وَالثَّانِي إِطْلاقُهُ عَلَى اللَّفْظِ الْمُنَزَّلِ الَّذِي يَقْرَؤُهُ الْمُؤْمِنُونَ [وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْقُرْءَانَ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ اللَّفْظُ الْمُنَزَّلُ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ [سُورَةَ الْفَتْح/15] وَالْكُفَّارُ يُرِيدُونَ تَبْدِيلَ اللَّفْظِ الْمُنَزَّلِ وَلَيْسَ الصِّفَةَ الذَّاتِيَّةَ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [سُورَةَ التَّوْبَة/6].

وَذَلِكَ الْكَلامُ الَّذِي لَيْسَ حَرْفًا وَلا صَوْتًا يُقَالُ لَهُ قُرْءَانٌ وَتَوْرَاةٌ وَإِنْجِيلٌ وَزَبُورٌ، أَمَّا أَلْفَاظُ الْقُرْءَانِ وَأَلْفَاظُ التَّوْرَاةِ وَأَلْفَاظُ الإِنْجِيلِ وَأَلْفَاظُ الزَّبُورِ الْمُنَزَّلَةُ فَهَذِهِ مَخْلُوقَةٌ اللَّهُ خَلَقَهَا، وَلَكِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ تَأْلِيفِ الأَنْبِيَاءِ وَلا جِبْرِيلَ إِنَّمَا هِيَ مَكْتُوبَةٌ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ أَمَرَ اللَّهُ جِبْرِيلَ أَنْ يَأْخُذَهَا وَيُنْزِلَهَا عَلَى أُولَئِكَ الأَنْبِيَاءِ الأَرْبَعَةِ.

جِبْرِيلُ عَرَفَ أَمْرَ اللَّهِ لَهُ لِأَنَّ اللَّهَ أَسْمَعَهُ كَلامَهُ الَّذِي لَيْسَ حَرْفًا وَلا صَوْتًا فَفَهِمَ مِنْهُ أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ الَّذِي كُتِبَ عَلَى اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَيُنْزِلَهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفَعَلَ ذَلِكَ جِبْرِيلُ، ثُمَّ الرَّسُولُ قَرَأَهُ عَلَى الصَّحَابَةِ، جِبْرِيلُ قَرَأَ الْقُرْءَانَ عَلَى الرَّسُولِ - أَيْ أَسْمَعَهُ إِيَّاهُ - فَتَلَقَّاهُ الرَّسُولُ مِنْ جِبْرِيلَ بِالْحَرْفِ وَالصَّوْتِ ثُمَّ الصَّحَابَةُ تَلَقَّوْا مِنَ الرَّسُولِ، أَمَّا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَسْمَعُ كُلُّ وَاحِدٍ كَلامَ اللَّهِ الَّذِي لَيْسَ حَرْفًا وَلا صَوْتًا وَيَفْهَمُونَ عَنْ أَيِّ شَىْءٍ يَسْأَلُهُمْ وَمَاذَا يَقُولُ لَهُمْ، الْمُؤْمِنُونَ يَفْرَحُونَ عِنْدَ ذَلِكَ أَمَّا الْكُفَّارُ فَيَنْزَعِجُونَ عِنْدَ سَمَاعِ كَلامِهِ.

وَتَقْرِيبُ ذَلِكَ أَنَّ لَفْظَ الْجَلالَةِ (اللَّه) عِبَارَةٌ عَنْ ذَاتٍ أَزَلِيٍّ قَدِيمٍ أَبَدِيٍّ، فَإِذَا قُلْنَا «نَعْبُدُ اللَّهَ» فَذَلِكَ الذَّاتُ هُوَ الْمَقْصُودُ وَإِذَا كُتِبَ هَذَا اللَّفْظُ فَقِيلَ مَا هَذَا؟ يُقَالُ «اللَّهُ» بِمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الذَّاتِ الأَزَلِيِّ الأَبَدِيِّ لا بِمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ هِيَ الذَّاتُ الَّذِي نَعْبُدُهُ، فَصِفَةُ الْكَلامِ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ لا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَرْفًا أَوْ صَوْتًا لِأَنَّ الْحَرْفَ وَالصَّوْتَ مَخْلُوقَانِ بِالْمُشَاهَدَةِ [أَيْ بِطَرِيقِ الْحِسِّ]، فَكَمَا أَنَّ صِفَاتِهِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالإِرَادَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ أَزَلِيَّةٌ قَدِيـمَةٌ كَذَلِكَ كَلامُهُ الذَّاتِيُّ أَزَلِيٌّ قَدِيمٌ لَيْسَ حَرْفًا وَلا صَوْتًا،

وَذَلِكَ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ مُبَايِنٌ أَيْ غَيْرُ مُشَابِهٍ لِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ فِي الذَّاتِ، أَيْ ذَاتُهُ لا يُشْبِهُ ذَوَاتَ الْمَخْلُوقَاتِ أَيْ حَقِيقَتُهُ لا تُشْبِهُ الْحَقَائِقَ، وَفِي الصِّفَاتِ أَيْ صِفَاتُهُ لا تُشْبِهُ صِفَاتِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَفِي الْفِعْلِ أَيْ فِعْلُهُ لا يُشْبِهُ فِعْلَ الْمَخْلُوقَاتِ لِأَنَّ فِعْلَ اللَّهِ تَعَالَى أَزَلِيٌّ أَبَدِيٌّ وَالْمَفْعُولَ حَادِثٌ كَمَا أَنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعَالَى أَزَلِيَّةٌ وَمَقْدُورَهُ حَادِثٌ [وَالْمَقْدُورُ هُوَ الْمَخْلُوقُ]، فَنَحْنُ الْعَوَالِمُ كُلُّنَا مَقْدُورُونَ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْجَدَنَا بِقُدْرَةٍ أَزَلِيَّةٍ أَبَدِيَّةٍ [وَمَنْ قَالَ الأَفْعَالُ حَادِثَةٌ وَهُمُ الْكَثِيرُونَ مِنَ الأَشَاعِرَةِ لا يَعْتَبِرُونَ صِفَاتِ الأَفْعَالِ قَائِمَةً بِذَاتِ اللَّهِ بَلْ هِيَ عِنْدَهُمْ ءَاثَارُ الْقُدْرَةِ الْقَدِيـمَةِ فَلا يُبَدَّعُونُ وَلا يُضَلَّلُونَ.

لَوْ قَالَ فِعْلُ اللَّهِ أَثَرُ الْقُدْرَةِ الْقَدِيـمَةِ لا يُكَفَّرُ وَلا يُقَالُ إِنَّهُ أَهْلُ بِدْعَةٍ أَيْ لا يُقَالُ إِنَّ ذَلِكَ بِدْعَةٌ اعْتِقَادِيَّةٌ]. قَالَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [فِي الْفِقْهِ الأَكْبَرِ] وَالْبُخَارِيُّ [فِي صَحِيحِهِ] رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى «فِعْلُهُ تَعَالَى صِفَتُهُ فِي الأَزَلِ وَالْمَفْعُولُ حَادِثٌ» هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَتْبَاعِهِ وَالْبُخَارِيُّ أَيْضًا مَعَهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْئَلَةِ يَقُولُونَ اللَّهُ تَعَالَى يَفْعَلُ فِعْلًا بِقُدْرَتِهِ الأَزَلِيَّةِ وَبِتَكْوِينِهِ الأَزَلِيِّ بِلا مُبَاشَرَةٍ وَلا مُمَاسَّةٍ لِشَىْءٍ،

أَمَّا الأَشَاعِرَةُ يَقُولُونَ فِعْلُ اللَّهِ لَيْسَ صِفَةً ذَاتِيَّةً قَائِمَةً بِذَاتِ اللَّهِ إِنَّمَا فِعْلُ اللَّهِ عِبَارَةٌ عَنْ أَثَرِ الْقُدْرَةِ، الْقُدْرَةُ قَدِيـمَةٌ وَمُتَعَلَّقَاتُهَا مَخْلُوقَةٌ حَادِثَةٌ، أَمَّا فِعْلُ اللَّهِ عِنْدَ الْمَاتُرِيدِيَّةِ وَالْبُخَارِيِّ أَزَلِيٌ. الْبُخَارِيُّ قَبْلَ الْمَاتُرِيدِيَّةِ لَكِنَّ الْمَاتُرِيدِيَّةَ وَافَقَ قَوْلُهُمْ قَوْلَ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ مِنَ السَّلَفِ، فِعْلُ اللَّهِ عِنْدَهُمْ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ إِنَّمَا مَفْعُولُهُ حَادِثٌ.

ذَوَاتُ الْعَالَمِ مَفْعُولُ اللَّهِ أَمَّا فِعْلُ اللَّهِ إِيَّاهَا أَيْ خَلْقُهُ إِيَّاهَا قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ. وَكُلٌّ مِنَ الْمَذْهَبَيْنِ يَجُوزُ اعْتِقَادُهُ وَكِلا الْمَذْهَبَيْنِ يَقُولانِ اللَّهُ يُوجِدُ مَا شَاءَ وُجُودَهُ بِلا تَعَبٍ وَلا مَشَقَّةٍ وَلا تَأَخُّرٍ عَنِ الْوَقْتِ الَّذِي شَاءَ فِي الأَزَلِ أَنْ يُوجَدَ الْمَخْلُوقُ فِيهِ وَأَنَّهُ يُوجِدُ الْمَخْلُوقَاتِ بِلا مُبَاشَرَةٍ وَلا مُمَاسَّةٍ، إِنَّمَا الْهَلاكُ وَالضَّلالُ الْمُبِينُ قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ وَقَوْلُ الْمُشَبِّهَةِ.

الْمُعْتَزِلَةُ يَقُولُونَ اللَّهُ لَيْسَ لَهُ كَلامٌ قَائِمٌ بِذَاتِهِ إِنَّمَا كَلامُهُ مَا يَخْلُقُهُ فِي غَيْرِهِ وَهَذَا كُفْرٌ. وَالْمُشَبِّهَةُ الْقُدَمَاءُ وَالْمُحْدَثُونَ وَهُمُ الْوَهَّابِيَّةُ يَقُولُونَ اللَّهُ مُتَكَلِّمٌ بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ وَهَؤُلاءِ أَيْضًا كَفَرُوا لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِالْحَرْفِ وَالصَّوْتِ لَكَانَ مِثْلَنَا وَلَوْ كَانَ مِثْلَنَا لَكَانَ حَادِثًا وَلَمْ يَكُنْ خَالِقًا. فَالْحَقُّ مَا قَالَهُ أَهْلُ السُّنَّةِ إِنَّ كَلامَ اللَّهِ مَعْنًى قَائِمٌ بِذَاتِهِ لا يَتَبَعَّضُ قَدِيمٌ أَزَلِيٌ.

