ فَقَطْ وَالآيَةُ مَعْنَاهَا وَهَلْ نُجَازِي أَيْ بِذَلِكَ الْعَذَابِ الَّذِي هُوَ خَاصٌّ بِالْكُفَّارِ إِلَّا الْكَفُورَ.
وَهَكَذَا كُلُّ الْفِرَقِ الضَّالَّةِ الْمُنْتَسِبَةِ لِلإِسْلامِ تَحْتَجُّ بِآيَةٍ مِنَ الْقُرْءَانِ أَوْ أَكْثَرَ، الْوَهَّابِيَّة ُالْمُشَبِّهَةُ يَحْتَجُّونَ بِآيَةِ الِاسْتِوَاءِ عَلَى الْعَرْشِ وَأَمْثَالِهَا، وَالْمُعْتَزِلَةُ تَحْتَجُّ بِآيَاتٍ وَهَذِهِ الْفِرْقَةُ الثَّالِثَةُ الْمُرْجِئَةُ كَذَلِكَ تَحْتَجُّ بِتِلْكَ الآيَةِ الْمَذْكُورَةِ وَغَيْرِهَا. الْقُرْءَانُ حُجَّةٌ وَنَجَاةٌ وَبُرْهَانٌ لِمَنْ وَضَعَهُ فِي مَوْضِعِهِ وَحُجَّةٌ عَلَى مَنْ وَضَعَهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ.
وَمَعْنَى «فَلْيَحْذَرِ الإِنْسَانُ مِنْ ذَلِكَ جَهْدَهُ عَلَى أَيِّ حَالٍ» أَيْ لِيَعْمَلِ الإِنْسَانُ عَلَى تَجَنُّبِ ذَلِكَ كُلِّهِ غَايَةَ مُسْتَطَاعِهِ.