كَذَلِكَ عِنْدَهُمْ عِلْمُهُ وَقُدْرَتُهُ وَسَمْعُهُ وَبَصَرُهُ وَمَشِيئَتُهُ وَحَيَاتُهُ كُلٌّ أَزَلِيٌّ فَلا يَتَّصِفُ اللَّهُ بِصِفَةٍ حَادِثَةٍ تَقُومُ بِذَاتِهِ، هَذِهِ الصِّفَاتُ يُقَالُ لَهَا صِفَاتُ الْمَعَانِي [سُمِّيَتْ كَذَلِكَ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهَا مَعْنًى مُتَحَقِّقٌ يَصِحُّ أَنْ يَرَاهُ الْعَبْدُ إِذَا أَقْدَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ] وَهِيَ هَذِهِ السَّبْعَةُ، بَعْضُ أَهْلِ السُّنَّةِ زَادَ الْبَقَاءَ بَقَاءُ اللَّهِ أَيْضًا عِنْدَهُمْ صِفَةٌ ذَاتِيَّةٌ قَدِيـمَةٌ أَزَلِيَّةٌ مِنْ صِفَاتِ الْمَعَانِي.

الْيَوْمَ أَكْثَرُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَشَاعِرَةٌ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي الْحَسَنِ الأَشْعَرِيِّ وَمَا عَلَيْهِ الْمَاتُرِيدِيَّةُ أَيْضًا حَقٌّ لا يُقَالُ لِمَنْ يَقُولُ بِهِ بِدْعِيُّ، وَالْبِدْعِيُّ هُوَ مَنْ عَقِيدَتُهُ خِلافُ عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْهُمُ الْمُعْتَزِلَةُ وَمِنْهُمُ الْمُشَبِّهَةُ وَمِنْهُمُ الْمُرْجِئَةُ وَمِنْهُمُ الْجَبْرِيَّةُ، وَهُمْ أَيِ الْبِدْعِيُّونَ فِي الِاعْتِقَادِ اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ فِرْقَةً، وَالْمُشَبِّهَةُ أَيْضًا فِرَقٌ مُتَعَدِّدَةٌ.

هَؤُلاءِ الْوَهَّابِيَّةُ مُشَبِّهَةٌ يُشَبِّهُونَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ لِأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُمْ جَسَدٌ لَهُ أَعْضَاءٌ وَلَهُ حَيِّزٌ يَسْتَقِرُ فِيهِ وَهُوَ الْعَرْشُ، وَعِنْدَ بَعْضٍ مُسْتَقَرُّهُ الْفَرَاغُ الَّذِي فَوْقَ الْعَرْشِ، وَكَانَ مِنَ الْمُشَبِّهَةِ مَنْ يَقُولُ اللَّهُ بِصُورَةِ شَابٍّ أَمْرَدَ أَيْ لَمْ تَنْبُتْ لَهُ لِحْيَةٌ، وَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ اللَّهُ بِصُورَةِ شَيْخٍ أَشْمَطَ أَيِ الَّذِي اخْتَلَطَ سَوَادُ شَعَرِهِ بِبَيَاضِهِ أُولَئِكَ أَشْنَعُ لَكِنْ كُلُّهُمْ كُفَّارٌ، كُلٌّ جَعَلُوهُ جِسْمًا وَالْجِسْمُ لا يَكُونُ إِلَّا حَادِثًا فَهُمْ كُفَّارٌ لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا اللَّهَ حَادِثًا.

لَوْ كَانَ اللَّهُ جِسْمًا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْلُقَ الْجِسْمَ، الشَّمْسُ جِسْمٌ لا تَسْتَحِقُّ أَنْ تَكُونَ إِلَهًا، وَمَعْبُودُ الْمُشَبِّهَةِ هُوَ جِسْمٌ، فَلَوْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى كَمَا يَقُولُونَ لَمَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئًا، لَوْ قِيلَ لِلْوَهَّابِيِّ عَلَى لِسَانِ عَابِدِ الشَّمْسِ أَنْتَ تَعْبُدُ جِسْمًا تَخَيَّلْتَهُ تَقُولُ إِنَّهُ سَاكِنٌ عَلَى الْعَرْشِ لَمْ تَرَهُ وَلا نَحْنُ رَأَيْنَاهُ وَأَمَّا هَذِهِ الشَّمْسُ أَنْتَ تَرَاهَا وَنَحْنُ نَرَاهَا وَنَحْنُ نَرَى مَنَافِعَهَا وَأَنْتَ تَرَى فَكَيْفَ لا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الشَّمْسُ إِلَهًا وَيَجُوزُ عِنْدَكَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْجِسْمُ الَّذِي تَخَيَّلْتَهُ إِلَهًا،

الْوَهَّابِيُّ لَيْسَ لَهُ جَوَابٌ، غَايَةُ مَا عِنْدَهُ أَنْ يَقُولَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ [سُورَةَ الرَّعْد/16]، فَيَقُولُ عَابِدُ الشَّمْسِ أَنَا لا أُؤْمِنُ بِكِتَابِكَ أَعْطِنِي دَلِيلًا عَقْلِيَّا فَيَنْقَطِعُ الْوَهَّابِيُّ لَيْسَ عِنْدَهُ جَوَابٌ يَقْطَعُهُ بِهِ. أَمَّا نَحْنُ نَقُولُ الشَّمْسُ جِسْمٌ لَهُ هَيْئَةٌ وَشَكْلٌ مَخْصُوصٌ وَحَدٌّ مَخْصُوصٌ تَحْتَاجُ إِلَى مَنْ أَوْجَدَهَا عَلَى هَذَا الْحَدِّ وَعَلَى هَذَا الشَّكْلِ فَلا تَصْلُحُ أَنْ تَخْلُقَ شَيْئًا، أَمَّا اللَّهُ فَهُوَ مَوْجُودٌ لَيْسَ جِسْمًا لَيْسَ لَهُ شَكْلٌ وَلا حَدٌّ أَيْ كَمِيَّةٌ لا هُوَ حَجْمٌ صَغِيرٌ وَلا هُوَ حَجْمٌ كَبِيرٌ وَهُوَ الَّذِي يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ خَالِقًا لِلْعَالَمِ الَّذِي هُوَ حَجْمٌ لَهُ صِفَاتٌ فَيَنْقَطِعُ عَابِدُ الشَّمْسِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ.

فَائِدَةٌ سَمْعُ اللَّهِ وَبَصَرُهُ لَيْسَ كَسَمْعِنَا وَبَصَرِنَا نَحْنُ نَسْمَعُ الشَّىْءَ بِسَمْعٍ يَحْدُثُ لَنَا عِنْدَ ظُهُورِ الصَّوْتِ، وَنَرَى الأَشْيَاءَ بِرُؤْيَةٍ تَحْدُثُ لَنَا عِنْدَمَا نَرَى الأَشْيَاءَ، أَمَّا اللَّهُ يَسْمَعُ الأَصْوَاتَ بِسَمْعٍ أَزَلِيٍّ أَبَدِيٍّ لَيْسَ بِسَمْعٍ حَادِثٍ عِنْدَ حُدُوثِ الأَصْوَاتِ، وَيَرَى بِرُؤْيَةٍ لَيْسَتْ حَادِثَةً عِنْدَ وُجُودِ الْمُبْصَرَاتِ الْحَادِثَةِ. كُلُّ صِفَاتِهِ كَحَيَاتِهِ، حَيَاتُهُ لَيْسَ لَهَا انْقِطَاعٌ أَيْ لا يَتَخَلَّلُهَا انْقِطَاعٌ كَذَلِكَ كَلامُهُ وَسَمْعُهُ وَبَصَرُهُ وَقُدْرَتُهُ وَمَشِيئَتُهُ وَعِلْمُهُ وَبَقَاؤُهُ هَذِهِ الصِّفَاتُ أَيْضًا كَحَيَاتِهِ لا انْقِطَاعَ لَهَا .

وَمَعْنَى «سُبْحَانَهُ» تَنْزِيهٌ أَيْ تَنْزِيهًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَمَعْنَى تَعَالَى تَنَزَّهَ، وَهُوَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مُتَعَالٍ أَيْ مُتَنَزِّهٌ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ أَيِ الْكَافِرُونَ. وَلَمَّا كَانَ الْكُفْرُ هُوَ أَعْلَى الظُّلْمِ وَأَكْبَرَهُ وَأَشَدَّهُ أَطْلَقَ اللَّهُ فِي الْقُرْءَانِ الظَّالِمِينَ وَأَرَادَ بِهِ الْكَافِرِينَ لِأَنَّ كُلَّ الظُّلْمِ الَّذِي هُوَ دُونَ الْكُفْرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْكُفْرِ كَلا ظُلْمٍ قَالَ تَعَالَى ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [سُورَةَ الْبَقَرَة/254]

الْكُفَّارُ هُمْ أَكْبَرُ ظُلْمًا أَيْ أَنَّ كُفْرَهُمْ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، وَكُلُّ الظُّلْمِ دُونَهُ.

وَمَعْنَى «عُلُوًّا كَبِيرًا» تَنَزُّهًا مُؤَكَّدًا.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَيَتَلَخَّصُ مِنْ مَعْنَى مَا مَضَى إِثْبَاتُ ثَلاثَ عَشْرَةَ صِفَةً لِلَّهِ تَعَالَى تَكَرَّرَ ذِكْرُهَا فِي الْقُرْءَانِ إِمَّا لَفْظاً وَإِمَّا مَعْنًى كَثِيرًا وَهِيَ الْوُجُودُ وَالْوَحْدَانِيَّةُ وَالْقِدَمُ أَيِ الأَزَلِيَّةُ وَالْبَقَاءُ وَقِيَامُهُ بِنَفْسِهِ وَالْقُدْرَةُ وَالإِرَادَةُ وَالْعِلْمُ وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَالْحَيَاةُ وَالْكَلامُ وَالْمُخَالَفَةُ لِلْحَوَادِثِ.

الشَّرْحُ اشْتَهَرَ التَّعْبِيرُ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ مُخَالَفَةُ اللَّهِ لِلْحَوَادِثِ أَيْ أَنَّ اللَّهَ لا يُشْبِهُ شَيْئًا فَالْعِبَارَتَانِ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ. وَسَبْعٌ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمَتْنِ يُقَالُ لَهَا صِفَاتُ الْمَعَانِي وَالْوُجُودُ يُقَالُ لَهُ صِفَةٌ نَفْسِيَّةٌ [قَالَ بَعْضُهُمْ: سُمِّيَتْ كَذَلِكَ لِأَنَّ الذَّاتَ لا يُتَعَقَّلُ بِدُونِ هَذِهِ الصِّفَةِ] وَأَمَّا الْوَحْدَانِيَّةُ وَالْقِدَمُ وَمُخَالَفَتُهُ لِلْحَوَادِثِ وَقِيَامُهُ بِنَفْسِهِ أَيْ أَنَّهُ لا يَحْتَاجُ إِلَى غَيْرِهِ فَتُسَمَّى صِفَاتٍ سَلْبِيَّةً.

أَمَّا الْبَقَاءُ فَالإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الأَشْعَرِيُّ عَدَّهُ مِنْ صِفَاتِ مِنْ صِفَاتِ الْمَعَانِي وَبَعْضُ أَتْبَاعِهِ عَدَّهُ مِنَ الصِّفَاتِ السَّلْبِيَّةِ، وَالسَّلْبِيَّةُ مَعْنَاهَا الَّتِي تَنْفِي عَنِ اللَّهِ مَا لا يَلِيقُ بِهِ، الْوَحْدَانِيَّةُ تَنْفِي عَنِ اللَّهِ التَّعَدُّدَ وَالْمِثْلَ، وَالْقِدَمُ يَنْفِي عَنِ اللَّهِ الْحُدُوثَ، وَالْبَقَاءُ يَنْفِي عَنِ اللَّهِ طُرُوءَ الْعَدَمِ عَلَيْهِ، وَالْمُخَالَفَةُ لِلْحَوَادِثِ تَنْفِي عَنِ اللَّهِ الشَّبِيهَ وَالْمِثْلَ، وَالْقِيَامُ بِالنَّفْسِ يَنْفِي عَنِ اللَّهِ الْحَاجَةَ إِلَى الْغَيْرِ، لِهَذَا سَمَّوْا هَؤُلاءِ صِفَاتٍ سَلْبِيَّةً أَيْ تَنْفِي عَنِ اللَّهِ مَا لا يَلِيقُ بِهِ أَمَّا الْوُجُودُ فَيُسَمُّونَهُ صِفَةً نَفْسِيَّةً لِأَنَّ الذَّاتَ لا يُتَعَقَّلُ بِدُونِ هَذِهِ الصِّفَةِ،

وَالْجُمْلَةُ ثَلاثَ عَشْرَةَ صِفَةً مَنْ نَفَى صِفَةً مِنْهَا فَهُوَ كَافِرٌ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَخْطُرْ فِي بَالِهِ أَنَّ لِلَّهِ ثَلاثَ عَشْرَةَ صِفَةً لِجَهْلِهِ وَلَمْ يَنْفِ وَلَمْ يَشُكَّ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهَا لَكِنْ مَا مَرَّتْ عَلَى بَالِهِ بِالْمَرَّةِ وَاعْتَقَدَ مَعْنَى الشَّهَادَتَيْنِ فَهُوَ مُسْلِمٌ [لَكِنَّهُ أَثِمَ بِتَرْكِ التَّعَلُّمِ].

وَهَذِهِ الصِّفَاتُ الثَّلاثَ عَشْرَةَ الْوَاجِبَةُ لِلَّهِ تَجِبُ مَعْرِفَتُهَا عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ وَلا يَجِبُ عَلَيْهِ حِفْظُ أَلْفَاظِهَا. فَيَتَلَخَّصُ مِنْ مَعْنَى مَا مَضَى إِثْبَاتُ ثَلاثَ عَشْرَةَ صِفَةً لِلَّهِ تَعَالَى تَكَرَّرَ ذِكْرُهَا إِمَّا بِاللَّفْظِ الظَّاهِرِ وَإِمَّا بِالْمَعْنَى الْوَارِدِ فِي النُّصُوصِ فِي الْقُرْءَانِ وَالْحَدِيثِ وَهِيَ:

(1) الْوُجُودُ أَيْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَوْجُودٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ [سُورَةَ إِبْرَاهِيم/10]، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَىْءٌ غَيْرُهُ» [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ].

(2) وَالْوَحْدَانِيَّةُ أَيْ أَنَّهُ وَاحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا ءَالِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [سُورَةَ الأَنْبِيَاء/22]، أَيْ لَوْ كَانَ لَهُمَا ءَالِهَةٌ غَيْرُ اللَّهِ لَفَسَدَتَا [أَيْ لَمَا انْتَظَمَتَا]، أَوْ «فِي» هُنَا بِمَعْنَى «عَلَى» أَيْ لَوْ كَانَ عَلَيْهِمَا أَيْ مُسَيْطِرٌ عَلَى الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ ءَالِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ أَيْ غَيْرُ اللَّهِ لَفَسَدَتَا أَيِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ.

(3) وَالْقِدَمُ أَيْ أَنَّهُ لا ابْتِدَاءَ لِوُجُودِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ﴾ [سُورَةَ الْحَدِيد/3].

(4) وَالْبَقَاءُ أَيْ أَنَّهُ لا نِهَايَةَ لِوُجُودِهِ لا يَمُوتُ وَلا يَهْلِكُ وَلا يَتَغَيَّرُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [سُورَةَ الرَّحْمٰن/27] أَيْ ذَاتُهُ [وَقَالَ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِ الآيَةِ «وَالْمُرَادُ بِوَجْهِهِ ذَاتُهُ» اهـ وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ «﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ ذَاتُهُ» اهـ].

(5) وَالْقِيَامُ بِالنَّفْسِ أَيْ أَنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ وَكُلُّ مَا سِوَاهُ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ، فَالْعَالَمُ لا يَسْتَغْنِي عَنِ اللَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِين﴾ [سُورَةَ ءَالِ عِمْرَان/97].

(6) وَالْقُدْرَةُ أَيْ أَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ أَيْ كُلِّ مُمْكِنٍ عَقْلِيٍّ يَجُوزُ عَقْلًا وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ، فَاللَّهُ لا يُعْجِزُهُ شَىْءٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سُورَةَ الْمَائِدَة/120].

وَالْقُدْرَةُ صِفَةٌ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ يُؤَثِّرُ اللَّهُ بِهَا فِي الْمُمْكِنَاتِ إِيجَادًا وَإِعْدَامًا.

(7) وَالإِرَادَةُ أَيِ الْمَشِيئَةُ وَهِيَ تَخْصِيصُ الْمُمْكِنِ الْعَقْلِيِّ بِبَعْضِ مَا يَجُوزُ عَلَيْهِ مِنَ الصِّفَاتِ دُونَ بَعْضٍ وَبِوَقْتٍ دُونَ ءَاخَرَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [سُورَةَ التَّكْوِير/29].

(8) وَالْعِلْمُ أَيْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ كُلَّ شَىْءٍ بِعِلْمِهِ الأَزَلِيِّ وَلا يَتَجَدَّدُ لَهُ عِلْمٌ لِأَنَّ عِلْمَهُ عِلْمٌ وَاحِدٌ شَامِلٌ لِكُلِّ الْمَعْلُومَاتِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾ [سُورَةَ الطَّلاق/12].

(9) وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ أَيْ أَنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ بِسَمْعِهِ الأَزَلِيِّ الَّذِي لَيْسَ كَسَمْعِ غَيْرِهِ وَيَرَى بِرُؤْيَتِهِ الَّتِي لَيْسَتْ كَرُؤْيَةِ غَيْرِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [سُورَةَ الشُّورَى/11].

(10) وَالْحَيَاةُ أَيْ أَنَّ اللَّهَ حَيٌّ بِحَيَاةٍ أَزَلِيَّةٍ أَبَدِيَّةٍ لَيْسَتْ بِرُوحٍ وَلَحْمٍ وَدَمٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [سُورَةَ الْبَقَرَة/255].

(11) وَالْكَلامُ أَيْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُتَكَلِّمٌ بِكَلامٍ أَزَلِيٍّ أَبَدِيٍّ لَيْسَ حَرْفًا وَلا صَوْتًا وَلا لُغَةً قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [سُورَةَ النِّسَاء/164].

(12) وَالْمُخَالَفَةُ لِلْحَوَادِثِ أَيْ جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ أَيْ أَنَّهُ لا يُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ خَلْقِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ [سُورَةَ الشُّورَى/11].

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الصِّفَاتُ ذِكْرُهَا كَثِيرًا فِي النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ قَالَ الْعُلَمَاءُ تَجِبُ مَعْرِفَتُهَا وُجُوبًا عَيْنِيًّا.

الشَّرْحُ أَنَّهُ تَجِبُ مَعْرِفَةُ هَذِهِ الصِّفَاتِ وُجُوبًا عَيْنِيًّا عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْعَدِيدُ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمْ مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ السَّنُوسِيُّ صَاحِبُ الْعَقِيدَةِ السَّنُوسِيَّةِ [انْظُرْ رِسَالَتَهُ أُمُّ الْبَرَاهِينِ الْمَعْرُوفَةَ بِالصُّغْرَى] الْمُتَوَفَّى سَنَةَ ثَمَانِمِائَةٍ وَخَمْسٍ وَتِسْعِينَ، وَمُحَمَّدُ بنُ الْفَضَالِيِّ الشَّافِعِيُّ [فِي كِفَايَةِ الْعَوَامِ] الْمُتَوَفَّى سَنَةَ أَلْفٍ وَمِائَتَيْنِ وَسِتٍّ وَثَلاثِينَ، وَعَبْدُ الْمَجِيدِ الشُّرْنُوبِيُّ الْمَالِكِيُّ [فِي شَرْحِ تَائِيَّةِ السُّلُوكِ] الْمُتَوَفَّى سَنَةَ أَلْفٍ وَثَلاثِمِائَةٍ وَثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ، وَقَبْلَهُمْ بِكَثِيرٍ ذَكَرَ مِثْلَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي كِتَابِ «الْفِقْهِ الأَكْبَرِ»، وَعَلَى مِثْلِ ذَلِكَ نَصَّ الْحَافِظُ النَّوَوِيُّ فِي كِتَابِ «الْمَقَاصِدِ»، وَغَيْرُهُمْ كَثِيرٌ.

ثُمَّ إِنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ السُّنَّةِ اصْطَلَحُوا عَلَى تَسْمِيَةِ سَبْعِ صِفَاتٍ صِفَاتِ الْمَعَانِي كَمَا تَقَدَّمَ وَهِيَ الْقُدْرَةُ وَالإِرَادَةُ وَالْعِلْمُ وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَالْكَلامُ وَالْحَيَاةُ مَعَ الْخِلافِ فِي عَدِّ الْبَقَاءِ مَعَهَا، وَتَسْمِيَةِ سَبْعٍ لازِمَةٍ لِهَذِهِ السَّبْعِ بِالصِّفَاتِ الْمَعْنَوِيَّةِ [وَسُمِّيَتْ كَذَلِكَ لِأَنَّهَا لازِمَةٌ لِصِفَاتِ الْمَعَانِي] وَهِيَ كَوْنُهُ تَعَالَى قَادِرًا وَكَوْنُهُ مُرِيدًا وَكَوْنُهُ عَالِمًا وَكَوْنُهُ حَيًّا وَكَوْنُهُ سَمِيعًا وَكَوْنُهُ بَصِيرًا وَكَوْنُهُ مُتَكَلِّمًا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ تَجِبُ مَعْرِفَتُهَا كُلِّهَا عَيْنًا،

وَاقْتَصَرَ بَعْضُهُمْ عَلَى الاِكْتِفَاءِ بِمَعْرِفَةِ السَّبْعِ الأُولَى عَنْ مَعْرِفَةِ الصِّفَاتِ السَّبْعَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ لِأَنَّ مَعْرِفَةَ صِفَاتِ الْمَعَانِي تَسْتَلْزِمُ مَعْرِفَةَ ثُبُوتِ الصِّفَاتِ الْمَعْنَوِيَّةِ لِلَّهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ مَعْرِفَةِ ثُبُوتِ الْعِلْمِ لِلَّهِ مَعْرِفَةُ كَوْنِهِ عَالِمًا أَمَّا الصِّفَاتُ السَّلْبِيَّةُ وَالصِّفَةُ النَّفْسِيَّةُ فَلا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهَا.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَلَمَّا ثَبَتَتِ الأَزَلِيَّةُ لِذَاتِ اللَّهِ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ صِفَاتُهُ أَزَلِيَّةً لِأَنَّ حُدُوثَ الصِّفَةِ يَسْتَلْزِمُ حُدوثَ الذَّاتِ.

الشَّرْحُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ ذَاتُ اللَّهِ أَزَلِيًّا وَجَبَ أَنْ تَكُونَ صِفَاتُهُ أَزَلِيَّةً، وَمَعْنَى صِفَاتِهِ الْمَعَانِي الْقَائِمَةُ بِذَاتِهِ كَالْقُدْرَةِ وَالإِرَادَةِ، وَلَمَّا كَانَ ذَاتُ اللَّهِ أَزَلِيًّا عَلِمْنَا أَنَّ قُدْرَتَهُ أَزَلِيَّةٌ وَكَذَلِكَ سَائِرُ صِفَاتِهِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ يَحْدُثُ فِي ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى حَوَادِثُ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ ذَاتُهُ حَادِثًا لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ يَتَغَيَّرُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ وَالْمُتَغَيِّرُ لا يَكُونُ إِلَهًا، فَلَمَّا ثَبَتَ فِي الْعَقْلِ قِدَمُ اللَّهِ تَعَالَى وَأَزَلِيَّتُهُ ثُبُوتًا قَطْعِيًّا وَجَبَ أَنْ تَكُونَ صِفَاتُهُ أَزَلِيَّةً.

ثُمَّ إِنَّ عُلَمَاءَ أَهْلِ السُّنَّةِ قَالُوا تَجِبُ مَعْرِفَةُ الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ عَلَى وُجُودِ اللَّهِ فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ عَاصٍ، وَيَكْفِي أَنْ يَقُولَ الشَّخْصُ فِي قَلْبِهِ لَوْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ تَعَالَى مَوْجُودًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ لا يَحْتَاجُ لِغَيْرِهِ لَمْ يَحْدُثْ هَذَا الْعَالَمُ؛ وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الصِّفَاتِ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَّصِفًا بِهَا لَمْ يَحْدُثْ شَىْءٌ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ، وَالْعَالَمُ وُجُودُهُ مُشَاهَدٌ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بِإِيْجَادِ اللَّهِ.

وَمِنَ الأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ أَنْ يَقُولَ الشَّخْصُ فِي نَفْسِهِ أَنَا كُنْتُ بَعْدَ أَنْ لَمْ أَكُنْ وَمَا كَانَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ فَلا بُدَّ لَهُ مِنْ مُكَوِّنٍ، فَأَنَا لا بُدَّ لِي مِنْ مُكَوِّنٍ، وَذَلِكَ الْمُكَوِّنُ الَّذِي كَوَّنَنِي مَوْجُودٌ لا يُشْبِهُ شَيْئًا وَهُوَ الْمُسَمَّى اللَّه. وَمِنَ الدَّلِيلِ كَذَلِكَ أَنْ يُقَالَ الْعَالَمُ مُتَغَيِّرٌ وَكُلُّ مُتَغَيِّرٍ حَادِثٌ فَالْعَالَمُ حَادِثٌ وَالْحَادِثُ لا بُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ وَذَلِكَ الْمُحْدِثُ مَوْجُودٌ لا يُشْبِهُ شَيْئًا مُتَّصِفٌ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ، يُسْتَطَاعُ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يَأْتِنَا خَبَرُ الأَنْبِيَاءِ بِهِ لِذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ [فِي الْفِقْهِ الأَكْبَرِ] لا يُعْذَرُ أَحَدٌ بِالْجَهْلِ بِخَالِقِهِ،

فَعِنْدَهُ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَةُ الإِسْلامِ مُكَلَّفٌ بِمَعْرِفَةِ خَالِقِهِ فَإِذَا مَاتَ وَهُوَ جَاهِلٌ بِخَالِقِهِ دَخَلَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا، وَأَمَّا الْجُمْهُورُ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَقَالُوا لا يَكُونُ الْمَرْءُ مُكَلَّفًا إِلَّا بِبُلُوغِ دَعْوَةِ رَسُولٍ وَاسْتَدَلَّ هَؤُلاءِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [سُورَةَ الإِسْرَاء/15]. وَمِمَّا قَالَهُ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فِي الِاسْتِدْلالِ عَلَى وُجُودِ اللَّهِ مَا قَالَهُ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ وَهُوَ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ:[الْمُتَقَارِب]

أَلا إِنَّنَا كُلَّنَا بَائِدٌ وَأَيُّ بَنِي ءَادَمٍ خَالِدُ

فَيَا عَجَبًا كَيْفَ يُعْصَى الإِلَــــــهُ أَمْ كَيْفَ يَجْحَدُهُ الْجَاحِدُ

وَفِي كُلِّ تَحْرِيكَةٍ ءَايَةٌ وَفِي كُلِّ تَسْكِينَةٍ شَاهِدُ

وَفِي كُلِّ شَىْءٍ لَهُ ءَايَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ

وَقَوْلُ أَبِي نُوَاسٍ [أَيْ فِي شُعَرَاءِ الْعَصْرِ الْعَبَّاسِيِّ]: [الْوَافِر]

تَأَمَّلْ فِي رِيَاضِ الأَرْضِ وَانْظُـْر إِلَى ءَاثَارِ مَا صَنَعَ الْمَلِيكُ

عُيُونٌ مِنْ لُجَيْنٍ شَاخِصَاتٌ وَأَحْدَاقٌ لَهَا ذَهَبٌ سَبِيكُ

عَلَى قُضُبِ الزَّبَرْجَدِ شَاهِدَاتٌ بِأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ لَهُ شَرِيكُ

يَعْنِي النَّرْجِس.

هَذَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ كَالْحَافِظِ السُّيُوطِيِّ إِنَّ الْمُؤْمِنَ لا يَخْلُو عَنِ الِاسْتِدْلالِ الطَّبِيعِيِّ، وَقَالَ بَعْضٌ إِنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَخْلُوَ مِنْهُ إِلَّا مَنْ نَشَأَ فِي نَحْوِ شَاهِقِ جَبَلٍ، ثُمَّ هَذَا إِذَا سَمِعَ جَمَاعَةً يَقُولُونَ إِنَّ لِلْخَلْقِ رَبًّا خَلَقَهُمْ فَصَدَّقَ بِمَا سَمِعَ إِجْلالًا لَهُمْ عَنِ الْخَطَإِ مِنْ غَيْرِ اسْتِدْلالٍ مِنْهُ بِالْمَرَّةِ فَهَذَا هُوَ الْمُقَلِّدُ الصِّرْفُ، هَذَا إِذَا اعْتَقَدَ مَا سَمِعَهُ وَجَزَمَ بِهِ وَصَدَّقَ بِمَا سَمِعَهُ وَأَنَّهُ وُجِدَ شَخْصٌ يُسَمَّى مُحَمَّدًا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ، فَالْقَوْلُ الصَّحِيحُ فِيهِ أَنَّهُ مُسْلِمٌ خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ لا بُدَّ لِصِحَّةِ الإِسْلامِ مِنْ مَعْرِفَةِ الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَمَعْنَى أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ أَعْلَمُ وَأَعْتَقِدُ وَأَعْتَرِفُ أَنَّ مُحَمَّدَ بنَ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بنِ هَاشِمِ بنِ عَبْدِ مَنَافٍ الْقُرَشِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ إِلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ، وَيَتْبَعُ ذَلِكَ اعْتِقَادُ أَنَّهُ وُلِدَ بِمَكَّةَ وَبُعِثَ بِهَا وَهَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَدُفِنَ فِيهَا، وَيَتَضَمَّنُ ذَلِكَ أَنَّهُ صَادِقٌ فِي جَمِيعِ مَا أَخْبَرَ بِهِ وَبَلَّغَهُ عَنِ اللَّهِ فَمِنْ ذَلِكَ عَذَابُ الْقَبْرِ وَنَعِيمُهُ وَسُؤَالُ الْمَلَكَيْنِ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ وَالْبَعْثُ وَالْحَشْرُ وَالْقِيَامَةُ وَالْحِسَابُ وَالثَّوَابُ وَالْعَذَابُ وَالْمِيزَانُ وَالنَّارُ وَالصِّرَاطُ وَالْحَوْضُ وَالشَّفَاعَةُ وَالْجَنَّةُ وَالرُّؤْيَةُ لِلَّهِ تَعَالَى بِالْعَيْنِ فِي الآخِرَةِ بِلا كَيْفٍ وَلا مَكَانٍ وَلا جِهَةٍ أَيْ لا كَمَا يُرَى الْمَخْلُوقُ، وَالْخُلُودُ فِيهِمَا. وَالإِيـمَانُ بِمَلائِكَةِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَكُتُبِهِ وَبِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ وَأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَسَيِّدُ وَلَدِ ءَادَمَ أَجْمَعِينَ.

الشَّرْحُ أَنَّ مَعْنَى أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ أَعْلَمُ وَأَعْتَقِدُ وَأُصَدِّقُ وَأُؤْمِنُ بِأَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدَ بنَ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ إِلَى كَافَّةِ الْخَلْقِ، وَالْمُرَادُ بِالْخَلْقِ هُنَا الإِنْسُ وَالْجِنُّ، قَالَ تَعَالَى ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [سُورَةَ الْفُرْقَان/1] إِذْ هَذَا الإِنْذَارُ لِلإِنْسِ وَالْجِنِّ فَقَطْ لا دُخُولَ لِلْمَلائِكَةِ فِيهِ [كَمَا ذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الإِيـمَانِ] لِأَنَّهُمْ مَجْبُولُونَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ [أَيْ لا يَخْتَارُونَ إِلَّا الطَّاعَةَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ] فَلا يَحْتَاجُونَ إِلَى إِنْذَارٍ،

وَأَمَّا مَنْ قَبْلَهُ مِنَ الأَنْبِيَاءِ فَلَمْ يَكُنْ مُرْسَلًا إِلَى الإِنْسِ وَالْجِنِّ [وَلَيْسَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ غَيْرَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الأَنْبِيَاءِ لَمْ يَكُونُوا مَأْمُورِينَ بِتَبْلِيغِ غَيْرِ أَقْوَامِهِمْ بَلْ كُلُّ الأَنْبِيَاءِ كَانُوا يُبَلِّغُونَ أَقْوَامَهُمْ وَمَنِ اسْتَطَاعُوا مِنْ غَيْرِهِمْ، إِنَّمَا الْمَعْنَى أَنَّ جِبْرِيلَ لَمَّا كَانَ يَأْتِي إِلَى نَبِيٍّ مِنْهُمْ كَانَ يَقُولُ لَهُ أَنْتَ أُرْسِلْتَ إِلَى قَوْمِكَ وَلَمَّا أَتَى مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ أَنْتَ أُرْسِلْتَ لِلْعَالَمِينَ لِيَكُونَ فِي ذَلِكَ مَزِيَّةٌ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى غَيْرِهِ]، فَالإِيـمَانُ بِرِسَالَةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ هُوَ أَصْلُ مَعْنَى الشَّهَادَةِ الثَّانِيَةِ لَكِنَّهَا تَتَضَمَّنُ مَسَائِلَ كَثِيرَةً وَتَتْبَعُهَا أَحْكَامٌ عَدِيدَةٌ مِنْهَا :

كَوْنُهُ مِنْ قُرَيْشٍ وَهُمْ أَشْرَفُ قَبَائِلِ الْعَرَبِ لَهُمُ الصَّدَارَةُ بَيْنَ الْعَرَبِ.

وَوُجُوبُ مَعْرِفَةِ أنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُلِدَ بِمَكَّةَ وَبُعِثَ أَيْ نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ بِالنُّبُوَّةِ وَهُوَ بِهَا ثُمَّ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأَنَّهُ مَاتَ فِي الْمَدِينَةِ فَدُفِنَ فِيهَا.

وَأَنَّهُ صَادِقٌ فِي كُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى وَلا يُخْطِئُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَخْبَارِ مَنْ قَبْلَهُ مِنَ الأُمَمِ وَالأَنْبِيَاءِ وَبَدْءِ الْخَلْقِ أَوْ مِنَ التَّحْلِيلِ أَوِ التَّحْرِيْمِ لِبَعْضِ أَفْعَالِ وَأَقْوَالِ الْعِبَادِ، أَوْ مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ مِمَّا يَحْدُثُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْبَرْزَخِ وَفِي الآخِرَةِ وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [سُورَةَ النَّجْم] فَمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّهُ يُخْطِئُ فِي ذَلِكَ كَفَرَ، أَمَّا مَا يُخْبِرُ بِهِ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا بِغَيْرِ وَحْيٍ فَيَجُوزُ عَلَيْهِ الْخَطَأُ فِيهِ.

وَيَدْخُلُ فِيمَا يَجِبُ تَصْدِيقُهُ بِهِ جَزْمًا:

(1) عَذَابُ الْقَبْرِ: وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ عَرْضُ النَّارِ عَلَى الْكَافِرِ كُلَّ يَوْمٍ  مَرَّتَيْنِ مَرَّةً أَوَّلَ النَّهَارِ وَمَرَّةً ءَاخِرَ النَّهَارِ يَتَعَذَّبُ بِنَظَرِهِ وَرُؤْيَتِهِ لِمَقْعَدِهِ الَّذِي يَقْعُدُهُ فِي الآخِرَةِ، وَتَضْيِيقُ الْقَبْرِ عَلَيْهِ حَتَّى تَخْتَلِفَ أَضْلاعُهُ، فَالأَضْلاعُ الَّتِي فِي إِحْدَى الْجِهَتَيْنِ تَدْخُلُ فِي الأَضْلاعِ الَّتِي فِي الْجِهَةِ الأُخْرَى، وَبَعْضُ النَّاسِ يُسَلَّطُ عَلَيْهِمُ الثَّعَابِينُ، وَبَعْضُ النَّاسِ يَأْتِيهِمْ رِيحُ جَهَنَّمَ إِلَى الْقَبْرِ، وَكَذَلِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الِانْزِعَاجُ مِنَ ظُلْمَةِ الْقَبْرِ وَوَحْشَتِهِ،

وَضَرْبُ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ لِلْكَافِرِ بِمِطْرَقَةٍ بَيْنَ أُذُنَيْهِ؛ وَيَشْمَلُ ذَلِكَ مَا يَحْصُلُ لِبَعْضِ عُصَاةِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ مَاتُوا بِلا تَوْبَةٍ لا لِجَمِعِيهِمْ مِمَّا هُوَ دُونَ مَا يَحْصُلُ لِلْكَافِرِ كَضَغْطَةِ الْقَبْرِ حَتَّى تَخْتَلِفَ أَضْلاعُهُ فَهَذِهِ الضَّغْطَةُ تَحْصُلُ لِبَعْضِ عُصَاةِ الْمُسْلِمِينَ، أَمَّا الأَتْقِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ وَالأَطْفَالُ فَلا تَحْصُلُ لَهُمْ. وَلَمْ يَصِحَّ حَدِيثُ لَوْ نَجَا مِنْهَا أَحَدٌ لَنَجَا سَعْدٌ كَمَا حَكَمَ بِضَعْفِهِ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، فَسَعْدُ بنُ مُعَاذٍ كَانَ مِنْ أَكَابِرِ الأَوْلِيَاءِ وَاللَّهُ يَقُولُ ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [سُورَةَ يُونُس/62].

فَحَدِيثُ ضَغْطَةِ الْقَبْرِ عَلَى سَعْدِ بنِ مُعَاذٍ غَيْرُ ثَابِتٍ وَإِنْ صَحَّحَهُ بَعْضُ الْحُفَّاظِ لِأَنَّهُ خِلافُ مَضْمُونِ الآيَةِ الْمَذْكُورَةِ وَخِلافُ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهَا الضَّغْطَةُ عَلَى كُلِّ مَيِّتٍ إِنَّمَا الْمَذْكُورُ فِيهَا الْكَافِرُ الْمُعْلِنُ لِكُفْرِهِ وَالْمُنَافِقُ الَّذِي يُخْفِي كُفْرَهُ. وَمِثْلُهُ حَدِيثُ ضَغْطَةِ الصِّبْيَانِ فَإِنَّهُ لا يَصِحُّ فَالأَحَادِيثُ الْمُعَمِّمَةُ لِكُلِّ مَيِّتٍ سِوَى الأَنْبِيَاءِ لا تَصِحُّ وَهِيَ تُخَالِفُ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ «الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَسَنَتُهُ فَإِذَا فَارَقَ الدُّنْيَا فَارَقَ السِّجْنَ وَالسَّنَةَ» رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ لِأَنَّ هَذَا لا يَتَّفِقُ مَعَ ضَغْطَةِ  الْقَبْرِ عَلَى الْمُؤْمِنِ التَّقِيِّ، وَمَا ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ أَنَّ تِلْكَ الضَّغْطَةَ كَضَمَّةِ الأُمِّ لِطِفْلِهَا لا مَعْنَى لَهُ لِأَنَّ ضَغْطَةَ الأُمِّ لِطِفْلِهَا لَيْسَ فِيهَا إِيذَاءٌ .

(2) وَالإِيـمَانُ بِنَعِيمِ الْقَبْرِ فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ بِذَلِكَ أَيْضًا، وَمِنْهُ تَوْسِيعُ الْقَبْرِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا فِي سَبْعِينَ ذِرَاعًا عَلَى الْمُؤْمِنِ التَّقِيِّ وَمَنْ شَاءَ اللَّهُ لَهُ مِنْ غَيْرِ الأَتْقِيَاءِ كَبَعْضِ شُهَدَاءِ الْمَعْرَكَةِ مِمَّنِ اسْتُشْهِدُوا وَلَمْ يَكُونُوا أَتْقِيَاءَ، وَبَعْضُ النَّاسِ يَتَّسِعُ قَبْرُهُمْ مَدَّ الْبَصَرِ، وَمِنْهُ تَنْوِيرُهُ بِنُورٍ يُشْبِهُ نُورَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ وَغَيْرُ ذَلِكَ كَشَمِّ رَائِحَةِ الْجَنَّةِ.

(3) وَالإِيـمَانُ بِسُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ وَهُوَ يَحْصُلُ لِلْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ أَيِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُقَالُ لَهُمْ أُمَّةُ الدَّعْوَةِ، وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُمْ أُمَّةُ الإِجَابَةِ.

ثُمَّ الْمُؤْمِنُ الْكَامِلُ لا يَلْحَقُهُ فَزَعٌ وَلا انْزِعَاجٌ مِنْ سُؤَالِهِمَا لِأَنَّ اللَّهَ يُثَبِّتُ قَلْبَهُ فَلا يَرْتَاعُ مِنْ مَنْظَرِهِمَا الْمُخِيفِ لِأَنَّهُمَا كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ [حَدِيثِ ابْنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ] أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ بَلْ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُ بِرُؤْيَتِهِمَا وَسُؤَالِهِمَا، يَسْأَلانِهِ «مَنْ رَبُّكَ وَمَنْ نَبِّيُكَ وَمَا دِينُكَ» فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ «اللَّهُ رَبِّي وَمُحَمَّدٌ نَبِيِّي وَالإِسْلامُ دِينِي» .

وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا السُّؤَالِ الأَنْبِيَاءُ وَالطِّفْلُ وَشَهِيدُ الْمَعْرَكَةِ، وَالْمُرَادُ بِالطِّفْلِ مَنْ مَاتَ دُونَ الْبُلُوغِ، وَرُوِيَ أَنَّهُ يُسْتَثْنَى أَيْضًا مَنْ مَاتَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ أَوْ يَوْمَهَا [رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ] .

(4) وَالإِيـمَانُ بِالْبَعْثِ وَهُوَ خُرُوجُ الْمَوْتَى مِنَ الْقُبُورِ بَعْدَ إِعَادَةِ الْجَسَدِ الَّذِي أَكَلَهُ التُّرَابُ إِنْ كَانَ مِنَ الأَجْسَادِ الَّتِي يَأْكُلُهَا التُّرَابُ وَهِيَ أَجْسَادُ غَيْرِ الأَنْبِيَاءِ وَشُهَدَاءِ الْمَعْرَكَةِ، وَكَذَلِكَ بَعْضُ الأَوْلِيَاءِ لا يَأْكُلُ التُّرَابُ أَجْسَادَهُمْ لِمَا تَوَاتَرَ مِنْ مُشَاهَدَةِ ذَلِكَ وَمِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَمْرٍو وَالِدُ جَابِرٍ وَكَثِيرٌ غَيْرُهُ مِنَ السَّلَفِ وَمِمَّنْ بَعْدَ السَّلَفِ كَالْحَافِظِ أَبِي عَمْرِو ابْنِ الصَّلاحِ فَقَدْ حَدَّثَنِي الشَّيْخُ سُهَيْلٌ الزَّبِيبِيُّ عَنْ عَبْدِ الْعَالِ [كَانَ مُوَظَّفًا فِي وِزَارَةِ الأَوْقَافِ] الدِّمَشْقِيَّيْنِ أَنَّهُ شَاهَدَ جُثَّةَ الْحَافِظِ ابْنِ الصَّلاحِ صَحِيحَةً لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْهَا شَىْءٌ وَقَدْ مَضَى عَلَى وَفَاتِهِ أَكْثَرُ مِنْ ثَمَانِمِائَةِ سَنَةٍ .

(5) وَالإِيـمَانُ بِالْحَشْرِ وَهُوَ أَنْ يُجْمَعُوا وَيُسَاقُوا بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى الْمَحْشَرِ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ الشَّامُ ثُمَّ يُنْقَلُونَ عِنْدَ دَكِّ الأَرْضِ إِلَى ظُلْمَةٍ عِنْدَ الصِّرَاطِ ثُمَّ يُعَادُونَ إِلَى الأَرْضِ الْمُبَدَّلَةِ فَيَكُونُ الْحِسَابُ عَلَيْهَا.

(6) وَالإِيـمَانُ بِالْقِيَامَةِ وَأَوَّلُهَا مِنْ خُرُوجِ النَّاسِ مِنْ قُبُورِهِمْ إِلَى اسْتِقْرَارِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ فِي النَّارِ، وَقَدْ تُطْلَقُ الآخِرَةُ عَلَى ذَلِكَ وَعَلَى مَا بَعْدَهُ إِلَى مَا لا نِهَايَةَ لَهُ .

وَيَوْمُ الْقِيَامَةِ هُوَ يَوْمٌ يَفْنَى فِيهِ مَنْ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ، وَتُدَكُّ هَذِهِ الأَرْضُ دَكًّا بَعْدَ نُشُورِ الْمَوْتَى مِنْهَا، وَهَذِهِ الْجِبَالُ تَصِيرُ غُبَارًا نَاعِمًا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [سُورَةَ النَّمْل/88] إِلَّا مَا كَانَ مِنْ جَبَلِ أُحُدٍ فَإِنَّهُ يُنْقَلُ إِلَى الْجَنَّةِ [عَزَاهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي إِلَى أَحْمَدَ بِإِسْنَادٍ ثَابِتٍ]، وَالسَّمَوَاتُ تَتَشَقَّقُ وَالْبِحَارُ تَشْتَعِلُ نَارًا، ثُمَّ بَعْدَ أَنْ تُبَدَّلَ الأَرْضُ غَيْرَهَا فَتَكُونُ قَاعًا مُسْتَوِيَةً كَالأَدِيمِ الْمَمْدُودِ لا يُوجَدُ فِيهَا جِبَالٌ وَلا وِهَادٌ يُعِيدُ اللَّهُ الْبَشَرَ إِلَيْهَا وَيَقْضِي بَيْنَهُمْ.

(7) وَالإِيـمَانُ بِالْحِسَابِ وَهُوَ عَرْضُ أَعْمَالِ الْعِبَادِ عَلَيْهِمْ يُعْرَضُ عَلَيْهِمْ مَا عَمِلُوا فِي الدُّنْيَا .

(8) وَالثَّوَابُ وَالْعَذَابُ، أَمَّا الثَّوَابُ فَهُوَ الْجَزَاءُ الَّذِي يَجْزِيهِ اللَّهُ الْمُؤْمِنَ فِي الآخِرَةِ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ مِمَّا يَسُرُّهُ، وَأَمَّا الْعَذَابُ الأُخْرَوِيُّ فَهُوَ مَا يَسُوءُ الْعَبْدَ ذَلِكَ الْيَوْمَ مِنْ دُخُولِ النَّارِ وَمَا دُونَ ذَلِكَ مِنَ الْعُقُوبَاتِ كَوَطْءِ بَعْضِ الْبَهَائِمِ بِأَقْدَامِهَا مَنْ كَانَ لا يُزَكِّيهَا فِي الدُّنْيَا لِأَنَّ هَذَا يَكُونُ فِي الْقِيَامَةِ.

(9) وَالإِيـمَانُ بِالْمِيزَانِ أَيْ مَا يُوزَنُ عَلَيْهِ أَعْمَالُ الْعِبَادِ، وَالَّذِي يَزِنُ الأَعْمَالَ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ، وَالَّذِي يُوزَنُ هُوَ صَحَائِفُ الأَعْمَالِ وَقِيلَ الْمَوْزُونُ الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ، فَالْكَافِرُ لَيْسَ لَهُ حَسَنَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّمَا تُوضَعُ سَيِّئَاتُهُ فِي كَفَّةٍ مِنَ الْكَفَّتَيْنِ، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَتُوضَعُ حَسَنَاتُهُ فِي كَفَّةٍ وَسَيِّئَاتُهُ فِي الْكَفَّةِ الأُخْرَى .

(10) وَالإِيـمَانُ بِالنَّارِ أَيْ جَهَنَّمَ أَيْ بِأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ الآنَ وَلا تَزَالُ بَاقِيَةً إِلَى مَا لا نِهَايَةَ لَهُ، هَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ، وَلَيْسَ الأَمْرُ كَمَا يَقُولُ ابْنُ تَيْمِيَةَ إِنَّهَا تَفْنَى لا يَبْقَى فِيهَا أَحَدٌ [قَالَهُ فِي كِتَابِهِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ قَالَ بِفَنَاءِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَيِّمِ عَنْهُ فِي كِتَابِهِ حَادِي الأَرْوَاحِ]، وَقَدْ قَالَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ مِنْهَاجُ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ:

اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى بَقَاءِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ جَهْمُ بنُ صَفْوَانَ فَكَفَّرَهُ الْمُسْلِمُونَ اهـ هَذَا مَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِهِ مِنْهَاجُ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ النَّارُ تَفْنَى وَلا يَبْقَى فِيهَا أَحَدٌ فَكَمَا كَفَّرَ هُوَ جَهْمًا لِقَوْلِهِ بِأَنَّ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ تَفْنَيَانِ يُكَفَّرُ هُوَ لِقَوْلِهِ بِفَنَاءِ النَّارِ لِأَنَّهُ تَكْذِيبٌ لِلنَّصِّ الْقُرْءَانِيِّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ [سُورَةَ الأَحْزَاب]، كَذَّبَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. وَلِلإِمَامِ السُّبْكِيِّ رَدٌّ عَلَى ابْنِ تَيْمِيَةَ سَمَّاهُ الِاعْتِبَار بِبَقَاءِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ.

وَجَهَنَّمُ دَارُ الْعَذَابِ الْمُقِيمِ لِلْكَافِرِينَ لا يَخْرُجُونَ مِنْهَا أَبَدًا، وَأَمَّا بَعْضُ الْعُصَاةِ فَيُعَذَّبُونَ فِيهَا بُرْهَةً ثُمَّ يُخْرَجُونَ مِنْهَا. وَمَا يَذْكُرُهُ بَعْضُ الْمُنْتَسِبِينَ لِلتَّصَوُّفِ مِنْ أَنَّ الْكُفَّارَ يَتَلَذَّذُونَ بِالنَّارِ وَلا يَرْضَوْنَ الْخُرُوجَ مِنْهَا فَهُوَ بَاطِلٌ. فِي الشَّامِ كَانَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ الشَّيْخُ يَحْيَى الصَّبَاغ أَهْلُ الشَّامِ كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ كَانَ يَدَّعِي التَّصَوُّفَ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي مَجْلِسٍ وَكُنَّا سِتَّةَ أَنْفُسٍ تَقْرِيبًا هَلْ فِينَا غَرِيبٌ أَحْكِي لَكُمْ شَيْئًا أَهْلُ النَّارِ يَتَلَذَّذُونَ بِهَا بِحَيْثُ لا يَرْضَوْنَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا، هَذَا الرَّجُلُ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ كَانَ إِذَا لَقِيَهُ شَخْصٌ فِي الطَّرِيقِ فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ يَضَعُ إِصْبَعَهُ فِي صَدْرِهِ أَوْ بَطْنِهِ وَيَقُولُ لا تَخَفْ أَنْتَ فِيكَ اللَّهُ وَمَعَ ذَلِكَ أَهْلُ دِمَشْقَ كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ.

(11) وَالإِيـمَانُ بِالصِّرَاطِ وَهُوَ جِسْرٌ يُمَدُّ عَلَى ظَهْرِ جَهَنَّمَ فَيَرِدُهُ النَّاسُ، أَحَدُ طَرَفَيْهِ فِي الأَرْضِ الْمُبَدَّلَةِ وَالطَّرَفُ الآخَرُ فِيمَا يَلِي الْجَنَّةَ بَعْدَ النَّارِ فَيَمُرُّ النَّاسُ فِيمَا يُسَامِتُ [أَيْ يُحَاذِي] الصِّرَاطَ، فَالْمُؤْمِنُونَ فِي ذَلِكَ عَلَى قِسْمَيْنِ.

قِسْمٌ لا يَدُوسُونَ الصِّرَاطَ إِنَّمَا يَمُرُّونَ فِي هَوَائِهِ طَائِرِينَ، وَهَؤُلاءِ يَصْدُقُ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ وَرَدُوهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْوُرُودِ الْمَذْكُورِ فِي الْقُرْءَانِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ مِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [سُورَةَ مَرْيَم/71] دُخُولُهَا.

وَقِسْمٌ يَدُوسُونَهُ، ثُمَّ هَؤُلاءِ قِسْمٌ مِنْهُمْ يُوقَعُونَ فِيهَا وَقِسْمٌ يُنْجِيهُمُ اللَّهُ فَيَخْلَصُونَ مِنْهَا.

وَهُوَ دَحْضٌ مَزَلَّةٌ مَعْنَاهُ لا تَثْبُتُ عَلَيْهِ الأَقْدَامُ أَيْ أَمْلَسُ، وَهُوَ مُخَوِّفٌ مِنْ شِدَّةِ صُعُوبَتِهِ، قَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ عَنِ الصِّرَاطِ بَلَغَنَا أَنَّهُ أَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ وَأَدَقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ]، وَلَمْ يَرِدْ نَصٌّ صَرِيحٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ. وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ وَصْفُ خَطَرِهِ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ دَقِيقًا كَالشَّعْرَةِ إِنَّمَا هُوَ عَرِيضٌ لَكِنَّهُ شَىْءٌ مُخَوِّفٌ يُخَافُ الِانْزِلاقُ مِنْهُ لِأَنَّهُ أَمْلَسُ.

(12) وَالإِيـمَانُ بِالْحَوْضِ وَهُوَ مَكَانٌ أَعَدَّ اللَّهُ فِيهِ شَرَابًا لِأَهْلِ الْجَنَّةِ يَشْرَبُونَ مِنْهُ بَعْدَ عُبُورِ الصِّرَاطِ قَبْلَ دُخُولِ الْجَنَّةِ فَلا يُصِيبُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ ظَمَأٌ، وَإِنَّمَا يَشْرَبُونَ مِنْ شَرَابِ الْجَنَّةِ تَلَذُّذًا.

(13) وَالإِيـمَانُ بِالشَّفَاعَةِ وَهِيَ تَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ فَقَطْ، فَالأَنْبِيَاءُ يَشْفَعُونَ وَكَذَلِكَ الْعُلَمَاءُ الْعَامِلُونَ وَشُهَدَاءُ الْمَعْرِكَةِ وَالْمَلائِكَةُ. وَالشَّفَاعَةُ هِيَ طَلَبُ الْخَيْرِ مِنَ الْغَيْرِ لِلْغَيْرِ أَيْ أَنَّ الشُّفَعَاءَ يَطْلُبُونَ مِنَ اللَّهِ إِسْقَاطَ الْعِقَابِ لِبَعْضِ الْعُصَاةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ فَسَّرَ أَهْلُ السُّنَّةِ الشَّفَاعَةَ الأُخْرَوِيَّةَ بِإِسْقَاطِ الْعِقَابِ وَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ قَبْلَ دُخُولِ النَّارِ وَقَدْ يَكُونُ بَعْدَهُ. وَذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الشَّفَاعَةَ لِرَفْعِ الدَّرَجَةِ.

وَسَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْتَصُّ بِالشَّفَاعَةِ الْعُظْمَى وَهِيَ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الْخَلْقِ أَيْ لِتَخْلِيصِهِمْ مِنَ الِاسْتِمْرَارِ فِي حَرِّ الشَّمْسِ فِي الْمَوْقِفِ [تَخْلِيصُهُمْ مِنَ الِاسْتِمْرَارِ فِي حَرِّ الشَّمْسِ هُوَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيَنْتَقِلُ مِنْ عَذَابٍ إِلَى عَذَابٍ أَشَدَّ]. وَقَدْ سُمِّيَتِ الشَّفَاعَةَ الْعُظْمَى لِأَنَّهَا لا تَخْتَصُّ بِأُمَّتِهِ فَقَطْ بَلْ يَنْتَفِعُ بِهَذِهِ الشَّفَاعَةِ غَيْرُ أُمَّتِهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لِأَنَّ الْعَذَابَ أَنْوَاعٌ لَيْسَ الْعَذَابُ بِدُخُولِ النَّارِ فَقَطْ بَلْ تَسْلِيطُ الشَّمْسِ عَلَيْهِمْ وَهُمْ فِي الْمَوْقِفِ عَذَابٌ،

وَالْفَضِيحَةُ هُنَاكَ فِي ذَلِكَ الْمَشْهَدِ عَذَابٌ فَبَعْضُ الْمُسْلِمِينَ يُفْضَحُونَ يُنَادِي عَلَيْهِمُ الْمَلَكُ هَذَا فُلانُ ابْنُ فُلانٍ عَمِلَ كَذَا لِأَنَّ الْخَلْقَ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وُقُوفٌ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَهُمْ بِصَرْفِهِمْ إِلَى الْجَنَّةِ أَوْ إِلَى النَّارِ حَتَّى يَقُولَ الْكَافِرُ مِنْ شِدَّةِ الْبُؤْسِ الَّذِي يُقَاسِيهِ مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ يَا رَبِّ أَرِحْنِي وَلَوْ إِلَى النَّارِ. عِنْدَئِذٍ يَقُولُ النَّاسُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ تَعَالَوْا لِنَذْهَبَ إِلَى أَبِينَا ءَادَمَ لِيَشْفَعَ لَنَا إِلَى رَبِّنَا فَيَأْتُونَ إِلَى ءَادَمَ يَقُولُونَ يَا ءَادَمُ أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ - أَيْ أَنَّهُ لَهُ عِنَايَةٌ بِكَ - وَأَسْجَدَ لَكَ مَلائِكَتَهُ فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّنَا،

فَيَقُولُ لَهُمْ لَسْتُ فُلانًا اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ، فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَطْلُبُونَ مِنْهُ، ثُمَّ يَقُولُ لَهُمْ ائْتُوا إِبْرَاهِيمَ، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ ثُمَّ إِبْرَاهِيمُ يَقُولُ لَهُمْ لَسْتُ فُلانًا، مَعْنَاهُ أَنَا لَسْتُ صَاحِبَ هَذِهِ الشَّفَاعَةِ، فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُ لَهُمْ لَسْتُ فُلانًا فَيَقُولُ لَهُمْ ائْتُوا عِيسَى فَيَقُولُ لَهُمْ عِيسَى لَسْتُ فُلانًا وَلَكِنِ اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ فَيَأْتُونَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَسْجُدُ النَّبِيُّ لِرَبِّهِ فَيُقَالُ لَهُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ وَسَلْ تُعْطَ [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ]. هَذِهِ تُسَمَّى الشَّفَاعَةَ الْعُظْمَى لِأَنَّهَا عَامَّةٌ، ثُمَّ هُنَاكَ شَفَاعَاتٌ أُخْرَى لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَلا تَكُونُ شَفَاعَةُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ إِلَّا لِمَنْ ءَامَنَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِابْنَتِهِ فَاطِمَةَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ: «يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتِ لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا» [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ] مَعْنَاهُ لا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُنْقِذَكِ مِنَ النَّارِ إِذَا لَمْ تَكُونِي مُؤْمِنَةً، فِي الدُّنْيَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَنْفَعَكِ بِمَالِي أَمَّا فِي الآخِرَةِ لا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَنْفَعَكِ إِنْ لَمْ تَدْخُلِي فِي دَعْوَةِ الإِسْلامِ .

وَلْيُحْذَرْ مِمَّا وَرَدَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الإِحْسَانِ فِي تَرْتِيبِ ابْنِ حِبَّانَ السَّقِيمَةِ أَنَّ كُلًّا مِنْ هَؤُلاءِ الأَنْبِيَاءِ الْخَمْسَةِ يَقُولُ عِنْدَمَا يُطْلَبُ مِنْهُ الشَّفَاعَةُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَطْرَحَنِي اللَّهُ فِي النَّارِ لِأَنَّ نِسْبَةَ هَذَا لِنَبِيٍّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ كُفْرٌ لِأَنَّ النَّبِيَّ لا يَظُنُّ بِرَبِّهِ أَنَّهُ يَطْرَحُهُ فِي النَّارِ، فَمَا ذُكِرَ فِي كِتَابِ الإِحْسَانِ لِابْنِ بَلْبَانَ فَهُوَ بَاطِلٌ .

(14) وَالإِيـمَانُ بِالْجَنَّةِ وَهِيَ دَارُ السَّلامِ أَيْ دَارُ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ الدَّائِمِ، وَالنَّعِيمُ فِيهَا قِسْمَانِ نَعِيمٌ لا يَنَالُهُ إِلَّا الأَتْقِيَاءُ، وَنَعِيمٌ يَنَالُهُ كُلُّ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمِنْ هَذَا النَّعِيمِ الْعَامِّ أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ كُلَّهُمْ شَبَابٌ لا يَهْرَمُونَ أَبَدًا وَكُلَّهُمْ أَصِحَّاءُ لا يَسْقَمُونَ وَلا يَمْرَضُونَ أَبَدًا وَكُلَّهُمْ فِي سُرُورٍ لا يُصِيبُهُمْ هَمٌّ وَحُزْنٌ وَنَكَدٌ وَكَرْبٌ، وَكُلَّهُمْ يَبْقَوْنَ أَحْيَاءً فِي نَعِيمٍ دَائِمٍ لا يَمُوتُونَ أَبَدًا.

(15) وَالإِيـمَانُ بِالرُّؤْيَةِ لِلَّهِ تَعَالَى بِالْعَيْنِ فِي الآخِرَةِ بِأَنَّهَا حَقٌّ، وَهِيَ خَاصَّةٌ بِالْمُؤْمِنِينَ [لَكِنْ أَهْلُ الْفَتْرَةِ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمْ لا يَرَوْنَ اللَّهَ فِي الْجَنَّةِ إِنَّمَا يَرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ فَقَطْ] يَرَوْنَهُ وَهُمْ فِي الْجَنَّةِ بِلا كَيْفٍ وَلا تَشْبِيهٍ وَلا جِهَةٍ كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [قَالَهُ فِي كِتَابِهِ الْوَصِيَّةِ وَذَكَرَهُ مُلَّا عَلِي الْقَارِي فِي شَرْحِ الْفِقْهِ الأَكْبَرِ]، أَيْ أَنَّهُ تَعَالَى لا يَكُونُ فِي جِهَةٍ وَلا مَكَانٍ إِنَّمَا هُمْ فِي مَكَانِهِمْ فِي الْجَنَّةِ يَرَوْنَهُ رُؤْيَةً لا يَكُونُ عَلَيْهِمْ فِيهَا اشْتِبَاهٌ لا يَشُكُّونَ هَلِ الَّذِي رَأَوْهُ هُوَ اللَّهُ أَمْ غَيْرُهُ كَمَا لا يَشُكُّ مُبْصِرُ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ أَنَّ الَّذِي رَءَاهُ هُوَ الْقَمَرُ،

فَفِي ذَلِكَ قَالَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لا تَضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ [فِي صَحِيحِهِ] أَيْ لا تَتَزَاحَمُونَ فِي رُؤْيَتِهِ وَفِي رِوَايَةٍ «لا تُضَامُونَ» [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ] أَيْ لا يَلْحَقُكُمْ ضَرَرٌ. شَبَّهَ رُؤْيَتَنَا لَهُ مِنْ حَيْثُ عَدَمُ الشَّكِّ بِرُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَلَمْ يُشَبِّهِ اللَّهَ تَعَالَى بِالْقَمَرِ كَمَا يَزْعُمُ بَعْضُ الْجُهَّالِ فَإِنَّهُمْ إِذَا ذُكِرَ لَهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ يَتَوَهَّمُونَ أَنَّ اللَّهَ يُشْبِهُ الْقَمَرَ وَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ الْعَوَامِّ بِذَلِكَ،

رَجُلٌ كَبِيرٌ فِي طَرَابُلُسَ ذَكَرْتُ أَمَامَهُ تَنْزِيهَ اللَّهِ عَنِ الْحَدِّ وَالْكَيْفِ فِي دَرْسٍ وَقُلْتُ اللَّهُ لا يُشْبِهُ الشَّمْسَ اللَّهُ لا يُشْبِهُ الْقَمَرَ فَقَالَ أَلَيْسَ قَالَ الرَّسُولُ إِنَّهُ يُشْبِهُ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، قُلْتُ لَهُ أَنْتَ تَوَهَّمْتَ الرَّسُولُ مَا قَالَ ذَلِكَ، قُلْتُ لَهُ هَذَا كُفْرٌ تَشَهَّدْ فَتَشَهَّدَ. الَّذِي لَمْ يَتَعَلَّمِ التَّوْحِيدَ إِذَا سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ قَدْ يَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ يُشْبِهُ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ.

(16) وَالإِيـمَانُ بِالْخُلُودِ فِيهِمَا، فَيَجِبُ الإِيـمَانُ بِأَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَخْلُدُونَ فِي الْجَنَّةِ وَأَهْلَ النَّارِ يَخْلُدُونَ فِيهَا، وَأَنَّهُ لا مَوْتَ بَعْدَ ذَلِكَ .

(17) وَالإِيـمَانُ بِمَلائِكَةِ اللَّهِ أَيْ بِوُجُودِهِمْ وَأَنَّهُمْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ، وَهُمْ أَجْسَامٌ نُورَانِيَّةٌ لَطِيفَةٌ [لَهُمْ أَرْوَاحٌ] أَلْطَفُ مِنَ الْهَوَاءِ لَيْسُوا ذُكُورًا وَلا إِنَاثًا لا يَأْكُلُونَ وَلا يَشْرَبُونَ وَلا يَنَامُونَ وَلا يَتَوَالَدُونَ، لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ .

(18) وَالإِيـمَانُ بِرُسُلِهِ أَيْ أَنْبِيَائِهِ مَنْ كَانَ رَسُولًا وَمَنْ لَمْ يَكُنْ رَسُولًا، فَالنَّبِيُّ غَيْرُ الرَّسُولِ هُوَ إِنْسَانٌ أُوحِيَ إِلَيْهِ لا بِشَرْعٍ جَدِيدٍ بَلْ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِاتِّبَاعِ شَرْعِ الرَّسُولِ الَّذِي قَبْلَهُ وَأَنْ يُبَلِّغَ ذَلِكَ، وَالرَّسُولُ مَنْ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِشَرْعٍ جَدِيدٍ أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ. وَمِنَ الْغَلَطِ الشَّنِيعِ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ مَنْ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِشَرْعٍ وَلَمْ يُؤْمَرْ بِتَبْلِيغِهِ، هَذَا كَلامٌ شَنِيعٌ كَيْفَ يُنَبَّأُ ثُمَّ لا يُؤْمَرُ بِالتَّبْلِيغِ وَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يُنَبَّأَ النَّبِيُّ لِنَفْسِهِ فَقَطْ، فَمَا أَشْنَعَ هَذِهِ الْغَلْطَةَ، وَهَذِهِ الْغَلْطَةُ مَوْجُودَةٌ فِي تَفْسِيرِ الْجَلالَيْنِ وَفِي كُتُبٍ عَدِيدَةٍ .

وَأَوَّلُ مَنْ أُرْسِلَ إِلَى الْكُفَّارِ سَيِّدُنَا نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ أَيْ بَعْدَ حُدُوثِ الْكُفْرِ بَيْنَ الْبَشَرِ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ نَبِيٌّ وَلا رَسُولٌ بَلْ كَانَ ءَادَمُ نَبِيًّا رَسُولًا كَمَا يَشْهَدُ لِنُبُوَّتِهِ حَدِيثُ التِّرْمِذِيِّ «ءَادَمُ فَمَنْ سِوَاهُ مِنَ الأَنْبِيَاءِ تَحْتَ لِوَائِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ [وَأَخْرَجَهُ فِي سُنَنِهِ]، وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ذَلِكَ وَعُرِفَ هَذَا الأَمْرُ بَيْنَهُمْ بِالضَّرُورَةِ فَمَنْ نَفَى نُبُوَّتَهُ فَهُوَ كَافِرٌ بِالإِجْمَاعِ كَمَا فِي مَرَاتِبِ الإِجْمَاعِ.

وَمَرَاتِبُ الإِجْمَاعِ كِتَابٌ أَلَّفَهُ ابْنُ حَزْمٍ يَقُولُ فِيهِ مَنْ شَكَّ فِي هَذِهِ الأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّهَا مُجْمَعٌ عَلَيْهَا يَكْفُرُ. فَالَّذِي يَشُكُّ فِي نُبُوَّةِ ءَادَمَ أَوْ فِي كُفْرِ الشَّاكِّ فِيهِ كَافِرٌ وَالَّذِي يَشُكُّ فِي رِسَالَتِهِ أَيْضًا كَافِرٌ [هَذَا يُحْمَلُ عَلَى الْوَجْهِ الآخَرِ لِتَعْرِيفِ الرَّسُولِ أَيْ عَلَى كَوْنِهِ مَنْ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِشَرْعٍ جَدِيدٍ]. وَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ بَعْضِ الْوَهَّابِيَّةِ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّ ءَادَمَ لَيْسَ نَبِيًّا.

(19) وَالإِيـمَانُ بِالْكُتُبِ، وَهِيَ كَثِيرَةٌ لَكِنْ أَشْهَرُهَا هَؤُلاءِ الأَرْبَعُ التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ وَالزَّبُورُ وَالْفُرْقَانُ أَيِ الْقُرْءَانُ، قَالَ وَهْبُ بنُ مُنَبِّهٍ [هو أبو عبد اللَّه وهب بن منبه اليماني الصنعاني، أصله من خراسان من أهل هراة أخرج كسرى والده من هراة إلى اليمن فأسلم في عهد النبي فحسن إسلامه فسكن ولده باليمن، ولد وهب في زمن عثمان رضي اللَّه عنه سنه أربع وثلاثين، قال العجلي وغيره: تابعي ثقة] قَرَأْتُ بِضْعَةً وَسَبْعِينَ كِتَابًا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ.